(٥)
لا إله إلا الله
شعار الوجود لها على ما هو
وشعار الفطرة بها على ما هي
حديث الجمعة
١٢ رجب ١٣٨٥ هـ - ٥ نوفمبر ١٩٦٥ م
أعوذ بالله لكريم معانينا من الشيطان الرجيم لخاملنا بمبانينا.
أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس من الخصيم الفتان فينا، وأحمد الله الرحيم المنان يوالينا فالحمد لله ظاهرا وباطنا. ظاهرا بوجهه برسوله بنا وباطنا بربه في أنفسنا لنا.
أحمد رب العالمين لا يحتجب بالوجود قائمه، ولا بالرسالة عالِمه. مالك يوم الدين لا يتعطل حكمه ولا يغيب قائم حاكمه…
وأحمده الوجود، أسعده لشهوده، ووجها له ظاهرا به. وأحمد الرسول في كل من تحدث منه لسانا له…
أشهد أنه لا إله إلا الله، شهادة موحد له، مؤمن به، قائم في وحدانيته معترف مقر لقائم أحديته، مجاهد نفسه لواحديته، ساريا إلى أحده لأحديته، طامعا في تحقيق وصلته، بلا إله إلا الله، في ركب لا إله إلا الله، إلى السعادة بلا إله إلا الله، خروجا من الشقاء في جحودها وحرمان وجودها.
يتساءل الإنسان متى كانت لا إله إلا الله؟ ومتى رفع شعار لا إله إلا الله للوجود؟ ومتى دخل الوجود في لا إله إلا الله؟ وهل خرج الوجود عن لا إله إلا الله؟ وهل غاب الوجود عن لا إله إلا الله، أو غابت لا إله إلا الله عن الوجود؟ وهل تواجد الوجود بغير لا إله إلا الله أو بعيدا عنها؟
إن لا إله إلا الله، هي شعار الفطرة، وشعار الإنسان، وشعار المؤمـن، وشعار الإيمان، وشعار المعرفة وشعار العِلم، وشعار الرسالة لكل مُعلِم، وشعار الدين، وشعار اليقين، وشعار الطريق.
فما عَرف عَارف يوم عرف، إلا لا إله إلا الله، وما غفل غافل يوم غفـل، إلا عن شعاره لنفسه بلا إله إلا الله تفريطا منه في أمر الله به لأمر الله له. وما هلك هالك يوم هلك، إلا يوم أنكر على لا إله إلا الله لقائمه وقيومه. وما حيا حيٌّ يوم حيا، إلا يوم دخل حصن لا إله إلا الله فنطق وعمل بها لسانا ويدا لكليّ الوجود.
فلا إله إلا الله، كما هي للوجود على ما هو شعار الفطرة على ما هي، هي العِلم عن الفطرة، بالعِلم عن صبغة الله للوجود، يوم يكسب الإنسان الوجود، فيكون فطرة الوجود، وصبغة الموجد، يكون اسما لله، يكون وجها لله، يكون جارحة في ذات الله، بموجود خلق الله له. عَلَمُ ذاته في وحدانيته بهم فيه. أعلام صفاته، بقيوميته عليهم، يوم تخلقهم بخُلقه، لجوهر حقيقتهم، بمعانيهم، بموصوف أوانيهم لخلقيتهم لقائم وأبدي خلقه.
الله وإنسانه قلب القلوب، وقلوب الهياكل… فلا إله إلا الله عِلم… ولا إله إلا الله دين… ولا إله إلا الله سلوك وطريق… ولا إله إلا الله عقيدة… ولا إله إلا اللـه مجاهدة، ولا تقوم المجاهدة، بلا إله إلا اللـه، في لا إله إلا الله، إلى لا إله إلا الله، إلا يوم يقوم العِلم بلا إله إلا الله، ويوم يقوم العِلم بلا إله إلا الله، يقوم الدين، بها عند قائمه فيـه.
فلا دين بغير عِلم، ولا عِلم بغير نظر، ولا نظر بغير مجاهدة، ولا مجاهدة بغير غاية، ولا غاية بغير طلب، ولا طلب بغير استقامة مع المطلوب وصفاء مع كل طالب، فقيام الوحدة للطالب مع الطالب هي باب وطريق الوحدة، بين الطالب والمطلوب. وبقيام الوحدة مع المطلـوب، تنقضي صفة الطلب عن الطالب. وتقوم فيه صفة المطلوب لأناه بحقه عند نفسه لحق عبده بالوجود لصفة الطالب.
(إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار) [١]، بما تسمونه الموت، وأنتم اليوم في هياكلكم، أرواح في دورها، فما تحررت الأرواح من سجنها، وطافت حول عوالمها بالأشباح، فمُكِّنَت، بتحررها من الطريق إلى الأعلى، روح روحها، وقائم سبحها وسبوحها، مُكنت المعاني من أرض المباني، فتطورت المباني، وتعالت وعَلـت المعاني، ففي أطوار مبانيها، وعلو معانيها، تتغير من دار إلى دار، إلى فردوس مبناها، لمرضِي معناها.
(هذا الدين القيم، أوغل فيه برفق)[٢]، لا تندفع، حتى ترهق، فتزهق فترتد فتنبت فتنقطع، (إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)[٣]، إن الدين… إن الطريق هي الحياة، وهي سبيل التواجد بموجود الوجود.
فلا دين يوم لا طريق، ولا طريق يوم لا مسير، ولا مسير يوم لا مجاهدة، ولا مجاهدة يوم لا عِلم، ولا عِلم، يوم لا رفيق، (ابحث عن الصديق قبل الطريق)[٤]، فلا طريق بلا صديق، ولا صديق، لمعنى رفيق، وأنت لست بصدِّيق.
تشتيت وتجميع، توحيد وتعديد، وجود وإيجاد، إيجاد وتواجد بالموجود أسْكَن في الليل دواب الليل، كما أسكن في النهار دواب النهار، وجعل لـه حجبا من النور كما جعل له حجبا من الظلام، وجعـل في داره من الأرض رواسي أن تميد بهم، أعلاما بها بلا كلام، كما جعل فيها كتبا وأقلاما، تتحدث عن الأعلام، وتقوم بالإعلام، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، عبادا لله، وحقائق له، يمشون على الأرض، إعلاما عمن يمشون فوق السماوات، إعلاما ظاهرا لباطن، أعلام الأرض وأعلام السماء، وجودا لواجب الوجود في القيام المنفرد بالشهود، والأعلام والإعلام.
أينما نولي فوجهه، وكيفما نقوم فأمره، نتواجد به في حجب ظلامه، كما نتواجد به في حجب نوره… هو ليل سكينتنا يوم نتواجد في حجاب الظلام مؤمنين بالغيـب، وهو نور معرفتنا يوم نتواجد كتبا له وأعلاما عليه في حجاب النور موقنين بالشهود وبالوجود.
نجتمع من شتات، يوم يجتمع وجودنا بنوره لنهاره، على وجودنا بليله، في حجاب ظلامه، حتى لا تفوتنا المعرفة عنه في المعرفة عنا، على ما أراد لنا في معراج تطورنا، لنحيط بنا بشيء من عِلمه عنا، في عِلمنا عنه بنا، بما قام في عَلم الوجود لنا، بأعلامنا له، لمعلومنا لنا، دخولا في لا إله إلا الله، هي شعارنا له، ونحن شعارها لنا، ولمن أرادها لنفسه معنا.
علِمنا عنه في عِلمنا عنا، لمن يطلب العِلم عن نفسه بنا، عِلما عنه، بعِلمه عنا، لقيام معلومنا بنا لقيامه منا.
من أراد أن يكون اسما لله، فليتابع اسما لله، قام بالله، مؤمنا بالله، فكان المجتمِع عليه، به لله مؤمنا. فكيف يطلب الإنسان من الله أمرا لم يسبق له وجود فيه! وكيف يحقق لنفسه ما آمن بأنه موجود فيه، وهو لم يترسم خطو محققه لنفسه! فكيف يكون مؤمنا وهو لم يتلاقى مع مؤمن على الإيمان؟ ألم يسمع للرسول وقد هداه (المؤمن مرآة أخيه)[٥]، (المؤمن مرآة المؤمن)[٦]، (لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله)[٧]؟ فالعبد والرب صفتان في الأمر الوسط بالإنسان. وهما صفتان وحقيقتان في مجتمع الأُمة الوسط قائمة بالإحسان وبالعرفان وبالبيان.
