(٢)
الناس مبانِ لمبناه باختيارهم
ومعاني في طريقها لمعناه
باختياره
مبشرين بعينه لهم بعينهم له
إنسان الله عبده ورسوله
حديث الجمعة
٦ جمادى الآخرة ١٣٨٥ هـ - ١ أكتوبر ١٩٦٥ م
خلق الله الإنسان من سلالة من طين إلى قائم هيكله، ثم من سلالة من ماء مهين إلى قيام بمعناه لقلبه، ثم في معارج لمعانيه بحكمة الله إلى قائم حق في قائم الله لمطلقه.
فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، خلق من علق، وهو مرجعه المرة بعد المرة، وإنه على رجعه لقادر، يوم تبلى السرائر، فتعلم نفس ما قدمت وأخرت، على ما بدأه كلما بالفطرة بدأه ليتواجد إلى صبغته، في أي صورة ما شاء ركبه، عالما وكونا فردا وجمعا.
كما بدأنا أول خلق نعيده، وليس هذا جديدا في أمرنا، إنا كنا فاعليه، بلا بدء، فلا بدء لنا، وسنبقى نفعله، بلا انتهاء، فلا انتهاء لنــا.
خلقنا السماء بأيد وإنا لموسعون، وما كنا متخذين المضلين عضدا، فالذي خلق السماوات والأرض، قادر على أن يخلق مثلهما، وما خلقهما إلا على سنن بما سبق أن خلق لعبد له لإنسان له لحق له، كان هو له عينه، وقد جعل منه ظاهره لعينه، لباطنه في معراج لا يتناهى إلا إلى مطلقه للامتناهيه، فجعلهما على مثال مما سبق ومما خلـق.
الله هو الصمد، لا تبدأ ولا تتعطل أسماؤه ظهورا، ولا صفته الجامعة لصفاته فعلا، ولا آثاره تلونا وتباينا، هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[١] {ويوم القيامة يكفرون بشرككم. ولا ينبئك مثل خبير}[٢].
{إني جاعل في الأرض خليفة}[٣]، يعرف بين الناس للناس في أنفسهم هو وحدانيتهم وجماعهم يوم تُشرق الأرض بنور ربها، ولم يقل إني جاعل من الأرض خليفة، ولم يقل إني جاعل على الأرض خليفـة، بل قال {إني جاعل في الأرض خليفة}[٤]، {فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين}[٥]، إذا سواه الآمر لعين معناه، ولم يصبح إلا معناه، وقد خرج منه كل ما سواه فصلح لظهور الغيب الآمـر، جلبابا للروح له، ووجها لذات قدسه، يوم يلقي الروح عليه من أمره وهو أمر جعله للإنسان بجمعه بيتا وأهله في رحمته، كما جعله لفرد الإنسان لكسبه في جمعه لبيته بأهله من عمله، إنه أمر للقلب وقالبه بجوارحه ظاهرة وباطنة لجمع في فرده أو فرد في جمعه.
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة! فمن الذي قـال؟ ومن الذي قيل له؟ ومن الذي قيل عنه؟ ومن الأرض المرادة؟ إنه الإنسان… إنه الإنسان في أي صورة ما شاء ركبه الأعلى له، إنه الإنسان في الله، إنه الإنسان في الله دائما، ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان.
فالإنسان قام دائما بمعنى قديم الله قديما، وقام بمعنى قائم ومتعالي اللـه، باسم الله قياما، وقام ويقوم بمعنى جيئة الله قادما، فما رأى الإنسان من الله، في الله، بالله، إلا إنسانا كان له بنفسه إنسانـا وعنوانا، وما شاهد في الله، من الله، بالله، إلا الأعلى له وجودا وعنوانا.
فكان بذلك العبد رفيقَ الرب في الله، الله من ورائهما محيط، والله بهما فيهما إحاطة. أعطى كل شيء خلقه ثم هدى - هدى أن لا يتخـذ بعضكم بعضا أربابا على ما تفعلون، ولكن فليتخذ بعضكم بعضا أربابا بالله، المؤمن مرآة المؤمن في ذي المعارج للمطلق.
{قدّر فهدى}[٦] {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيَه سوف يُرى}[٧]، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا}[٨]. وما رأى الله إلا الله، فما رأى الإنسان عمله، إلا يوم كان عملـه إنسانا، {إن ابني من أهلي[٩]… إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح[١٠]} وما رأى العمل صانعه، إلا يوم سبَّح الأعلى، الذي خلق فسوى، يوم أصبح العمل إنسانا، فرأى خالقه، اجتمع عليه إنسانا، يوم كان له حقا وعنوانا.
فإنسانُ الأرض مزويةٌ له بقائم آدميتِها، هو آدمها بآدميتِه لقائِم بشريتها، هو الحق من الله، اسما وعلمًا ووجها، مفرداته بها إليه مآلا، وهي له مِلكا وعملا قياما وحالا، إليه تُدعى انتسابًا، حقاً وخلقًا، وهو لها يرعى، أعلى، وربا، وإلها، شهادة وغيبا، ومعها يتحد ويتوحد حياة وحقا.
