(٧)

الاشتراكية الوضعية
والاشتراكية الفطرية
في الأسرة البشرية للأسرة الروحية

حديث الجمعة

٤ ربيع الأول ١٣٨٨ هـ - ٣١ مايو ١٩٦٨ م

بسمك اللهم… قائم الناس، وربَ الناس، وملك الناس، وقيوم الناس، لقائم الناس.

بسمك لا شريك لك من الناس، ولا غيبة لك من الناس، ولا غيبة للناس بك عنك.

أنت الناس… على الناس في الناس… تقوم تحت الناس، وفوق الناس، وكل الناس، وحدانية الناس.

لا شريك لك من الناس، ولا شريك للناس، في قائمهم بك معك.

جعلت خلافتك للناس، منك عليّ الناس، عليك قائم الناس، لذكرك جماع الناس، لا شريك لك.

قمت على كل نفس، وظهرت بكل نفس، وجعلت من كل نفس خليفة لما قام عليها منك، قائم قيامك، وجها لك، من ورائها بإحاطتك تُشَهد، لمن كنت من ورائه بإحاطتك يشهد، جماع الوجوه ولا شريك لك، قائم الكل ولا قبل لك.

هكذا أنت، يوم نتحدث عنك، وهكذا نكون، يوم نتعارف إليك، في قائمك بنا، لا شريك لك منا، ولا غير لك معنا.

هذا جانب من الدين، إذا تحدثنا في الدين، بالدين، عن الدين، وإذا آمنا أن الحديث عن الدين، وعن الديَّان، وعن الدائن، وعن المدين، إنما هو أشرف الحديث إذا تحدث إنسان إلى إنسان، وهو أرقى الحديث ما تحدث محدث بحديث، عن القديم والمحدث في أمر الإنسان لأمر الله باليقين والعيان.

وإذا قلنا في أمر الإنسان، فإنما نعني الإنسان في بشريته… نعني الإنسان قائم بِشْرَتِه[١]… نعني الإنسان بُشْرى وجوده…

نعني الإنسان بظاهره… كما نعني الإنسان في ثياب حقه بباطنه.

نعني الإنسان بلبه، للبابه، بجوانيه… الإنسان، بقلبه لقالبه… الإنسان، بفؤاده، لقلبه… الإنسان، بمعناه، للإنسان ببنيانه ومبناه… الإنسان، في جهله بعمائه، للإنسان، في قائمه بعِلمه ووعيه وعطائه…

الإنسان في سجنه بتقييده، للإنسان المتحرر من قيوده… للإنسان الذي وضع وزره… للإنسان الذي قام أمره… للإنسان الذي انطلق في داره، داره عرضها السماوات والأرض… للإنسان المتحرر من بيته بالسماوات والأرض، كما تحرر من سجنه، بهيكله، إلى قائمه بمعناه للطيفه لقائم لطائفه… الإنسان المتطور من دخانيته وظلامه، إلى نورانيته، وحقه، واستقامته لقيامه…

الإنسان الذي هو فرد جمعه… الإنسان الذي هو جمع فرده… الإنسان المشترك، والإنسان المنطوي على نفسه… الإنسان الاشتراكي، والإنسان الانفرادي… الإنسان الكلي، والإنسان الفردي… الإنسان المــُسلم، في فردانيته، للجمع، لشهود حقيقته، والإنسان الجمع المسلم لمثاليته في فرد اجتماعه.

الإنسان الفرد… والإنسان الجماعة… الإنسان الأُمة للإنسان الكوثر… الإنسان في قائمه الكوثر المتطلع إلى مثاليته، بإنسان نشأته، وإنسان قيامته، بإنسان إنسانيته لوجوده، في قائمه بموجوده…

الإنسان الهادئ لتحقيق أمانيه في وحدانيته، الإنسان الثائر الذي لا تتوقف أمانيه… الإنسان الهادئ الذي حقق غايته، والإنسان الثائر الذي لا تنقطع غاياته… الإنسان القائم خروجا من المعركة بغنيمته… والإنسان المجاهد المحارب، الذي لا ينظر إلى الغنائم، ولكن ينظر إلى الحرب والمجاهدة…

الإنسان الذي يعرف… والإنسان الذي لا يعرف… الإنسان الذي يعرف الحق لنفسه، فلا يطلب حقا، ولكنه يرضى قائم الحق يراه… والإنسان الذي لا يرى الحق لنفسه، وينشد الحق لنفسه، فيطلب الحق لنفسه، ويعمل لكسب الحق لنفسه، فيجاهد لكسب الحق لنفسه، رائيا أنه فاقدٌ للحق في نفسه، وطالبٌ للحق في نفسه، مهما حقق من الحق في نفسه، فما زال طالبًا للحق لنفسه… يعرف أنه ما من كمال، إلا وعند الله أكمل منه…

الإنسان الذي يعرف لا إله إلا الله لقائمه دخل حصنها، وقامه لداخليه فعرف الله أكبر عند طالبيه، لا يعرفه أكبر إلا محققوه وقائموه باسم الله، وبلا إله إلا الله، فيطلبونه الأكبر والأكبر.