هذه هي الفطرة على ما هي، في أزل لها، باقية على ما كانت في أبـدها، وهي على ما هي قائمة في قائمها، عند المبعوث بها، بعثا بالحق منها، سبحا فيها، وقياما بها، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، ما ظهر في شيء مثل ظهوره في الإنسان.
الله؟! ما الله… من الله… متى الله… أين الله… كيف الله؟ هو الظاهر، كما هو الباطن، هو الأحد، كما هو الواحد، هو الموصوف لعين الواصف، بقيام المتصف، بصفات الموصوف، وهو المنزه عن الوصف وعن الاتصاف له الأسماء الحسنى، وأي اسم له ليس بحسن، من ورائها محيط، قيام وجهه، لظهور حكمته، قياما لعَلم إرادته بالإنسان.
جُعل الإنسان فيه عَلَم الحق عليه، في مطلقه، وفي موجوده لمحدوده، بعوالمه، لواسعه بوجوده جماع عوالمه، لظهور معالمه، كان الإنسان فيه، عين الإنسان منه إلى قائم الإنسان لـه.
كان الإنسان فيه، المرسِل، والرسول، والمرسَل إليه. كان الإنسان فيه هو الأول، كما كان الإنسان فيه هو الآخر، كما كان الإنسان فيه ما بين الأول والآخر، بين يدي رحمته، كان القائم بالحق، وقائم الحق لطالبه، ومعلِمه لمــُتَطلبِه.
بهذا جاء دين الفطرة، وبهذا جاء الإسلام مع رسولها، تمام حلقاته، وجماع آياته، وجَمع كلماته، يُعرَف عن التشتيت، للنفس له، بقائم النفس منه. (خلقتك لنفسي)[٨]، {ويحذركم الله نفسه}[٩]، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[١٠]. إنه القائم على كل نفس بما كسبت ويُعرف عن التوحيد بائتلاف القلوب عليه حبا وسلاما قياما في قدس نوره، أو حِمية وجهادا قياما في قدس ناره.
فالنفس في قائمها، بأحدها، لواحديتها، لها مآل إلى تشتيت، والنفوس في شتاتها لها مآل إلى تجمع، بسر واحديتها، لطلب أحديتها، فمآلها وغايتها من التجميع هو التوحيد إلى قائم الأحد.
وقد جَعل الله إنسان الله لظهوره، من إنسان الأرض عليها، عَلَما على غيـب الإنسان عنها، وذلك في حالة باجتماع من تشتيت، خروجا وتخلصا من حالة في شتاته، إلى حال اجتماع للقلوب. فما تجمعت الأشتات، قلوبا على قلب، إلا تواجدت الذات، عَلَما على الأعلى، بذات وجود، عَلما على أعلى بذات لواجب الوجود، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات، بدءا من حاضر ذات، (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو سهر له سائر الجسد بالحمى والسهر)[١١]، (إذا شكت مؤمن شوكة وجدت ألمها عندي)[١٢]، فكان بمعناه جماع الناس لقائم مبناه عبدا للــه.
بهذا جاء الحق الرسول، بآدم من أوادمه عرفناه، ليكون بيننا شعارا للا إله إلا الله لقائم قيامنا، وليكون لنا كتابا للا إله إلا الله نأخذه بأيماننا، وليكون معنا معية الله لنا أولى بنا منا، نحن معه ظلاله، هو بنا ونحن به للناس، طريقا للا إله إلا الله، بنا يقومها، وبها نقومه فبه نشهدها لنا، وبها نشهدها له، فيقوم بنا وبه شاهد ومشهود، يشهدها لنفسه فينا وبنا، ونشهدها لأنفسنا به وفيه، (إن لله جنة ليس فيها غير وجه الله يضحك)[١٣]. مَن كنت منه، كان مني، ومن كان مني كنت منه.
فكان أمرا وسطا، يقوم بين أزلية الإنسان حقا ينشد، وأبدية الإنسان خلقا يتواجد، يجتمع له في حاضره، لقائمه، قيومه من الأزل، لعين معناه، ويُشْهَد له لقائمه، بقادمه في الأبد، عين قائمه، قيوما له لعين قديمه فيكون بذلك نفسا لله، عَلمت ما قدمت وأخرت، وما قدمت، إلا قديم وجود لها، تواجدت به، وما أخرت، إلا جديد وجود لقادمها تعمل له، فكان بذلك قدوة لنا لكسبنا له بمتابعته عليه حياة وبقاء لأنفسنا، وكان في اقتدائه إليه رسالته بيننا وحقه إلينا من الحق علينـا.
