(٣)

هو
عباده وأهل رشاده
أوادم الخلق ومصابيح الحق
هونا على الأرض يمشون
وقلوب الخلق يطؤون فيحيون

حديث الجمعة

٣ شوال ١٣٨١ هـ - ٩ مارس ١٩٦٢ م

الحمد لله، الحامد لنفسه من حامده، المعروف لنفسه في عارفه، أستغفره وأتوب إليه، فإنه لا يغفر الذنوب إلا هو في مستغفره.

كل إدراك بغيره لغيره، وكل قيام لوهمه في وهمه، إنما هو الذنب فيه، بقائمه لغيره وواهمه لنفسه. نوحده وننزهه، على ما توحد وعلى ما تنزه، لا شريك له بيقين لا شريك له.

نحمده أن جعل العِلم عنه في التقوى له، وأن جعل العِلم عنه، هو طريق القيام به، بالتوحد معه، بالحب له معية محبه. كما جعل العِلم عنه، في العِلم عند العالِم به، بالعلم عنده عن نفسه، يعلمها، ويجعل من عِلمه بها فيدا قيامه، وألواح توراته لأطواره، وكتاب قرآنه لأسفاره، وإنجيل صدره لإحسانه، ولسان بيانه لعرفانه، وحديث إيمانه لإخوانه.

نحمد الله ونشكره، على ما جعل من علاقة بينه وبين عباده، قامت على محض فضله وإحسانه، نحمده أن جعل من عباده وجه حقه، لهم في أنفسهم ولهم في معانيهم، ولهم في اجتماعهم، ولهم في توحدهم، ولهم في بيوتهم، ولهم في مجتمعهم، ولهم في تعددهم وانفرادهم، وجوه طلعته. يأنسون لها في قيام الأُنس له، ويتآنسون بها في معنى الاجتماع عليه يوحدونه لا يعددونه، ويؤمنونه لا ينكرونه، ويقومونه لا يجحدونه، ويشهدونه لا يجهلونه.

لقد جعل الله من قدمه بآدم أولية لكل خلق له. وجعل من إنسان آدم أولية لكل حق له، وجعل من دار قيامه معبدا أول الدور لخلقه، ومن دار قيامه مصطفى أول الجنان لعبده، يقومون فيه ويقومون به، أول كلمات إليه منه وأول وجوه له فيه، خلقهم من خلقه خلائق ثم بعثهم به بحقه حقائق.

إن معنى الإنسان وأشيائه، باطن معنى الآدم ومعنى أبنائه، كما أن الآدم وأبناءه باطن الإنسان وأشيائه خليلان وحقان ورفيقان حضرة الحق لهما قيام، فآدم وأبناؤه، هم حضرة الخلق بحقية الخلق لما وراءهم من إنسانهم وأشيائه لعينية الحق به تواجدوا وبه يتواجدون، وبه قاموا وبه يقومون، وبه تحققوا وبه يتحققون، وبه ظهروا وبه يظهرون.

إن الإنسان بظاهره بآدم وباطنه بالله، أو الآدم بظاهره بالإنسان وباطنه بالله أمر فيه وحدة الخلق، كما هو أمر فيه وحدة الحق لأمرهما لهما، به تقوم وحدة الخلق بالحق ووحدة الحق بالخلق.

إن بشرية هذه الأرض، إن أبناء هذه الأرض، ولدتهم الأرض، أنبتتهم الأرض، تواجدتهم الأرض، وفي صدورهم قلوبهم هي أراضي طيبة، صالحة للحياة، وقد قاموا في أجهزتهم الراهنة صورة لأصلهم، عَبّر بها عن نفسه العالم الكبير الذي خلقهم لنفسه والذي يحيون فيه ويشهدونه.

