(٥)

هو عارية الحياة
يجدد بها، المعار، بالمعير، وجوده ومعناه
بكوثر، لا يبتر، لقائم خلقه، في عوالم خلائقه
ويجدد بمعناه، معناه، لا ينقضي، لقائم حقه، في عوالم حقائقه

حديث الجمعة

٢٩ ذو القعدة ١٣٨١ هـ - ٤ مايو ١٩٦٢ م

أشهد أن الحق، هو حق وجود كل مشهود، فيما نعرف وفيما لا نعرف، بالوجود في الوجود.

وأشهد أن الله هو حق الوجود لكل موجود.

أشهد أن الله هو الظاهر في الشهود، والباطن للوجود بالمشهود، بكل ما نشهد أو نعرف أو نقدر للوجود.

أشهد أنه لا موجود بحق غيره، ولا مشهود بحق غيره، ولا شاهد له بالحق غيره.

الإنسان فيه مظهر معانيه، وكتاب حقائقه، وهيكل ذاته لمبانيه، تجليا من كنزيته في قدسه، لظهوره بمعناه، لمن ظهر له فيه لقائمه بمعناه، في قيامه بمبناه عبدا وعلما لله. فليس له من دنياه، إلا القيام بذكر الله وما والاه.

بذلك كان الإنسان للإنسان، هو الكون ومكونه، وهو العبد ومعبده، وكان الدين في معرفة الإنسان لإنسانه. وكانت المعرفة في معرفة الإنسان لأمره وعنوانه، وكانت الحقيقة في معرفة الإنسان لمعاني الخلق فيه، ولمعاني الحق به، ولمعاني الكون له.

فكان الإنسان بذاته لكونه هو الطبيعة في قائم صغيرها لكبيرها. وكان الإنسان بعقله لطيف ما فوق الطبيعة، وكان الإنسان بنفسه لطيف ما تحت الطبيعة، وكان الإنسان بروحه جماع إرادة ما منه فوق الطبيعة وما له تحت الطبيعة، وما هو في الطبيعة، بقائمه لسلطانه، على كائنه لكونه، بعوالمه لعالمه.

فالمعروف بالرب والإله إنما هو العقل والروح، والمعروف بالشيطان أو بالأكوان إنما هو الذات لقائم التطور المادي للكائن، وهو المعروف في الأديان في ثوبها القديم بالمختبر أو بإبليس أو بالفتان. وهذا إنما هو النفس المظلمة لحياة الذات، فإذا كان الإنسان على خلق وفي طبيعة سليمة مستجيبة للفطرة كان شيئا أو كائنا كريما، وإن كان بعيدا عن الخلق الكريم الفطري وفي طبيعة غير مستقيمة، كان شيئا أو كائنا لئيما وشيئا أو كائنا رجيما، وشيئا أو كائنا زنيما. فإنسان الأرض بحاضره وحدة لزوج إنساني، من الظلام والنور، أو من الظلام والنار، في صراع بينهما، إذ ينجذب كل منهما إلى عالمه الكلي الأصيل، الصادر هو عنه، والموجود هو منه، والمرتبط هو به.

فالإنسان في ظاهره بالخليقة، وهو من جوهر الحقيقة، هو بداية ظهور سر الحياة، الإنسان هو سر الإرادة، والحكمة، ظهورا وبطونا، والإنسان هو سر الوجود، والكينونة، ذاتا وروحا وإدراكا، فالإنسان هو سر ما تحت هذه الكينونة بما نسميه النفس، والإنسان هو سر ما فوق هذه الكينونة بما نسميه الروح، وهو ما بقائمه بينهما بما نسميه العقل، فالإنسان في جميع هذه الصور، إنما هو الإنسان.

فالإنسان في أحسن تقويم هو الإنسان، والإنسان في أسفل سافلين هو الإنسان، والإنسان في أعلى عليين هو الإنسان، والإنسان في غيب الوجود هو الإنسان، والإنسان في قيام ومشهود الوجود هو الإنسان.

فمعاني الحياة والنشأة، والدوام، والتطور، والبقاء، هي للإنسان، ومعاني الهلاك، والزوال، والفناء، هي للإنسان. ومعاني الرقي، والتعالي، والتداني، هي أمور للإنسان. ومعاني الانحطاط والانحراف، للإنسان، ومعاني الزمن والتوقيت بالعصر، والبقاء بالدهر، إنما هي للأنا الإنساني، بظهور أو بعمل، لتحديد معنى الحاضر، للإنسان في الحاضر، أو معاني الأزل له لمعنى الماضي، للإنسان القديم إلى الأزل في قائمه لأعلامه بإنسان الماضي، أو تحديد معنى البقاء، ومعنى الأبد، لإنسان الحياة الأبدي، بإنسان البقاء، للإنسان الحقي القائم، أو الإنسان الخلقي، للجنس الباقي الدائم.

إن العابد والمعبود، إن الخالق والمخلوق، إن الكائن والمكون… إن العبد والرب، كل ذلك أوصاف وأوضاع للإنسان، وقيام للإنسان، هي فيه دائمة بدوامه، وهو فيها دائم بدوامها.

ربَّ الإنسانُ الدائمُ موقوتَه ليدوم، يرعاه ليبقاه، ويمده بالحياة ليحياه، ويعلمه كيف يحيا ليتجدده، ويجدده بالحياة ليتعدده فيصله ويتصله، ويبقيه ويبقاه، ويقيمه ويقومه، ليبقى به قائما دائما، في كل مستويات الوجود، يحييه من موته، فيدخله مبعوثا، في نعمة نفسه، وجنة رضاه، فيمن هو له، عين معناه، لقائم الرب والإله، في الوجود المطلق، لله، {رضي الله عنهم ورضوا عنه}[١]، وجوه لله لوجوه لله، لا يذوقون فيها قائم أنفسهم بالعزلة عن الحق، بعد الموتة الأولى، كما بدأ الناموس أول خلق يعيده، ليتعارف بنفسه لنفسه، ويواصل تعاليه عند نفسه بعاليه، بتجديد كوثره لا يبتر في دانيه.