بذلك استقامت الطريق، واستقام الدين، وتعارف الخلق إلى الخالـق، برسول من أنفسهم، قام بينهم خلقا، وبعـث لعيانهم حقا، ولم يختـفِ بينهم خُلقا، ولم يتوقف فيهم بالحق انتشارا فكان بظلاله معنى النبيين رحمة، وكان بحاله بالحق عِلْما ومعرفة، وكان بقائم أمره وجها وعَلَما، وكان بمشهوده كتابا وإعلاما، قيامة وأقلاما، لرب العالمين.
أشرقت به الأرض بنور ربها، وولـدت بانشقاقها عنه الأَمَة سيدها، فجُعِلَت تحته سريا بها، وجُعِلَ عليها من المطلق مرضيا لها فقام للأعلى به رضيا عندها وحقا مدانيا دَنِيّا لتحقيقها، فتواضع لها دونها، مؤمنا بها للأعلى في حال اتحادها بأبعاضها عَلما على من صدرت عنه من سابق ملأً لنفسه أوجدها وتواجدَها، فكان كافةً للناس عليها، عَلم الإنسان لها، لعِلم الإنسان عليها، ولمعلوم الإنسان منها.
ولكن الناس من أُمته، ولكن الناس من أهل الكتاب، ما تابعوه فيما قامت به رسالته تجديدا وبدءا لبدء أنفسهم بتجديدها بالحياة في متابعته أول عابدين، بمعلوم عَلَمه، محمد بن عبد الله… محمد رسول الله… محمد آدم أوادم الله… محمد حق الله… محمد تجسد روح الله… محمد نور الله… في دثار أديمه، لدُثره لأوادمه، يقوم ويتقلب في الساجدين رحمة للعالمين.
جَعل الله له منه نورا يمشي به في الناس، فيعلمون، فيعرفون، فيتحققون، فمن سجين ذواتهم يتحررون، ومن نار دارهم يعتقون، وإلى أرض مبانيهم لخلقهم روحا يرسلون وأوادم برسالتهم عليها يظهرون، وبجديد حق يبعثون، فإلى قائم الأرض رذاذا منها تواجدوا لا يتثاقلون، وعليها منهم بهم يُخلَّفون، تخلقا بأخلاق الأعلى، له يتابعون، وخلفه يتعالون، وجديد إنسان لهم منها، يتواجدون، لحقهم لإنسانهم عليـه يجمعون، على ما هم على أعلى لهم إنسان الحق عليـه يجتمعون. فبين الأزل والأبد يترددون، وبين عالم الخالق وعالم الخلق يتواجدون. فبالحياة هم بحارها فراغ الوجود بالحياة يملؤون، يد الله يعملون، ووجه الله يظهرون، واسم الله يذكرون ويذكرون، ونور الله يَعرفون ويُعرفون، وروح الله يُطلبون، وبيوت الله يُقصَدون، ونصب الله يُطافون.
فهل آمن بالله ورسوله من الناس مؤمنون؟ أم أنهم بألسنتهم لاسـم الرسول يذكرون، ولاسم الله يرددون، وما لاسم الرسول أو اسم الله، شأن في قلوبهم يطلبون، وكلاهما أقرب إليهم من حبل الوريد لو يعلمون، ولكنهم عنهم بهم يعمهون، ولهم يجحدون، وبعيدا عنهم يطلبون، وعليهم فيهم ومعهم ينكرون.
وما دروا أنهم بالله ورسوله يقومون، وبالله ورسوله يحيون، ولن تفارقهم الحياة يوم هم بهم يؤمنون قياما على كل نفس، يُشْهَدون يوم هم بإيمانهم بهم لهم أقرب إليهم من حبل الوريد يطلبون ويعملون، ولأنفسهم يحققون، فتستقيم في الحياة وفي الوجود طريقهم، يوم هم لمن هو معهم يتقون، يوم هم لمن هو بالنعمة إليهـم مواصل، يخشون ويخشعون ولنعمته يحمدون ويشكرون، لحب الحياة يراعون وعليها يحرصون، وفيها لا يفرطون، {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}[١٤]، ولعوالمها لهم بهياكلهم لا يشهدون، ولها لا يرعون.