إن الثائر في الله، إنما هو الثائر على نفسه، وليس الثائر على قومه، وليس الثائر على غيره، وليس الثائر على جنسه، وليس الثائر على نوعه، وليس الثائر على أُمته.

إن الثائر على نفسه، لا يثور على عقله، ولا يثور على قيادته، ولا يثور على مثاليته، ولا يثور على ريادته، ولا يثور على رائده، ولا يثور على قائده، ولا يثور على إمامه، فهو معنى الحياة والعقل عنده.

ومن لا يثور على نفسه ليس ثائرا، ومن يثور على عقله ليس مستقيما، ومن لا يطلب حقيقته ليس مسلما، ومن لا يسلم لمثاليته ليس اشتراكيا.

ومن لا يعرف الاشتراكية لا يعرف الفطرة، ومن لا يعرف الفطرة لا يعرف الإسلام، ومن لا يعرف الفطرة والإسلام لا يعرف الاشتراكية، وليس اشتراكيا، فليس باشتراكي من لم يكن مسلما فطريا، وليس بمسلم من لم يكن اشتراكيا فطريا.

إن الإسلام والاشتراكية شقا وجود واحد، لقائم بوجود مشترك، بين الغيب والشهادة، في قيام الحياة لقائمها، فالاشتراكية هي الصفة السليمة لظاهر الإنسان لجلدته لقائمه الزمني وهي ماديته في قيامه المشاهد، والإسلام عنده هو لبه في وجوده الأبدي لدوامِه المشاهِد، فالاشتراكي العقائدي غير الاشتراكي الوضعي، الاشتراكي الذي خلقه القانون ليس اشتراكيا، ولكن الاشتراكي الذي هذبه الناموس الإلهي هو الاشتراكي، هو الذي يؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة، هو الإنسان البعيد النظرة، هو الإنسان العامل للحياة الخالدة لدائمه بروحه لمعناه، جماع مغانيه، فالحياة الخالدة ببنيه، لكوثر مبانيه لظاهره بمغانيه في دائمه روحا بمعانيه.

إن الإسلام كدين يجمع الإسلام كعقيدة وعِلم، كما يجمع الإسلام كنظام ووضعية. إن الإسلام الوضعي يتفق مع الاشتراكية الوضعية، إسلام يخلقه القانون، واشتراكية يخلقها القانون، ويوحيهما العقل ويوجههما الاضطرار بالضرورة والافتقار، {خُذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}[٢]، مما يقتضي وجود الحاكم والمحكوم، وبالنظام وبالوضع الزمني من وضعك أنت، خطط لك بالتبليغ خطوطا عريضة لتقوم فيها ولتعمل بها.

فُرِض مظهر الموت على بشرية الأرض فرضا على أمومتها وهي الأرض بحكم قانون {خذ من أموالهم} فكان ما نرى… {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[٣]، فنأخذ من أموالها، من جنسها، زكاةً عنها فريقا منها، نرده إليها رسلا من أنفسهم، بقانون رد الأعمال إلى مصدرها، {إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس}[٤]، {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا}[٥]، وجمعهم أمرنا فيه، ووجههم على ما شاءوا إلى عوالم جزائهم من عوالم النعيم أو عوالم الندم، أو عوالم المواصلة للجهد والاختبار.

إن قوانين الفطرة في قائمها تقوم على أساس من الاشتراكية العقائدية، الله يملك كل شيء، والمجتمع يملك على أرضه مُستَخلَفا من الله كل شيء، فالإنسان بمعناه مستقل عن الأشياء.

خلق الناموس وخلقت الفطرة كل شيء من أجلك أيها الإنسان، خلقت أنت بحقك كل شيء من أجل نفسك أيها الإنسان، وخلق الأعلى هذا القيام، الإنسان الأدنى، لنفسه، (خلقتك لنفسي)[٦]، {واتقوا الله ويعلمكم الله}[٧]، بمثاليات منكم يبرزها عبادا له، كلهم العبد له بفرده، في كفاية نفسه، {عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما}[٨].