صورة فيها مقومات الحياة لهذه الأرض، التي هي بين جوانحهم، لتكون أرضا طيبة تُكبَّر وتُعمَّر وتُسْكَن، بما يوجدون فيها وعليها بعقولهم الخالقة، في وجودهم الخالق، من موجدهم باسمه لاسمه وعنوانا له، ذكرًا لله وعبادا له، يبعث بهم ومن خلالهم، قديمهم للقويم في جديدهم للكريم. (من صلح أصلحنا له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته)[١] ، (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[٢].

إن العبودية لله أمر جسيم وأمر خطير. إن العبودية إنما هي كينونة إذا أضيفت إلى الله صارت ظاهرا لله مضافا إليه لمعنى باطنه، فإذا أضيفت هذه الكينونة إلى وجودها من الأرض أو من السماء، صارت ظاهر المضاف إليه سواء من الأرض أو من السماء، كون من الظلام أو النور أوجد كونا من الظلام أو النور، ومخلوق أوجد مخلوقا.

أما إذا أضيفت الكينونة إلى الله لموصوف العبد له فقد فقدت وصف الخلق وربحت وصف الخالق، قد فارقت وصف التوقيت وأخذت وصف الدوام والتأبيد، قد فارقت وصف العجز والضعف، وأخذت وصف القوة والقدرة، فارقت وصف الضيق وقامت في وصف السعة، فارقت وصف الظلام والنار والنور وقامت في قائم الإرادة والطاقة والمعنى.

{إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا}[٣]. إن كل ما في السماوات والأرض إلا آتي عبودية الرحمن سائدة منتشرة مشرقة، قائمة بالحق، رحمة من الله الرحمن الرحيم عبودية سيدة لا مسودة. موجده موجوده متواجده. إن عباد الله أمر متميز عن الخلق لله، العابدين لله، المتقين لله، المحبين لله. إن عباد الله تجاوزوا هذا إلى الله وقائم حقائق الله.

إن الذي تتواجده من قائم تواجدها به بشرية الأرض، إنما هو روح واحد، من قائم روح واحد هذه البشرية مظاهرها، لقيام حق وعبد واحد، هو القائم على صورة من كل نفس فيها بما كسبت قائم بأمر الله، وناموس أحدية الله وصمدانيته، قائم بحق الله ورحمته، قائم بقدرة الله وقربه، قائم بناموس خلق الله وفعله وهديه، يظهر للمجتمعين على ذكره، المتحابين على النجوى في أمره وشأنه، يتوحدون به ويفنون عنهم إليه، فيرونه واحد ثلاثتهم أو أحدية جماعتهم، أو باطن وحدانيتهم أو جماع اثنينيتهم، يرونه حق معناهم ومعنى قيامهم وقائم حقهم.

يرونه يوم يرونهم، ويرونهم يوم يرونه، به يدخلون في لا إله إلا الله فيدخلونه، وبه يرسلون من لا إله إلا الله فيرسلونه، إن فارقوه ما فارقهم، وإن اجتمعوه وفي أنفسهم لاقوه فما أحاطوه، وإن غيبوه عنهم فما غيبهم منه، ولا غيبهم عنه.

إنهم بإيمانهم بالله ورسوله يتحدثون عنه مع الناس على قدر عقول الناس، ويتكيفون به مع الناس على ما تكيف الناس، ويتعاملون به مع الناس على ما يصلح به الناس وأمر الناس، مستكبرين به على المستكبرين، متواضعين برحمته مع الضعفاء والمستضعفين.

نحن في هذه البشرية وعلى هذه الأرض، ما جعل الدين إلا في البحث عن عباده وأهل رشاده وأمر الناس بالسعي إليهم، ما عرفوا، والحج إلى دورهم ما عرفت، واستقبالهم في قبلة المصلَّى ما كشف أمرهم، وتكشف نور الله من قلوبهم.