(إن لبدنك عليك حق)[١٥]، إنه حيوان طريقك، إنه مطية رحلتك، إنه قدم حقيقتك، فلا تمشِ مكبا على وجهك، وانتصب على نفسك هي منك، وطأ الأرض بمطيتك هي لك، وسر فيها لمعاشك فهي غنيمتك، وتأمل في مرآة قلبك، لجمال وجه ربك هو لك، وهو أمانة الحياة بك.
إنك لن تحيا بترابيتك، ولكنك تحيا بروحانيتك، أزواجا خَلَقك، وأزواجا حققك، زاوج بين عاليك لقيوم روحك، ودانيك لمعاني سفلك، وقائم نفسك لأعلى سفلك بإعلائه لأسفلك، في جديد أمرك من خلقك بعملـك وصنعك يوم أعليت عاليك على سافله بك فداناك الأعلى، قريبـا يواليك، وهاديا ورسولا يلاقيك، وصعد إليك الأسفل اقتداء بك لك فيـك.
{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}[١٦]. إني القريب، إني الأقرب من حبل الوريد. أجيب دعوة الداعي إذا دعاني، ألم أهده {واذكر ربك في نفسك}[١٧] (أطعني أجعلك ربانيا، تقول للشيء كن فيكون)[١٨]؟ هل طلبني فما وجدني؟ هل وجدني فما عشقني؟ هل عشقني فقلاني، أم أحبني وهواني، فظهرني بإحساني فأحييته فبجديدي لنفسه أحياني، وقد صار عَلمي وعنواني، وطريقي وإحساني.
من أحبني أحببته، ومن قاربني قاربته، ومن رضيني رضيته، ومن عنونني عنونته، فأنا حسبه، وأنا الوكيل على أمره، ربا لفعله وصنعه خلقته، وعبدا لي، تكفلته وأعفيته.
{من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب}[١٩]، (هؤلاء أقوام عجلت لهم خيراتهم في الحياة الدنيا)[٢٠]، (من دلك على الدنيا فقد غشك)[٢١]، ومن يرد حرث الآخرة، نبارك له في حرثه، ونزد له في حرثه، نضاعف له في حرثه، أضعافا مضاعفة، حتى يَغنَى من عوزه وفقره، ويشعر بقدرته من افتقاره وضعفه.
يضاعف الله له من فضله فنباعد بينه وبين بعده، ونقارب بينه وبين قربه، حتى لقاب قوسين أو أدنى من ربه، في قائمه بحقه لموصوف عبده.
ففي عَالم الرشاد نتواجده، ما زاغ البصر وما طغى، وفي عَالم الخلق بالحق نوجده، مبعوثين بالحق، في دثر من الخلق (والذي بعثني بالحق)[٢٢]، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٢٣]، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[٢٤]، (أنا رحمة مهداة)[٢٥]، (ومن دلك على العمل فقد أتعبك)[٢٦].
فماذا بعد رسول الله وهو كوثر رسالته من قبله ومن بعده قديما وجديدا له بأوادمه من رسول الله لدائمه، وهو المخاطب في دائم قيامه {فبهداهم اقتده}[٢٧]، يستقبله لنفسه نور الله في قلبه من يريد أن يكون خادما في الله، وتابعا لرسل الله، رسولا من الله، قد عرف الحقيقة المحمدية، طابع وخاتم معناه ومبناه يوم هو لنفسه قدوة صالحة رضاه وفي دوام يرضاه فبحث عنه فلاقاه، أو جاهد في الله حتى إليه هداه، فيكون به بمعناه، فهو هدية الله لمن طلبه وعناه.
فما كان رسول الله، أمرا وسطا، وحقا وسطا، إلا أمرا وحقا لله قَبِلَه لنفسه العقل السليم وتمناه، فما كان إلا إنسانا من إنسانية الله، وعبـدا من عباد الله، وحقا من حقائق الله، وحقيقة لحقيقة لله، لقديمه وقادمه، في حقيقته بقائمه.
أظهره الأعلى على الدين كله، وأظهر به الدين كله. مثله عند الله كمثل آدم خلقَه من تراب ثم قال له كن فكان، ثم أخذ قبضة من نوره وقال لها كونيه فكانته، فكان العروة الوثقى والحلقة الوسطى بين عالمي النور والظلام. رسول الله وخاتم وأصل وطابع وأبوة الأنبياء، والأولياء والحكماء، والعتقاء والشهداء، ومحرر العبيد والأرقاء. سوَّاه ونفخ فيه من روحه.
