(١٢)
الإنسان
هو الطريق والطارق، وهو السماء والنجم الثاقب
في الوجود المطلق لاسم الله
حديث الجمعة
١٦ ربيع الآخر ١٣٨٨ هـ - ١٢ يوليو ١٩٦٨ م
الإنسان؟!
الإنسان أيضا؟!
الإنسان يتحدث… الإنسان يسمع… الإنسان نتحدث عنه… الإنسان لا نعرفه… والإنسان لا نجحده، ولا نُنكره، ولا نحيط به.
الإنسان، مقيما على الأرض… الإنسان، مقيما في السماء… الإنسان مترددا بين السماء والأرض… الإنسان، خارج السماوات والأرض… الإنسان، متحررا من سجن السماوات والأرض… الإنسان، منطلقا في لانهائي الوجود… الإنسان يملأ فراغ الوجود بالوجود… يملأ فراغ الحياة بالحياة… الإنسان يجدد خلق السماوات والأرض، لنفسه، بقائمه لمعناه، جديدا لقديم، إنسان السماوات والأرض وما بينهما.
إن إنسان الأرض، وإنسان السماء، وإن إنسان السماوات والأرض، وإنسان التردد بينهما، وإنسان الانطلاق منهما، إنما هو إنسان واحـد، وحق واحد، وقائم بالحق واحد، في مطلق الحق ومطلق الوجود ومطلق الله.
إن الإنسان بأحده للحق، ينشق عنه فيه، فيتواجد لاثنينيته بواحديته من أحديته، قائم الواحد لأحده. وإن الإنسان بواحديته بالحق لـه يلتئم، بأبعاضه له، فيتواجد أحدا، من واحده، وتقوم أحديته من واحديته.
إن الإنسان، بجماعه بواحديته لقائمه بأحديته، يجدد نفسه بكله، لإقامة ظل له لكله، به يعرف، وإليه يتعارف، فيمتد بكوثره، لتكاثره لا ينقطع مزيده، ولا يتوقف له فيه جديده، لا تنفصل عنه أبعاضه، وتلتئم فيه به جوارحه، قائم إنسانه، لعَلَم رحمانه.
لا يبتر بعضه عن كلي وجوده، ولا يبتر فيه عنه كائن، قام به عن محيط موجوده، في قائم الله، لمطلق الوجود، لا شريك له فيه من موجود.
ها هي العذراء، ترهص لبنيها، وزوجها وحليلها وخليلها ومتوليها، ترهص لأمر الإنسان، {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين}[١]، يظهر أمره من مصر، وينتشر في كل مصر، بنور الله، بروح الله، بحق الله، بحقيقة الله، كلمة تمت متوفاة، لإنسان الله، عما قريب يعتلي منبره، ويروي للناس خبره، ويجدد عندهم أثَره، ويقيم عليهم فيهم بهم أمرَه، رحمة للعالمين.
سيحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم، على ما سبق أن فعل، حتى تضيق الأرض بهم بما رحبت، ولا يجدون لهم من أمرهم مخرجا، إلا بالالتجاء إليه، والصلاة عليه، واستقباله لأمرهم، والتوسل به، في نكبتهم، والاستعانة بعزته، لرد اعتبارهم.
إنسان الله وعبدُه… رسول الله وأمره… رسول الله، وكلمة الله… كلمة الله الأب، وكلمة الله الأُم، وكلمة الله الابن، وكلمة الله الجامعة لجماع كلمات الله، لروح قدس الله.
رسول الله الساعة، ورسول الله القيامة، ورسول الله الحشر، ورسول الله الأمر، (أُخرجوا من صياصيهم لأول الحشر)[٢]، وها هو يتجدد ليواصل أمر الحشر، فيُخرجوا من مبانيهم لمعانيهم، ليشهدوا لمبانيهم بمعانيهم لقيامة الحشر، لقيامة البعث، لقيامة الحق، يوم يسفر قائمُ الحق، ويعلو منبَره، جِذع شجرة، حَنَّ لمن علاه، يوم عَرَفه الحياة له في قيامه ومعناه، آية من الله، عطلتها، آية من الله بالإنسان في جحوده، في اعتزازه برأيه ووجوده، لا يتخلى عن جمود موجوده.
