(٩)
آدم وعيسى ومحمد والخضر
أركان بيت إنسان الله في الوجود وفي السجود
قضايا مسيح الوجود اللانهائي للعبد والمعبود
هم القدوة والأسوة لمراتب ومراقي الكيان البشري في معارجه في الله
كل منهم يطوي لحقه الآخرين لقضيته في معناه
حديث الجمعة
٢٧ جمادى الآخرة ١٣٨٥ هـ - ٣ سبتمبر ١٩٦٥ م
تصحيح التاريخ الهجري: ٨ جمادى الأولى ١٣٨٥ هـ
بسم الله، نعوذ بالله وباسم الله نستغفر الله وبسم الله نستعين بالله…
نشهده باسمه لنا لا إله إلا الله، ونؤمن به لقائمنا لا إله إلا الله، ونتوجه به لمعانينا لا إله إلا الله، بيقين لا إله إلا الله لقائم الحق بنا.
قال أخونا في الله، وأخ كل صادق في الله، البريء من مزالق الحياة، والبريء مما دعاه به زاعمو حبه من أعداه، مما سلّمه وبرأه منه الله، ومن هو سيدنا في أخوته، ومولانا في متابعته… إلى أبيه وأبينا، وإنسان معناه ومعانينا، وإنسان مغناه ومغانينا، من عرفناه لنا به لقائمنا رسول الله نعنيه ويعنينا، رفيقا أعلى نعنيه كما عناه، ونرتضيه على ما ارتضاه، ونطمع أن نراه في أنفسنا كما رآه، وأن نرانا فيه على ما تولاه… مسيحا عن نفسه، وظلا له لنفسه ارتضاه، وظلا للأعلى عرفه على ما رآه، قامه على ما قامه ووالاه على ما والاه، فتواجد به لا من دونه. فبه قام وأقام وأحب ولام، وباعد وقارب فقرّب وأبعد… فكان للأعلى وجها ويدا وقدما وسعيا وسيرا.
فكان للأعلى رحمة وعلما، وكان للرحمن كتابا وكَلِما، وكان للحكمة بيانا وطريقا ومعراجا وسلما… مبشرا بوفاء فيه لمعناه، ووفاء له في مرتقاه، ووفاء للناس بتحقيق في سفور، برفيق وصديق وعينا له للظهور، علما على الأعلى لمن دعاه أباه، وحقيقته حقا وحياة للطريق، وإنسانا في الله، قامه في المهد عنونه وعنوانا ليقومه قدمه يوم يقوم كهلا حقيقة وإنسانا علمه وعلمه فأعلمه. قدمه للناس قدوة به كافة لهم، رسول الله، كوثرا به، قامه ودامه وأمرا وسطا فيه أقامه وأدامه وعنعنه فقال:
أنا الحق وأنا الطريق، أنا الحيـاة وأنا القيامة. وما تجاوز فيما قال مقامه، قالها بحق وهذا هو الحق قامه.
السلام عليّ يوم ولدت - ودائما من الأرض أولد فأنا ابن الأرض - والسلام علىّ يوم أموت - وهكذا دائما أتوفى لأحتجب وأختبر، عودا إلى بيت أبي وربي فيه أنتظر - والسلام علىّ يوم أبعث حيا بيوم لرسالة عليها أصطبر، ونشرا للحياة بها أفتخر، ثم بيوم للفصل فيها بين أهل الحياة بعطاء وأهل العدم بجزاء أعمل وأعدل وأنتظر.
السلام علي يوم أنصف من الأعلى، حجة على الناس، فأبعث به لأُتوفى. يتوفاني الأعلى لي على قدمه من الأعلى له في ذي المعارج فيجعلني الأعلى لنا معهم واحدا فيه، كلانا لأخيه رفيق… حتى إلى أعلى لا رفيق له، حتى إلى أعلى لا شريك له، حتى إلى أكبر لا موجود معه، حتى إلى لانهائي هو لنفسه على ما هو لنفسه نحن فيه له. ونحن فيه لكم. هو لنا معبودنا، ونحن به وجهه لكم.
هو اللانهائي في تعاليه على ما هو اللانهائي في تدانيه… يدانيكم حتى لا وجود لكم، يدانيكم حتى لوجوده وجودكم، يدانيكم حتى إياه لأنتم، فلا أنا ولا أعلى ولا أنتم، ولكنه الله وكفى وحقائقه التي وَفىَ.
فالحديث عن الحقيقة والخليقة أو عن الحياة والعدم، يجب أن يبدأ من آدم حديثا عن الإنسان في أحواله وأطواره، وأن ينتهي إلى آدم الإنسان في تمامه. فالإنسان أو الآدم هو الأول خلقا وهو الأول حقا. يبدأ خلقا وينتهي حقا.
فقائم المسيح في ناسوته لا يعبِّر بالأنا عن لاهوته، لأنه بمسموعه عند سامعه يدل على مشهوده لمشاهده من الناسوت، وهو العدم في قائم اللاهوت.
فالأرض تنشق عن كائناتها البشرية عن ظلال عابدة لعبد معبود هو روح وجودها، وإنسان تمام لذاته ومعناه هو قائم الحق الإنساني لله، لآدم في قائم إنسان بالحق في مطلق الله بالوجود يتسامى لمعاني السماوات، ويتدانى لقائم الأراضين.