إذا تواجد العبد لله بين خلق الله، والتأم الخلق في طلب الخالق، على من أظهر منهم بينهم لهم من أنفسهم، تخلقت العبودية لجمعهم بالعبد بينهم وتواجدت الربوبية لهم بكوثرهم في عبده لحقه لهم، بقيامه في خدمتهم لقدوتهم مقتدين ومقتدون، وتوحد الخلق في الخالق، والعباد للمعبود في العابد فبنيت ورفعت أركان البيت، وارتفع الصوت وقام الحق، وكشف الأمر، وتعارف الناس، لاستقامة الجهر، وتلاقوا مع الخفي من الأمر المختفي من السر، فكانوا وجوها لله يشهدون وجها لله.

فقام وجه الله ساهرا على وجوه الله وطالبي وجه الله، {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}[٤]، هم وجوه الله إليك يطلبون وجه الله فيك فكن يا وجه الله في خدمتهم، (واخفض لهم جناح الذل من الرحمة)[٥] {وشاورهم في الأمر}[٦] {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}[٧] {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}[٨] {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}[٩] {ولسوف يعطيك ربك فترضى}[١٠]… {ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر}[١١].

بهذا عَلَّمنا رسول الله، وبهذا جاء رسول الله، وعن هذا أعلم كتاب الله كتاب الله معه أو كتاب الله منه وكتاب الله إليه، وفي هذا قام رسول الله في سنته من قول وفعل بظاهر وباطن من القول والفعل، تواجد به واستقام عليه وتركه فينا لنقوم به، ولنتواجد فيه ولنستقيم عليه قدوة به كافة للناس بكوثره.

من أحدث من بعده فيما ترك لنا دينا لله، قام فيه وأقام به بيننا فقد تخلف عنه، فهو ليس منه، ومن قام فيما فيه قام، مع من فيه قام، كان منه، وكان رسول الله منه، في دورة الحياة وفي دورة الوجود.

لقد خرج رسول الله من آدم، وكان صفوة آدم، كما خرج آدم من رسول الله، وكان صفوة رسول الله، ومنه يتجدد رسول الله صفوة له ومن صفوته يخرج آدم في دورته الخالدة مرة أخرى صفوة له، وهكذا كلما يغير الله عند من يتغير بتغيير ما في نفسه الأرض غير الأرض بإنسانها والسموات غير السماوات بإنسانها، دواليك في دورة دائبة في قادم على ما كانت في قديم دائم وعلى ما هي عند عارف في حاضر.

إن الحق لا يعرفه العصر من الزمان ولا الشيء من المكان. إن الله لا يحكمه الزمان ولا المكان. إن الله لا يوصف بالقدم، ولا بالحدوث، ولكن الموصوف فيه بالقديم والجديد إنما هو الإنسان، والموصوف فيه بالخلق والخالق إنما هو الإنسان، والموصوف فيه بالحق والباطل إنما هو الإنسان، والموصوف فيه بالضار والنافع إنما هو الإنسان. إن الموصوف فيه بالعصر والدهر إنما هو الإنسان. إن الموصوف فيه بالظاهر والباطن إنما هو الإنسان.

إن وصف الإنسان لله لمعنى الحق فيه عند المسلم وفي دين الإسلام هو قائم الذكر الفرد الأحد علم أحديته بالوجود وبالحياة في مطلق الله، أما الفطرة لله ففيها الآحاد من تواجدات إنسانيته الصمد، اللانهائي المتفرد في قيامه وفي صفاته، المدرك عند واصفه ومسميه بالعجز عن وصفه وعن تسميته، لا تتضارب فيه الصفات ولا تتعدد منه الذات.

العلم كل العلم عنه لكمال العلم به، إنما هو في قيام العجز عن العلم به، وإدراك العجز عن الإنكار له، والعلم كل العلم به، إنما هو في الإحاطة من الإنسان بنفسه فيه، فالإنسان هو كتاب العلم به عنه.

