(٨)
أزواجا بقيوم وقائم
تواجدت الأشياء بخلق وخالق
وتواجد البشر بجلباب ولابس
وقامت الطريق بقاعد وعارج
وعرف الكون بظاهر وباطن
وقام الناس بموقوت ودائم
حديث الجمعة
٣٠ ربيع الآخر ١٣٨٥ هـ - ٢٧ أغسطس ١٩٦٥ م
الحمد لله الذي لهذا هدانا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
الحمد لله الذي مَنَّ علينا، فآمنا برسول الله، ربًا رعانا، وإلى الحق هدانا، وبمعاني العبد قامنا وتولانا، فشرور أنفسنا كفانا، وفي الطريق المستقيم قادنا وأسرانا، وإلى الله أخذنا، وبالحق بعثنا وبالله رَحِمنا.
فالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، لا نفرق بين النبي وربه، ولا نفرق بين الله ورسوله، ولا نفرق بين إمام الرسل والمرسلين، ولا نفرق بين كلمات الله وجوهرها، وأقباس نور الله ومصدرها، وأرواح روح الله من اللانهائي وأمرها، وقبضة نور الله لمطلق نور الله وقدسها، ولا نفرق بين الله وحجب نوره بعوالمه، ولا نفرق بين المؤمن والمؤمن.
امَّحى النبي الرسول خلقا في الروح الرسول حقا، وامَّحى الرسول حقا في عزة الله وإرادته قياما، فقام بعزته وإرادته وسلامه، وامَّحى المؤمنون في إنسان الله، رحيما عزيزا كريما، فقاموا برحمة الله، وبعزة الله، قاموا برحمة الله ورسوله، وبعزة الله ورسوله، عزتهم من عزته، ورحمتهم من رحمته، وقيامهم من قيامه، لا تعدد لهم ولا فرق بينهم واحدية أحديتهم بجمع شتاتهم لأحدهم.
قام المؤمنون بوحدانية الله، يوم عرفوا وحدانيتهم مع رسول الله، فعرفوا وحدانية الله برسوله، وآمنوا وأدركوا وحدانية رسالته، لا تعدد لرسله لمعاني رسالته، ولمعاني رسوله، ولا تعدد لحقائقه في معاني حقه، وواسع عظمته لقائم عبده والأعلى والأعظم لقيوم ربوبيته بقائمها بعبده إلى لانهائيه بمطلقه لا يدرك، وإن كان في شدة قربه لا يجحد، هو المعروف للعقل، والمدرك للحس بموجوده لواجب الوجود لقائم الأعلى بالموجود، هو الحق الظاهر، بالقيام لباطنه لمعنى قيومه في معراج قيامه لأطوار تواجده، لا فرق بين ظاهره وباطنه، ولا بين باطنه وظاهره، موجود الوجود للوجود لا شريك له.
بالله بمطلقه كان الإنسان لطلعته، هو الحق في كل مظاهره، وفي كل أحواله. يقوم بعظمته، ويدبر بحكمته، وتقوم الأشياء بأمره، وتقوم الأمور بإرادته، وتقوم الإرادة بصبغته، وتقوم الصبغة بفطرته، فبالإنسان لإنسانه يعلم الإنسان أن الله لا إله غيره، منه الجيئة، وإليه المصير، وفيه القيام بين يدي رحمته، لا شريك له من خليقته يوم هي به فيه تتخلق، ولا وجود معه لخلائقه يوم هي به تتحقق.
إنه الأقرب إلى كل نفس من حبل الوريد، إنه قلب القلوب ونواة الأشياء، إنه الحياة وقيوم الحياة، لقائمها جعل من الحق الرسول علم كسبه عند معلومه، إليه تُغيِّر النفوس ما بها صبغة الشيطان إلى ما لها به من صبغة الرحمن، دخولا في قائم كوثره بفرد مشهوده بظله بالمؤمنين في عالم الظلال وعوالم المثال.