إن رسول الله في قائمه محمد، لحقية العبد لله لقائمه ومشهوده، صدق نفسه، وصدق قومه، وصدق الناس، وهو يظهر دون سابقة من الإنسان في مطلقه الأزلي، أو الإنسان في مطلقه الأبدي، بوصف العبد لرب، ولم يظهر بوصف الرب لعبد. فأعلى من شأن الأب والابن بالحق الإنساني القديم، ورآهما الآب والأب لقائمه أبا، والأبناء لقديم لقائمه ابنا، رأى نفسه في قائمه خلقا، ورآه بخلقه في خلقه آبا. ورأى ما سبقه عين ما يقوم في البشرية بعده، فوضع نفسه دون من قبله ودون من بعده… في رؤية الإطلاق الإنساني في مطلق الله بالوجود سائدا هو له مسود، معلما الناس عن أنفسهم في الإنسان، وعن الإنسان في الإنسان، إلى غيب له في غيب له… حتى إلى علم بيقين لقائم الإنسان عن نفسه من الله في مطلقه. فقال (خلفت الله عليكم)[١].
فالإنسان أمام نفسه هو الأمر الوسط في مطلق الإنسان في الله، لقائم الله بقائم الإنسان. فهو المسئول عما يسفر به أمام نفسه ومن أسفر عند نفسه بقائم الأول أو قائم الآخر فقد زلت به القدم.
فآدم بالحق لآدم بالخلق هما وحدانية الخلق بالحق في قائم أعلى لهما لإنسان لله لقائم أحد من آحاد في مطلق للوجود. عنه تصدر الكلمات في قيام منفرد بذاته ومعناه له ولما يصدر عنه.
فآدم يبدأ مرسلا إليه برسول لمرسل، وبتكاثره العذري يصبح رسولا لآدم المتواجد منه بما علم من علم عن نفسه، فإذا تم للمتواجد وجوده ليكون رسولا بما علم عند من تواجد منه، أصبح معلمه ومتواجده عند من أصبح مرسلا إليه معروفا بالمرسل بقائم الرسول في قيام المرسل إليه. وهذا ما عناه الرسول بما يكون للبشرية عند انتشار رسالته بوعيه لتمام وعيها، من قوله لا نبي بعدي وقد خلّفت الله عليكم. فكلما تواجدت الأوادم من آدم عرف في نفسه عمن يقوم عليه من سابقه في مرآة أوادمه من فعله فهو القارئ لكتاب نفسه عن قائم حقه وقيوم أمره.
إنه اللانهائي في كل ما اتصف به. إنه اللانهائي من حيث ذاته، وإنه اللانهائي من حيث لطيفه لروحه. وإنه اللانهائي من حيث مصدره لأقباس نوره لتواجده لذوات حضراته، ولوجود السماوات والأراضين لظهوره بصفاته لآياته. إنه اللانهائي في كل تواجداته وكل صفاته {إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله}[٢]… يأتي بها اللانهائي.
هكذا عرّف كلمة الله بيننا، وروح قدسه لعلمنا، وعين آدمه من عالمه، بكلماته وأوادمه لعوالمنا، في اقتدائه واقتفائه، قائم رسول الله بكوثره بكلمات الله، أُعطِي جوامع الكلم… لا عد لها ولا حصر لها… مبشرة، منذرة، أن الأكبر لمعناها ومبناها يقوم يوما سيدا في الأرض بمبناه لمعناه، وهو اليوم يقوم عليها بمعناه ويظهرها جميعا لأوادم مبناه وهو الأكبر له. عرفه بعين معناه وطلبه لغايته من الله فقال لنا البشير به، يظهر فيكم رسول الله بما هو لي من الله، وقال الرسول يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا.
وبذلك عرّف عن الأعلى لبشراه، وأنه هو تحقيق مراده له من مولاه بما قال له أعلاه لموصوف مولاه {إني متوفيك ورافعك إليَّ}[٣].
فعرف وعرّف أن الأرض يقوم عليها الإنسان الثاني… الإنسان الابن والكلمة لله إلى نهاية العالم ببداية دائمة لبدايات، وأن الروح القدس الظاهر لأهل السماء لا تطيق أهل الأرض وطأته، وأن إنسان الله لا تتسع له السماوات والأرض، ولا يكلم البشر إلا من وراء حجاب الإنسان المرسل.
عرّف عيسى أن الذي سيأتي من بعده يظهر وهو الأعلى عليه بقيوم الحياة لقائمه بها، بعطائه متوفى لآدم وهو بذلك إنما يمهد لجيئته بمقدم جديد له بحقه المسيح الأب، ويعرّف عنه بشيرا به، كما فعل هو بحاله ومقاله ومعناه للتعريف عنه والتبشير به، كبيرا له.
وهذا هو أسلوب الحق في إبرازه لهما من غيب إنسان الله يقدم ويعرف كل منهما للآخر… آدمان لروح قدس الله، وفي استرجاع الناموس لهما إلى غيب الله حتى يظهرهما معا في يوم لله، على ما عرف كل منهما (إذا جئت في القيامة دعوتكم بـ: يا إخوتي)[٤]. (كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمّكم منكم])[٥].
فعلى ما أشار إليه مجيئه في جيئته لمعناه بمبناه رسولا لله وعبدا له بعث بالحق، يجيء من بعده بحكمة جيئته، ويسترجع من شهادته بناموس استرجاعه قدم توفيه لعيسى في ظاهر الله بظاهر الله إلى ظاهر الله، بمبنى لمعنى في حضرته بالخلق على الأرض بشرا من طين.