إن تبديل الجلود لتنضج القلوب، وإن تبديل الجلود ليتهذب لب النفوس، إنما هو أمر يقوم بعالمكم النجمي وهو ما يقابل النوم والصحو في حياة الظلال، من دنيا القيام لكم، فليس في هذا النوم والصحو موت أو حياة، بمعناهما الصحيح، ولكن الموت، والحياة، إنما هو كسب مَن طلب الموت مِن أهل الظلام، ليحيا في أهل النور، فأمات نفسه عن عزلتها عن جميع الحياة بالأحياء، ولزم جماعة الأحياء طلبا للحياة، فمنحها فرصة الحياة بوصلتها بالحي القيوم معها وفيها، لوجودها وشهودها ومن حولها.

إذا استجابت النفس لهدي العقل، فهديت، لصعدت لبيت الذات الأقدس، مرفوعا من موضوعه، فتزكت، واستقبلت فيه لفيض الروح المنطلق، والعقل المتحرر، وبالنور أُمدّت، فقامت الأنا وتجولت في النفس وفي الذات لعالمها، في قائمها بمعاني الوجود المؤمن، واجتمعت على الوعي والعقل لمعاني الرسول والرب، واتصلت بالروح للتحرر والانطلاق، في الوجود المطلق، بعثا لمعاني الآله والإله لها.

إن الإنسان كتاب نفسه، يقرأ في نفسه، عن معاني الإله له فيه، وعن معاني الرسول والرب له فيه، وعن معاني الأنانية والنفس حرة طليقة في عالم ذاته، مؤمنة مسلمة لربها، مدركة مؤمنة بالإله لغيبها. {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}[٢]، {فكشـفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}[٣]، هو {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[٤]، ففي الرأس مرفوع البيت، وفي القلب موضوع البيت، وفي الجوارح، أمة في عوالمها، مؤمنة بالله ورسوله.

إن النفوس تلتوي على الله، وتغيبه وهو معها، وإن العقول تغمض العين عن النظر إليه، بعكس البصر إليها فيها، وهو في معانيها، جحودا لنعمة الله، بالحياة لها وعليها، منعزلة عن أرواحها، لها وعليها ودونها، انشغالا بأشباحها من ماديات قيامها، وهي بأمانة الحياة، عارية لها، بين يدي رحمته.

إذا انحطت العقول عن مستواها من الحاضر، فإنها تذهب تحقيقا لإرادتها إلى عالم أحط من عوالم الروح القائمة لها، وإذا ارتقت وتصاعدت عن مستوى عالمها من الحاضر، فهي إنما تذهب إلى عالم أرقى من عوالم الروح لقائمها كذلك، وإذا كشف لها الغطاء عن معناها من حاضرها، ما وجدتها إلا في عالم من عوالم الروح كذلك هي منه لا تبتر وفيه تتكاثر.

فالنفس البشرية، هي بين الأعلى والأسفل، من عوالم الروح لها، هي في عالمها لها، قائمة، بمستواها بين العوالم الروحية، يوم تكسب مقام البشر والبشرية، لسدرة منتهى فهي عالم روحي تحت عالم روحي يرعاها، ويحملها دونها عالم روحي يرفعها ويرضاها، فهذا العالم الروحي لها، من قيامها المحمول بيد قدرته، المظل من يد رحمته، هو العالم الوسط، والأمة الوسط، وهو الكيان الوسط، إنه النهاية لما قبله، والبداية لما بعده، من قائم الخلق اللانهائي، ومن قائم الحق اللانهائي… يتواجده ويقومه الإنسان، في الإنسان، للإنسان في مطلق الله.

هذا الوجود الوسط، هذا العقل الوسط، هذا الروح الوسط، هذه البشرية الوسط، هذه النفس الوسط، هذا الطور من أطوار الحياة الوسط، يتم للكائن البشري، يوم يتم له معنى الإنسان فيه، فهو أمر الله وخير الأمور، به كانت الأمة الوسط خير الأمم التي أخرجت للناس إذ هي أمر لله، في اجتماع وتآلف القلوب، يدرك معاني الحق فيه بمعنى حقية الإنسان له، ويدرك لمعاني الحق عليه، بمعاني الإنسان الأعلى للحق عليه، ويدرك معاني الحق دونه، منه يتواجد لعاليه، من خلاله، مرعيا منه، على ما تواجد هو من الأعلى، من قائم عاليه لقيومه، على قائمه.

فيعلم الإنسان عن الله، بإدراك الحق له، وعليه، وفيمن يحمله، وفيمن يحمل هو من كائنات الروح على الأرض، ومن كائنات الروح في سماواتها، ممن فوق عالمه ودون علمه وممن دونه في مكنتها من عوالم الله، معاملة مع الله ورسالة به.

(لو ألقينا بحبل على الأرض السفلى لوقع على الله)[٥]، وهو ما يعلمه فيمن يظله منها برسالته إليها. (إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم)[٦]، (لو قذفنا بحَجر فوق السماوات، لتلقفته يد الله)[٧]، وهو ما عرف من عودته لعالم نشأته ولا يجحده فيما هو قائم به أو قائم معه من بيئة رسالته {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٨].