{وما أرسلناك إلا كافة للناس}[٩] قدوة وأسوة، كوثرا بمعناه، دائما بطلعته ومجلاه، لا يبتر عمن نشأ منهم وصدر عنهم، وأرسل إليهم من أنفسهم بينهم منهم، يتكاثر وغيره يبتر ويتناثر، وهو من تناثر يجمع ويتألف بقلوب تتآلف، إنه الإنسان قائم الاشتراكية… إنه الإنسان المشترك في الإنسانية… إنه المثال المرضي في الحقية… إنه العنوان لرسالة الإنسانية الربانية.

لا تقل ماركس، ولا تقل لينين، ولا تسجد عند قدمي ستالين، ولا تنتظر ماو مع الشروق، ولا تأسف على غيبته عند الغروب. إن الإنسان الذي جعله الناموس مثاليةً للناس إنما هو شمس القلوب، وحوض ماء الحياة، يقوم ويتقلب في الساجدين، إذا أشرق مرة لا يغرب أبدا، إنه شمس الحياة وجذوتها… إنه حرارة الحياة وصمدانيتها في كائنات الوجود، في الأحياء ينشأون من المادة، من النبات، من الحيوان، من الروح، من النار، من النور، كائنات حية جمعها إنسان كمال الله، هو كلمته، ومسيح حضرته، وإنسان دائمه برسالته، أُرسِلَ للأبيض والأسود والأحمر، حقا لله وعبدا له لمن يريد أن يكون عبدًا لله وحقا له.

قام رسولا لسائر الطبائع من أنفسهم، فبالأبيض للأبيض أبيضا كان مرسَلا… وبالأحمر للأحمر أحمرا قام سيدا… وللأسود بالأسود أسودا وخليلا، بُعِثَ على الله عَلَمًا ودليلا.

قام مُعلما… قام لا إله إلا الله والله أكبر… قام أمر الله والأمر الأكبر والأصغر، قام الإسلام كتابًا وحجابا… قام الاشتراكية فطرة وناموسا… ظهر الشيوعية حقيقةً شائعةً في الناس، وشيوعًا بين الناس، ومثالية الناس لسائر الناس، مثاليةً لله في قائمه على كل نفس، لا شريك له بقائمه مع قيومه، لقائمه بدائمه، لعبده ووجوده، في قيامه بموجوده.

إنه الثقافة… إنه المعرفة… إنه العلم… إنه الثورة الثقافية في المجاهدة الدائمة، يوم يثور العقلُ على جهله، ويوم تثور النفس على ركودها، ويوم يثور القلب لينطلق من سجن هيكله، ويوم يثور الوعي على جمود معرفته، سجينا في دائرة حسه، بمشغوليته عن أمر شرابه وأكله لقائمه وفرجه، متحررا منطلقا في الحياة، طالبا المزيد من الحياة، متحررا في واسع ودائم الحياة، لا يستهين بحاضر الحياة، وأمانة الحياة، ولكنه يجدد ماعونها ليحيا مع دائم أطوار الحياة، قياما وشيوعا في الحياة، ووجها دائما متجددا في اشتراكية الحياة.

الله له هو الحياة، وهو حياته، وهو قيامُه، وهو قيامتُه، إنه لا يعرف الله لأنه الله، لأنه يوحده ولا يُعدِّده، ولا يطلب الحياة لأنه لا يجهل الحياة، لأنه الحياة. هكذا هو الاشتراكي الحقيقي، وهذا هو المسلم الطبيعي الفطري.

فلفظ الاشتراكي ولفظ المسلم، إنما يتوجهان وينصبان على كائن إنساني واحد، مؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، فخور بقومه، فخور بجنسه، رجل من أهله، في وحدانية أهله بالبشرية، لوحدانية ربه في اتحاد القلوب على ذكره، في قيام حقيقته بالإنسان، بحقه لقائمه بنفسه، في قيام الكل بلا إله إلا الله، قيام محمد رسول الله بقومه وأُمته.

يتحدثون عن الثورة والثورات… ويتحدثون عن المثالية والمثاليات، ويضجرون ويتألمون مما يشهدون في الحياة من تناقضات، يعييهم المواءمة بين هذه المتناقضات في موجود الحياة، وفي دين الفطرة ما يهدي إلى كشف سر هذه المتناقضات، وطريق تنسيقها وتقويمها.