فالله مظهر عبده وكلمته التامة للناس دون إعجام أو ألغاز لا يعجز به عقولهم، ولا يشذ به لهم عن ناموس جيئتهم وخروجهم، {إني متوفيك ورافعك إلي}[٦]. يدخل هذا العالم مدخلهم ويخرج منه مخرجهم، قدوة عامة لهم. ولا يقدح مدخله ومخرجه في أمره لاقتدائه رحمة للعالمين، على ما كان من أمر الناس مع البريء من مدخل عيسى ومخرجه قبولا أو إنكارا وريبة. وهذا هو موعود بني إسرائيل، (وجهه عربي، وجسمه إسرائي لي)[٧]، وهو ما وعد به الإسلام كل مسلم لله بإسلام لرسول الله في إسلام لظل من ظلاله بكوثره، لقائم ودائم رحمة الله.
استقر نور الله لمحمد في عبد الله كما استقر نور الله لعَليٍّ في أبي طالب فخرج محمد من عبد الله انشقاقا للسماء الدنيا من الأرض وليدا. وضعته القدرة في أعماق الطبيعة من أحشاء آمنة لمعاني الأم المقدسة للكون، انشقت عنه أرضا مقدسة له به (انشقت الأَمة عن ربها)[٨]، فأشرقت الأرض آمنة بنور ربها، على ما يجعل الله به للأرض برسالته، يوم تنشق الأرض في قادم لها عن وليدها، ليكون سيدا لجديدها خروجا من قبره - وهو الحي فيه - على ما سبق أن انشقت السماء الدنيا عنه يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات مرة أخرى، خلقا للزمان، وخلقا للمكان، وخلقا للإنسان في دورة دائبة، لجديد آدم من قديم آدم، في قائم آدم، نواة لمولد الحياة بكون من كون في قائم الكون…
حضرة ذاتية… حضرة أرضية… سدرة منتهى لأطوار السلالة البشرية من السلالة الترابية… بالسلالة الطينية، تجديدا للكينونة الصالحة للظهور الحقي للروح وللمواصلة الروحية… لتمام الوحدة النورانية… لبروز الهياكل الصمدانية… لهيكل الحقيقة الربانية، سفورا لغيب الحقيقة الإلهية قياما للوجود للواجب الوجود المقدر والمعروف باللانهائي في وجوده، اللانهائي في عطائه وجوده.
جعل من الإنسان عند الإنسان في الإنسان مظهره، وأعلمه بعلمه عنه كتابه وخبره، وجعل له من لدنه منه فيه علما وحكمة، كشف بها مخبره، فعرف أنه لما يقضي ما أمره، ولم يستوفِ بعد ما وعده وأن للأمر بقية، وأن لله بقية، وأنه دائما هو بقية الله، {ولسوف يعطيك ربك فترضى}[٩]، {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[١٠]، {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}[١١]، {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}[١٢]، {إني متوفيك ورافعك إليّ}[١٣]، وهل كان العبد له غير الرب عليه؟! وهل كان العبد والرب إلا وجهه؟ وهل كانا غيره؟
فمن كان رب الإنسان؟ هل كان غير من وصفه عيسى بأبيه! هل كان غير قديمه لقائمه وقد سوى الأعلى والأعظم بين العلي العظيم وما نتج عنه سوى الخالق الأعلى… سوى البستاني الأعلى… سوى الزارع الغارس بين الشجرة والثمرة، يوم غرسه الثمرة وجدد بها موجود الشجرة فملك الجنة بكوثر الأجنة. {كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}[١٤].
ذكرت الثمرة أصلها من الشجرة، وذكرت الشجرة بحالها البستاني وخبره. انتسب البستاني للأعلى فقام البستاني الأعلى عبدا، وجعل من الشجرة جديدا وجدا، فملك الجنين وساد الدارين… وعرف اللانهائي وجودا في لانهائي وجوده بكوثر تواجده، وآمن باللانهائي لجوده في لانهائي أسمائه له بموجوده لصفاته به بما علم وعلّم. وقد علّم آدم الأسماء كلها له هي وليده وجديده وجعله بها كوثرا بذاته وصفاته، فلا أعلى له إلا اللانهائي تواجده لوجوده، وقد جعل من فرده لمفرداته كفايته لذاته في موجوده لوجود مثاله، بآحاد حقائقه لحقيقته تتابعه في مبناها لمبناه للانهائي قيامه ومعناه.
جعل ذلك للإنسان في غيبه، ثم جاء به بعثا من آدم بكلماته إليه، ومظهرا له، ومظهرا لها على الدين كله… لتكون أول العابدين عند طالب العبودية لنفسه بحثا عن ربه… عند طالب الحقيقة الربانية قدرها عند من سبقه إلى العبودية… عند المؤمنين بالحقيقة الإلهية… عند المقدرين لقدسية اللانهائية… عند من جعله الله بها أول العابدين.
فجعله الله رسولا من رب العالمين لأرباب العوالم عالمين معلمين، شهيدا على مشاهَدين وشاهِدين، ومشهودا لمشاهدين وبه مشهودين، إماما للعالمين في طريق العوالم إلى اللانهائي للوجود والتواجد.
عُرِج به فتعارف لذي المعارج، في ذي المعارج، بذي المعارج، يشهد فيه العارج سابقا لعارج متابع، مسبوقا بعارج يُتابع. أمر يدرك لمدرك، يوم يؤم من العوالم من الناس عارجين في جمع من الخلق لأنفسهم طالبين، لخيرها مجاهدين، للحق ساعين، للخير فاعلين، للحقيقة مفتقرين، لعبوديتهم مقدرين… بها معتزين، وبها قانعين، وباتصافها لمعلوم ربها فخورين. وفي أمرهم غير مفرطين. وعلى مرضاة ربهم لهم حريصين.