بذلك يقوم الكائن البشري الإنساني الحقي بوحدانية الله، يَشهَدها ويُشهِدها، ويتحدث بها، يعلمها ويعُلِمها، يقومها ويقِيمها بدين الفطرة وكتابها وسننها ورسولها بمن جعل كافة للناس قدوة وأسوة، من قام وبعث أول العابدين، كلما أظهره الله بين عباده بالحكمة، وبالخلق العظيم.

إني لشديد الأسف لعجزي عن الإبانة عن الحق لقائم وقيوم رسول الله على ما أحب، إذ أنني لا أستطيع أن أضع النقط على الحروف، فإنني كلما تحدثت عن رسول الله، وأردت أن أنطلق بحريتي في الحديث عنه، عاقتني العقول الموروثة في نفسي، وفيمن يسمعني، وأنا مع سامعي بروحي أتجاوب، ومنه أستمد، كما عاقني غلبة ظلام الوجود، في وجودي، وفي وجود من حولي، بما أحسه يتردد بين النفوس من حولي من قلق، أمام ألفاظ العقيدة القديمة المتعفنة، إذ تنقل النفوس كلاما تتعلق به ولا وعي لها له، وتردد ألفاظا ولا فهم لها عندها، ويتحرك ويتمعلم الناس والمحترفون والمسترزقون بالدين منهم ليًّا بألسنتهم بحروفها وجرسها ولا صفاء، يعوقني كل ذلك عن أن أوفي الأمر حقه من القول، أو أتهيأ لأن أستقبل من الإلهام ما يشفي الغلة عندي، وعند من يستمع لي.

إذا ذكر لهم اسم، من أسماء رسول الله، تفتحت حناجرهم وانتفخت أوداجهم بألفاظ، بوهم الصلاة عليه، ولا صلة لهم به، ولا صلة له بهم، إلا صلة الاسم وصلة الرسم، إنسان وبشر وصفًا له ووصفا لهم.

أما صلة القلب، صلة الحب، صلة العشق، صلة القيام، صلة الوحدانية، صلة الإقامة للصلاة الوسطى فأمور لا وجود لها عندهم.

ولو كان لشيء من هذا وجود في عقولهم، لرأوا رسول الله في أنفسهم، بمرآتهم فيمن يشهدون ممن إليه يستريحون، أو له يحبون، أو معه يتخاللون في طريقهم لربهم بدينهم وسلوكهم، في موجود قلوبهم حية به.

إن رسول الله هو معاني الحب والألفة والود، هو معاني الوصلة، والأحدية والوحدانية معه، لقائمها له مع الأعلى، لا يعرف ولا يقبل القسمة ولا العد مع المؤمن، ولا مع الأعلى أو الأدنى، إنه الناس لـــ اللهم، هم الملأ الأعلى والأدنى في ربهم، يوم يصبح الناس ناسا لقائم اللهم.

إنه الناس، يوم يتجمع الناس، على ذكر رب الناس، مع الرسول، مع الخبير، مع النصب، مع الكعبة جعلت بيتا يتمثل المؤمنون به قياما للناس فيعرفون الله في أنفسهم، بيوتا له، ونصبا له، وكعبة له، ويعرفون الرسول في معانيهم، قياما له، وبعثا به، ويعرفون الكون في مبانيهم إحياءً لها، وتطورا بها، ويعرفون الوجود في دوامهم، بدائم الله، أسماءً له، ويعرفون الحياة في فنائهم عنهم، وبقائهم به، عبادا له وحقائق منه، في بيته أو فيمن حوله، في بيتهم موضوعا أو مرفوعا.

يصف الناس أنفسهم بالعباد، وهم لا رب لهم، فما لهم في الله من رشاد. {أليس منكم رجل رشيد}[٩]، إنهم لم يخلقوا بعد، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان}[١٠]، إنهم في موجودهم من الأرض نباتها هشيما تذروه الرياح.

إن الذي أعطى كل شيء خلقه، وأعار أمانة الحياة والوجود، لم يحيي الأشياء المعارة، ولكنه أعطاها أن تحيا، وجعل من حقها أن تحيا، أو أن لا تحيا، أما كاسبو العارية، فإنهم يعودون إلى الأرض بالحق، مبعوثين به رسلا له، وقد اهتدوا إلى ما إليه هدى من أمر أنفسهم، له فيه، قياما به، لمعنى وبعث وقيام إنسان الله وأول العابدين، لقائم أنفسهم به.

فالحياة هي أصل الوجود، والكائن المادي بماديه في الكون، عَرَض الحياة لا أصلها، وروح الحياة فيه أصل شبحيته لا فرعها، فلو أنه أراد الحياة موجدا لها بلا إله إلا الله، لتواجد ربه له، بمعناه عنده، في نفسه، فبدأ عمله لخلق نفسه، بأمانة الحق فيه، والحياة له، وجاهد أن يجدد تواجده، باسم المؤمن، دون أن يتعثر فيه المعنى، فيرى العارية لمعناه، قبل كسبها بعمله من عمله، فيظنه لمعناه قائم الرب ولا أعلى له. فما عرف الربَّ إلا قائم العبد له، وما كان الرب ربا إلا يوم جدد نفسه، وجعل من جديده قائم العبد له، في خلة معه، في قائم الأعلى لهما.

فما تواجد الرب في ظهوره، إلا في تواجد العبد بوصفه، فإن بدأت بخلق العبد لربك من عملك لقائمه بك بأمانة الرب فيك، فخلقتَك وأوجدتَك وأنشأتَك، عبدًا لمن هو معناك، لقائمك لمعناه، بأمانة العارية لك، كان الموجود فيك لك، باستقامة قيامك بفطرتك، لقائم لا إله إلا الله، هو ما يتواجد بها للدوام، بالوجود بك لك، في أطوار تواجدك، وما يحيط بك منك، بذلك كانت لا إله إلا الله، شعار دين الفطرة وكتابه. وكان محمد أول القائمين بها، والمتابعين عليها.