فهل قدّر الإنسان ربه حق قدره، فتقدرت نفسُه عنده حق قدرها، يوم عَرفتَها لها العدم بعينه، لقائمها به لموجوده، يوم جهِلَتها أو تجاهلتها، إليه وجودا في وحدانيته لأحديته لها، وعرفتها به الحياة، ودورتها، بدءًا وكمالا، جوهرا وحالا، قديما وحاضرًا، حاضرا ومآلا، يوم عرفتها لها هي به حضرةً للـه، اللهُ لها، لمعيتها وعينها، يوم هي وحدتـه، فدخلت في حصن وحدانيته، دخلت في حصنها، لا إله إلا الله، حصنا له لها جعلته، به آمَنَها، وبه أنزلَ عليها سكينتها فأمنته، يـوم أخرجها من جهلها إلى علمها، ومن ترابها إلى حيوانها، ومن ظلامها إلى نورها، مقيما نفسها بروحها لها، يوم قيامها بحقها وتطويرها لظلامها بخلقها؟
هل قدّر الإنسان نفسه، مظلمة، وقارنَه بها نورانية، فعرف أن الذي هو في أحسن تقويم، وأن الذي هو أسفل سافلين، إنما هو أمر واحد، لإنسان واحد، يوم يسمو بإنسانه، إلى معروف حقه، صدِّيقا، بما بين يديه، مما بُشِّر به، ويُسِّر له صادقا؟ {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا}[١١].
اسما لله، نعم الاسم لله هو، مؤمن، عنون الإيمان، فكان مرآة للإيمان، تنعكس عليها وجوه المؤمنين، مؤمن مرآة للمؤمن… مؤمن نرى فيه الأعلى مؤمنا، يوم نكون له الأدنى بإيمان.
مؤمن أمرٌ وسط، ومؤمن أمر متعال، ومؤمن أمر مدانيا، يجمعهم اسم الله المؤمن، ويقومهم اسم الرسول المؤمن، ويظهرهم اسم العبد المؤمن، لوحدة الإيمان بالمؤمنين، ووحدة المؤمنين بالإيمان، في وحدانية الله المؤمن، وبذلك ندرك ما نفيد من معرفة المعلم المؤمن، وندرك خطر الإيمان والمؤمن.
هذه هي أقانيم الإسلام، يوم يعرف المسلمون أن عندهم أقانيم، كما هي عند بني إسرائيل فيجادلون أهل الكتاب بالتي هي أحسن أو عند الحكماء من أمم الأرض، فلا تفوتهم الحكمة لبيان ما عندهم من الحق.
مؤمنون في مؤمن، ومؤمن في مؤمنين، هذا قانون وناموس دائب، مؤمن، صفوة مؤمنين من مؤمنين، لمؤمنين صدروا عن مؤمن، وما كان هو إلا مؤمن صدر عن مؤمنين، مؤمنون هم في جمعهم مؤمن واحـد. (لو اجتمع جنكم وإنسكم على أتقى قلب رجل منكم وأعطيت كلا منكم مسألته ما نقص من ملكي شيئا)[١٢]، ألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا، ما ألفت بين قلوبهم.
تألفت قلوبهم في قلبك، بتآلفها على قلب منهم بك وظلا لك، أمة بعد أمة، نبيا للأمم وللسلام بين الأمم، وللسلام بين المؤمنين بالله ورسوله وكلماته، وعبدا للأعلى إلى المطلق، وأول العابدين، فكنت بحقك للعبد والرب والغيب عماد الدين.
فالرسول، وقد أمر، أن اخفض لهم جناح الذل من الرحمة، ألّف هو قلبه على سعته، على قلوبهم على ضآلتها، يوم قال لهم من كان مني كنت منه، من قبلني لنفسه قبلته لنفسي، من رآني حقا رأيته حقا، من رفعني لفوقيته حق ربه رفعته برحمة الله المطلقة لمعناي لفوقي بحقيقتي. فما كان هو بهم يوما، ولكن كانوا هم به دوما في كل يوم لهم في أيامه بينهم. فما نَزَلَ عنهم إلا تعليما واختبارا لهم.
فقال له ربه إنك على خلق عظيم. إن الله بك حقا لهم، كان لهم عليما حكيما، فلا تطع الكافرين ولا المنافقين. لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، {إن اللـه مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون}[١٣]، {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما إلهكم إله واحد}[١٤]، ولم يقل إنما إلهنا إله واحد فما كان هو إلا الحق له والفناء فيه وكمال المسيح له، ومبعوث الإنسان منه، {هل تعلم له سميا}[١٥]، {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}[١٦].
(أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم)[١٧]، {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم}[١٨]، فصبر معهم وما زال مع الصابرين منهم، وانتظر معهم مع المنتظرين منهم، وسرى معهم مع السارين منهم، وتعالى معهم مع المتعالين وتدانى معهم مع المتدانين، ألم يجعله الأعلى له من المطلق حقا، ووجها لله، وربا للعالمين؟
{وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٩]، فما كنت إلا رحمة لهم وأمرا لنا وما كانوا لك عندك إلا عوالم الله تنفخ فيها من روحك، وتلقي الروح عليها من أمرك يوم أنهم لله يتذكرون، وبذكره قلوبَهم يُشْغِلون، ويُعَمِّرون، ويُطَوِّرون، ويُجدِّدون، ويُهيئون، ولكنهم لأمرهم لا يعلمون، وفي أمرهم يفرطون.
فالرسول يدعو أن اعرفوا الله على ما عرّفته لكم، بما عرفته لي، وتعالى الله عما يصف الجاهلون، فما عُرِف عند عارف به، إلا بما عَرَّفه من علمه، في علمه عنه، بعلمه عن معلومه عنه، كتابا بوجوب وجوده، استوجبه وجودا له، عنده عين موجوده، فطلب معرفة وجوده، بواجب وجوده عنده في قائمه لموجوده.