كيف لا! وهم الأبناء المكرمين، وأوادم العباد المصطفين وحقائق الأولياء المتولين، وركب الخلصاء المخلصين… للناس مخلَّصين ولسعيهم بما فيه من المشقة راضين، ولربهم شاكرين ومعيته ذاكرين وبها مُذكرين، ولأنفسهم متجاهلين ومتهمين، وعلى رائيها في علميتها بالحق للحق لها مفكرين، للأكبر منتسبين، فما كانوا في أمرهم ضالين، وما ارتضوا أن يكونوا من المضلين، ولكنهم عرفوهم المساكين في غناهم، اليتامى فيمن آواهم، المفتقرين دوما إلى مولاهم.
ذكروا الأعلى لهم بالعظمة وبالقدرة وبالغنى وبالنعمة وبالعطاء. وما شقوا على الناس في الاقتداء… عبادا للرحمن… مشوا على الأرض هونا… ظهروا بالافتقار لكل شيء، وبالخلو لأنفسهم من كل شيء. وذكروا الله فاعلا وحده هو محل افتقارهم ومصدر غنائهم في كل ما فعل بهم وفي كل ما فعل لهم.
هؤلاء هم المسلمون… هؤلاء هم الروحيون… كان عيسى وموسى في دوام أولهم، وكان عيسى للأعلى من المكرمين مَثَلهم، وكان موسى للمتكلمين خبرهم، فجاء الرسول بذاته ليكون مثلا لذلك وقدوة فيه مع المطلق للأعلى في معارجه… مع إنسان الله جديدا لعيسى… وتمام عيسى لآدمه… وكمال وتوفية عيسى لمسحه وتوفيه… واستقامة موسى وإجابته إلى سؤله لمشاهدة مشاهده ومكلمه… وتوبة وعودة آدم لبنيه بتوبته… وكمالا لبيت إبراهيم بدوام جدته، وتوفيه له لمعنى الإنسان بوليده لجديده.
جاء محمد لمعنى عبد الله ورسوله لنا عندنا، أما هو عنده فما عرفه غير ربه… (ما عرفني غير ربي)[١٥]. لقد كان في معناه وفي حقيقته، لظاهره ومبناه لشريعته علم الأعلى. لقد كان لنا عين الأعلى ووجهه. لقد كان لنا الرفيق الأعلى لنا من الرفيق الأعلى له. لقد كان المعنى الأعلى لمن كان منا له في الله معنى. لقد كان الإنسان الأعلى لكل من حقق لنفسه به معه معنى الإنسان له. لقد كان الكلمة التامة والأعلى لكل من أصبح كلمة لله مع كلمة الله في كلمة لله. لقد كان الآدم القديم يتوفى والأسبق لكل من حقق لنفسه في قيامه قيام آدمه لذاته ومعناه. لقد كان الإنسان القريب من الله ذي المعارج والأقرب لكل من عرج. لقد كان العبد لله والوجه لله والحق لله مجردا من الأسماء والصفات. لقد كان مسيح الله للمسحاء لله بالإمحاء فيه.
كان الإنسان من إنسانية الرشاد. كان الحق من حقائق العباد. كان الحقيقة في لانهائي الحقيقة. كان الإنسان في لانهائي الإنسانية. كان العنوان في لانهائي العنونة عن الرحمن.
تأملوه وهو يقول (ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات)[١٦]، بدءا من أي ذات يا رسول الله؟ إنه يعني بدءا من ذاته مشهودة… من ذاته موجودة… من ذاته عابدة لا معبودة. طلب إلى متابعيه أن يقوموا بذواتهم في روحه لذاته حتى تتحقق ذواتهم بما تحققت به ذاته بدءا من ذواتهم، فيدخلون في حصن لا إله إلا الله معه كما دخل، وكلما عرج فدخل، ويموتون قبل أن يموتوا - كما مات وكلما في معراجه عن حاضر به مات، ويبعثون بالحق في قائمهم - كما بعث، وكلما بأعلى في قائم قيام بعث.
(والذي نفسـي بيده)[١٧]، (والذي بعثني بالحق)[١٨]، (ما أعطيتـه فلأمتي)[١٩]، (لكم من الله مالي)[٢٠]، {فاتبعوني يحببكم الله}[٢١]، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٢٢]، (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[٢٣]. (حياتي خير لكم [إن طالت] ومماتي خير لكم [إن جاء])[٢٤]، (أنا حي في قبري من حج ولم يزرني فقد جفاني)[٢٥]، (بل الرفيق الأعلى)[٢٦]، (تُعرض على أعمالكم فإن وجدت خيرا حمدت الله وان وجدت شـرا اسـتغفرت لكم)[٢٧].
إذا كان في الأرض قبري أنا به حي - وأنتم منها أبناؤها فأنا كامن البنوة لها فيها معكم - فقلوبكم مقابري. ابعثوني بذكر الله في أنفسكم، فما كنت إلا ذكر الله لكم، (من رآني فقد رآني حقا)[٢٨]، ولا يراني إلا يوم يراني مبعوث جديده، بعد فناء فانيه بغير الله.
يحقق ذلك لنفسه كل كائن بشري، يوم يخاصم نفسه عليّ فيصالحني ويعاديها، ويغير ما بها بما لي من نور الله أمشي به في الناس لبعث أمتي، (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)[٢٩]، فينصرني الله فيه على نفسه له فيبعث بالحق مذكور ذكري ذكرا لله… موجود وجودي ما تواجدت فيه بحقي لموجودي لموجود الله. مشهود شهودي، ما تشهّدت فشُهدت وشَهِدت بقائم حقي لحقيقتي.