فأين هو الآن العبد عندك؟ إن العبد، هو ما سوف تُوجِد من عملك! {ليس للإنسان إلا ما سعى}[١١]، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[١٢]، {إن ابني من أهلي[١٣]… إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح[١٤]}. إن أهلك إنما هم أهلك من طبيعة عملك، ومن صنعت أنت نفسا لك، أو من صنعوا أنفسهم على ما صنعت نفسك اقتداءً بك وظلالا لك.

إن العمل الصالح، بأمانة الرب الخالق، للمتخلق فيك، وأمانة الإله به، لمعيتك، لمعناك لك، وأمانة الوحدانية، قائمة مدركة، في معاني قيامك الموقوت اليوم، تكونه لدوام بمجاهدتك وعملك، وهو ما به تنشأ الكلمة الطيبة، فتصبح كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، في جنة الأرض، بأشجارها وارفة الظلال.

فإن عملت بنفسك غافلا عن معية الرب لك فيك للإله معك، أنشأت أو زرعت في الأرض، لقائم قلبك، شجرة خبيثة، تمتد يد القدرة، بناموس رد الفعل، وبناموس طرد الجسم السليم، للعضو الدخيل عليه، تمتد إليها يوما ما، فتجتثها من فوق الأرض، فما لها فوق الأرض أو في جوفها من قرار.

{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}[١٥]… {كل من عليها فان}[١٦]، ويبقى ممن عليها اليوم، من صار على ما أردنا وجها لربك، عبَّد نفسه له من صنعه… فكان عبده، وجها حقا، وظهر الإله به، ظاهر معناه، من باطن معناه، من ورائه محيط، في قيام الآباء لاسمه القديم في سفور للأبناء، وقيام الأبناء لاسمه الباقي في سفور للآباء، وجوه ناضرة لربها ناظرة، وجوه لله لوجوه لله لا أول له، ولا آخر له، ولا شريك له، ولا جهل به، ولا أول ولا آخر لها، ولا فرقة بينها. {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}[١٧]، (من صلح أصلحنا له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته)[١٨]، {ذرية [طيبة] بعضها من بعض}[١٩].

إن هذا أمر قائم في قيام الناس، لا يدركونه، لا لأنه غير مدرك أو لأنه مستحيل على الإدراك، ولكن لأنهم لا يطلبونه، ولا لأنه غير ميسر، ولكن لأنهم يجهلون أو يتجاهلون الطريق إليه، فلا يسلكونه مع الخبراء به بينهم، استكبارا أو استعلاءً عليهم.

يتساءلون بينهم عن القيامة، وعن الساعة، وعن البعث، وما هي إلا ألفاظ لأحوالهم، بصفاتهم في معانيهم من القيام الحاضر لهم يجهلونه، أو هي لمحات في حيواتهم من إشراقة لهم، بنفحاته، مبذولة إليهم كلمح بالبصر أو هي أقرب، في كل وقت وحين، مكفولة مع عباد الرحمن يمشون بينهم، يجهلونهم أو يتجاهلونهم، ويمعنون في جهلهم وتجاهلهم، وهم به الخبراء، وإليه الشفعاء، ولطريقه الأولياء، ولكتبه الأنبياء، ولعلمه الحكماء، ولماء الحياة السقاة، بأحواض، تتفجر منهم، قلوبا وعقولا، ونفوسا، هم ينابيع الحياة، تصب فيهم ميازيب الغيوب، يوم تتفتح أبواب السماء، بماء الحياة لطارق، وبنور الحق افتقارا إليه، من تجمعات الناس، لعاشق.

والسماء ذات الرجع، بأمم من الناس مع معلميهم، هم شفعاء النفوس ذات الصدع، وقد طال بهم زمن العناء، هم شفعاء للمنظرين معهم ينتظرون، ومعهم يعودون، ليكونوا بقدوتهم أولية للمهتدين المفتقرين، وعن الكبرياء متخلين، أئمة للمتقين، ونور الحياة للأغنياء المفتقرين، نور الأمم للمدركين بظلام نفوسهم، الطالبين لإشراق نور الله في قلوبهم.

ليس محمد بدعا من الرسل، ممن سبق بآدم وبنيه، وبكلمات الله إليه منه فيه. وليس بدعا من الرسل ممن لحق، بعباد الرحمن ظلالا له منه فيه، قائم الحق ومعانيه، يمشون على الأرض هونا، هم به العلماء، جعل الله لهم ما للأنبياء، وجعلهم للأنبياء التمام والوفاء، وقد جعل الله لهم ما لإمام الشفعاء وإمام الشهداء، وآدم الأوادم للاقتداء، ظهر بهم، لمن قام منهم، بما لأوادم الله من بدايات، لبيوت له ترفع أو توضع لنهايات، في دورة الوجود وانتشار الحيوات.

فماذا عرف الناس فطريون؟! وماذا عرف أدعياء الاتباع لمحمد مقلدون؟! وماذا عرف أهل الكتاب بوهم التمسك بكتبهم يتفيهقون؟! هل قرأوا ما بين أيديهم فيما كان في أمم من الناس من قبلهم، ومن قبل كتبهم وأنبيائهم، هم لهم يتجاهلون، وكانوا بهم يجهلون؟! هل استبان لهم ما بين أيديهم من الحق، ما زال مجهولا عليهم أو مجحودا منهم، مما أبان الله بمحمد، وبمن جاء من بعد محمد، مجددا لما سبق في قائم الفطرة بأمم كانت مجهولة عليهم؟!