لا يجمع الشيء وضده في الحياة إلا الله، ولا يستقيم الشيء وضده في الله إلا بالحياة، ولا يستقيم في الحياة إلا بالله، ولو أن هؤلاء الذين يتحدثون عن الاشتراكية الوضعية تزحزحوا هم من جمودهم المادي، من مادي أنفسهم، إلى الاشتراكية العقائدية بحثًا وراء معنوياتهم، لعرفوا الكون فيمن يكون، وعرفوا الكائنات فيه ما تعمل، وكيف تعمل؟ وما تكون؟ وما هي حوافزها للعمل؟ وما هي ثمرة العمل عند العامل؟

لعرفوا ما معنى الأجر، وما تكون الأجور في اشتراكية العقيدة، في اشتراكية التواجد بالوجود كاملا، يجمع غيبه على مشهوده، وبإفاضة مشهوده إلى غيبه، في اجتماع الفرد بظاهر نفسه، على باطن الفرد لمعناه عند نفسه، بالوعي الكامل عن نفسه، بالحق الكامل لقائم نفسه، للإنسان الكامل بذاته لمعناه.

فانصبت بذلك العقائد على الإنسان بفرده وجمعه، قائم الرحمن في الوجود مُستَخلَفا، وقائم الله في الشهود، بالحق مبعوثا، هو الساجد لنفسه، عند من له يسجد في نفسه، لعين نفسه، بالساجد والمسجود له، (القلب بيت الرب)[١٠]، وقِبلة العقل في حق النفس، الناس في قائمهم، وحدة جمعهم، إنسان واحد، بروحٍ واحد، إنسان يبعث ويقوم بسجود كله لفرده، وسجود فرده لكله.

بذلك يعرف الاشتراكي الفطري العقائدي ما تكون الحرية وحدودها، وما تكون الديمقراطية ودعائمها، وما يكون جماعة الحزب، وحواريو الحق وصحابته، وما تكون الأمة عند الحزب بها يؤمن، وما يكون الحزب عند الأمة به تؤمن وله تتابع في ناموس الفطرة، على ما هي قائمة في اشتراكية العقيدة.

لو فعلوا وزحزحوا عن النار، نار أنفسهم بسجنهم في قيودهم، بتغليف عقولهم وكبت قلوبهم، وبإماتة هياكلهم بقائمهم بماديهم أمام معبود أجداثهم، في قصر إحساسهم على إحساسهم ببشرتهم دون لبابهم.

فكلما نضجت بشرتهم، كلما نضجت جلودهم، في نار تواجدهم، باشتعال صفات الحقد في أنفسهم، والكراهية بينهم، والتفريق بين مفرداتهم، على أساس من مأكلهم ومن مشربهم، هم إليه في عوز دائم مفتقرين، لا يتَجمعون أو يفترقون، على أساس من معارفهم، وقائم حياتهم وحيواتهم. (لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى)[١١]، لا بالمال ولا بالبلوى، تجددت جلودهم ولم ينتقلوا إلى ما كان ينتظرهم.

إن التفاضل بين الناس، غير الكراهية وغير التطاحن، هو أمر يقوم بينهم على أساس من صفاء نفوسهم، مع وحدة جمعهم واجتماعهم، مع أحدية واحديتهم لقيوم ربوبيتهم، بقائم ربهم في شهودهم، من وراء جميعهم بإحاطته، لقيامهم جميعا لطلعته، أينما تولوا فثم وجه الله، لا يحرم منه منهم كائن بشري، جعلكم خلائف الأرض، إن لم تصلحوا يذهب بكم، ويستخلف قوما غيركم.

تنسك الإنسان أو بالنسك لم يستمسك، فإن الله قائم على كل نفس، وأقرب للكل من حبل الوريد، ومع الكل من طائع وفاسق، ومن وراء الكل بإحاطته، وهو في الكل بالغ أمره، لا نصراني ولا يهودي، ولا هندوكي، ولا محمدي، ولا مسلم ولا كتابي، ولا فطري أو طبيعي أو وجودي، هو من وراء الكل والكل له… هو الشيوعية… هو الاشتراكية… هو مالك كل ملكية، يوم تُملِّكه ذاتك ونفسك، فيَملك ذاته ونفسه، فيملك ما تملك، وتملك ما يملك، ويُقوِّمك وما تُقوِّم، ويقومُك وما تَقُوم.