فكشف له غطاؤه عنه، فرآه حقا، وعرف غطاءه خلقا، فجمع غطاءه متناثرا، وبنى منه لنفسه وجودا عابرا وجعل من هذا الوجود لمعناه بحقه كوثرا وعبدا وكونا.
الأرض لذاته قُطِعت، وجباله لأبعاضه بمادياته سيرت، وإلى كيان لطيف تحولت لمشروع للسماوات والأرض هيئت، فسيارات من دخانه سديما تجمعت، وبجديد أجساد وجدت، بذلك الشمس كورت، والنجوم انتثرت والأرض دحيت، وبمراده وإرادته بالكائنات عُمِّرت، وواجب وجود لوجودها ذُكرت فعلى ذكره تلاقت، وباسمه قامت، وحوله دارت، وبمعانيها على معناه اجتمعت، بذلك، للإنسان عَلَمًا على الله عُرِفَت… ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان، في أي صورة ما شاء ركبه، يوم سواه فعدله.
فهل الإنسان الذي كان عَلَما على الله دائما أزلا وأبدا، هو هذه العلقة من الأرض؟ من الأرض نبتت وإلى الأرض عادت؟ هل هذا هو الإنسان الذي هو عَلَمٌ على الله؟ هل هو هذه الرأس؟ هل هو هذا العقل؟ هل هو هذا الهيكل؟ هل هو هذا الكتاب؟ هل هو هذا الحجاب؟ هل هو هذا الحس؟
إنه في علميته على الله، قام قبضة نوره، قامت بها السماوات والأرض، معلوم نفسه، كان الله لها عندها، فيها منها بها، ما غيبته، وما جَهَّلته، وما أنكرته، وما جحدته. إن الله وإنسانَه ليسا شيئا إنهما كل شيء، ولا يخرج منهما شيء، ولا يعزب عن علمهما شيء.
إن الإنسان على الأرض، وإن لم يكن هذا القيام في قائمه، وإن لم يبلغ بعد هذا السلام في الله لدائمه، إلا أنه إلى هذا المعنى أُضيف، وبانتسابه إلى هذا المعنى شرف، وبالسعي إليه لنفسه كُلِّف.
هذا أمر الإنسان لمن إلى ذلك استيقظ، وله عمل، ولقائمه من نفسه أيقظ، وللأرض من قلبه أحيا، فروى وزرع، وحصد وجمع، وإلى الأعلى لمعناه رجع، وما لمعيته بالروح والحياة معه أنكر أو جحد بل لنفسه بها ذَكر وذَكَّر.
لم يتعرض لغيره بنصح أو توجيه، قبل أن يبعث هو بالحق في نفسه، فما خرج من القلب وصل إلى القلب، وما أشرق من العقل أشرق به العقل. أما ما خرج من ذات للعدم، ففي ذات معدوم يعدم.
فكيف يوقظ الميت الموتى! وكيف يحيا الموتى بالميت! إنها الحياة عزيزة المنال كان القلب الحي لها المثال في السماوات والأرض، إنها الحياة عند الأحياء ينالها من يطلبون الحياة ويستغرقهم الاستحياء بالحياء من الله، يوم آمنوهم غير أحياء إلا به في معيتهم، يوم عرفوهم مقابر الموتى بقلوبهم منقبرة فطلبوا الحياة، فبعثوا بالحياة بعثا للقلب الحي عرفوه ولقوه فعلمت نفوسهم ما قدمت وأخرت بعقولهم أشرقت وتحررت.
طلبوا الحياة حول أحواضها بينهم تورد، يوم عرفوهم في الظلام، فطلبوا النور، من مصابيحه بينهم توقد، عرفوا أنهم العدم، فطلبوا الوجود، موجود بموجوده، بعباد بينهم يذكر الله بذكرهم، هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٢٠]. (إن لله عبادا إذا ذكروا ذكر الله)[٢١]، (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٢٢].
أولئك من عرفوا أن الناس كما ينسبون دوما لإمامهم يدعون يوما من إمامهم، بإمامهم، في إمامهم، لإمامهم، فعرفوا معنى الإمامة فطلبوها، وعرفوا ضرورة الإيمان بالإمـام قرين الإيمان بالله ورسوله، فنشدوه وعرفوا أوصاف الإمام فلم يخطئوه… تعقبوه، ونقبوا عنه في أنفسهم… وفي مجاهل الأرض… وفي مجاهل الناس حتى لقوه.
ما جلس إمام على عرش زمني في أرضكم إلا آية لكم لاقتداء حكامكم، وإنها لفلتـات من الناموس، وما كان إمام ملكا بسلطان زمني لبشريتكم إلا كبت به الطريق، إلا من رحم، وما قام في شيء منه إلا لتمام رسالته.
إن الذي جلس سلطانا، موصوف إمام، دلت عليه لكائنه بظاهره دابة الأرض تأكل منسأته، فظهر بظاهره على طبيعته، وتخلى عنه غيبه، على حقيقته، ملك زائل، لملك زائل، لأمم تزول.
إن رسول الله لكم كافة جعل عبدا، وقام رسالتَه للكافة بعصر مكة معلما، ودفعتموه أنتم إلى مظهر الحاكم في عصر المدينة زاهدا فيه مُكرها عليه، بحكمة الله أبرزها منكم، ليسن بذلك للحكم نظاما، وللحكام تشريعا، لتكمل للناس بـه قدوته لهم حكاما ومحكومين، لتمام رسالته وقدوته كافة للناس.