إنهم بجهلهم وبألفاظ يلوكونها بألسنتهم، لا فرق بينهم وبين الببغاوات في ترديدها، يرددونها دون وعي أو علم بها، وهم مع هذا للعلم يدعون، وعلى ما جاءهم من الحق بمحمد يستكبرون، يصفون أَمةً من عباد الله بأُم الإله، كما يصفون عبدا من عباد الله قائم الرب الإله، وهو بالله ورسالته ولي لمن والاه وروح لمن تولاه. وكيف يستسيغ عاقل أن يصف امرأة أُما لإله!

هل استبان لهم ما بين أيديهم، وقد أبانه الله لليقين به، في الكثير من الحقائق، وقوانين الطبيعة، كشفت عنها علوم الغرب؟! هل وضع رجال الدين أنوفهم وتخلوا عن كبريائهم بألفاظ كتبهم، وتعلقوا بكشف معانيها وفتح مغاليقها، فدرسوا ما هو قائم، وما يقوم كل يوم من الحكمة في الشرق والغرب؟!

هل عرفوا ما هو قائم في أرض نشأة أمة آدم لعلمهم من الأثر لمؤسسي الدين من بينهم، على ما حمل إليهم البلاغ من حكمة آدم، لم تغب عن الأرض، بأوادم، لا بدء لها لعلمنا؟ وإن انحرف الناس في هذه الأمم، عن الكلم وعن مواضعه من الأعمال، انحرافنا، بناموس الغفلة والظلام، يتجدد ولا يتعدد.

أمم، هم على سنن من طبيعة البشر، يكشف أمرهم عن سر ما وقع للأنبياء وأممهم، نبتوا في الشرق الأوسط، من تحريف لكلام الله، ومن تعطيل لكلمات الله، من الناس بينهم عن مواضعهم.

هذا ما كان من الأمر في كل بيئة من شعب إسرائيل، كلما تجدد إسرائيل، وفي كل طائفة من شعب محمد، كلما تكاثرت ظلال محمد، فصدق قول رسول الله (تسيرون فيما سارت فيه الأمم من قبلكم…)[٢٠]، (إن صلحت أمتي فلها يوم وإن لم تصلح فلها نصف يوم)[٢١].

وها هو الغرب اليوم يؤدي رسالته بالعلم الإحصائي والتجريبي، فيكشف عن حقيقة قدس مشهود الذات، في حياة المادة وحياة الطبيعة، بقوانين الحياة، ونواميس الوجود، لصفات الكون، ومعرفة الفوق والتحت له في تطوره، بكشف قوانين الحياة للمادة، من النبات والحيوان والإنسان، وأسرة الكائن الحي من المادة والروح، الحياة لها في النبات والحيوان.

فهل استبان لنا ذلك، وجعلنا منه مفتاحا لما لا ندرك، بما ندرك، لما هو بين أيدينا من البشرى والإنذار، بكتب السماء، وهدي الأنبياء، لمقام الإنسان، وقائم الإنسان؟

ما قام القرآن كتاب من ورق ولفظ، كتابَ عِلم، وما قامت كُتب بني إسرائيل مدونات تاريخ، وإن شئتم ولا كتاب ولا كتب دين، ولكنه قام كتابا أعطيه محمد بيمينه، على ما قام أنبياء بني إسرائيل، بكتبهم لأممهم، يقول ويقولون، به وبها، للناس، {هاؤُمُ اقرأوا كتابيه}[٢٢].

وما بُعث محمد لأمم الأرض، إلا ليتمم مكارم الأخلاق، بحقي ذاته لا تغيب، وليكون بذاته وانطباعاتها، لدائمها بيننا، بكوثرها لا يبتر، معجزة وقياما للناموس المعجز بذاته وصفاته حي في قبره، وفي مجلس الرفيق الأعلى، وقائم الحق في قائمنا به، يقوم ويتقلب في الساجدين…

فنلتفت إلى هذه الذات لنا، وما أودع الله بها من حقيقة وما خصها به من نعمته، كان الرسول بها قدوة لنا، بنشأتها في حاضرها ثمرة أصولها، ماضيا لها، وأصل فروعها، ترجمانا عنها لقائم من الخلق لوصف آدم مبعوثة بالحق، لأول حقائقها، في الله ذي المعارج، حية محيية متصلة مبينة، متجددة.

إن الناس يفهمون أن القرآن أشرف من محمد!!! وما القرآن إلا ألفاظ صدرت عن فم محمد، شَرُفت وتقدست بصدورها من فمه… فَمًا للروح القدس لقائمه، قدس الأعلى بها، وما شَرُف هو بصدورها من فمه، فهذا وصفه الفطري لا ينطق عن الهوى، وهو الذي ينطق من أفواه الصادقين، وهو لهم روح الوحي، يلقى على من يشاء الله من عباده، إن هو إلا وحي يوحي. {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين}[٢٣].

إن الرسول هو الكتاب والحقيقة… إنه الكتاب وأم الكتاب… إنه الإنسان، والإنسان قبل الإنسان، لقائم الإنسان، ورب الإنسان… إنه الإنسان بعد الإنسان… إنه الحق والعلَم على الحق. هو معلوم الحق، لعارف الحق، لنفسه فيه، بما طوى فيه من العلم عنه، منتشرا بنور الله له، فيمن يرحم الله به.

فظهر للناس علما عليه، عَلَمٌ، عُلم غيب الحق له بشهادته به فيه مشهود الحق بين الناس، بمسارعتهم لتحقيق معناه لأنفسهم، قدوة ذواتهم إلى معانيهم، ليتواجد الحق لهم في أنفسهم، بامتداد نور الحق منه، في قيام من صحبته معهم بينهم، في كل وقت وحين، قائما لا يبتر.

