(٤)
الإنسان ببدنه
دار الحياة وبيت الصلاة
الهيكل حرم والقلب قِبلة والنفس عالم والعقل إمام،
والجوارح حواريون والأعضاء أكوان والذات وجود
حديث الجمعة
٨ ذو القعدة ١٣٨١ هـ - ١٣ أبريل ١٩٦٢ م
إلى مضيفنا في داره، إلى من وُعِدنا بجواره، إلى الحياة إلى القيوم علينا بالحياة، إلى وجودنا بموجودنا، إلى خالقنا، إلى مطورنا ومبدعنا، إلى من أوجدنا من العدم، إلى من خلّصنا من الندم، إلى من أغرقنا منه في الكرم، إلى من وعدنا بلقائه، إلى من جعل سعادتنا في دوام رجائه.
إلى الإله، إلى المتجلي بعبد الله، إلى الأَلَّاه، إلى من شهدنا وجهه، في كل ما يحيط بنا، بعين وجهه فينا.
إلى الله، نرجوه ونحياه… إلى الله، نسعده ونبقاه، وفي أنفسنا نلقاه… إلى الله، من جعل كعبته لجوارحنا في قلوبنا، ومن جعل إمامَة جوارحنا لعقولنا، ومن جعل كتابه في نفوسنا لنفوسنا لقراءتنا وعلمنا، ومن جعل عالمه لعلمنا، في ذواتنا، لبدء وجودنا.
إلى الله، إلى من جعل معنانا من معناه لنعرفه ونرضاه، ومبنانا من مبناه لندركه في مداناه، وعالمنا من عالمه لنعلمه في معناه، ووجودنا من وجوده لنشرقه ونبقاه أحياءً وعبادا لله.
إلى الله، مؤمنا بنفسه، في إيمان أنفسنا بنا، في ساحة وحدانيته، إلى الله عالما بنفسه، في علمنا عنا بعلمه، إلى المنزه في ذاته وعلمه عن إحاطتنا، هو بنا المحيط.
إلى الله روح الحياة، يوم تتنفس أنفسنا عبيق الحياة من روحه، ويوم تدرك الحياة، بقيوم الحياة به. فنشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أنه لا إله إلا الله محمد. نشهد أنه لا إله إلا إله محمد فنرى محمدا عبدا لله ورسول الله وحق الله وأولى بنا من أنفسنا.
نرى محمدا، يقوم ويتقلب بالسجود فينا، نرى محمدا هو المبعوث في بعثنا من الخلق، والقائم في قيامنا بالحق، نشهد عبوديته لله بعبوديتنا به، فنستمع لرسالته من الله إلى عقولنا في أنفسنا من روحنا.
نلبي نداء الله فينا إليه، في تلبية ندائه منا به. (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[١]، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٢].
هو أحب إلينا من أنفسنا، مؤمنين، وهو المخاطب منا لقائم الحق لاجئين، يا عبد الله، ويا رسول الله، ويا نور الله، ويا روح الله، ويا نسمات الحياة.
إذا ناجينا الله، وقد وضع الله كلماته إليه على الشفاه، فما ناجى الله إلا الله، وما خاطب الله إلا الله، وما سمع الله إلا الله. (إذا كنت بين يديه علمني كلاما أخاطبه به)[٣].
به نؤمن، فنرى المؤمن وجه المؤمن. وبه نقوم فنرى القائم وجه المقيم، فنرى في وحدتنا وحدة القيام، فنقوم وجوها لمن هو قائم، بالأمان والسلام.
نسأله الحب، وقد عرفناه الحب، فسعدنا بالمحبة في التحاب واتحدنا بالمودة في الحجاب، وانتظمنا بالألفة والسلام، وتطورنا بالعقيدة في القيام، فجافينا فينا ومنا المذموم، وطلبنا لنا وبيننا المرضي المعلوم، فكنا العالِم والعالَم، والمشاهِد والمشاهَد {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم}[٤].
طلبناه موجودا، ورجوناه مقاربا، وكشفناه فينا قريبا، فآمناه {قائم على كل نفس بما كسبت}[٥]، (وأقرب إلى كل نفس من حبل الوريد)[٦].