إن لي عقبى الدار… ألست أمة الخير! أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! أمة الله لإيمانها بموجودها له! إني المنتظر مع المنتظرين، المنبعث في المبعوثين والمنبعثين، قيامة الحق لمن كانوا بالحق قائمين ظلال حقيقتي، وقيام سعيي، وأيدي نجدتي، ووجوه جمالي، وتجلي جلالي وجلالتي، أنصاري وحواري إلى الله. يوم يقدر الله حق قدره في عظمته وجلاله، لا تطيقه السماوات أو الأرض، في تجلٍ مباشر له.
(إن لله ساعة إطلاق لا يطيقه فيها أهل السماوات ولا أهل الأرض، لا يطيقه فيها نبي ولا ولي ولا ملَك…)[٣٠]، وكيف عرفت ذلك يا رسول الله؟ هل كنت فوق الله فأحطت به وأنت العبد له؟! إنه الإنسان الذي كان عين ربه في معارج ربوبيته برحمة الله به وبرحمة الله عليه حتى صار مسيحا لمطلق الوجود لله، مكّنه الله من أن يطيق وطأته يوم أفناه عنه، وأقامه به، ليشهدها بما عرف وعرّف على ما قام فبين، أو على قدر العجز عن إدراكه لغيره فحفظ وكتم، بحديث قدسي أو ببيان نبوي أو بكلام قرآني أو بحكمة محمدية لنفسه مضافة أو لإخوانه من مثاله أضيفت حتى يقوم فيما أراده به من إظهاره على الدين كله وإظهار من كانه على ما كانه، لوحدة المرسل إليه بالرسول في وحدته بالمرسل.
ما ترك شيئا يقرب إلى الله إلا هدى إليه وتحدث به، وما ترك شيئا يبعد عن الله إلا حذر منه وكشف عنه. وقام بيننا بظلاله ممثلة مختلف الجوانب من أقواله وأحواله لكوثره دوام رسالته قدرناها موقوتة. وتابعها القليل منا قائمة دائمة متجددة بأثوابه، مجددة لقديمها بحقه راشدة رشيدة مرشدة - خرجت من الأرض كلما عليها تواجدت بعمدها بحصادها لأمتها، وتجددت منها لها بأئمة وحصادهم لجمعهم على ما كان من رسول الله لمعاني ظلاله، في قائم وقيوم حاله، بجانب من أحواله، بصحبه ومتابعيه في متابعتهم. وهذا ما عناه الرسول بقوله (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[٣١]، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٣٢]. وهو ما يعنيه الروح المرشد سلفربرش بقوله وترديده لعبارته الحانية على البشرية (الرسالة قائمة، الرسالة قائمة).
هو طابع النبيين وخاتمهم بظلاله متجددة قائمة لا تغيب أبدا. وهو ختام النبيين بدائمه حقا وأول العابدين بقائمه صدقا لأنه من بعده ما كانت هناك حاجة أو ضرورة لجديد من نبي وإن كانت الحاجة دائمة لمجدد للبيان، لما جاء به تجديدا لأمره. فهو ما زال قائما حيا في قبره. يقوم ويتقلب في الساجدين من أمته، جماع أقدام الأنبياء وحقائق الأولياء، وجماع كلمات الله للآدمية والبشرية والإنسانية، على ما كانت في قديم البشرية، بالحكمة الربانية، والوجوه الحقية، والأنوار الإلهية، والهياكل الصمدانية والحقائق القدسية في قديم الجنس.
ما خلت منهم الأرض في زمن من الأزمان فهم أوتادها ومصابيحها، ولن تخلو منهم الأرض في زمن من الأزمان فهم أمانها وضمانها وحياتها وأحواض الحياة لأهلها.
هم صحف الكتاب وأقلام القدرة وألواح الحكمة وطريق السلامة، فكيف يتخلى الخالق عما خلق وأقام؟ وهو غير المتعدد في وجوده بموجود خلقه، (كان ولا شـيء معه ثم خلق الخلق وهو الآن على ما عليه كان)[٣٣].
هو من وراء الكل بإحاطته، قائما على كل قائم بقيوميته، أقرب من حبل الوريد - عرف الناس أو لم يعرفوا، آمن الناس أم لم يؤمنوا - آخذا بنواصي الكل. {وما من دابة على الأرض إلا هو آخذ بناصيتها… ويعلم مستقرها ومستودعها}[٣٤].
إن الربوبية كما قدمها الإسلام ما هي إلا الإنسانية الراعية للإنسانية المرعية. فالرسول بإنسانيته لمعنى أمته هو المرعي منها لموصوف الخلق لها، وهي الإنسانية المتوفاة الغنية عن الإنسان المحدث منها، وهو بمحدثه المفتقر إليها حانية عاطفة محبة له.
إن النبي - بموصوف العبد لربه - كان في رعاية كاملة من ربه، كان الساهر عليه دائما هو ربه، كان موضع العناية من ربه في الصغير والكبير من شأنه، وموضع الوصلة الدائمة من ربه، وموضع الصلة المسقطة للتعدد مع ربه، {إلا تنصروه فقد نصره الله}[٣٥]، كفي بالله ناصرا، كفى بالله حسبا.
(الصلاة صلة بين العبد وربه)[٣٦]، {إن الله وملائكته يصلون على النبي}[٣٧]، إن الله وملائكته يسهرون على عبده لا تأخذهم سنة ولا نوم، يسهرون على النبي بموصوف الحق لهم، لظهورهم، بموصوف العبد لمعنى قربهم. إنهم لا ينظرون لمعاني أنفسهم في قائمها إلا إليه، ولا يعرفون وجوها لهم لسفورهم إلا إياه، ويتابعونه بنظرهم حيث يقوم وحيث يتقلب في الساجدين لموجود أمته، في وحدانيتها رسولا إلى الناس في وحدانيتهم، مرسلا إليه من الله وملائكته، في وحدانيته مرسلا، في وحدة الوجود لله قياما وإسلاما.