تواجدت الحياة أزواجا بقائم وقيوم، وتواجدت الأشياء أزواجا بخلق وخالق، وقامت البشرية أزواجا بجلباب ولابس، وقامت الطريق أزواجا بقاعد وعارج، وقام الوجود أزواجا بظاهر وباطن، وقامت الأشباح أزواجا بقلب وقالب، وتحقق الإنسان وتحقق الوجود، أزواجا بعبد ورب، لأزواج في آحاد لله، لقائم حقائق، بموقوت ودائم، فتسرمد أزواجا بقيوم وقائم بموجود لموجد.
بهذا جاءت الفطرة، وبه جاء دينها، وبه ظهرها رسولها وعلمها، من كان بمحمديته مشهودا آدما، ومن كان بالروح الأمين له وجودًا اتحدا كيانا، وبعثا حقا وإنسانا. فكان الإنسان أزواجا، لابسا وجلبابا موقوتا ودائما، ظاهرا وباطنا. بذلك كان محمد الرسول الآدم في تمام إنسانه ظهر بجلبابه، وقام إنسان الحق في الإدراك للإدراك لإنسانه لغيابه حيا قلبا وقالبا، وانطلق روحا ونفسا ونار عقلا وحسا، وتجدد شبحا ولبا، وتواجد كوثرا وعدًّا، وغاب عن النظر سرا وأمرا، ونطق وأوحى فعلا وجهرا، وسعى إلى الناس لله قدما، وبايع عقولهم ونفوسهم لله يدا وعهدا، وتجلى به وجها، وقام في الخلق لله حقا.
قام بأعلام لمعانيه، قبل أن يتواجد بيننا علما لجماعه، ثم تجدد بيننا من بعده، وجوها لأعلامه، وفعلا لمعالمه، وتشتيتا لجوارحه، وتكاثرا لنفسه، وتوحيدا لنوره، وكتابا لحكمته، وبيانا لبلاغه، وظهورا لدائم حقه، في قديم خلقه بتجليه لخليقته، عين ووجه خالقه، ويد مبدعه، ووجه رحمته، وجلال طلعته، وجمال نعمته.
خاطبنا على قدر عقولنا، أفصح فبيَّن، وأشار فأعجم، فخص وعمم وتواضع فعلَّم، وآثر فكلّم، فنزل تحت الناس بحقه، ليتحققوا بما تحتهم محيطين بعلمهم عنهم عين حقيقتهم للأعلى لهم، هم له لقادم جيئتهم. دنا إليهم من عَليِّه بحقه لقيوم قائمهم مبعوثا به لقائمه بهم لموصوف حقهم، فنزل دونهم بجديده، راعيا لهم بقديمه ليوقظ نائمهم، ويوفي بحقه قائمهم.
دين القيمة، دين المعلمين، دين الراشدين، دين الرجال، أمومة الأطفال، رعاية الآباء، وقدوة وشعلة الفتيان، فتجمَّع قلوب الرجال، وتحدث بحكمة الشيوخ، وفعل بتجارب الكهول، وجاهد بهمة الرجال، فكان بجمعه له أمة الرشاد، وألسنة الحكمة والسداد، ويد القدرة للمراد، وعلم القدوة لحقائق العباد.
بذلك كله قام رسول الله، وبه قام كتابه، وعليه انتظم سفوره وحجابه، ما أخرج كائنا من حجاب رحمته، زويت له الأرض فما أطغى قائما بعزته دون رد عمله إليه بناموس الفطرة، شرع للناس (الكبر على أهل الكبر صدقة)[١]. أعلن وأشهر أن أحب الناس إلى الله أنفع الناس للناس، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، حذر وأرشد، وقوّم وأبان، وأنذر ونظّم، اتقوا من هو معكم وأقرب إليكم من حبل الوريد، واعلموا أن الناقد بصير عدل، وحرر بهديه، خففوا السفينة، فأقل الناس مالا أقلهم حسابا، تعاملوا مع الله بدنياكم، لتنمو تجارتكم بها في أخراكم، فشرّع وبين الحوافز للإيثار ومخاصمة النفس في الأثرة، فوضع الأساس الدائم للعدالة الاقتصادية أو ما يسمونه الآن بالاشتراكية.