حتى لا يفتن الناس بمحمد!؟ وهل هناك دين إلا أن يفتن الناس بمحمد؟!
إن فتنة الناس بمحمد صميم الدين… إن حُب الناس لمحمد أسـاس اليقين، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٣]، (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[٤]. يجب أن يفتن المؤمن برسول ربه، فلا يرى فيه غيره، ولا يرى من حوله غيره، أليس هو الحق لله؟ (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[٥]، {قل جاء الحق…}[٦]، (من رآني فقد رآني حقا)[٧].
فالكل أعلامه، الكل في سلامه، والكل له وجوه، والكل فيه، الحسن لأسمائه، الكل فيه أسماؤه الحسنى، وهل فيه من الأسماء إلا الأسماء الحسنى؟ وكيف يكون له اسم أو سَمِيّ يسمى وهو جماع أسمائه وجماع ما يسمو وما يسمى!
الإنسان… في أبده من أزله، يُقصد ويُرجى، ويقصد ويرجو، {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}[٨]، ، (أُمة مذنبة ورب غفور)[٩]، (ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم)[١٠] ، ما عرفناك إلا كريما، وما وصفناك يوما لئيما، أو زنيما، بالخير قدرناك، وبالصادق الأمين دعوناك، فما كان بيننا وبينك فيك، خلاف في أمرك أو معانيك، ولكنك هزأت بآلهتنا، فسفهت أحلامنا، فغضِبنا لآلهتنا وما غضبنا لأنفسنا، وها أنت بإلهك تهدم آلهتنا، وتبدي الحق بإلهك، للحق بك، فقال لهم، هذا منكم يكفيني، وهو إيمان يرضيني، (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[١١]، وعمل ليتألف قلوبهم.
ويوم برز على الأرض، قصدته العصور القديمة، بأرواحها، وتواجد منها في عصره أرواح بأشباحها، ومن بينهم عصور ما قبل مصر القديمة، بفراعينها وأقوامها، جاؤوه فاستغفروا الله عنده، واستغفر لهم، فأخذوا في الحياة طريقهم، وساروا خلفه إماما لهم فتابعتهم أمم مصر القديمة، فقال مشيرا إليهم، (إن لكم رحما وذمة)[١٢]، (مصر كنانة الله في أرضه، من أرادها بسوء قصمه الله)[١٣].
ونادى يا مهدي مصر… أنت خير من اهتدى، فقد كنت لكل مهدي هدى، وكنت لكل ضالٍ مأوى!! {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم}[١٤]، مصر عرفت الله قبل أن يعرفه العرب… مصر وحدت الله، قبل أن يوحـده أمم ممن جاؤوا بالأديان بعد دينها، مواصلة لآباء ركبوا سفينة الخلاص مع نـوح، مصر أرض الله المباركة… مصر من أراضي الله المقدسة. إنها ومكة والمدينة، وأورشليم وبينارس وغيرها، لا تختلف في أمرها. إنها كما هي القاهرة في كرامة قدسها.
مصر… هذا يومها… واليوم زمانها… وستسمع الأرض جميعا لندائها، رافعة عَلم السلام لأبنائها، ولأمم في متابعتها.
ولكن أدعياء الانتساب إليه، يريدون أن يقيموا دينا من تأليفهم ينسبونه إليه… (وما محمد إلا بشر)!! نعم… وما محمد إلا بشر، ولكن أي بشر؟ شَرَفُ البشرية… جماع البشرية… حقية البشرية… قائم الحق للبشرية… بشرا شَرَّفه عمله، وأقامه في أبديته اصطفاؤه، ونزل وأنزل بالحق. وكم نزل وكم ينزل. دورة آدم وأول العابدين بتمام آدم اصطفائه للقيام بقيامة الأعلى لإنسان الله لقائم الحق.