مصباحه في مشكاة صدورنا، وملكوته في حياة جوارحنا بين جوانحنا، ورسالته في انتشار نور عقولنا لعاقلنا، وأسماؤه وصفاته مَن يحيا بنا منا في بيته من قلوبنا، وكبير عالمه، قائم في صغير عالمه من ذواتنا لوحدانيتنا، نعلمه في صغير ذراتنا قبل كبير ذاتنا، عالمنا من عالمه في عالم له يحيط بنا.
السماوات والأرض دار سراحنا ومراحنا، وكتاب قدسه مقروء ذواتنا، نعرفه لنا ربا يرعانا، ونعرفنا له عبادا بذاتنا ومعنانا، لذواته ومعانيه، لقائم حضرته، لا حد لها، ولا عد لأهلها.
لا نجادل فيه، ولا نماري فيه، إلا جدلا ومراءً ظاهرا، ولا نستفت فيه من الغافلين عنه أحدا، نعرفه على ما عرفه عبده ببعثنا بعبده في عبده، عبادا في عباد لحق وحقيقة عبده، نفوسنا مطمئنة، دخلت عبدا، ساحة جنة.
فكان لها قديمها وكانت له جديده، جددته بإيمانها به، في جديد لها منه، فكانت بجديدها قديمه وعترة له فتقادمت بجديد منها عترة لها لكوثره. فعرفت في قديمها قدمه في جديده، كما عرفت في جديدها جديده لقديمها بقديمه، فما تعالى في الله جديد على قديم بقائم الباقي واسما له، وما استعلى بوحدانيته قديم على جديد لقائم الأزلي وجها له.
فالخلق منه، على دوام به، علما على لانهائي فيه - يبعث به فيهم قديم الحقائق، في صورة من جديد الخلائق، فيتحقق الخلق، ويتخلق الحق، دواليك بلا بدء وبلا انتهاء.
فيقوم في قيامنا إليه الرجاء، وينطق منا مناديا لنفسه بالدعوة والدعاء، فيستجيب لنا بقديمه لمعنانا، وتستجيب له بجديده لمعناه، فنعلم يوم ندخل لا إله إلا الله، ما يكون حصن لا إله إلا الله، ومن يكون قائلها معلما، ومن يكون قائلها متعلما، ومن يكون قائلها عليها علما، ومن يكون قائلها علما يُعلم، وكتابا يقرأ، ودارا تدخل، وسماءً تطرق، ويوما يقوم، وساعة تُبهِت، وعملا يرد، وجزاءً يمنح، وحقا غير ممنون.
إن الذي جاءنا به عبد الله ورسوله، حقية عبده ورسوله، من إذا ذكرناه ذكرنا مولاه، من إذا عرفناه عرفنا ربه وإلهه وقدسه وعظمته، فأدركنا قرب الرب وعظمة الإله، بإدراك القرب والعظمة لعبد الله. فآمنا بالله، وحق قدره قدرناه، فلم نخله منا، ولم نخلنا من معناه ومبناه.
إن الدين إنما يدور حول الرسول وفهمه عبدا وإنسانا، وحول فهمه تدور المعرفة، وبالمعرفة نعرف عن أنفسنا، وفي معرفتنا عن أنفسنا في قيامتنا، وفي انعكاسنا إلى داخلنا من خارجنا نعرف ونلقى ساعتنا من رحمته، باستجابة نفوسنا، لما تأمر به عقولنا فنستقبل عطاءنا من فيض أرواحنا فنسلك طريقنا، وهذه هي استقامتنا يوم نستقيم.