فماذا ينتظر الناس، بعد رسول الله لا يغيب؟ الخير فيه وفي أمته، إلى يوم القيامة، لا تغيب نبوته، ولا تنقطع بالبيان رسالته، ولا يتوقف عن الفيض بالعلم على القلوب عَلَمه، ولا يبتر في الناس بالقيام أمره، أعطي الكوثر وكان شانئه الأبتر، كلمة طيبة لكلمات وشجرة طيبة لشجيرات أصلها ثابت وفرعها في السماء متصاعد، {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}[٢٨]، {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا}[٢٩]، إن لك بكلمات الله منك، في عوالم النور وعوالم النهار سبحا طويلا.
فكيف نطلب من الله معرفة، أو وصلة، أو قياما أو شعارا، أو علما أو كتابا، أو دينا، أو طريقا، أو حقا، بعد هذا الرسول لا يغيب ولا يحتجب؟
ولكن الناس، هم الناس، لا كرامة لنبي في وطنه، لا كرامة لحق بين قومه، لا كرامة لكتاب مملوك في يد الناس، يزهدون ما ملكت أيديهم، وينشدون في دوام ما غاب عنهم. لا يدخلون إليهم فيهم، ليسألوا ضمائرهم عنهم، وعما يبرز الله لهم من الحق بهم أو بينهم.
(استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك)[٣٠]. إن في الإنسان ضمير لا يكذبه أبـدا، بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولكن الناس استهواهم أن يجادلوا عن أنفسهم، بوهم الاستقامة لهم، وهي الأمر المفروض أنه لهم، يوم يؤمنون بها، قديم حالهم، فلو غادرنانا عنا إلى أحسن تقويم كنا منه وجدنا، لكانت هذه طريقنا، في متابعته لأحواله لتمامنـا فلأحسن تقويم نكون بمجاهدتنا لنا في مخاصمة أعدى أعدائنا يجري منا مجرى الدم في أنفسنا.
ولا رجوع لنا لأحسن تقويم كنا، إلا بمن رجع لأحسن تقويم كان، فكان في أحسن تقويم بيننا لاقتدائنا كائن، ولأحسن تقويم في مثال يكون، يوم هو بنا فينا يكوننا ونكونه، نور الله، في قلوبنا ينتشر، به نحيا، وبه نَذْكُر ونُذَكِّر.
فالذي قام بيننا أحسن تقويم، عَلما على قديم في أحسن تقويم، لا ينتظر قادما له بأحسن تقويم، إلا أن يكون كوثرا به فيمن حوله لعينـه بأحسن تقويم هو لـه، من بعث بالحق بيننا لنظرنا وقدوتنا، من بشر لبشرانا {ولسوف يعطيك ربك فترضى}[٣١] فبُشرنا لقائمنا في قائمه، (لا أرضى وأحد من أمتي في النـار)[٣٢].
أجبنا لك سؤلك، فأنت لهم الشفيع، ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه. وقد أذنا لك فاشفع على ما تشاء، ويا أيها الناس ابتغوا إلينا به، وسيلـة لكم إلينا، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٣٣].
فماذا عرفنا عن رسول الله، وعن شفاعة رسول الله، وعن الوسيلة برسول الله؟ وكيف انتفعنا برسول الله وبشفاعة رسول الله؟ هل تأملنا أو تذاكرنا كيف خسر آباؤنا رسول الله؟ وكيف أننا في حاضرنا ببعث مجتمعنا المرة بعد المرة بخسرانه، على ما كان من قديم مجتمعهم، بوهم عنوانه؟
(إن الله يبعث في هذه الأمة، على رأس كل قرن، من يجدد لها أمور دينها)[٣٤]، ويجددها بجماعها في أيامه إليها، في ركب بجماع من كلماته، بأوادم ذاته، تمر الألف، ولا تنقضي الأخرى إلا ويظهر بحاله. هكذا بُلغنا، فصدقناه وصدقنا فعلمناه، وعَلِمنَا فعرفناه، وعَرفنا فأيقناه، وأيقنا فحققناه، فبما أيقنا وعرفنا وعلمنا بُعثناه فروحا رسولا، استقبلناه، ووجوها له قمناه، وظلالا له شرفناه، وأمة لإنسان معناه تجددنـاه، وجماعا لعنوان محمد رسول الله والذين معه أشهرناه، فهو في دوام يقوم، وفي دوام يتواجد بأمته لرسالته ومعناه.