الإنسان في الله في هذا الوجود المعلوم لنا على ما عرفه وقامه رسول الله، بقائمه لقديمه وقادمه، وحدانية لأحدية، لإنسان لله، لإنسان واحد، لإنسان أحد، في الله، تعددت فيه آحاده بإنسانية الرشاد فيه، بآحاد الحق له، فراديس جنان، يوم يقوم في المطلق إنسان لا يحجزه عن أخيه المكان أو الزمان ولا تحكمه ترابية الأبدان، (كلكم لآدم وآدم من تراب)[٢] من حيث أبدانكم، وكلكم لله وأرواحكم من الله من حيث معانيكم فاحرصوا على أعلامكم لله، بحرصكم على دائم الحياة لمعانيكم بتكاثر مبانيكم، (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)[٣].
فالإنسان مهما علا قدره، ومهما قام حقه، ومهما ظهر بالجلال وجهه، ومهما راقت بالجمال للناس طلعته، فإنه لا يستنكف أن يتصف عند المطلق وعند الناس لمطلقهم بموصوف العبد لله يدعوهم لرحمة الله، يدعوهم لمطلق الله، يدعوهم للحق أقرب إليهم من حبل الوريد، ومن ورائهم بإحاطته، قائما على كل نفس، لا يستنكف أن يتصف عندهم وأن يوصف منهم بموصوف العبد لله ولعباد الله، وإن هداهم وقادهم بقائم الرب لهم، وعاملهم ورعاهم بقائم الإله عليهم وجها للأعلى ويدا للمطلق.
فإن هذا الذي هو له كله، هو لهم ممن عَرَفه وقامَه، وفي الناس به بالحق أقامه، رسولا أظهره، وعبدا وصفه، وحقا شَرَّفه وقد عرف أن للناس من المطلق، كل ماله إليه يصيرون، والله بهم إليه بالغ أمره، بهم لهم، ما رضوه فكسبوه فقاموه بمن قامه برسالته إليهم رحمة مهداة.
الناس عنده أسماء الله، ووجوه الله، وحقائق الله، وعباد الله، على ما هو في الله، بمن رآه وعرفه وعَرَّفه بوصف الأعلى عليه علما على من لا شريك له من أمره، ولا شريك له من وجوده، ولا شريك له من الأعلى ومن الناس…
من عَلَّم ويُعلِّم الناس، وأدب ويؤدب الناس، وسهر ويسهر على الناس، ونظر وينظر للناس بعيون قدرته قائم الأعلى والمطلق لوجوده، حقا وعبدا لهما، ورسولا منهما، وامتد ويمتد إليهم بيد الله بنجدته، وسعى ويسعى إليهم بقدم الله برحمته، باخعا نفسه على آثارهم، مستغفرا لهم ما جاؤوه، راعيا راحما مستغفرا لهم كلما قلوه، ملتمسا الأعذار لهم كلما جهلوه. (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون [قدري])[٤]، (عسى أن يخرج اللَّه من ظهورهم من يعبد اللَّه)[٥]، فيقبله الله، فيرحمهم به الله…
صابرا نفسه بكوثره ما تجدد بقديم من جوهره مع تجدد الناس، متجددا بذاته ساريا بنوره في جديد قيامهم بناموس خلقيته في قائم حقيته، عارجا بهم في نوره مع طبقات عروجهم بنورهم لهم من نور الله أنزل معه… حي في قبره مع موتاهم في قبورهم. إنه رحمة الله لمن يلج في الأرض، ولمن يعرج في السماء، ولمن ينزل من السماء، ولمن يجدد نفسه في كرات، ولمن يتخلى عن نفسه في معارج.
إنه رحمة الله، إنه حكمة الله، إنه كتاب الله، إنه هدي الله، إنه روح الله، إنه نور الله، إنه حق الله لخلق الله، إنه طريق الله، وحياة الطريق إلى الله، إنه خلق الله لحق الله.
فبماذا عرفناه؟ وعلى أي صورة عاملناه؟ وفي أي جديد استقبلناه؟ وفي أي قديم بكيناه؟ وفي أي معلوم من حكمته حَكَّمناه ومن جلدته تابعناه، ومن نصبه طفناه، ومن بيته دخلناه، ومن نوره استقبلناه ومن روحه استحييناه؟
هكذا كان، وهكذا هو كائن، وهكذا يكون، وهكذا يبقى، لا يعرف ولا يكسب هدية الله إلا لمن رحم الله… إلا لمن شكر الله… إلا لمن ذكر الله… إلا لمن بما هو ظاهر من الآيات اعتبر… إلا لمن لحواجز النفس في الطريق عبر… إلا لمن دُكِّر فادكر، ونصح فصبر، ووجها بنوره لنور الله، في الناس ظهر وانتشر ما كلح وجها وما غبر.
المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا، والمسلم للمسلم، من سلم الناس من يده ولسانه، ولن يدخل المسلم في الإيمان مؤمنا، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولن يرق في إيمانه عارفا عارجا، حتى يؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة لِمَا به يؤثر.
(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كأعضاء الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو سهر له سائر الجسد بالحمى والسهر)[٦]، (إذا شكت مؤمن منكم شوكة، وجدت ألمها عندي)[٧]، لا يؤمن أحدكم حتى يدخل في جمعي مؤمنا، فيراني جمع المؤمنين له، وجماع المؤمنين عنده، (فلن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[٨]
{من يطع الرسول فقد أطاع الله}[٩]، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[١٠]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١١]، فأين من تعمل معه وتعمل به هذه القوانين الفطرية إن لم تعمل مع من امتد فيهم بنوره، وأقامهم الله بحقي قيامه؟ فأين هو لنا؟ وأين هو بيننا؟
ماذا فعلنا ببيته؟ وماذا رأينا في أمر قبلته؟ وبماذا تعاملنا مع نصبه؟ فرغ فانتصب، كوثرا لا يغيب، وجديدا لا ينقطع، ورحمة لا تجز، وحوض ماء الحياة لا ينضب، ونور الله لا ينطفئ، وروح الله لا يحتجب، وأمر الله لا يفتر ولا يقصر، يقوم ويتقلب في الساجدين ما انقطع الساجدون به، وما توقف نوره عن الامتداد في القيام بالسُّجَّد الركع العُبَّد في كل بلد وفي كل أمة، في كل وقت وحين، عَلَم الحكمة في كنانته بمصر وعلمه في الصين وهو الأمر الوسط للبلد الآمن الأمين.
إنه مثالية الكمال في الناس بالحياة، ولله المثل الأعلى به، في السموات والأرض، الكل في رحمته، والكل في ربوبيته، والكل قيام بعبوديته، ما عرفوا الله في عظمته، ووحدوا الله في قيوميته، بقائمهم لقائمه، لا جديد تحت الشمس، ولا جديد فوق الشمس، ولا جديد في الحق.
فإذا كانت الإنسانية على الأرض بحاضرها، بقديمها وقادمها في وحدانية لأحدية حق، فإن مفرداتها، في عين ما لها بجماعها الله قائم على كل نفس بما كسبت، بذلك كان رسول الله إليها من حقيتها لها {رسول من أنفسكم}[١٢] بفرده، عنوان الإنسان لفرده، وكان رسول الله ببيته عنوان الإنسان بكوثره، لفعله من خلقه وإقامته لبيتوتيته بجمع مفرداته، وكان رسول الله بأمته عنوان الإنسان في رسالته وجماعته في وحدته بأرواحه لروحه في علميته على الأعلى لحقيقته.
لقد عنون الرسول الحقائق كلها لطالبيها، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها فيها، ابدأ بنفسك، فإن بدأت بنفسك فاستقامت معك وقد أعانك الأعلى عليها، فرجعت إليه، فاعمل باستقامتك فيمن تعول بما علمت وبه قمت. فإن استقام معك من عُلت، وقامك على ما قمت، فلأن يهدي الله بك رجلا واحدا، كان لك ذلك خيرا من الدنيا وما فيها فأنت المحمد وبيته، وأنت الرسول وصحبه، فمحمد رسول الله والذين معه كنت، فكنت بذلك، على ما كان كذلك، أشداء على الكفار بحجتهم رحماء بينهم بألفتهم، تكفل الله بأمنهم ونصرتهم.
عرفوا الدين وقاموه وعرفوا معنى اليقين ونشروه. وعرفوا أن الدين لواقع، عرفوهم القيمة على الناس برحمة الله، عرفوهم الحق من الله والحكمة له، والإرادة المطلقة به، تسندها العزة في غير طغيان ويقومها الحق بغير بهتان، رحموا من في الأرض ورحمهم من في السماء.