جاء ربه في سابق بما أخذ من كل أمة بشهيد بناموس الاصطفاء من خلقه لإظهار نفسه لمخلوقاته بنفس من أنفسهم، ثم جاء به لقائم الأعلى شهيدا على هؤلاء الشهداء والمشهود لهم، وبذلك قصر النظر إليه لقائم الأعلى لهم وقياما عليهم له لقائمه بهم، وجعلت الشهادة لمشاهدة الحق بهم للشهداء منهم اصطفاءً منه، لإقامة إرادة الأعلى شهيدا بهم ومشهودا لهم مرآة وجوده ليشهد هو فيهم الأعلى له بهم، فيتقدر الله حق قدره عنده وعندهم.
{إن الله وملائكته يصلون على النبي}[٣٨]، وهو بدوره يصلي على المؤمنين بالله ورسوله لتكون صلاته سكنا لهم، فيكون الله به قد صلى عليهم. {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}[٣٩]، فيصلي الناس مأمورين متقين وعاشقين، بجمعهم وروادهم عليه في دوامهم صلاة الله عليه في دوامه.
يهدي الله به ولا يعدد هديه معه، وكذلك فإن الرسول يفعل بالأعلى ولا يعدد نفسه معه ولا يعدد نفسه مع الناس المؤمنين منهم بالله ورسوله.
إننا لم نؤمن بالرسول بعد وإن قلنا بإيماننا بالله مجرد مقالة، ولم نعرف شيئا عن الرسول ولا الرسالة بعد على ما يليق بنا وعلى ما يليق بالرسول. كما أنَّا لم نؤمن بالله معنا بعد وإن كان هو دائما معنا، ولم نعرف شيئا عن الله لمعيتنا بعد إلا من رحم، وعلى صورة فردية، منكرة منا عند جمعنا، مزعومة لغير أهلها عند اجتماعنا.
لقد عرفنا عن الله وعن رسول الله وعن كلمات الله لهما، معرفة نتيجة الظن والتخمين والتقدير العقلي والاستنتاج، لأنا عزلنا أنفسنا ومعانينا عن الله ورسوله وعن كلمات الله دائمة متلاحقة بيننا منهما، تقوم لنا بهما وتقومنا باتحادنا معها لقيامها… على ما قامت فيمن قامت فيه في دوام، فقال قائمها (أدعو إلى الحضرتين بالحضرتين)[٤٠]حضرة لهما، وتناجوا مع الحق معهم قائلين (نشهدك به ونشهده بك)[٤١]، لا تعدد بينكما ولا فرق لكما ولا افتراق لنا عنكما، يوم نرانا لكما وفيكما ومنكما، يوم ندخل حصن لا إله إلا الله ونعرج في الله ذي المعارج بالله أكبر والله أكبر بشهادتنا لنا محمدا رسول الله… فحولنا هذه المعرفة إلى ألفاظ تردد لا واقع ولا إعمال لها، ولا عمل لكسبها حتى عند من قبلها. ورفضها منا أكثرنا فهما أو عقيدة في نظرنا وتقديرنا.
فهل بهذا الحق تواصيتم في جماعة الإسلام بفقه الإسلام؟ وهل بشيء من هذا توارثتم عن آبائكم في الإسلام، وورّثتم أبناءكم في الإسلام؟ أم أن مجتمعكم باعد بينه وبين ذلك كله، وفارقه على قيام، وذكره فريق بكلام، وقام فريق فعلا معه بحرب وخصام!
يحاولون إطفاء نور الله بالكلام باسم الله وباسم روح الله وباسم نور الله وباسم كتاب الله وباسم الحق من الله فلا حول ولا قوة إلا بالله!
{وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[٤٢]، {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين}[٤٣]، يهدمون بيوت الله فيهم بأيديهم وبأيدي المؤمنين، يوم يطمس الله على قلوبهم، ويمسخهم على مكانتهم، كلما قامت عليهم حجة الله بأمر لله من بينهم لقوه أمام وجوههم وأنكروه بقلوبهم لأنهم أسفل من السافلين. الشياطين هداتهم، والطغاة رعاتهم، {ألم ترَ أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا}[٤٤]، يوم تخرب بيوت قلوبهم من فرصة الإيمان بامتداد أنوار ربهم في معيتهم.
وهو ما كان في أمر كل زمان، وهو ما هو ظاهر للعيان في هذا الزمان حتى صار طابع هذا الزمان، على ظهور فيه وبروز له وسفور به في كل بيئة وفي كل أمة وفي كل مستوى وفي كل مكان، إلا من رحم - والنادر لا حكم له - يَظهَر للمتأمل بما نسميه الأمراض العصبية والأمراض والأزمات النفسية، وهو ما نسميه هنا في دائرة العلاج الروحي بحالات المس انتشرت في الناس، {كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}[٤٥]. {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين}[٤٦] من شياطين الجن للجن والإنس أو شياطين الإنس للإنس والجن، من أحدهما مع الآخر أو في بيئته.