اصطفاه الأعلى لنفسه وما كان غيره. وأظهره لنفسه وكان عينه، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٥]، ألم ترَ أنَّا نأتي الأرض، وقد أتيناها كلما بالحق أنزلناك، وبالحق نزلت، وبالخُلق العظيم وصفناك، وبها قمت وظهرت، سفور الحق بوجه الله للعالمين، خليفة الله في قائم الأرض وبشريتها.
(اخفض لهم جناح الذل من الرحمة)[١٦]، فهذا لا يشينك، ولكن يعليك، ويوم ترفعهم فوق رأسك من تحت أقدامك، يبرز لهم في علوهم عاليك، فعند أقدامك، كلهم يسجد ويواليك {وادخلوا الباب سجدا}[١٧]، {وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم}[١٨]، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[١٩]، {جئنا من كل أُمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}[٢٠].
إنسان رَشُد، وقَدَّر الله حق قدره، فأعلن أنه: (إذا كانت القيامة أمسكت بحجزة الله، وأمسكت بحجزتي يا علي، وأمسك أبناؤك بحجزتك، وأمسك شيعتهم بحجزهم، ترى ما يؤمر بنا)[٢١].
قَدَّر الله حق قدره، فرآه معه طفلا، يمسك بحجزة أمه، أو بحجزة أبيه، وعرف طفولته مع ربه لمطلق الله، في قائم إلهه، فيما شهد من طفولة (عليّ) معه يمسك بحجزته، على ما فعل هو مع الأعلى له، فجعل الله من (عليّ) أمرا وسطا، على ما جعله الأعلى فيه منه له، فرأى أبناء علي، يمسكون بحجزته أطفالا، على ما هو عَليٌّ معه، فيتوحد بجمعه، من نفسه وعليِّه وولده، عترة بيت، يذكر فيه اسم الله، بأسمائه الحسنى، من محمد وعليّ، وحسن وحسين، وأبنائهم، يضاف إليهم لعين وجودهم ومعناهم، شيعتهم يمسكون بحجزهم، أبناء لمن أمسكوا بحجزته، خليلا لمن أمسك بحجزة أعلاه، رآه يمسك بحجزة مولاه، منهم يُسمع حديث الله، وفيهم يُقرأ كتاب الله، الكل عيال الله، والكل أطفال الله، والكل إنسان الله، في إنسانية الله راشدة، ما ظهر الله في شيء، مثل ظهوره في الإنسان، وما كان الإنسان، إلا علما على الله، وعلما على الرحمن، وجماع الأسماء الحسنى، سواه فعدله، وفي أي صورة ما شاء ركبه، إنسان لإنسان، رجل سَلم لرجل، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون.
تأملوا حقيقة رسول الله لمعاني إنسانه بالله، وهو يقول لكم (فاطمة ابنتي روحي، ومن أغضبها أغضبني[٢٢]، ومن أغضبني أغضب الله)[٢٣]. إني لا أنظر إليكم إلا من وراء جلبابها، ولا تصلون إلى مشاهدتي إلا إذا أحاطت بكـم في حجابها، أنا بقائم الحق لحقيقتي، لا أكلم بشرًا من بشريتي، إلا وحيا أو من وراء حجاب.
وما كانت فاطمة إلا روحي، وقائم الوحي بين يدي، به إليكم أوحـي، وفيها تدخلون، وإليها ترجعون، فآدما عذريا لي فيها تلاقون، وتعرفون، فروح الله تعلمون، وبروح الله تعلمون من أكون، ولا تعلمون إلا يوم تقبلون عليّا لخدمتكم، ومولىً لحقيقتكم معه تعملون وخلفه تسيرون على ما قبلتموني، عند من قبلني، ولم يرتب في أمر الله بي.
أنا علم الله… أنا وجه الله… أنا إنسان الله… ليس لكم من الله، إلا ما أكون لكم منه به، رحمة بكم ورحمة مهداة.
أنا الذي جئت بشعار لا إله إلا الله، فأدخلت الوجود في الله، وظهر الوجود بالله، بقائمي لله، قيوم الوجود على الوجود، مزوية لي الأرض، ممهدة لـي معارج السماء، أنا العارج، وأنا الهابط، وأنا على الأرض المقيم الثابت، وأنا في السماء القيوم القائم في قائم الله بي فيهما، وأنا بينهما في دائم بين راحل وقادم، في لا إله إلا الله.