عرفوا أن واقع الوجود، على ما هو واقع هو الحق من الموجد، عرفوا حق الوجود، من حق الله، على ما يشهدون، معللة عندهم أفعاله وأقواله وأحواله. فقدروه حق قدره، وعاملوه على ما يعرفون وعلى ما يؤمنون وعرفوهم إرادته المطلقة بالخير، ويده المطلقة بالفعل، وحكمته المطلقة بالقول فأشفقوا بكل عاصي، ما ظلموه، ما أذلوه، ولكنهم أشفقوا به، وجهد طاقتهم رعوه، فإذا استأواهم آووه، حتى يسمع كلام الله، وإن بغى عليهم ردّوه، حتى تبقى بيئة الله، وحتى يستشعر ضعفه مع الله فيرجع يوما إلى الله.
قبلوا الحياة، على ما هي الحياة بمعارجها، وجددوها مضيا بها قائمة مستقيمة باستقامتهم مع الله حيث هم من معراجهم بقلوبهم لأنوارها، وقوالبهم لعوالمها، وأرواحهم لمعارجها استقامة مع عقولهم لحقهم، ومجاهدة مع نفوسهم، لجهلهم لأول أناهم لأنانيتهم حتى تحررت العقول لهم على ما يليق، وحتى استقامت النفوس لهم على ما يجب فجددوا أنفسهم بأنفسهم في حضرة الله، وغذوا عقولهم بعقولهم في نعمة الله، وحرروا أرواحهم بأرواحهم في قدرة الله، ومضوا في طريق الله مستقيمة فياضة لا انتهاء ولا احتجاب لها.
أنضجوا جلودهم بإرادتهم، وجددوها بمشيئتهم، وقتلوها وبعثوها بفعلهم، وأحيوها وأماتوا ظلامها بالله لنورانيتهم، وقوموها بحكمتهم، فعرفوهم بحاضرهم، لقديمهم وقادمهم في قيامهم اسما لله ووجها لله {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[١٣]، فتواصوا بالحق بينهم وآمنوا بالله لهم وصبروا لبلوغ أمره بهم في الناس لخيرهم ورحمتهم.
شهدوهم ساعتهم، وما أنكروهم في قيامهم قيامتهم، عرفوا الحق معهم، عرفوا الله أقرب إليهم من حبل الوريد، فلم يغيبوه، وفي حضوره لحاضرهم آمنوه واتقوه، وأحبوه فعاملوه، فعاملهم فرأوه، فكشف عنهم أغطيتهم، ما حجبوه، وما احتجب عنهم، يوم هم بلطيفه قاموه فبنظره لنظرهم نظروه أقرب إليهم من حبل الوريد، ففي أنفسهم لاقوه وأنفسهم إليه انتسبوه فعبدا وربا ظهروه، وإلها لهم ذكروه، وعلموه لمن افتقر إليه ممن آمنوه.
أينما تولوا فثم وجه الله سواء انعكس النظر إلى نفسك، أو إلى ما حولك، أولئك سمعوا القول فاتبعوا أحسنه، لم يكتب عليهم أن اقتلوا أنفسكم، فنافلة قتلوها، ولم يكلف أنفسهم إلا وسعها ولكنهم بجهادهم أجهدوها، فهم في جند الرسول جندوها، وسيوفا في يده أشهروها، فكانوا في ركب الله برسول الله، يوم هم نفوسهم إلى نفسه أضافوها ففقهوها وكتبا قرأوها فآمنوها ففيه به جمعا كوثرا فلاقوها، في أنفسهم به قاموها، فعشقوه يوم عشقوها فأحبوه يوم أحبوها ففي الناس له نفوسا لهم شهدوها، فقياما به بجمع توحد عمهم نفوسا حقية بعثوها ورضيوها، وتوحدوها، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر }[١٤] وتؤمن بالله، فأمر الله عرفوه ولبوه ولأنفسهم حققوه.
بهذا جاءنا رسول الله، وبهذا تجدد بيننا رسول الله، وبهذا يبعث منا فينا رسول الله، يوم تنشق عنه الأرض، وهو الحي في قبره.