ليس هناك في الدين ولا في اليقين ما هو بعيد عن متناول أيدينا. قطوف جنانه دانية لمن قطف، مدركة لمن عرف، مذاقة لمن طعم، مطروقة لمن إليها سار فعلم، فإلى أبوابها تقدم فسلم، {والسماء والطارق النجم الثاقب}[٧]، {والنجم إذا هوى}[٨]، {جعلنا الشمس عليه دليلا}[٩]، {وجمع الشمس والقمر}[١٠]، يوم لا وزر، لا أثقال، لا أحمال، لا ظلام، لا أجسام ولكنها النفوس والعقول والأرواح، تحررت من سجونها من الأشباح، وانطلقت إلى معشوقها من الحق، فجعلها منه، حرة بحريته ومُريدة بإرادته، طليقة في انطلاقه ولا نهائيه.
من عرف الدين، من أدرك الدين، من ذاق الدين، عشق الدين، وجعل من الدنيا كتاب يقين، وجعل من الآخرة دار لقاء وحنين، وجعل من السماوات والأرض دار سكون، وجعل من خارجها ساحة انطلاق وفنون، عنها ينطلق بإيم٠انه في نهاره، وإليها يسكن في ليله بهجعته، يتقلب بين الليل والنهار، في تقلبه بين الجسد والروح آويا أو منطلقا، هو من عالم ليله لذات وجوده في موجود داره متحررا إلى ساحة نهاره في موجود حقه، في لانهائي ربه، عبدا لله لا تظله سماء، ولا تقله أرض…
مستجيبا لنداء الله {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}[١١]، قائما بسلطان الله، منطلقا به في وجود الله، {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}[١٢]. وما خلق الله الجن والإنس إلا ليكونوا عبادا له بسلطان منه.
فليس عبدا له من كان سجين بيته، وسجين داره، وسجين ذاته، وسجين عالمه، وسجين نفسه، وسجين معناه. إن السيد الحر الطليق لا يعرف ولا يستقبل إلا السادة، إلا الأحرار، إلا الطلقاء.
{لا إكراه في الدين}[١٣]، {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}[١٤]، {لست عليهم بمسيطر}[١٥] ما آمنوا بالله، {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم}[١٦]، {أفأنت تكون عليه وكيلا}[١٧]، إنما هو لك خليل وأنت له حبيب ودليل. فقد تجاوز العلم به، إلى الحيرة فيه بعلم عنه. فعرف الله في عجزه عن معرفته، وعرف الله في علمه عن نفسه، ثم عرف الله، علما وعالما ومعلوما وعجز عن معرفة نفسه به. وقد فرق بين معلومه، وبين عالَمِه، وبين علمه، فرآه وهو العبد العالم والمعلوم والعلم… فما يكون الأعلى لحسه ووجوده؟!
قدره ورآه، ما لم يدرك وفوق ما رأى من علم وعالم ومعلوم فتاه في ساحته لا حد لها، وحار في علمه لا توقف له، وعجز في معلومه منه، لا جذ لعطائه له ولا مِنّة عليه، فضل في عالمه به.
ويوم عجز عن العلم عن معلومه له، وقد عجز عن التكييف لعلمه في علم ربه، أدرك ضآلته على عظمة علمه بعالمه، أمام من علم وعالمه فأدرك ضآلة حاضره بمعلومه أمام ما يرجو لقابله بمعلوم له، على ما رأى، في عالم معلمه، فعجز عن إدراك نهاية لأطوار معلومه، بقائم عالمه لعلمه فضل في أمر معلومه من فعل معلمه.
هكذا أراد الله، لمن يريد أن يعبد نفسه له، فيكون عبدا له. فيرسله لخلقه ذكرا له، ببعثه بقديم بدئه كتابا له، في عوالم بدئه، بمعلوم أطوارها في أي صورة ما شاء ركبه.
إن الإنسان في ذاته، قائم قرآنه، ومبدي بيانه، ومقيم عنوانه، وإنجيل معناه، وقديم فيداه، ووجه مولاه، وأطوار توراته، لقائم ذاته ومجتمع صفاته هو قبلة خلقه منه بفعله، هو ساحة ربه فيه بفضله ورياض جنانه لمتابعيه، ونار قدسه لعاشقيه وظاهر غيبه للحائرين فيه.