إن الله، عند المسلم هو روح الحياة اللانهائي، وذاته عنده في قائم الوجود الحي به المطلق فيه هذا الوجود المشاهد والمدرك وجهه بكائناته، والمعلوم لمعانيه بصفاته من مدركه لنفسه بلا إدراك بكنه، ولا إحاطة بعلم فسعته لا تُحَد، وإطلاقه لا يتحدد، ووجهه لا يتعدد وإن تعددت مرائيه، متصف بالسعة، ومقدر بالمزيد.

يقوم فيه القديم ولا يخرج عنه الجديد وهو في قيام وجوده محيطا، لا يحاط، ولا ينفي هذا معاني الفراغ فيه لمدرك لانهائيته، ولا ينفي انفراد الوجود بمعناه بالحياة عند إدراك وحدة الوجود بها في وحدانيته، من جديد نشأة للحياة بوجود لموصوف الإطلاق إلى لانهايةٍ لموجوده، بها يقتضي التعدد لوحدات الوجود منه من عين وجوده، بملء فراغ الوجود بالحياة خلق الحياة بلا حد وملأ الفراغ بعوالمها بلا حصر ولا عد.

(أطَّت السماء وحقَّ لها أن تَئِط، ليس فيها قدر أربع أصابع إلا وفيه مَلك قائم أو راكع أو ساجد لله)[١٢]، {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}[١٣] {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخَلَّاق العليم}[١٤] {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين}[١٥].

إن الله ميسرة معرفته، وميسر الإيمان به، عند كل عاقل، في حدود إدراكه، وحتى عند الجاحد، هو المختفي فيه عنه به، ففي الجحود به نوع من إشهار المعرفة عنه بقائم الجاحد، ولون من التواجد الذاتي فيه يشهره حرمة المنكر.

وفي هذا أيضا صفة من صفات الرحمة، يُشهِدها للعاقل الحكيم بما أسبغ من الحرية على الكائنات فيه بوصف مظاهره، لا يعطل مطلق إرادتها لقائم إرادته، غنيا عن العلم به لأنه جعل العلم به والعلم عنه في علم العالم عن نفسه، جحده أو لم يجحده، آمنه لنفسه وآمن به لها أو لم يؤمنه.

فليس الدين كما يفهم الناس، في فلسفة المعرفة عن الله لإثبات أو كشف وجوده، فهو المعروف في كل معرفة أيا ما كان لونها، والموجود في كل وجود أيا ما كان وصفه، ولكن الدين قام على كسب معاني العبودية عند عابد له بمعبود فيه، للتخلق بخلقه في وجوده بموجوده، بإدراك معاني الحقية في خلقه، عابدين ومعبودين بعباد فيه.

فالخلق بالله هم حقائقه عبادا وأربابا، إذا ما واءموا بينهم وبين قوانين الخالق وهي قانون الحياة، وقانون الوجود، هو لهم بخلقه، يتخلقون بها، هو القوانين التي تحكم وجودهم وطبيعتهم ونظام حياتهم ونظام ظهورهم وغيبتهم، بإبرازهم وإنشائهم وبعثهم، وإقامتهم، أو إخفائهم في سيرهم وسكونهم في قيامهم وقعودهم.

إن الانتظام مع هذه القوانين والترنم معها هو الذي به تتواجد معاني العبودية الحقية، والربوبية للكائنات المخلوقة في قائم الخلقية لها، إذ يصبح الإنسان مظهرا لهذه القوانين، وقياما وإعمالا لها، وكتابا وتعريفا عنها هديا إلى الله من الله، عبادا له ورسلا منه، يمشون على الأرض هونا قياما به وذكرا له يخاطبون الجاهلين سلاما، ويستكبرون على المستكبرين هجرا لهم وخصاما وعتابا وملاما، ويضعون أنفسهم في خدمة المفتقرين إلى الله، حبا لهم ومحبة له، وسلاما معهم في سلام معه.