دخل قبره حيا، ويخرج منه حيا، ونزل من عليائه حيا، وعاد إلى الأعلى حيا، يوم يخرج الله لهم دابة من الأرض بشرا من الأرض إنسانا من الأرض يكلمهم أن الناس كانوا بآياته لا يوقنون، وانقطاعا للهدي وللرسالة بتحريف للقول، ووهم من خدعة النفس، بأقوال يرددون، لإطفاء نور الله بمهاترة من قول يحاولون، بزعمهم بتر الذات الكوثر، وهم البتر بشنآنهم لذات الحق والجوهر.
يظهر هذا القائم سافرا يوم يجدد الله الوجود ببدء آخر لإنسان ببيت يوضع برسالته لإنسان أديمه لآدمه، منه مخلفا، فتجدد السماء وصلتها لوصلته، فيتجدد قائم رسول الله على جماع له، بجماع كانه، فتتجدد السماء وتسفر بجديدها في قائم وصلتها بالأرض بتلوين صلاتها على جماع لها، بجماع جمعته، فكانها وكانته، والله من وراء كل جمع بإحاطته.
(إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم)[١٥] وإنه يطلبه فيكم، (ما أمنت مكر الله إلا بمصاحبتك يا رسول الله)[١٦]، هكذا يقول رجل الملأ الأعلى والروح الأمين. وأنتم تطلبونه فيهم، {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[١٧]، وها هي الروح تعمل بينكم في سفور في عصركم، إنها رسالة الروح لأمركم، إنها رسالة السماء، بها يقوم الروح لرب العالمين داعيا للسلام بين أبنائه.
الله وراء ما جددت الأرض وانشقت عنه، من أوتادها ومصابيحها وأحواضها، وعيون مائها بدائم بقائه لقائمه، كما هو بدائم قيومه لقائمه ما وراء السماء، بقيومها وقائمها، على ما تداني الأرض، فيتلاقى قائم الحقائق بقيومها في وحدانية، بين ما تواجد من دواب الأرض، ومن دواب السماء، يجمعها الله بقدرته، ويُظهرُها بحكمته {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}[١٨].
فتبدل الأرض غير الأرض والسماوات بخلافته، وتبدل السماوات غير السماوات والأرض بحقيقته، فيتعلم أهل الأرض من أهل السماء، ويشهد أهل السماء فعل الله بأهل الأرض، فيزداد أهل الأرض وأهل السماء علما عن الله فيتكشف لهم ولشهودهم، جلال وجه الله، وجمال وجه الله وتمتد يد الله من السماء إلى الأرض مخلصة، وتمتد يد الله من الأرض إلى السماء مستزيدة، مسترحمة، مستنجدة لرحمته طالبة، مستمدة مفتقرة فيظهر متجليا وجه الله من السماء بأهلها على ما يليق بهم في كسبهم لأهل الأرض لاقتدائهم بوسطائهم بينهم، ويظهر وجه الله من الأرض مستخلفا على ما يليق لما هو الأعلى لهم، في قائمهم لقيومهم بمشهود خليفته لنظرهم تعريفا لهم عنهم.
إنه الله في عظمته، إنه الله في لانهائيته، إنه الله في قدرته، إنه الله في رحمته، إنه للإنسان في غفلته، إنه للإنسان في طغيانه وجاهليته، إنه للإنسان في إيمانه، إنه للإنسان في رِدّته، إنه للإنسان في أي صورة ما شاء ركبه، إنه للإنسان لجماعه في جماعه عرفه أو جهله، ما ظهر في شيء مثل ظهوره في الإنسان، وما ظهر لشيء مثل ظهوره للإنسان، قامه {رفيع الدرجات ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده}[١٩].
بذلك قام بيننا رسول الله معلما، إنسان عبوديته، وإنسان رحمته لإنسان ربوبيته، وإنسان ألوهيته، وإنسان غيبه، وإنسان شهادته، في أي صورة ما شاء ركبه، ذكرا محدثا في دوام، لذكر قديم في دائم قيام، تواجده الإنسان أزواجا، بعلوه به أزواجا، ودنوه به أزواجا من جسد وروح.