إن الله مظهر لكم آياته في أنفسكم كما هو مظهرها في الآفاق على ما وعد، وهو مظهرها للمتأمل والمتبصر في كل عصر وفي كل أمة وفي كل مكان. وهي في هذا العصر أظهر وأبرز. وهي الآن في كل يوم تزداد ظهورا وتزداد بروزا، حتى تبهت الناس ساعة في ضلالتهم. {سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج}[٤٧]، يأتيهم بغتة لأنه ليس فيهم من يتعظون إلا بأنفسهم ولا يريدون أن يتعظوا بغيرهم وقد خلت من قبلهم المثلات. ولا يريدون أن يتعظوا حتى ممن بجوارهم أو على صلة بهم والله يوقظهم دائما وواعظهم دائما ومبرز لهم آياته دائما وأبدا، {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها…}[٤٨]
إن من لا يطلب العظة إلا في نفسه، بوقوع القضاء على نفسه فهذا هو الشقي، أما من يتعظ بها مشهودة له في غيره برؤية القضاء في غيره، فقد حماه الله أن يتعظ بمحنة في نفسه، ووقاه أن يتعظ بنفسه في بلائها لابتلائها، وكأن هذا قد تم له بما استيقظ وأفاق إلى أمره. {وكل شيء عنده بمقدار}[٤٩]، {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}[٥٠]؟ وبذلك يجني خير الاتعاظ، ويتجاوز مشقة البلاء لتحقيق المعرفة وكسب الفضيلة.
إن الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات فيما عرفوا بما يتناقلون عن أسلافهم، أو بما لحقهم أثره بما قامت بعيدة عنهم المثلات، فيما شهدوا من أمر عصرهم، خاب سعيهم. وإن الذين لا يطلبون العظة إلا أن تقع عليهم حتى يفيقوا، إن الله عند ظنهم، وستأتي لهم في يوم لا بيع فيه ولا خلال، يبهتهم فيه الحق بآياته ولا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا.
إن الصدّيقين… إن الذين صدّقوا الله فيما قال وفيما أبرز… إن الفارقين بين الحق والباطل في أمرهم على ما هدوا وعلى ما أمروا وعلى ما نهوا وعلى ما شهدوا من أثر ذلك فيمن لم يفرق بين الحق والباطل في قديمهم من جنسهم من أصولهم أو من غيرهم في حاضرهم، وفي قائمهم في مجتمعهم وفي بيئتهم أو أسرتهم أو في جوارهم… إن من أدركوا ما وراء مادية الحياة، وما وراء مادية التاريخ، أولئك عن العظة في أنفسهم، هم عنها مبعدون.
إن الفارقين والمستقيمين على الفرق كانت لهم من الله الحسنى وزيادة {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}[٥١]. فأولئك الذين اتقوا وجاهدوا أنفسهم واستقامت لهم أنفسهم فكسبوها، ورضي الله عنهم وجعل لهم من أنفسهم واعظا يأمرهم وينهاهم.
إن الذين صدّقوا الرائين على ما رأوا، مستقيمين فيهم معهم بأحوالهم على ما شهدوا وعرفوا من ظاهر أمرهم لأمرهم لباطنهم، قدوة لهم، لا يمارون من رأى فيما رأى، ويقدرون الله حق قدره في قدرته. ولا يميزون بينهم في واسع رحمته وواسع نعمته لهم جميعا ما تحابوا بينهم لخيرهم، كان لهم من الله ما صدَّقوا ممن صَدّقوا. ولم يحل الله بينهم وبين أن يروا على ما صَدَّقوا ممن رأوا. (ما أعطيتـه فلأمتي)[٥٢]، {أفتمارونه على ما يرى}[٥٣]. {ما كذب الفؤاد ما رأى}[٥٤] فقد كان الرسول فؤاد جماعته وقلب مجتمعه {ما زاغ البصر وما طغى}[٥٥] كافة للناس في قدوته لهم.
فلو تابعتموه على ما هدى وصدقتموه فيما روى وذكرتم الله في أمركم على ما عرف بين موقوتكم ودائمكم على ما شهدتم، لعاد لكم قديمكم فيكم فعلمت نفس ما قدمت وأخرت من أمر عقولكم منيرة عادلة، ونفوسكم مظلمة ظالمة، في قائم ذواتكم لأرواحكم هي فيها منقبرة تواصل انقبارها وموتها وينتظرها جديد قبورها لمقابرها، أو هي منها متحررة تواصل تحررها وتنتظرها سمواتها. إن كان لكم حقا في رسول الله قدوة… إن كان لكم حقا في رسول الله أسوة… فلذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولكم من الله مالهم في متابعته، قائد ركب عوالمه من المحسنين إلى الرفيق الأعلى في حضرته الواسعة الجامعة لحضراته لأطوار خلقه وكتب حقه وإنسانية رشاده.
لا إله إلا الله محمد عبده ورسوله وحقه ووجهه واسمه وطلعته وجلاله وجماله، لحقه برحمته وحقيقته بإحاطته وكتابه بجماعه، خَلَقه بمظاهر خلقه وحققه بحقائق أسمائه وصفاته، وخلّقه بخلقه بين خلقه على خلقه بلا إله إلا الله محمد رسول الله.
اللهم يا من جعلت لنا من محمد قدوة وجعلت فيه لنا أسوة، اللهم لا تحرمناه، وقمنا على ما قمته، وأقمنا به قياما لك على ما قامك. اللهم لا تجعلنا به فتنة للناس واجعل منا بك به رحمة الناس، وهداية الناس وسلوى الناس وأسوة الناس وخير الناس وكتاب الناس ونور الناس وحق الناس.
اللهم باللهم للناس وباللهم له لاللهم لك ألحقنا به اللهم منك.
اللهم - وقد جعلته بدءا للخليقة لكل بدء، دورة آدم في إنسان حقك وقائم أمرك، ظهورا وسفورا للخلقة بالحقيقة بكل حق - اللهم لا تحرمنا لبداياتنا بداياته ولا تحرمنا لنهاياتنا نهاياته. وأسلكنا به في عقد جمعه… طريقا ومصباحا وحوضا… آدما وأبناءً لآدم… آدما وأوادم لآدم… آدما وأوادم منها أوادم لآدم.