الإنسان كريم في معناه، مبارك في مبناه، معبد في نفسه، موجه في عقله، حي في روحه، محيي في فعله، ولقد سعد الإنسان باسمه ووصفه، ممن خلقه على صورته، وواءم بين إرادته وإرادته، وطابق بين مشيئته ومشيئته، ونسق أمر وجوده في واسع وجوده. فأودعه أمره، وكشفه سره، وأرسله عبده، وقامه ربه، وأعلاه إلهه.
ولكن الناس يجادلون في الله بغير علم، ولا هدى ولا كتاب منير، وإذا تصدوا للتعريف عنه، وهم في قائم من غفلة عنهم، لا مدركيه لمعانيهم، ولا مقدريه لمبانيهم، أهل كتاب لكتاب عندهم نسبوهم، هو صحائف من ورق، ورسوم من محابر، وسواد من أقلام لله مادة نسبوه، وبالله لهم، نورا ما عرفوه، وبحورا من المعرفة ما سبحوه، ومفتاحا لحريتهم في الوجود ما أعملوه، فوجودهم بالله ما قدروه وما شهدوه، وفي صحائف قلوبهم ما أشهروه ولا نشروه، وبالحق رسولا مشهودا، وربا بالحق موجودا ما لاقوه.
ولكنهم ولا شيء من ذلك لهم هم يعلّمون الكتاب. ولا كتاب لهم، {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}[١٨] فهل فعلوا؟ {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}[١٩] فهل عقلوا؟ {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم}[٢٠]، فهل لما يبرز الله في كل وقت وحين من العلم قد علموا؟ {ولا هُدىً} فهل جاهدوا أنفسهم ليهتدوا؟ {ولا كتاب منير}، فهل تلقوا فرادى بعد مثنى فتفكروا…
{أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء}[٢١]، {أوحينا إليك روحا من أمرنا}[٢٢] فكان لك ذلك وقد جعلناك لهم بينهم أمرنا، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}[٢٣]، و{إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[٢٤]، {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده}[٢٥]، {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٢٦].
فهل آمن هؤلاء؟ هل خرجوا من معاني الكفر، وقد كفروا بالله أقرب إليهم من حبل الوريد، معهم أينما كانوا، من ورائهم محيط، قائما على كل نفس؟! ثم هم يتكلمون عن الله، ويعرِّفون عنه، وما عرفوه، وما آمنوه، وما في وجود شهدوه، ولا في أنفسهم وجدوه فكيف على الناس يقومون بظلامهم، ويتقدمون بكلامهم؟! يقودون الناس إلى مقابر قلوبهم، فيخرجون الناس من حقهم بفطرتهم إلى ظلامهم بعملهم، بما يتعلمون عنهم، مباعدين بهم عن الله في علمهم وقيامهم مبعديه عن أنفسهم بعيدة عنه، فلا يزدادون بصلاتهم من الله إلا بعدا، ولا يزدادون بعملهم في معاملتهم من الله إلا مقتا، ولا يزدادون بمسعاهم مباعديه فيهم إلا فقدا.
هذه هي حال مجتمعنا على ما نرى وعلى ما نشهد، وعلى ما نقوم، فهلا فعلنا ما فعل رسول الله بنفسه لاقتدائنا إماما وقدوة لنا، من جعل الله لنا في بلائه به وابتلائه له لنا أسوة.
(تفكُّر ساعة خيرٌ من عبادةِ عام)[٢٧]، (إنه ليغان على قلبي حتى أسـتغفر الله في اليوم سبعين مرة)[٢٨]، (أهي أغيان أغيار يا رسول الله منها تستغفره، لا بل هي أغيان أنوار)[٢٩] من معرفة طابت لها النفس واستراح لها الحس وقبلها العقل، وانطلقت بها الروح، رآها كماله وحدد بكماله لمشهوده عطاء ربه فكان في ذلك خطأه ووزره. فلما عرف أن الكمال لا حد له وأن العطاء لا جز له، وأن الله لا وصف له، وأنه في مطلقه ولانهائيه لا ثبات لذات له، وأنه بمعانيه في معانيه من روح الحياة اللانهائي لا انقطاع لمعانيه منه، وأن اللانهائي فيه لا غيبة له ولا توقف للمرتقى به، عرف أن معاني العبودية فيه، هي السعادة لطالب العبودية له، وهي الحق لمن يعنيه الوصلة به في عبد له، وعرف أن الربوبية عليه ما هي إلا عبودية فيما يطلب من الحق ربا له.