يفاض النور من كوثر طلعته بصحبته، وتتواجد الروح في القلوب من فيض همته، إذا نفث من روحه، وُجِدت الحياة فيمن ينفخ فيه من روحه، يغشى الكائنات عذرية، فتنشق وتلد، وتتوالد كوثرا له، يقوم ويتقلب في الساجدين، فيتواجد السجود لله بتواجد وصفه عبدًا له، وتتواجد العباد عوالم لله بمعلومها منه، لمعلومها عنها.

يقوم فيقوم العباد، ويركع فيركع العباد، ويسجد فيسجد العباد، وما تواجد العباد من بعده سفورا إلا يوم امتد فيهم بنوره ظهورا، فأشرقت قلوبهم بنور الله، ونفث فيهم من روحه، فحييت قلوبهم باسم الله، ورددوا الذكر معه لمعية الله به، فقاموا بذكر الله.

قامت ذاته باسم الذكر المحدث، لمعناه بالحق، لسبقه له، باسم الله من الذكر القديم لله، قائم الحق له وعليه، لا بدء له، عبدا، وربا، وآلها، وإلها، منسوبا إلى الحق، لا انتهاء له، خلقا وتجليا، وحقا وتعاليا، وعودة إلى الخلق رسالة ورسلا، لا توقف لتواجدهم، ولا تعثر لمتخلقهم، ولا انقطاع لبدئهم، ولا انتهاء لعطائهم، رسولا لله من رسول لله إلى رسول لله، {دين القيمة}[٢٤].

الله بدائمهم متواجد بظهوره في دوامهم، لمعاني دوامه في ظهوره بهم، والله في أزليته للإنسان، متواجد بأزليته، تواجد الإنسان أزلا، في أزلية الله. وقد أبرزت الإنسانية أزلية غيبه فيه له، في سرمده كوثرا، في كوثر الناس، لا انقطاع له بهم، ولا انقطاع لهم به.

إن الخالق والمخلوق، وإن بدا موجود الخالق قبل وجود المخلوق، أمران ليسا من منزه على الله، فإن الله ما قبل الخالق والمخلوق وما بعد الخالق والمخلوق، فإن الخالق يتابع برعايته المخلوق، وما يخلق، حتى يصبح عين المخلوق، فيصبح المخلوق خالقا، يوم يخلف من الخالق، ولا يتصف الخالق بوصفه الخالق، ما لم يتواجد فيه المخلوق لعينه، وهكذا كان الخالق مخلوقا قبل أن يكون خالقا، وهكذا يكون ويصير المخلوق يوما خالقا، يوم يدعى ويعرف ربا ولله وجها {والله خلقكم وما تعملون}[٢٥].

إن الله أشرك الإنسان في وصفه باسم الخالق، كما شَرَّفه جل شأنه بوصفه الحق وأوصافه بأسمائه لصفاته، وهو في وصف وصفات وحال المخلوق، لم يفارقها بعد، فوصفها الخالق والمخلوق فيه، إنما هي معاني قائمة بالإنسان، في قائم الوصف للوجه للأعلى له، والكتاب السماوي منه.

فالعابد والمعبود فيه، إنما هو الإنسان، بصفاته، موصوفا بمعاني العابد، في معاني سفله ومطيته، وموصوفا بمعاني العبد في تجليه بالحق، لجديده منه، لقائم وموصوف المعبود، عرف الأعلى له تجليا به.

فالإنسان بقيامه في شهوده، مشهود لنفسه، لمبعوث الحق، بمعاني المعبود، مشاهدا لها، بمعاني العبد، لقائم الموجود، فهو في تمام أمره الشاهد والمشهود، والله له من وراء الكل به محيط، في حياة قلبه وقالبه، لقيوم عقله في معاني قيام أمره.

هل تعارف الناس في الله مع بعضهم البعض، في قائمهم وفي أجيالهم قياما بوحدانيته على ما نقول بها، وعلى ما قال القائلون من قبلنا من المدركين لوحدانيته، وعلى ما قال القائلون من قبل محمد، مدركة لهم وحدانيته، وعلى ما قام به المتواجدون من أمته قياما به، وبيانا لهديه وشريعته؟ ألم يقل الرسول لهم بأزل الفطرة في قول الله له {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك}[٢٦]، {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[٢٧]؟

فهل رجعنا إلى ما في بلاد الشرق، وإلى ما في بلاد الغرب، لنعرف ما في بلادنا، وما هو لنا من الله؟ إن الحكمة ضالة المؤمن، (اطلب العلم ولو في الصين)[٢٨]، فالعلم لا وطن له، إلا في ذات العالم.

إن الحق لله هو العَلَم عليه، إيمانا بالعلم، وعملا به، وإعمالا له، يوم يُمَكِّنك هذا العلم من إدراك ذاتك ونفسك، والإحاطة بأرضك لمبناك، يوم يسير جبال ذاتك، يوم تصبح من عملك به، كالعهن المنفوش في وجودك، يوم تصبح دخان السماوات والأرض بمعناك لمبناك، وروحها بمعناك للأعلى لمعلوم الحق لمولاك…

يوم تقطع أرضك قطعا، في اشهادك لخلق نفسك، فتدرك كيف إذا النجوم انتثرت، يوم تكور نفسك، حول قلبك من شتاتك، فتعرف كيف إذا الشمس كورت، ويوم تطلب هذا ويتحقق لك منه شيء، لتعرف ما هو الدين، وتعرف أن ذلك هو الدين، لمن أراد أن يستقيم، مع القيمة به، على الناس، فتتوج سلطان قلبك على نفسك، فيستوي العقل على عرشه بك تحمله قوائمه من أبنائك لمعاني أعضائك.