إن الذي أبرزه الله للناس إماما واسع القلب تحيا به وفيه القلوب والأمم، أشرقت بنوره الأرض ربا لها، أخفاه لكوثره في الخلق علما، وما أخفاه على قلب طلبه معلوما، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٢٣].
إن القلب في وضعه من الجسد لا يطغو على القالب، وهو بقائمه بالروح يحيط بالقالب ويحجبه عن نظر الناس لموصوف القلب. إن القلب يحتجب بالقالب، إن قلب قلوب الناس بالحياة يحتجب عن الناس، فيخفى على الناس، فيبحث عنه الناس، فيجده الناس في أنفسهم نور قلوبهم، وحياة عقولهم، ونار نفوسهم، ودنيا عوالمهم، يلاقونه يوم أنهم يصدقون الطلب، للقائم على كل نفس.
وإن جاهدوا في الله حق جهاده، لاجتمعوا عليه قلبا وقالبا وجها لوجه، ورسولا من أنفسهم لا ينقطع كوثره عن معيتهم. {واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}[٢٤]، ولو يأمركم بكامل الحق لعنتم، ولو ظهر بينكم بحقه لعنتم، ولو صدقكم أمركم وكشف لكم سركم، لعنتم.
(إنا لنهش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم)[٢٥]، (كل إناء ينضح بما فيه)[٢٦]، ولا يليق بنا أن ننضح إلا بما فينا، وليس فينا إلا الحب، وليس فينا إلا الرضا، وليس فينا إلا الحكمة، وليس فينا إلا العلم، وليس فينا إلا المعرفة، وليس فينا إلا الحلم والمغفرة للمسيء والجاهل. أُمِرنَا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، وأن نلتمس لهم الأعذار، ونصبر معهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. {وإن كانوا من قبل أن ينـزل عليهم من قبله لمبلسين}[٢٧]، و{يوم القيامة يكفرون بشرككم}[٢٨]. فما يكون الدين؟ وما يكون الخلاص؟ ومما يكون الخلاص؟ ولمن يكون الإخلاص؟
فنحن بما فينـا نتسع لكـل من حولنا، فما كان من حولنا إلا فينا، إنهم قوالب لقالبنا بفطرتهم، وإنهم قلوب لقلبنا بفطرتنا، وإنهم مبان لمبنانا باختيارهم ومعان في طريقها لمعنانا باختيارنا.
{وإنك لعلى خلق عظيم}[٢٩]، فكيف نُثني عليه، وقد أثنى عليه الأعلى بالخلق العظيم! كيف لا نرتضيه لأنفسنا! جعله الأعلى كافة للناس لقدوتنا، لأملنا، لرجائنا في الله، بعملنا مبشرين بعينه لنا، بعيننا له في متابعته، نعلم لعلمنا بمعرفته، ونحيا لقيامنا بفيضه.
وقد ارتضاه الأعلى لنفسه فأمرنا، (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[٣٠]، وقال له {وكان فضل الله عليك عظيما}[٣١] ليُسْمِعنا فجعله لنا عندنا منه، حقّه، وجلالَ وجهه، وجمال طلعته، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٣٢].
بعثه بالحق فكان وما زال بينكم هو الحق بكوثره بعترته وأهل بيته، وضع عنه، وزره من الخلقية، من الموقوت، من المعدوم، من المنكر، من الزائل، من المقيد، من الفاني، من العدم، من الأرض… (مَن محمد!)[٣٣]، إن محمدا من الحق لا يعرف شيئا عن محمد من الخلق.
لقد أزهق محمد الذي نظرتم وما سالمتم، لقد ذهب محمد الذي عرفتم وما قدرتم، لقد مات محمد الذي أحببتم وما لبثتم أن كرهتم، مات محمد قبـل أن يموت، فهل عرفتم فقدرتم؟ مات قبل أن يموت أهل عصره، من صحبه، وبعث بالحق بينهم للمؤمنين منهم، قبل أن يبعث للناس بحقه، وقبل أن يبعث الناس بالحق به ليشاهدوه، وقبل أن يأتي يوم تنشق الأرض عنه يوم لا بيع فيه ولا خلال.
فقال للناس وهو قائد ركب أهل الحق وعوالم الحق إلى الحق في أنفسهم، اتبعوني في حالي، موتوا قبل أن تموتوا فيكون لكم ما لي على ما آل لي، وما يكون لي ولآلي فإنه لكم.
(سَـلمان منا أهل البيت)[٣٤]، (رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)[٣٥]. ضَرَبَ له مثلا لهم بينهم “أويس القرني”، أشعث أغبر ذا طمرين، راعي إبل، لا ملكا ولا وزيرا، ولا أميرا، ولا صاحب سلطان، ولا صاحب مـال، ولا صاحب جاه، ولا صحابيا مثلهم، (إذا رأيتموه فأقرئوه مني السلام واسألوه لي ولكم الدعاء)[٣٦].
ما آدبك يا رسول الله، هكذا، هكذا تكون الخُلق، هكذا تكون الديمقراطيـة التي تتحدثون عنها، ولا تقومونها، ولقيامكم على ما أنتم باسمها تشوهونها. أهناك ديمقراطية أخرى يعرفها المسلم غير خُلق رسول الله! أهناك اشتراكية أخرى يعرفها المسلم غير إيثار رسول الله مؤثرا على نفسه في كل مناسبة، وفي كل حال، وفي كل ظـرف!