لا شريك له مني، ولا شريك له عندي، فإني به أراكم، وفيكم أراه، قياما فيه بمعناه، فأخفض لكم جناح الذل من الرحمة، وأنا العزيز، وأمهلكم وأنا القادر، وأصبر له معكم، وأنا السريع العقاب، وأنا السريع الحساب، وهو الفاعل والمعطي، ولكن جعلني القاسم والهادي للمهتدي، فعرفني وعرَّفني وعرفتني به، المعطي والقاسم والحق القائم، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٢٤]… يا أيها الذين آمنوا، (لا تفرقوا بين الله ورسوله)[٢٥].
ها نحن عشرات السنين، وعشرات القرون، نستمع لمثل هذا الحديث في كل مكان، وفي كل زمان ومن كل إنسان، ولا ينقطع عنا هذا الحديث، بالبيان في عيان، فيصيب منه من يصيب ما يصيب رزقا كريما ورحمة مهداة. ويلتوي عليه من يلتوي، كنودا زنيما فنرى به قوانين الحياة فاعلة، والناس، بين شكور وجاحد قائمة، وبين مؤمن وكافر، معروفة أو موصوفة، كافر بنفسه، أو جاحد لها، مؤمن بنفسه، أو كافر بها.
فالله أقرب من حبل الوريد، للكافر قبل المؤمن، والله قائم على كل نفس، للجاحد قبل الشاكر، والله لا تنفعه طاعة طائع، ولا تغضبه معصية مباعد. إن الله غني عن العالمين، وليس للإنسان فيه إلا ما سعى، وما يعمل من مثقال ذرة خيرا يره، وما يعمل من مثقال ذرة شرا يره، (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[٢٦].
إن هذه الشعارات، وهذه المبادئ التي تدور كلها حول الحقيقة، وحـول حقيقة الإنسان في الحقيقة، وما يجب أن يكون شاغل الإنسان في حاضر كرماه بدناه ودنياه، لكراته منها في سابق بدناه لقائمه لأخراه، هذه الدنيا محل لبداية كراته، وأوائل أنانياته، لمرة بين مرَّاتـه، يتخلص من خسرانه، وينشد إلى إنسانه، يوم يدرك لأمره، يوم يستيقظ من نومه، يوم يفيق من غفلته، يوم يصحو من سكرته، يوم ينصب من رقدته، يوم يقف من قعدته، يوم يحج من هجرته، يوم يعود إلى الحق في ضميره، وقلبه، ولبه، وجلبابه، وحضرته.
فيرى ملكوت الله بين جوانحه، وعرش الله بقائمه، وكرسي الله بدائمه، وعين الله ببصيرته، وأذن الله لسميعته، ويد الله لقدرته، وعزة الله لكرامته، وسعي الله لقدمه، وحيوان الله لمطيته.
هو اسم الله، الله من ورائه بإحاطته، وهو وجه الله لوجه الله، للكل بطلعته، يَشْهَد الله بعينه، يوم يرى الله حيثما ولى فوجهه ووجهته، فألقى لـه ببصيرته، واستقبل منه بوحدانيته، بلا إله إلا الله، شعار دينه، وشعار قيامه، وشعار أمره، وشعار مِلته، وشعار رسوله، وشعار ربه، وشعار حقيقته.
كل هذا كان لنا، وكائن لنا، برسول الله، وتحقق لغير القليل منا برسول الله، ولكن الكثرة غفلت عنه، وما جاء الرسول للقلة، ولكنه جـاء للكثرة، جاء للقلة وللمفردات ليكونوا أنبياء ورسلا وأئمة وهداة، وجاء بهم لجماع الناس، بذلك جاء لهم جميعا، ولجميع مستوياتهم في الله، على اختلاف مراتبهم فيه، من الإدراك به، ومن القيام في معناه.