يومئذ تعرف أن القرآن، أو الكتاب السماوي، أيا ما كان، وما جاء به، ما جاء بها الله، إلا ليعرف الإنسان، أنه ما من صغيرة ولا كبيرة من الهدي أو الأمر إلا أتت لتعريف الإنسان عن الإنسان، إماما مبينا، وكتابا حيا، لا يفرط الله فيه من شيء، {ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}[٢٩]، {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}[٣٠]، {لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا}[٣١].

يأتي إليه كل من في السماوات والأرض عبدا، ووجها لرب السماوات والأرض، وما فوقها وما تحت الثرى. ما خلق الله الإنسان ليكون سجين السماوات والأرض، بل خلقه لنفسه، لموصوف الرب، وجعل ظله لموصوف العبد له، كما جعل معناه لله لموصوف الرب للناس، في الله ذي المعارج.

{إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب}[٣٢]، أما الناس بالله، فلهم عند ربهم ما يشاءون. (عبدي أطعني أجعلك ربانيا تقول للشيء كن فيكون)[٣٣].

فإذا ظن أهل الأرض أنهم قادرون عليها، فليعلموا أن في هذا إنذارهم بما أوعد، من تحكيم الأرض عليهم، فقد زلت أقدامهم، يوم يأتي الأمر إليها، وحيا لها، لا برحمة أو اصطبار، ولكن بجزاء، بعدل.

وما أمر الله إلا الإنسان بجبروته، وما كانت رحمته إلا الإنسان برحموته، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}[٣٤]، {إن يوم الفصل كان ميقاتا}[٣٥]، أما اليوم فأنت تتلو كتابك فيهم على مكث بينهم، وتبين لهم الطريق القويم لا عوج له، مستقيما استقامة الأعلى، لمعنى ربك وخليلك، على ما شهدت وعرفت وقمت، في قديم وقائم لك. {لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر}[٣٦]، ومن تولى عنك لقائم حقنا بك، فمرّ فيه من وراء حجبك، {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا…}[٣٧].

تدعو بدعوة ربك، وتقوم بسبيل ربك، وتهدي إلى ما هداك إليه ربك. الساعة إلى ربك منتهاها، كما علمت وعلّمت، فإذا سألك عباده عنه، ظلال وجودك فقل لهم، ما اعتدت أن تقول على ما عرفت، إنه {إني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان}[٣٨].

أخرجهم وخلصهم مما هم فيه، بين شك في أمرهم، وأمر دنياهم، وأمر دينهم، وأمر رسلهم، وكتبهم، يعبدون الله على سبيل الظن، ويؤمنون بالله وهم مشركون. فما عرفوا من يسلمون له من بينهم، ليهديهم طريق الإيمان في أمرهم.

وإنا لجامعوهم عليك يوما، لرحمتهم بعدلك أو بمغفرتك، كلما تكشف لهم أمرك بينهم، بكوثرك لا أبترا، ولا عوج لك، يوما لا ريب فيه، في أمرك لأمرهم، فتعلي بالله كلمتك له، وتقر بالله لك، سلطانك لعزته، وتنشر بالحق دعوتك، وتظهر يمينك باليمن في الناس، رضي الناس فأحبوك، أو قلى الناس، فقُهِروا فأطاعوك، فتألفت قلوبهم بحكمتك، وقومت أمرهم بشرعتك.

{يومئذ يتبعون الداعي، لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}[٣٩]، في يوم للفصل لا بيع فيه ولا خلال، يبرز الله فيه آياته تأييدا لرسالتك وإنفاذا لدعوتك.

يومئذ يخرجون من الأجداث، إلى ربهم ينسلون، كأنهم إلى نصب يوفضون، يخرجون من أجسادهم، طرحا لنفوسهم مزحزحين عن النار، أو مسوقين للجنة، أو خاشعة أبصارهم، ترهقهم ذلة، وذلك مصير أهل الجحود. يقومون بما تقومون بمثله لأمركم اليوم في رسالة الروح، مثالية للعلم وللشهود، وهو أمر في السماء قائم، كما هو في الأرض موجود، فهو في عالمكم من السماء الدنيا، كما هو في آخرتكم من السماء العليا، يدرك لكم يوم تسمو نفوسكم فترون ما توعدون، {ولمن خاف مقام ربه جنتان}[٤٠].

إن في السماء رسالة تقوم على أساس مما بلغتم به، لقائم دنيا هي لأهلها خير وأبقى، ويوم تقوم الأرض، وهي قائمة بما بُلغتم، وإنه لقائم أنفسكم، تصبح سماء لمدركيها، ولكنه الأمر المستور على أهلها، لاختبارهم في أمر أنفسهم، لساعة يكاد الناموس أن يخفيها، وما هي بخافية.

تعرف للناس عامة يوم يكشفها الله، بنصره لأهل الحق على أهل الباطل، في ظاهر أمر الناس، بما هو قائم لباطن أمرهم، في قائم قدرة الله لهم، يوم تقوم وتنتشر التعاليم الدينية الحقة، وتنتج آثارها، إذ يتغلبون بها، بسلطان الله لهم، على أهل الباطل من الناس، وعلى الطبيعة، في يسر وتيسير من الله، على ما هو قائم لأهل السبق، لباطن أمر الناس، لنصرة ذكر الله بالرسول وربه، ونصرة عباده في حاضر لهم، يقوم على ما هو في باطن قائم.

أمر يقومه المؤمنون بالحق، به يشهدون يوما للدين، ويوما للفصل لسفور في دورة له، فيسعد الناس بنصرة رسولهم وكتابهم ورسالتهم، قياما بدعوة ربهم بقلوبهم، بيوتا له، خاشعة له، مشهودا لهم، لأبصارهم كما هو لبصائرهم، لا ترهقهم ذلة، وتظاهرهم منه العزة.