في الضيق وفي الفرج، عنده أو عند الناس، به خصاصة أو بدون خصاصة، هو في خدمة الناس يقوم ويشرع، سيد القوم خادمهم لا يعرف سيدا، له شرف السيادة في قومه، إلا إذا كان خادم قومه، مؤثرا على نفسه بماله وجهده.
إنه لا يرى في الأمير سيدا ولا يشرع أو يسن له في أمته سيادة ولا يرى فيه للقوم إلا أجيرا، ولا شرف له بينهم إلا أن يكون خادما مؤثرا لقومه على نفسه، يراه في وضعه كأمير أجيرا يعيش من أيديهم، ومن كسبهم. إنه أجيرُهم مأجورا على أمنهم وحريتِهم.
وإذا كان الأمير أجير قومه فمن يكون الخادم السيد لقومه؟ السيد الذي هو خادمهم؟ إنما هو خادمهم في الحياة إلى الحياة، إنما هو حوض الحياة، إنما هو خادمهم في الله، إنما هو خادمهم في الدين، إنما هو الطريق والسبيل إلى الله.
فإذا رأى الأمير نفسه وأمره وإمارته، إنما هي في خدمة قومه فعلا وحقيقة وقف خلف إمامهم وإمامه وهو معروف من بينهم، ورآه من قومه وإمامه مأمورا، ولإرادتهم وإرادته آمرا، ولرغباتهم منفذا، وعما يؤجرونه به، من دنياه ودنياهم، مترفعا، بخدمته مع الله متعاملا، وبالفائض من أجره بازلا، وبه للفقراء مؤثرا، وهو بالكفاف قانعا، فكان للإمام ظلا ولمعناه عينا، فكان حقا لقومه سيدا، فقد أصبح لهم خادما صادقا.
هذا هو تقييم الإسلام للأمراء، وللوزراء، وموصوف العظماء والأثرياء، فإن كانوا في غير ما وصفهم الإسلام، فما أنصفوا أنفسهم يوم اتصفوا للناس مسلمين، فما دخلوا الإسلام بعد وما دخلهم الإيمان بعد، وما قاموا للإسلام بالإحسان، عنوانا يرتضيه الديان.
كانوا {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[٣٧]. (اعرف الحق تعرف أهله)[٣٨]، فمعرفة الحق نظرا، سابقة على معرفة عنوان الحق عملا وقياما. (خير العصور عصر يكثر فيه الفقهاء، حتى إذا قام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وجد من يعينه)[٣٩]، فهو بأمره أمر بعيد عن الفقهاء ما بقوا في وصفهم بالفقه النقلي، (عِلمَنا عن الله نأخذه وغيرنا ما قالـه السـلف)[٤٠]. إن الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، إنما هـو من اتقى الله، فعلَّمه الله، وآتاه الله من لدنه رحمة وعلمه من لدنه عِلما.
الله أعلم حيث يجعل رسالته، هو أعلم من الناس بمن يستحقها من بينهم. بذلك قام الإسلام شريعة، وفقها، وعِلما، للتعريف عن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)[٤١].
وللتعريف عن الإمام، وللتعريف عن الرائد، وللتعريف عن المرشد، وللتعريف عن الرشيد، وللتعريف عن الرجل، يجب معرفة معنى الرشاد ويجب معرفة وجوه الحق في القيام، اسأل الله لأقرب من هذا رشدا، {أليس منكم رجل رشيد}[٤٢]! ما من كمال إلا وعند الله أكمل منـه، ما من رشيد، إلا ويبرز الله أرشد منه (اعرف الحق تعرف أهله)[٤٣]، فمعرفة الحق عِلما ونظرا هي مقياس التمييز والتعريف بأهله.
فمن رشد وعرف معنى الرشاد، ما استعلى، وما قال إنني بينكم الرشيد، ولكن طلب الرشاد، ممن لا يملكونه وعند من لا يعرفونه، أليسوا هم من آيات الله، والحكمة ضالة المؤمن! خذوا الحكمة ولو من أفواه المجانين، اطلب العلم من المهد إلى اللحد، اطلب العلم ولو في الصين.
إن الرجل الرشيد إنما هو من يبدو باحثا عن الحكمة، باحثا عن المعرفـة، طالبا للرشاد على صورة دائمة، فإذا بذل مما عنده متواصيا بالحق فمعاملة مع الله وطلبا للإيمان بمحبته لأخيه ما أحب لنفسه، فطَلَبُ الإيمان والمزيد منه عنده لا ينقطع.
إن المعلم، إنما هو من يبدو ويقوم فعلا بين الناس متعلما، دائبا على طلب العلـم… إن السيد، من يبدو ويقوم فعلا للناس مسودا… إن المعبود إذا ظهر بين الناس ليعلِّم أو يتعارف ظهر عابدا… إن الموجِد، إذا ظهر بين الخلق مُعلما أو متعارفا ظهر متواجدا… إن العالِم إنما هو من إذا تواجد بين الجهلاء بدا جاهلا.
كيف يُعرف الله ورسوله في أحدهما لهما للشهود بهما إلا عن طريق القلوب، يوم تصفو القلوب، يوم تستيقظ القلوب، يوم تستجيب القلوب للعقول، يوم تشرق العقول والقلوب بنوره، فتتلاقى النفوس والعقول بذوات لها على نوره، وتتحد وتتوحد بنوره (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٤٤] كلمات وحقائق لله ورسوله متراصة، (قوم أناجيلهم صدورهم)[٤٥]، {محمد رسول الله والذين معه}[٤٦] {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا}[٤٧].