رفع الناموس الناس بعضهم فوق بعض درجات، ورفعهم طبقا عن طبق، وطبقا فوق طبق، وكان الرسول بإنسانه للعلمية على الحق للطباق جميعا جماع، قامت فيه على اجتماع، أليس هو إنسان الكل والجماع؟ بذلك كان رسول اللـه رسول الله حيث كان الناس، وفي لقاء معهم على مستواهم، (أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم)[٢٧]، (أُرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر)[٢٨].
هذا كان لرسول الله، وهذا هو كائن لرسول الله، وهذا يكون لرسول الله، وكان هذا لرسول الله في كائن الناس به، لكائنهم بأمر الله لهم، وهو كائن لرسول الله في قائم الناس به، لقائمهم بأمر الله له، وهو يكون في دوام لرسول اللـه لقائم الناس، يوم يكون الناس لرسول الله فيه.
و{النور الذي أنزل معه}[٢٩] ولم يرفع من بعده، يسري به في الناس، يمشي به في الناس، يشرق به في مشكاة الصدور، فتشرح به كتب الصدور، ويبعث ما في القبور لموصوف القلوب (قلوبهم منقبرة)[٣٠] قبرت فيها رسول الله، حيا في قبره، وما كان قبره إلا القلوب، بين الجوانح منقبرة في الصدور، تنتظر الأمر بالحياة وبالنشور، يوم يشعل لها بها فيها، لمشكاتها، بمصباح الصدور، فتسجد بمبناها لمعناها، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٣١].
إن رسول الله، فيكم قبل أن يكون معكم، ومعكم قبل أن يكون فوقكم، وفوقكم قبل أن يكون دونكم، ودونكم قبل أن يكون عين معناكم، قياما لكم بكم بمولاكم، بلا إله إلا الله لشهادتكم لكم محمدا رسول الله.
شهادة ببغاوات ترددونها، وتعملون دونها، وعن أنفسكم تبعدونها، وفي مجتمعاتكم لا تتواصونها، وفي استقامتكم لا تقيمونها، وفي حكمتكم لا تعلمونها، وفي يقينكم لا تتواجدونها، سبحان الله… {إن الإنسان لربه لكنود}[٣٢].
هل كان هناك إلا لا إله إلا الله؟ وهل لكم وجود ما، إلا بلا إله إلا الله؟ هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وهل أمسكها اللهم إلا بوجودها بلا إله إلا الله؟ سبحان الله، وإلى متى؟ ونحن بقائم رسول الله لنا إنسانا، ما زلنا من عشرات القرون ننتظر قادم رسول الله إلينا إنسانا.
المنتظر… الموعود… الجديد… للقديم… الوليد، من القائم المتجدد الدائم، بآدم يقوم من آدم قائم، المسيح، الكلمة، الابن، الأم، الأب، الذات، الروح، الأصل… كل ذلك في القائم الدائم للوجود، موجود، بدائم وقائم، بلا إله إلا الله، فهلا بها طلبناه، ففينا وجدناه، وفينا لاقيناه مع من فيه وجده ولقيه.
المهدي من هدى الله. من يهدي الله فهو المهتدي، وما تعطل الله في هديه، أبرز الخير كله بإنسانه، ورسول رحمانه، وحقيقة إحسانه، وعبدِ وجوده، لقائم موجوده، لشهوده، دب به على الأرض حقا، وظهر به لكل قلب وجه الله صدقا.
فأدرك مُشَاهِده… قائم لا إله إلا الله، لشاهده ولعين متواجده، بها فيها تواجد، وتكاثر تكاثره لكوثره، وبها توحد من أشلائه، باجتماع أبعاضه وأجزائه لأعضائه، متتبعا أثره، متلقيا في دوام خبره، محييا ذكـره، باعثا فيه لنفسه ذاكره، يوم قام ظله، بمحبته، بحب من أحبه، ومتابعته بمتابعة من اتبعه، بإحسان لما سمعه، وأدب كلما اجتمعه، في لا إله إلا الله، والله أكبر.