فيبسط الحق سلطانه لأهل العدل ولأهل الرحمة، فيذهب الباطل وأهله، وسلطان الباطل وأهله، ويقوم سلطان الحق وأهله، في سفور من الأمر، والحق، على ما هو في هذا الأمر، للمتأمل، معروفا للمتحقق، يقوم دواليك في بلاء الله لأُمم الأرض، يبدل الله الأرض غير الأرض، ويداول الأيام بين الناس، على دوام من الأمر والفعل، في سر وفي جهر.

وها أنتم في هذا العصر، تشهدون أول هذا اللون من الأمر، يقوم ويظهر ويبرز في غير خفاء عنكم، وفي غير غموض عليكم، ولكن الناس ينكرون أن هذا هو دورة الوعيد، وأن هذا هو دورة الوعيد، وأن فيه تجديد النذير وأن فيه تجديد البشرى، وأن فيه قائم الحق والأمر الموعود. {من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[٤١]، {وما أنت عليهم بوكيل}[٤٢]، نسأل الله لنا العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة.

اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا، وغفلنا عن حقيك فينا… اللهم فأيقظنا من سباتنا ومنامنا وأحينا من موات قلوبنا.

اللهم بجاه وسيلتنا إليك عندك، من فينا أقمت وبالحق أشهدت وبالحكمة بعثت، وبالكتاب نشرت، وبالنور أحييت، وبالروح حدثت… اللهم بجاهه لديك، إلا ما لنا علمت، وأيدينا ونواصينا بالحق أخذت.

اللهم يسر أمرنا، ومن عدلك فعافنا، وبرحمتك فعاملنا، وبكلمتك فينا فابعثنا وعلينا فأعلنا، ولها بنا فأعلها، وعلينا فابسطها ومنا فانشرها.

اللهم كن لها بلانهائيك، واجعلنا منها بلانهائيها للانهائيك بنا وبها، واجعلها منا لك في لانهائي خلقك.

اللهم لا تترك في قلوبنا سخيمة لأحد إلا نزعتها، ونفوسنا فزكِها، ومن الزلل والخطأ فقها، وعقولنا فأنرها، وأرواحنا فأطلقها، وأشباحنا فأحيها، ونفوسنا فأشعلها، وجوارحنا فقومها، واجعل علاقتنا معك برحمتك، ولا تجعلها بعدلك، في طاعتنا ومعاصينا.

لا إله إلا أنت. سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة التوبة - ١٠٠ ↩︎

  2. سورة الملك - ٤ ↩︎

  3. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  4. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  5. حديث شريف ذات صلة: “لو أنكم دلَّيتُم أحدَكم بحبل إلى الأرضِ السابعة لهبط على الله تبارك وتعالى.” أخرجه الترمذي وأحمد والبيهقي. ↩︎

  6. حديث شريف ذكره الشعراني في “لطائف المنن” مشيرًا إلى أن الحكيم الترمذي رواه في نوادر الأصول، ٥٦٦، وقد عرج عليه في الفتوحات في الباب الثالث في مضمار حديثه عن تنزيه الحق عن التشبيه والتجسيم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا، ونصه فيه: " إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم". ↩︎

  7. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  8. سورة البقرة - ١١٥ ↩︎

  9. سورة هود – ٧٨ ↩︎

  10. سورة العنكبوت - ٦٤ ↩︎

  11. سورة النجم - ٣٩ ↩︎

  12. سورة الزلزلة – ٧، ٨ ↩︎

  13. سورة هود - ٤٥ ↩︎

  14. سورة هود - ٤٦ ↩︎

  15. سورة المجادلة - ٢١ ↩︎

  16. سورة الرحمن - ٢٦ ↩︎

  17. سورة الأعراف - ١٧٢ ↩︎

  18. استلهاما من {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ.} سورة الرعد – ٢٣. و{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.} سورة غافر - ٨ ↩︎

  19. سورة آل عمران - ٣٤ ↩︎

  20. حديث شريف ذات صلة: عن أبي سعيد رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَمَن؟!) رواه الشيخان. ↩︎

  21. حديث شريف ذات صلة ذكره محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية. وقد يكون مستلهما من الحديث الشريف: "إنِّي لأرجو ألَّا تعجزَ أمَّتي عند ربِّها أن يُؤخِّرَهم نصفَ يومٍ. قيل لسعدٍ: وكم نصفُ ذلك اليومِ؟ قال: خمسُمائةِ سنةٍ. صحيح أبي داود. ↩︎

  22. سورة الحاقة - ١٩ ↩︎

  23. سورة التكوير - ١٩-٢٠ ↩︎

  24. سورة البينة - ٥ ↩︎

  25. سورة الصافات - ٩٦ ↩︎

  26. سورة النساء - ١٦٤ ↩︎

  27. سورة الحجرات - ١٣ ↩︎

  28. مقولة شائعة توافق الحديث الشريف: “طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِ مسلمٍ.” أخرجه ابن ماجه، والبزار، وأبو يعلي. ↩︎

  29. سورة الكهف - ٤٩ ↩︎

  30. سورة يس - ١٢ ↩︎

  31. سورة مريم - ٩٤-٩٥ ↩︎

  32. سورة الحج - ٧٣ ↩︎

  33. حديث قدسي يرد في بعض كتب المتصوفة والشيعة، جاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎

  34. سورة الأنبياء - ١٠٧ ↩︎

  35. سورة النبأ - ١٧ ↩︎

  36. سورة الغاشية - ٢٢-٢٣ ↩︎

  37. سورة الكهف - ٨٦ ↩︎

  38. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  39. سورة طه - ١٠٨ ↩︎

  40. سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎

  41. سورة الكهف - ٢٩ ↩︎

  42. سورة الأنعام - ١٠٧ ↩︎