فيوم عرفه وقدره حق قدره، فطلب الرفيق الأعلى من عباده ليفيض عليه من ربه استقام في الله أمره، وسكن بالله سره، فأبان عن الله جهره بالذي عرف في نفسه، عاجزا عن كمال معرفته، لجديد من رشاد ليسلك به مرتقًى خلف رائد لمراد فطلب منه في نفسه أن يحيا مسكينا وأن يبعث مسكينا وأن يحشر في زمرة المساكين.
أدرك أن الملأ الأعلى، وقد صار منهم، وعرفه كان منهم، يطلبونه كما يطلبه الطالبون من ملئه من الناس في الملأ الأدنى، وأن في دوام طلبه ودوام الاستقامة في طريق ربه ودوام الاهتداء إلى جديد من أمره، ودوام القيام في مرضي الشأن من شأنه تكون سعادته وسعادة من يتابعه عليه فقال للناس {فاتبعوني يحببكم الله}[٣٠]، (لكم من الله مالي)[٣١]، ما تابعتموني قدوة لكم، وما ارتضيتموني أسوة لكم، وما عرفتموني عبدا لله وأخا لكم، فأنا أخٌ صادق لمن يؤاخيني منكم، وابن وفيّ لمن يلدني بينكم وأب بار لمن يراه مني منكم.
فأنا لكم الابن الهادي لأبيه، والأخ الداعي لأخيه، والأب الراعي لبنيه. اقبلوني على ما يرضيكم مني، فإني أقبلكم على ما يرضيكم بي، لا انقطع عنكم ولا أحب أن تنقطعوا عني، فـــ (أنا حي في قبري من حج ولم يزرني فقد جفاني)[٣٢]، (تُعرض على أعمالكم فإن وجدت خيرا حمدت الله وان وجدت شـرا اسـتغفرت لكم)[٣٣].
إليك رسول الله محبتنا، وإليك رسول الله وجهتنا، وإليك رسول الله سعينا، وإليك رسول الله قبلة لنا صلاتنا، بيتك بيت طوافنا، ويدك يد السعد والنعمة لنا من ربنا ووجهك وجه الجمال والحق لنا من خالقنا ومبدعنا، ومن رحمة الله بك لنا فيه من بين أهلك سفن نجاتنا ومصابيح حياتنا.
إليك رسول الله نتجه، وبك إلى الله نستشفع فبجاه ربك عندك لنا فاشفع على ما أُذن لك، فــــ {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}[٣٤]، وقد جعلك صاحب الشفاعة والضراعة وصاحب الوسيلة والفضيلة وصاحب المكانة الرفيعة، والحصون المنيعة، وها هي أعمالنا ترفع إليك ونحن نعلم أننا لا نرضاها، فاشفع على ما وعدك الله، وعلى ما وعدت، وعلى ما أذن الله، وعلى ما قمت، إن حالنا لا يرضيك ولا يرضينا، ولكنه وقع بقضاء الله، الذي لا يقع في ملكه إلا ما يريد على ما أعلمتنا وعلمتنا.
إننا نفوس تجادل عن نفسها، إن الشر من صنعنا به نفخر، وإن الذنب من طبيعتنا فيه نتواجد، ورحمتك، ورحمة ربك ديننا ورجاؤنا وأملنا، أنت وربك بالحق بها جدير، وعلينا بها منكما لنا هو بكما عليها قادر.