ها هي نبوءة الروح، ليومكم، يحمل إليكم من رسول الله، خبر قرب عودته بذاته، بدوام بينكم بلداته، ومبعوث صفاته، جديد لقاء مع قائم ودائم حضرته، تعريفا لكم، عن عليّ حضراته، وتقريبا لبعث تواجداته، بقائم كلماته، وتجديد آياته، في الناس للداته، جديد بيت يوضع، لقديم بيت وضع، ومن بينكم رفع، تابعته من بينكم قلوب، كانت بيوتا تُرفع، وكانت كلِمًا طيبا يَشفع… {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}[٣٣]، {في بيوت أذن الله أن ترفع}[٣٤]… {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}[٣٥]، تخلفتم عنها بتبديل جلودكم في دنياكم معبودة، متخلفين عن ركب معناكم، لعليّكم لوصف مولاكم.
هلا تهيأتم لاستقبال حبيبكم، لفظا، وقائمكم فعلا، وحياتكم حقا، ها هي رسالة الروح، من قرن أو يزيد ترهص بينكم، وتنبه جمعكم، وتجدد أمركم، وتهيئ قلوبكم، وتحرر عقولكم، هلا تنبهتم.
في الأيام القليلة القادمة… سيثور فيكم أمر، وسيتجدد بينكم ذكر، وسترهص حياتكم بجديد، وستشرف البشرية بوليد، يعنون القديم والقادم، والعامل الدائم بجديد، يتحدث عن أبيه، ويجمع عليه بنيه، ويعرِّف بـه جاحديه، في غير كنود، وفي غير جحود له يقبل، وعليه يقبل من آمن بالله ورسوله لقائم الوجود.
فنسأل الله أن يكون هذا الأمر مصحوبا بالرحمة، مصحوبا بالمغفرة، على ما كان منه في قديم، وعلى ما نطمع منه في قادم، وعلى ما تحققنا به في الماضي، وتحققنا به في قائم. إنه الساعة بين يوم تم، ويوم يبدأ ليتم.
{يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها، ويعلمون أنها الحق}[٣٦]، {إن بطش ربك لشديد}[٣٧]، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}[٣٨]، {باخع نفسك على آثارهم}[٣٩]، طأها، {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}[٤٠]، فإن شقيت وصبرت بالله، فإنما شقيت، تذكرة لمن يخشى، {فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى}[٤١].
إن ناموس الله، على ما هو، دائم في أمره، صامد على فعله، لا جديد في الحق، ولا جديد تحت الشمس، إنما هي دورة الإنسان المتردد بين السماء والأرض، لإنسانية وجوده فيهما، في لا إله إلا اللــه.
وها أنتم في أيامكم القادمة، سوف تذكرون ذلك في أنفسكم لأنفسكم، فاحتفظوا به لأنفسكم، حتى يُشهِده الله لغيركم منكم بكم، ستشهدون أمرا لله، يتجدد به دينكم… وتتجدد فيه معالم مجتمعكم… ووجوه إكباركم… ومعالم وشعارات معتقداتكم… وليس هذا جديد في لا إله إلا الله، وليس هذا بعيدا عن محمد رسول الله.
فانتظروا رحمة الله، يرحمكم الله، واسألوا الله أن يكشف الغمة عن بلدكم، وعن أرضكم، وعن أنفسكم، وعن عالمكم، وعن بشريتكم، وإنه على ذلك قدير، وهو به جدير.
اللهم اغفر لنا جميعا، واقبلنا جميعا، ويسر أمورنا جميعا، وألف بين قلوبنا جميعا، وأنر عقولنا جميعا، وحرر أرواحنا جميعا، وعمر بنورك قلوبنا جميعا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين
اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، ولا تُعمِل فينا عدلك، وقنا من غضبتك، وغلِّب فينا رحمتك، برسول الله، من جعلته رحمة لنا ورحمة للعالمين.
اللهم به فثبت أقدامنا على الحق وعلى الدين.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
أضواء على الطريق
من هدي الروح المرشد من دائرة الجمعية الإسلامية الروحية بالكويت:
(إن هذه التعاليم التي نقدمها مكتوبة في الكتب القديمة منها والحديثة، محفوظة عندكم على الورق، ولكن أين من يحفظها في قلبه، يقومها وتقومه! إننا لم نجتمع معكم إلا لنؤهلكم نواة صالحة لظهور الروح المقدسة من خلالكم.