اللهم أتمم لنا فيه دورتنا - وقد أتممت له فيك دوراته - فجعلت له سر البداية عين سر النهاية في بدايات لنهايات متلاحقة، ونهايات لبدايات متجانسة متوافقة.
اللهم - وقد جعلت منه إنسانية كاملة وأمّة راشدة - فاجعل منا به إنسانية كاملة وأمة راشدة… له إليك في ركب عوالمك متابعة له.
اللهم - وقد جددت فيه أمر الدين - على رؤوس القرون، وجددت به الدين بأزله وأبده في دوائر الدهور على ما هو، فاجعلنا اللهم في لحاقه في كل ما جددت وفي كل ما ألحقت.
اللهم أرضه عنا وارزقنا منك الرضا عنه، حتى تجعل خواتم أعمالنا في مرضاته، رضاء تكون به معرفتنا في الاجتماع عليه واللقاء به في ذاته لذواتنا للانهائي كوثره بذواته طلبا للانهائي ذاتك.
اللهم وحدنا به لك، حتى نعرفك…
اللهم وحدنا بك له حتى نعرفه.
اللهم وحدنا بكما حتى لا نفرق بينكما، وحتى نعرفكما لنا فيكما بنا فنشهد أنه لا إله إلا الله وأن الله أكبر، حتى نشهد أنه بمحمد بنا محمدا علينا أكبر فأكبر، وأن محمدا بالحق بنا هو الحق من الله لنا وعلينا، وأن محمدا من الحق وفي الحق وللحق في أكبر وأكبر لازال أمرا معجما علينا لا نكشفه في معارجه إلا بتحقيقه لنا عطاء منكما.
لا إله إلا الله محمد رسول الله.
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة لقمان - ١٦ ↩︎
سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎
إشارة لقول المسيح عليه السلام بعد القيامة أنه قال للمجدلية: “اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يوحنا ١٧:٢٠). وتلك كانت المرة الأولى التي يدعو فيها تلاميذه بكلمة أخوتي. قبل القيامة، كان يسوع يدعو تلاميذه “أحبائي”، “عبيدي”، أو “تلاميذي”. ↩︎
حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” ↩︎
سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎
من حديث شريف: " المهدي رجل من ولدي، لونه لون عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، على خده الأيمن خال كأنه كوكب دري، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يرضى في خلافته أهل الأرض وأهل السماء، والطير في الجو". أخرجه الروياني في مسنده، وأبو نعيم عن حذيفة. كما أخرجه الطبراني في معجمه. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف: " (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا). رواه البخاري. ↩︎
سورة الضحى - ٥ ↩︎
سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎
سورة الفتح - ٢ ↩︎
سورة البقرة - ٣٠ ↩︎
سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎
سورة إبراهيم - ٢٤ ↩︎
حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎
مقولة للشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: فإن نظرت إلى الآلات طال بنا *** إسناد عنعنة حتى إلى الذات. ↩︎
قسم يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أحاديثه. ↩︎
قسم يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أحاديثه. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة آل عمران - ٣١ ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎
من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
حديث شريف رواه الدارقطني، يتوافق مع الحديث الشريف: “ما من مسلمٍ يُسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام.” رواه أبو داود بإسنادٍ جيدٍ، وحديثين ذكرهما الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة”: “أنا في قبري حي طري، من سلم علي سلمت عليه” و “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎
من حديث أخرجه البخاري ومسلم عن لحظات انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، فجاء له ملك الموت وقال: السلام عليك، يا رسول الله أرسلني الله أخيرك بين البقاء في الدنيا وبين أن تلحق بالله فقال: النبي صلى الله عليه وسلم، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى…" ↩︎
حديث شريف: “تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت خيرا حمدت الله عليه، وما رأيت من شـر اسـتغفرت الله لكم.” أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
حديث شريف. أخرجه البيهقي. كما أخرجه الطبراني بلفظ: “ليس عدوُّك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك.”. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
حديث شريف: “كان اللهُ ولا شيءَ معه، وهو الآن على ما عليهِ كانَ”. المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى. كما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق بلفظ: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض.” ↩︎
من سورة هود - ٥٦، سورة هود - ٦ ↩︎
سورة التوبة - ٤٠ ↩︎
عبارة يتفق على معناها كل المؤمنين بالله ورسوله، وتتوافق مع الآية الكريمة {ذكر اسم ربه فصلى} سورة الأعلى - ١٥ ↩︎
سورة الأحزاب - ٥٦ ↩︎
سورة الأحزاب - ٥٦ ↩︎
سورة الأحزاب - ٤٣ ↩︎
من “الياقوتة المنيفة لسيدنا الفاسي”: “… حتى نشهدك به، وهو بك، فأكون نائبا عن الحضرتين بالحضرتين.” ↩︎
نفس الملحوظة السابقة. ↩︎
سورة الأعراف - ١٦٠، سورة البقرة - ٥٧ ↩︎
سورة الحشر - ٢ ↩︎
سورة مريم - ٨٣ ↩︎
سورة البقرة - ٢٧٥ ↩︎
سورة الزخرف - ٣٦ ↩︎
سورة المعارج - ١-٣ ↩︎
سورة الإسراء - ٥٨ ↩︎
سورة الرعد - ٨ ↩︎
سورة النساء - ١٤٧ ↩︎
سورة يونس - ٢٦ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النجم - ١٢ ↩︎
سورة النجم - ١١ ↩︎
سورة النجم - ١٧ ↩︎