يستكبرون على المستكبرين، لهديهم، لا حاقدين، ولا قالين، ولا ضالين، ولا مضلين. ويتواضعون للمفتقرين، لا افتقارا إليهم، ولكن افتقارا ومرضاة للمطلق لرب العالمين، الذي أغناهم والذي قوّم مسراهم والذي حقق معناهم، والذي أفاض منهم ماء الحياة للواردين فجعلهم أحواضا للواصلين المشوقين، وللأغنياء المفتقرين وللكرام السائلين ولمن استيقظوا من النائمين الضالين الغافلين فأصبحوا أنهارا وبحارا للعارفين المستهدين بهم قام الدين، وبهم يقوم الدين، وبهم يدخل الناس في الدين وفي اليقين وبهم يكون الناس في الدين وفي سدرة المنتهين، حجب النور والظلام للأحياء السباحين.

هذا هو الدين على ما هدانا إليه رب العالمين، وعلى ما جاءنا به رسول الله الأمين للطالبين رسول الله من الروح ومن الناس أجمعين، وعلى ما يقيمه الله في كل زمان وفي كل وقت وحين…

وعلى ما يظهره الله في هذا العصر بقارعة للطاغين وردا للضالين إلى أحضان السلامة واليقين، وهديا للمسترشدين وغناء للمفتقرين ينزله بالروح من السماء ويعم به جميع الأرجاء، فاليوم تكلمنا السماء وتأخذ بيد الطالبين وضعا بدوائرها السحرية فتقدم الماء للعطشين، وتكشف الطريق للطالبين، وتنير ظلام المستهدين، وتحيي موات القلوب للمستسلمين، وتبعث الأحياء من الموتى في أجداث المسترخين من المتعرضين لنفحات اليقين. (عدّ نفسك من الموتى)[١٦]، تكن من المؤمنين، فالموتى اليوم من الأجداث يتحدثون، والصالحون من الموتى يقومون، ها هم الموتى معنا يتكلمون.

هذه هي رسالة الغيب ورسالة الناس للناس من اليقظين لليقظين يقيمها الله مجددا لها بحكم الصبغة وناموس الفطرة في عصركم هذا، معمما لها للعالمين، على ما أقامها في سابق للقرى في قرية داوود وبمدينة الأمين، ومن أهل القرى نشرها وأسراها إلى سائر الأمصار والأقطار، في كل وقت وحين، ختمها بعيسى لبنوة نوح وإسرائيل خاتما وطابعا للنبيين من الحواريين، وطابعا للمهتدين وعبدا من الراشدين، وجددها وبدأها للناس أجمعين بمحمد عبدا لقي ربه، قدوة ورسالة للمفتقرين ووجها وطلعة للمتشوقين. جعله كافة للعالمين، في بلد طيب وبروح أمين، جعل في الإيمان به وبربه الخلاص واليقين.

رسالة جعل الله بها الذين آمنوا فوق الذين كفروا ظاهرين، من أهل بلد لله خاصمت وضلت مع الضالين من أهل الكتاب والمستهترين، قهرها وأخضعها للمؤمنين بما أودع الله بالرسول الأمين، وقد مثلت بأهلها فيها له عنده شيطان نفسه بقومه كنودين، للحق به لهم جاحدين.

أعانه الله على شيطانه بهم فأسلم، بإسلامهم له مقهورين وأخضعه لنفسه فتابع إلى حين، ولكن لعقله به ما عقل فآمن، ولروحه منه ما بالحق فجدد لمعناه فيه فسلم له، فرضيه الله الغفور الرحيم، فسلم يوم هو لرسوله أسلم، ولكنهم ارتدوا على أعقابهم من بعده لظاهر له بينهم ضالين وهو ما فارق بكوثره المؤمنين بشبح وروح ونور ويقين، له مستقبلين، معه متحدثين، بأمره مؤتمرين.