بعثه بالحق فعرف الله، في معرفته عنه، وعرّف الله، على ما عرفه، فكان حكمة الله الدائمة، ورسالته القائمة، عنوان الأبناء، يصدر عن المرسلين والأنبياء وهو قائم النبأ يأتي به وعنه الإنباء بالأنبياء، عنوان الحق، تبعث به البشرية بالحقائق للآباء والأبناء على السواء.
فرفع شعاره لا إله إلا الله، والله أكبر، وطلب إلى الناس أن يذكروا الله في أنفسهم لربوبيتهم، هو معهم بألوهيتهم، وعليهم بقدرتهم ومن ورائهم بإحاطته، وأن يذكروا الأكبر والأعلى لقائم عبوديتهم، وأن يعرفوا الأدنى لحقيقتهم، وأن يقوموا بالجوهر، ولا يخدعوا ولا يأبهوا للمظهر، وأن يتجاهلوا جلابيبهم إلى قائمهم بها من الله لمعاني إنسانيتهم بالله في الله، إلى الله، لا إله غيره ولا معبود سواه.
اللهم يا من أشهرت شعارك بيننا، لنا، وفينا بلا إله إلا الله، قائمة برسول الله، قائما بها، كوثرا لنا، قديما وجديدا بيننا، اللهم أقمنا شعاره، وأدخلنا داره، وقربنا جواره، وثبت فينا قيامه ومداره.
اللهم شرفنا به قياما لنا، ويسر لنا قيامه بنا، منصورا بك علينا، وأجبه إلى قيامه فينا، على ما يحب لنا، واجعل منه برحمتك به، قيوما علينا، وامحنا إليه، قيامة وقياما لنا، وأقمنا به حاضرا ودواما بنا، وألحقنا بمعراجه، كرما منك وسلاما لنا فينا، واجعلنا معه كلما جددته لنا قياما وكتابا وكلاما بنا، ولا تحرمناه في حياتنا بمعارجها، وقيامنا بعارجها، اجتماعا، وودا، وخلة، ورحمة وإعلاما وعهدا.
اللهم به وبنوره فبيض وجوهنا، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، اللهم اجعلنا في سفينته وركبه، بما علّمنا، يوم تكشف للناس عما علمنا.
اللهم أنزل سكينتك على قلوبنا والسلم والسلام على أرضنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم.
إنك أنت الأعز الأكرم
لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
مصادر التوثيق والتحقيق
مقولة شائعة ذكرها عدد من العلماء بصيغ مختلفة، منها ما قاله محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمي الحنفي (ت ١١٥٦هـ) في كتابه (بريقة محمودية): التكبر على المتكبر صدقة، لأنه إذا تواضعت له تمادى في ضلاله، وإذا تكبرت عليه تنبه، ومن هنا قال الشافعي تكبر على المتكبر مرتين، وقال الزهري التجبر على أبناء الدنيا أوثق عرى الإسلام، وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أظلم الظالمين من تواضع لمن لا يلتفت إليه… ↩︎
حديث شريف: “كلكم بنو آدم وآدم خُلق من تراب.” أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد ↩︎
حديث شريف: " تناكحوا تناسـلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة." المحدث: الزرقاني. المصدر: مختصر المقاصد. خلاصة حكم المحدث: صحيح. ↩︎
حديث شريف: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون." أخرجه البخاري ومسلم ↩︎
من حديث شريف طويل روته عائشة أم المؤمنين منه "… لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ… فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا. صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎
سورة النساء - ٨٠ ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة التوبة - ١٢٨ ↩︎
سورة الانفطار - ٥ ↩︎
سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎
حديث شريف ذكره الشعراني في “لطائف المنن” مشيرًا إلى أن الحكيم الترمذي رواه في نوادر الأصول، ٥٦٦، وقد عرج عليه في الفتوحات في الباب الثالث في مضمار حديثه عن تنزيه الحق عن التشبيه والتجسيم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا، ونصه فيه: " إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم". ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة يوسف - ٨٧ ↩︎
سورة الشورى - ٢٩ ↩︎
سورة غافر - ١٥ ↩︎