يوم تشرق العقول بنور المعرفة، يوم تعرف العقول أنها لا تعقل، يوم تحار العقول في اللامعقول، لا بل وفيما يبدو معقولا، لأنه ظاهر اللامعقول، فتعقل أنها لا تعقل ولا تحمل نفسها ما لا تعقل، فلا يفلت منها ما تعقل (اعقلها وتوكل)[٤٨].
ولما رأيت الجهل في الناس فاشياتجاهلت حتى ظُن أني جاهل[٤٩]
إن الذين يبدونهم العلماء ويزعمونهم الحكماء، ليسوا في حقيقة أمرهم غير الجهلاء. إن الذين لا يخجلون من جهلهم بالحقائق متشككين حائرين، عن إدراكها عاجزين، ولمعرفتها طالبين، وعنها باحثين، إنما هم من بها هم العالمون، ولحقيقة الأمر مدركون، ولله مفتقـرون.
إن الذين يعرفون، وأمرهم يحكمون، عن الجهلاء بمعرفتهم وحكمتهم يمسكون، ولنطقهم يتخيرون، وإن كانوا في معرفتهم وصفا لها بالجهل في دوام يشيرون، ومع الطالب للمعرفة مما عرفوا لها يبذلون وعليه لا يبخلون، وهم معه عنها يتساءلون، وهم على أنفسهم بها يؤثرون، وإن كانوا لها الطالبين وعليها الحريصين، يعطونها لتنمـو في أوعية ومواعين الآخرين، وهم ممن أعطوها له عنده نامية منه لها الطالبون، فهم ممن عَلَّموا يتعلمون. أولئك هم الموحدون، أولئك هم المسلمون، أولئك هم الروحيون، أولئك هم للمادة المالكون المتصرفون في ملكهم على ما يرتضون. ألم يقل لكم الله في كتابه، {لهم ما يشاءون عند ربهم}[٥٠]!
قدّر… فهم القادرون، وهدى… فهم المهتدون، وأعز… فهم الأعزاء المــُحكِمون. إنهم أسماء الله التي تذكرون، وبألسنتكم تلوكون، وتهرفون بما لا تعرفون، وعبادا للرحمن هونا على الأرض يمشون، وهم للسماء قبل الأرض يملكون ولها يطأون.
إن لأعلام الحياة على أرضكم دورات، بعوالم للحياة، ببدايات ونهايات يقومون، بداياتها قرين نهايتها، ونهاياتها قرين بداياتها. وأهل البداية وأهل النهاية على أرضكم يظهرون وفي عالمكم يجتمعـون.
كما أن لهذه الحياة إلى السماء ثمرات تتجمع إليها أعلام هذه الدورات في قيامها لأحدها بجماعاتها قياما لحضرات بيوتا لله ترفع بـرجال من الواحديات، بآحاد حقائق بالرشاد، لإنسانية الرشاد، لوجوه الله بالعباد، جديد الآزال للآباد، ومن خلال قائم أمور بالله عروة وثقى بينهما وأمرا وسطا لهما.
{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم}[٥١]، وإن مثل آدم عند الله كمثل عيسى، (أنا كائن قبل آدم)[٥٢]، (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين)[٥٣] (قبل آدم مائـة ألف آدم)[٥٤]، (لا تقوم السـاعة إلا ويظهر على الأرض آدم)[٥٥]، (خلق الله آدم على صورته)[٥٦]. خلق إنسان الله بحقيته إنسان خليقته بإرادته، في آدميته، على صورته في إنسانيته، على ما كان في نشأته، من بدئه بآدميته لنهايته وبدايته بإنسانيته هو بينهما ظاهرا لباطن لأمر خلافته، لرقيه وتعاليه إلى كنزيته لقائم حقيقته لقائم خليقته.
إن ظهور آدم، يقارن دائما مداناة الله بالإنسان له من عوالم الروح {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك}[٥٧]، وإن قرب الإنسان في مداناته، لقيامه لعينية العنوان، لبداياته بأوادمه يقارنه تَعالي قائم آدميته بأوادمها، بالبيت القائم، ليكون بيتا مرفوعا بقائم إنسانه، تخليا عن موجود المشاركة للذكر المحدث في مجاله وعنوانه.
إذا ظهر الإنسان بمعناه بالعبودية غاب الله بإنسانه بمعناه بالربوبية، فيوم يظهر الله بإنسان الروح لمعنى إنسانه، غاب الإنسان على الأرض عنه لمعنى عنوانه، فبدأ الإنسان، لمعنى الآدم، يوم غاب الإنسان لمعنى الحق.
(إن غبت بدا وإن بدا غيبني)[٥٨]
وهو ما تشهدونه في عصركم، لرسالة الروح بوسطائه من عالمكم ويوم يغيب وسيط روح الإرشاد عن نفسه تماما، غيبة كاملة، فيتواجد الروح المرشد ظهورا بمجال من مجالات كماله، وحتى الآن لا يوجد الوسيط الفرد الذي يطيق أو يُمكّن من ظهور روح مرشد ظهورا كاملا، وهنا يقول الوسيط أو لسان حاله: إن أردنا أن نترجم عن الواقع المشاهد المدرك لنـا بالاتصال الروحي القائم في هذا العصر… إن غبت من بينكم بعقلي وروحي، وبقيت بينكم بهيكلي وجهازي ونفسي، بدا لكم ربي وإلهي، من وراء حجابه بي، وإن بدا لكم ربي وإلهي فقد غبت عنكم فلن تجدوني فلا تبحثوا عني، واسمعوا منه واحملوا إليّ عنـه.