تمثل هذا في قريتين، في بلدين، في مدينتين، مدينة الرسول وهو بعيد عنها بشبحه، قريب منها بروحه استسلمت طائعة مطيعة بما كتب الله لها من سعادة في سابق قدره، مثلا للمؤمنين، والبلد الحرام مثلا لعموم الناس وأغلبهم في طبيعتهم استعصت وعصت إلا من رحم.

ولكن الله نصر رسوله لتظهر رسالته فهداها بالقهر، واستجلبها لساحة الرسول لليسر، وما زال الرسول يعمل، فيما عمل على ما عمل وبما به بعث، وها هي الأيام تتتابع، وها هو فجر الليل يوشك أن يشرق والظلام يوشك أن ينقشع وها نحن في انتظار صبح بمحمد، ها نحن في انتظار نور محمد، ها نحن في انتظار فجر محمد، يدور في دورة الأيام من الزمان على ما هو دائر، بين يوم مشرق من نهار، وسكون مطمئن من ليل، دواليك بداية القرون وتمامها، وبداية الآلاف من السنين وختامها في دوراتها، فهو مولد الأزمان والعصور بعترته، وأهله من ذريته وهو دورة أيام الله من الدهور بجدته.

فنسأل الله به أن يهدينا، ونسأل الله به أن يرحمنا، ونسأل الله به أن يحيينا، ونسأل الله به أن به يقيمنا، ونسأل الله به أن به يبعثنا، لا إله إلا الله، لا معبود غيره ولا موجود سواه. نشهده أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.

اللهم تب علينا واغفر لنا، اللهم آمنا في ديننا ودنيانا، اللهم آمنا في حرياتنا وأوطاننا، اللهم آمنا في صحتنا وأرزاقنا، اللهم آمنا في أهلينا وأولادنا، اللهم آمنا في طريقنا ووجهتنا، اللهم آمنا في جمعنا وجماعتنا.

اللهم أنزل سكينتك على قلوبنا، والسِلم والسَلام على أرضنا، اللهم ادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم.

اللهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شرارنا، اللهم انصرنا على أنفسنا حكاما ومحكومين، اللهم اهدنا حكاما ومحكومين، اللهم تولَنا حكاما ومحكومين، اللهم اغفر لنا حكاما ومحكومين، اللهم قوّم سبيلنا حكاما ومحكومين، اللهم قوّم وجهتنا حكاما ومحكومين، اللهم ألهمنا الصواب وأقمنا بالحق حكاما ومحكومين، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. استلهاما من {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ.} سورة الرعد – ٢٣. و{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.} سورة غافر - ٨ ↩︎

  2. مقولة صوفية تتناغم مع خلق الله للإنسان كخليفة لله. ↩︎

  3. سورة مريم - ٩٣ ↩︎

  4. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  5. استلهاما من {واخفض جناحك للمؤمنين} سورة الحجر – ٨٨، والآية {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} سورة الشعراء - ٢١٥ ↩︎

  6. سورة آل عمران - ١٥٩ ↩︎

  7. سورة آل عمران - ١٥٩ ↩︎

  8. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  9. سورة البقرة - ٣٧ ↩︎

  10. سورة الضحى - ٥ ↩︎

  11. سورة الفتح - ٢ ↩︎

  12. من حديث شريف: “إنِّي أرَى ما لا ترَونَ وأسمعُ ما لا تسمَعون، أطَّتِ السماءُ وحق لها أن تَئِطَّ؛ ما فيها موضِعُ أربعِ أصابِعَ إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهَتَهُ لله ساجدًا. واللهِ لو تَعلمونَ ما أعْلَمُ لضَحِكْتُمْ قليلًا ولبَكَيتُمْ كثيرًا…” جاء في سنن الترمذي، كما أخرجه ابن ماجه، وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  13. سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎

  14. سورة يس - ٨١ ↩︎

  15. سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎

  16. حديث شريف رواه عبد الله بن عمر: “أخذ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببعضِ جسدي وقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