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر}[٣٥]، على ما هداكم أمره الوسط، وأمة إنسانه، بإنسان أمته، يتجدد به الأمر، ويتجدد به الدين، وتتجدد به الحقائق، ويتكاثر بوجوده العباد، ويتعبد بمتابعته الخلق، ويتحقق به المتعبدون، فللمطلق أنفسهـم يعبِّدون وله يعبدون، في متابعة من عبد المطلق، وعبّد نفسه له، إنسان الله، وعبد الله، ورسول الله، ووجه الله، والحق من الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
اللهم برسول الله، فاجعل شعارنا فيك لا إله إلا الله.
اللهم برسول الله، فقومنا، لك، وسر بنا في طريقه طريق الله.
اللهم برسول الله، فأعلِ كلمة الحق عندنا، وأعلِ كلمة الحق بنا، وأعلِ كلمة الحق فينا، وأعلِ كلمة الحق لنا، بلا إله إلا الله.
اللهم برسول الله، فعافنا من إقامة عدلك فينا، وولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بغضبتك، وعدلك.
اللهم ادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين.
اللهم عاملنا بعفوك ورحمتك، وقومنا بهدايتك ورسالتك، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين.
اللهم كنا لنا في يقظتنا وكن لنا في غفلتنا، وذكرنا برحمتك لنا، منك فينا، لك معنا، وبك علينا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
مقولة للخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز. أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ↩︎
حديث شريف: “إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المنبَتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى.” أخرجه البزار والحاكم، وكذلك البيهقي باختلاف يسير. وأخرجه أحمد " إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق". ↩︎
نفس الحديث الشريف في الملحوظة السابقة. ↩︎
"من وصايا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لولده الحسن رضي الله عنه: قال: “يا بني سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار”. ↩︎
حديث شريف: “المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليهِ ضَيْعَتَه ويحوطُه مِن ورائِهِ.” أخرجه أبو داود والبخاري. ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
استلهاما من {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
جاء في بعض الآثار يقول تعالى: ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وذكرهما كذلك المناوي في فيض القدير. ولم نعثر بعد البحث على عزوهما للنبي صلى الله عليه وسلم فلعلهما مما روي عن أهل الكتاب." ↩︎
سورة آل عمران - ٢٨ و٣٠ ↩︎
سورة الذاريات - ٢١ ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
إشارة إلى حديث شريف رواه مسلم في صحيحه، يصف حال عباد الله الصالحين يوم القيامة: “…فيكَشِف الحجاب، فما أُعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزّ وجلّ.” كما في الآية الشريفة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} سورة القيامة - ٢٢، ٢٣. ↩︎
سورة يوسف - ١٠٦ ↩︎
حديث شريف: “إن لربك عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعطِ كل ذي حق حقه.” أخرجه البخاري. ↩︎
سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
يرد في بعض كتب المتصوفة والشيعة كحديث قدسي، وتقول كتب الأحاديث الشريفة السنية بأنه ليس حديثا قدسيا، ولكنه جاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎
سورة الشورى - ٢٠ ↩︎
حديث شريف طويل قال فيه عمر ابن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان متكئا فجلس فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب!! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا". صحيح البخاري. ↩︎
مقولة للشيخ ابن مشيش. “من دلّك على الدنيا فقد غشك ومن دلّك على العمل فقد أتعبك ومن دلّك على الله فقد نصحك”. ↩︎
قسم يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أحاديثه. ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة محمد - ٢ ↩︎
حديث شريف: “إنما أنا رحمة مهداة.” أخرجه ابن سعد والحكيم والحاكم. ↩︎
مقولة للشيخ ابن مشيش. “من دلّك على الدنيا فقد غشك ومن دلّك على العمل فقد أتعبك ومن دلّك على الله فقد نصحك”. ↩︎
سورة الأنعام - ٩٠ ↩︎
سورة الرعد - ١٧ ↩︎
سورة المزمل - ٦ ↩︎
من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎
سورة الضحى - ٥ ↩︎
من حديث شريف جاء في تفسير القرطبي أنه حين نزلت الآية {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار.” وجاء في صحيح مسلم في حديث طويل منه: “اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.” ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎
سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