هذه آيات كبرى من آيات الله، يُظْهِرها الله لنا، في أنفسنا، بقائم الوسيط بيننا منا في هذا الوقت، وهي آية تقابل آية المعراج بذهاب العبد إلى ربه، وهذه آية مجيء الرب إلى عبده وجها لله نلقاه رجلا من بيننا يقوم لنا بيننا بقائم الروح المرشد، الروح المرشد الذي تُزوى له الأرض فهي جميعا قبضته، والسماوات مطويات بيمينه.
يوم يتحدث المرشد من هيكل من هياكل نفسه إلى هياكله المقيدة يتحدث بوسطائه، ليُذكِّر نفسه بضعفه وضآلته كما يقول، يكلمنا به الحق من وراء حجاب له وعندما ينطلق هو إلى واسع ملكه، يقول: "إذا فارقت عالمكم، شعرت بعظمتي وكبريائي، فإذا جئت إلى عالمكم شعرت بضآلتي وضعفي، وإني لأحب أن لا أبقى دائما في عظمتي وكبريائي. إني لأحب أن أذكر نفسي دائما بضآلتي وضعفي أمام المطلق، أمام اللانهائي، وإن كنت اسما من أسمائه وعَلما من أعلامه ومعنى من معانيه وعبدا من عباده، ورسولا من رسله، وأحدا من آحاده، سيدا في خدمة ما خلق من خلقه وسيدا بخدمته، على ما عرَّف رسولُ رحمته…
إني لأكتفي من عالمكم هذا برجل منه، مستجيبا لي وأراه أهلا لما أدعو إليه، متقبلا لما أهدي به، بما هدى به رسول الله من قبل، (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٥٩]. ولكني لست فردا يدانيكم، فنحن آحاد بجماعات نعمل في هذه الرسالة القائمة لهذا العصر، بيانا لما سبق أن جاءتكم به الرسل والكتب."
إن هداية قلب واحد، في الله، بالله، لله، إنما هي أمر جد خطير، إنها بداية في تواجد وجود كبير، على مثال من الوجود الذي تقيمون فيه، قائم وجود، من قلب مربوب وقلب راب أحاطا بالسماوات والأرض، وأحاطا بكل شيء في الوجود لمعنى الله ورسوله لعقائدكم فما قدرتم الله حق قدره.
فإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا، {أوليس الذي خلق السماوات والأرض، بقادر على أن يخلق مثلهم}[٦٠]، {والسماء بنيناها بأيْدٍ وإنا لموسعون}[٦١]. (إن آخر من يخرج من النار، [إن آخر من يخرج من نار احتراقـه، من نار اشتعاله، من نار وجوده، من نار صقله، من نار نفسه] يعطى عشرة أضعاف هذه الدنيا) [٦٢]…
ما قدر الناس الله حق قدره، وما خلق السماوات والأرض، إلا كبير خلقهم لأمرهم من الله يوم يعرفون كيف يتخلقون، يوم يعرفون كيف يتخلقون باسم الله، هو لهم، هو عارية وجودهم، وهو لهم، رحمة مهداة، ونعمة مزجاة، وقيومية دائمة، برحمة الله برسول الله…
يوم يعرف المؤمن مؤمنا، فيكون المؤمن مرآة لمن عرف من مؤمن، الله من ورائهم، وهو مطلق الإيمان، بلا بدء للمؤمنين فيه، ولا انتهاء للمؤمنين به. المؤمن به مرآة المؤمن فيه قياما للمؤمن مرآة للمؤمن قياما لله ولرسول الله، عند المؤمن بهما.
لا إله إلا الله محمد رسول الله
وتعالى الله في مطلقه وفي لانهائيه عن كل وصف، وعن كل تعريف أو قول. إنه المعروف لوجوده بوجوب وجوده، فمتى غاب حتى يستدل عليه! اختفى في شدة ظهوره وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل. إن الذي يعنينا إنما هي آلاؤه لنا.
اللهم يا من جعلت من الإيمان حياة، ومن الإسلام من العدم نجاة، فحملت الناس في الناس، ركبا إليك، وقياما بك، وكشفا عنك، اللهم ألحقنا بركب المؤمنين، وأفض علينا الإيمان من قلوب العارفين، حتى نكون بقلوبنا حية من المسلمين.
اللهم ارزقنا الإسلام والعرفان وأقمنا سقاة على أحواض الإيمان، حتى نكون خدما لطالبي الإحسان، طلبا للقاء الرحمن بفيضك، مؤثرين، ولطالبيه ميسرين وبه عليهم قوامين لا مستعلين ولا مستكبرين، ولكن جندا مسيرين، وبيوتا مهيئين، وسفنا موجهين، ومصابيح مضائين في الخدمة مجندين حتى نكون بذلك من المسلمين.
فألحقنا اللهم بركب الإسلام وركب الدين، وركب الفطريين، ركب الروحيين، ركب الموحدين، ركب المتحققين، ركب السالمين، المسالمين، المسلمين.
اللهم اجعل منا سلاما للعالمين، وأنزل علينا في عالمنا سلاما منك إلى يوم الدين.