فبدل اللهم بحكمتك أحوالنا، واقبل من رسولك الشفاعة لنا، واغفر لنا، وتب علينا حتى نتوب، واغفر لنا حتى نستغفر، وقومنا حتى نستقيم، واهدنا حتى نهتدي، وعافنا من عدلك حتى لا نهلك، وأعلِ كلمة الحق علينا حتى نحيا، وأعلِ كلمة الحق فينا حتى نبقى، وأعلِ كلمة الحق منا حتى ترضى فنرضى، وجدد اللهم بفضلك للرسول إسلامنا حتى نرقى، وبه إيماننا حتى نعرف، ويقيننا وكتابنا ومعرفتنا وأحوالنا وقيامنا حتى ننتشر ونشرف، إنك على هذا قدير، وبه جدير، ونحن بك إليه نصير.
اللهم فاقبلنا في المقبولين، وارحمنا في المرحومين، بشفاعة عبدك، وابن عبدك ورسولك، ورسول رسلك، ورسولك إلى رسلك وأوادمك، من عرفناه فينا، عبدا ورسولا لك، وصلناه على ما أمرتنا بمحبتنا، ووصلنا على ما أمرته بسكينتنا، فكان لنا السكينة وكتابه في رحمتك من رحمته في المدينة.
فطفناه واستقبلناه، طوافا بدارك واستقبالا لوجهك، وطلعتك من ورائه أنت بإحاطتك كما بها أنت من ورائنا، وجها لوجه شهدناك وشهدتنا، فكان قبلتنا على ما أمرت، ودار طوافنا على ما هديت، وبعث نفوسنا على ما وعدت.
اللهم به فاقبلنا. اللهم به فابعثنا، بعثا من بعد بعث، اللهم به فعلمنا، علما من بعد علم، اللهم به فأحينا حياة من بعد حياة، اللهم به فأبقنا بقاء من بعد بقاء، اللهم به فيك فامحنا محوا من بعد محو. اللهم به فالقنا لقاء من بعد لقاء.
مصادر التوثيق والتحقيق
إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة آل عمران - ١٨ ↩︎
سورة الرعد - ٣٣ ↩︎
استلهاما من {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} سورة ق - ١٦ ↩︎
سورة الطارق - ١-٣ ↩︎
سورة النجم - ١ ↩︎
سورة الفرقان - ٤٥ ↩︎
سورة القيامة - ٩ ↩︎
سورة التوبة - ٣٨ ↩︎
سورة الرحمن - ٣٣ ↩︎
سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎
سورة يونس - ٩٩ ↩︎
سورة الغاشية - ٢٢ ↩︎
سورة الجاثية - ٢٣ ↩︎
سورة الفرقان - ٤٣ ↩︎
سورة آل عمران - ٧٩ ↩︎
سورة البقرة - ٤٤ ↩︎
سورة الحج - ٨ ↩︎
سورة الشورى - ٥٢ ↩︎
سورة الشورى - ٥٢ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
سورة يوسف - ٨٧ ↩︎
سورة غافر - ١٥ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
حديث شريف: “تفكُّر ساعة خيرٌ من عبادةِ ستين سنة.” تخريج الإحياء للعراقي، كما أخرجه أبو الشيخ في ((العظمة)) وابن الجوزي في ((الموضوعات)) باختلاف يسير. ↩︎
حديث شريف: “إنه ليغان على قلبي وإني أسـتغفر الله في اليوم سبعين مرة.” أخرجه مسلم وأحمد وابن حبان." وجاء في الصحيحين، وسنن أبو داود بصيغة “إنه ليغان على قلبي وإني أسـتغفر الله في اليوم مائة مرة”. ↩︎
مما ذكره الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه “لطائف المنن” أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي قال: “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فسألته عن هذا الحديث (إنه ليغان على قلبي) فقال لي: يا مبارك ذلك غين الأنوار لا غين الأغيار.” ↩︎
سورة آل عمران - ٣١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف رواه الدارقطني، يتوافق مع الحديث الشريف: “ما من مسلمٍ يُسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام.” رواه أبو داود بإسنادٍ جيدٍ، وحديثين ذكرهما الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة”: “أنا في قبري حي طري، من سلم علي سلمت عليه” و “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎
حديث شريف: “تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت خيرا حمدت الله عليه، وما رأيت من شـر اسـتغفرت الله لكم.” أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