تأملوا هذا الحديث دوما. لا تتعجلوا تأملاته. فبترويكم مطالعته وتأملاته على صفحات قلوبكم، يبدأ العمل فيكم يأخذ مجراه ليبدلكم. ضعوا أيديكم في يدنا لنتعاون، لنمدكم بالخير والسعادة الأبدية. لا نريدكم أن تقفوا ندامى محسورين، نريدكم دائما على أنفسكم بالله منتصرين، نريد أن نثقف فيكم هذه النفس، نريدكم أن تصبحوا خبيرين بأمورها. نريدكم حقا أمة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر).
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة المؤمنون - ٥٠ ↩︎
استلهاما من {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} سورة الأحزاب - ٢٦ ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة سبأ- ٤٩ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة النساء - ٦٤ ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎
حديث شريف: “معشر قريشٍ، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ! قال: فإني أقولُ لكم ما قال يوسفُ لإخوتِه: لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاءُ.” السيرة النبوية لابن اسحق، وابن هشام، كما رواه والطبري في “تاريخ الأمم والملوك”، والنسائي والبيهقي في “السنن الكبرى”. ↩︎
نفس الحديث في الملحوظة السابقة. ↩︎
من حديث شريف، جاء في أكثر من صياغة: " إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أرْضًا يُذْكَرُ فيها القِيراطُ، فاسْتَوْصُوا بأَهْلِها خَيْرًا؛ فإنَّ لهمْ ذِمَّةً ورَحِمًا، فإذا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فاخْرُجْ مِنْها. قالَ: فَمَرَّ برَبِيعَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، يَتَنازَعانِ في مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْها." صحيح مسلم. و " إِنَّكم ستفتحونَ مصر، وهِيَ أرضٌ يُسَمَّى فيها القيراطُ، فإذا فتحتُموها، فاستَوْصُوا بأَهْلِها خيرًا، فإِنَّ لهم ذمَّةً ورَحِمًا، فإذا رأيْتَ رجُلْينِ يختصمانِ في موضعِ لَبِنَةٍ، فاخرجْ منها. الراوي أب ذر الغفاري. المحدث الألباني. المصدر: صحيح الجامع. ↩︎
عبارة جاءت في الأثر، ولها مرجعية بأكثر من لفظ: قال السيوطي: (وفي كتاب الخطط يقال إن في بعض الكتب الإلهية (مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه الله). ووجدت في كتاب الموضوعات لعلي القاري: (مصر كنانة الله في أرضه ما طلبها عدو إلا أهلكه الله.) ↩︎
سورة البقرة - ٦١ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
استلهاما من {واخفض جناحك للمؤمنين} سورة الحجر – ٨٨، و{واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} سورة الشعراء - ٢١٥ ↩︎
سورة البقرة - ٥٨ ↩︎
سورة البقرة - ٥٨ ↩︎
سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎
سورة النساء - ٤١ ↩︎
حديث شريف جاء في كتاب “ربيع الأبرار”، بحار الأنوار. ومواقع أخرى في المكتبة الشيعية. ↩︎
حديث شريف: “فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
من حديث شريف أخرجه بعض الشيعة بلفظ: “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم.” بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، المكتبة الشيعية. كما جاء في البخاري أن الإمام علي كرم الله وجهه قال: " “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله” ↩︎
من حديث شريف: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، وجعلت الأرض لي مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت جوامع الكلم.) (العسكري في الأمثال - عن علي) ↩︎
سورة الأعراف - ١٥٧ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة العاديات - ٦ ↩︎
سورة فاطر - ١٠ ↩︎
سورة النور - ٣٦ ↩︎
سورة النور - ٣٧ ↩︎
سورة الشورى - ١٨ ↩︎
سورة البروج - ١٢ ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٧ ↩︎
سورة الكهف - ٦ ↩︎
سورة طه – ٢ ↩︎
سورة الأعلى - ٩-١١ ↩︎