اللهم فولِ أمورنا خيارنا برحمتك ومغفرتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا، وكن لنا في الصغير والكبير من شأننا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، عالمين ومتعلمين.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
سورة فاطر - ١٤ ↩︎
سورة البقرة - ٣٠ ↩︎
سورة البقرة - ٣٠ ↩︎
سورة الحجر -٢٩ ↩︎
سورة الأعلى- ٣ ↩︎
سورة النجم - ٣٩-٤٠ ↩︎
سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎
سورة هود - ٤٥ ↩︎
سورة هود - ٤٦ ↩︎
سورة المزمل - ٦ ↩︎
حديث قدسي طويل: قال الله تعالى: “يا عبادي إنَّكم تخطئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أبالي فاستغفروني أغفرْ لَكم … يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منْكم ما زادَ ذلِكَ في مُلْكي شيئًا”. صحيح مسلم. ↩︎
سورة النحل - ١٢٨ ↩︎
سورة فصلت - ٦ ، سورة الكهف - ١١٠ ↩︎
سورة مريم - ٦٥ ↩︎
الأنعام - ٩١ ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.” بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، المكتبة الشيعية. كما جاء في البخاري أن الإمام علي كرم الله وجهه قال: " “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله” ↩︎
سورة الكهف - ٢٨ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
حديث شريف: " إن لله عبادا إذا رُؤوا ذَُكر الله." الراوي: الحسن البصري. صحيح ابن ماجه. ↩︎
حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎
سورة الحجرات - ٧ ↩︎
من أثر ثابت من قول أبي الدرداء رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء)، والبيهقي في (شعب الإيمان)، وغيرهم. وذكره البخاري بلفظ: “إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم.” دون أن يجزم بأنه حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. (معنى “نكْشِر”: نبتسم أو نضحك في وجوههم) ↩︎
مثل عربي مشهور. ↩︎
سورة الروم - ٤٩ ↩︎
سورة فاطر - ١٤ ↩︎
سورة القلم - ٤ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النساء - ١١٣ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شربف. أخرجه الطبراني، والحاكم في “مستدركه”، وأبو نعيم الأصبهاني في “معرفة الصَّحابة”، والبيهقي في “دلائل النبوة”. ↩︎
من حديث شريف: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ". أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎
إشارة لحديث شريف عن عمر ابن الخطاب حين أتى إليه أمداد أهل اليمن، فسألهم عن أويس القرني، وقال " سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: يَأْتي علَيْكُم أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مع أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كانَ به بَرَصٌ فَبَرَأَ منه إلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، له وَالِدَةٌ هو بهَا بَرٌّ، لو أَقْسَمَ علَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لكَ فَافْعَلْ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ له." صحيح مسلم ↩︎
سورة الحجرات -١١ ↩︎
قول للإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. مجمع البيان: ١ / ٢١١، روضة الواعظين: ٣٩. المكتبة الشيعية. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
معنى يتناغم مع ما تناقله الكثيرون من المتصوفة ومنهم الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية عن قول أبي يزيد البسطامي: “أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟ قالوا: مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات.” ↩︎
من الحديث الشريف: “… فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ: كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ: إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”. صحيح البخاري ↩︎
سورة هود - ٧٨ ↩︎
قول للإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. مجمع البيان: ١ / ٢١١، روضة الواعظين: ٣٩. المكتبة الشيعية. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎
من حديث شريف: “صِفَتي أحمدُ المتوكِّلُ، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، يجزي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يكافئُ بالسيئةِ، مولدُه بمكةَ، ومُهاجرُه طَيبةُ، وأُمَّتُه الحمَّادون، يأتزِرون على أنصافِهم، ويوُضِّؤون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصفّون للصلاةِ كما يصفُّون للقتالِ، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إليَّ دعاؤُهم، رُهبانٌ باللَّيلِ لُيوثٌ بالنَّهارِ”. أخرجه الطبراني. ↩︎
سورة الفتح - ٢٩ ↩︎
سورة النحل - ١٢٠ ↩︎
من الحديث الشريف: "قال رجُلٌ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أُرسِلُ ناقتي وأتوكَّلُ؟ قال: (اعقِلْها وتوكَّل). صحيح ابن حبان. ↩︎
شعر لأبي العلاء المعري: ولما رأيتُ الجهلَ في الناسِ فاشياً… تجاهلْتُ حتى ظُنَّ أنّيَ جاهلفواعَجَباكم يدّعي الفضْل ناقصٌ… وواأسَفاكم يُظْهِرُ النّقصَ فاضل ↩︎
سورة الزمر - ٣٤. ↩︎
سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎
حديث شريف ذات صلة: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم “قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.” أخرجه الترمذي، وأحمد بلفظ مقارب، والحديث الشريف “إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه…” أخرجه أحمد وابن حبان باختلاف يسير. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه…” أخرجه أحمد وابن حبان باختلاف يسير، وأخرجه البغوي في ((شرح السنة)) واللفظ له. والحديث الشريف “أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.” أخرجه الترمذي، وأحمد بلفظ مقارب. ↩︎
إشارة إلى حديث شريف ذات صلة ذكره ابن العربي الحاتمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: “إن الله خلق مائة ألف آدم”. وجاء في بحار الأنوار، من المكتبة الشيعية، عن السيد محمد الباقر: “بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎
من شعر أبو الحسين النوري. شاعر من العصر العباسي. “إذا تغيبت بدا وإن بدا غيبني” ↩︎
استلهاما من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب: " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة يس - ٨١ ↩︎
سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎
في إشارةِ للحديث الشريف “إنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