إن الاشتراكية الوضعية بصورتها الراهنة، إنما هي أقرب ما تكون إلى مأمور الإسلام في معاملة الإنسان للمادة، في حياته الزمنية، أما هَدي الإنسان في معاملة المادة بتجريد نفسه منها، واستغنائه عنها، وتعامله بها في معاملة ربه، في خلقه لقائم وجهه، فهذا هو الإسلام في اشتراكيته العقائدية، والمجتمع في حاجة للاشتراكيتين، وفي حاجة للأمرين، ولكل منهما مجال إعماله، ورجال عَمَله، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}[١٢].

فالإسلام كدين، جاء بكفاية الجنس لحاجاته، في قائمه الزمني المتجدد، وقائمه الروحي لأبده، وجمع بين كراته الزمنية، وقائمه الروحي جماع كراته (الكارما)، وجعل الإنسان في حاضره اشتراكيا في فرده بين أصله وفرعه في قائمه أمرا وسطا، {ذرية [طيبة] بعضها من بعض}[١٣]

وجعل الإنسانية في جمعها في عقيدتها لواحدية أصلها، وأحد نشأتها في حاضرها، قياما مشتركا، في اشتراكية قائمة مُعجَّلة، تقتضينا دراسة وضعنا في قائمنا، وروابطه بماضينا وقادمنا مع العمل لصلاحه بنظام وضعي من وضعنا ومن تخطيطنا، لإصلاحه فيما نعيب عليه، بتقويمه إلى ما نرتضيه ويرضينا، وهو ما لا نجده إلا فيما جاءنا من تجربة من تحقق من أسلافنا، من نظام عقائدي يقوم على أساس من تقليدنا لفطرتنا، بدراسة فردنا وجمعنا، ودراسة كوننا، ومحاكاة قيامنا في جمعنا لقائمنا في فردنا، ولقائم الوجود بنا من حولنا، وهذه هي الاشتراكية العقائدية، وليست هذه الاشتراكية الوضعية القائمة الآن قائمةً في قيام سليم متوائم تماما مع الفطرة، وإن تواءمت مع بعض جوانبها بما تقتضيه.

فإذا كنا قد جعلنا حديثنا اليوم في الاشتراكية والإسلام، والاشتراكية الوضعية، والاشتراكية الفطرية العقائدية، وفي الإسلام الوضعي، والإسلام الفطري العقائدي، ونحن هنا لا نشتغل بعيدا عن قضية العقيدة، ولا بعيدا عن قضية الدين، فنحن ما تجاوزنا ما التزمنا به أمام أنفسنا، فإنا لم نخرج عن حديث في الدين والعقيدة، في زاوية من زوايا الدين والعقيدة.

وكثيرا ما ضَربت الأمثلة لإدراك واقع الحياة في واسعها بما أصبحنا نعرف في موجود الحياة في دانيها بصغيرها، بقائم هيكل الإنسان، قائمَ وجودٍ صغير، ونواة لوجود كبير، فهو ما زال جنينا في رحم أُمه الأرض من الكون، وفي ظهر أبيه من قائم الوجود، ينتظر أن ينمو، وينتظر أن يكمل، وينتظر أن يولد، فينطلق حاملا في نفسه لنفسه صفات أصله.

لو عرف الإنسان هذا لأمره في نفسه، لاستغنى به عن كل ما يدور اليوم في خلده، ورأى فيه الغُنية عن ماله وأبيه وولده {أليس الله بكافٍ عبده}[١٤]، ألا يكفي الإنسان أن يكون عبدًا لله، له في الوجود ما لربه، اسما ووجها له! لو عرف ذلك لأدار الحياة لفرده وجمعه في دائرة ذلك، ولو فعل لتحقق له السلام والعدل على أرضه وفي نفسه، وفي جَمعه ومجتمعه.

إن الله خلقك لنفسه، وأنت الذي تأبى أن تقبل أن تكون لنفسه وجودا ووجها مشهودا، ما أظلمك لنفسك! {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[١٥]، {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها}[١٦].

نحن لا نقول لك لا تَسْعَ على معاشك في دنياك، ولا نقول لك فرط في حقك، ولكننا نقول لك، لا تستمسك بحق زائل لكائن يزول، على حساب حق دائم لكائن يدوم، لا تستمسك بالمال وتفقد الروح… إن مالك إنما هو روحك، إن الثراء هو نصيبك من النور، نصيبك من الوجود، نصيبك من الحياة.

إنك تتطلع بحفيظة إلى الرأسمالي المسكين، الذي ضعف أمام نفسه، فربَّه وتألَّه عليه المال، وقد خمد فيه إنسانُ حِسه… فَعبَّد معناه للدنيا، للملكية، استجاب لناموس غريزته، لقائمه في فتنته، فسقط في اختباره. {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث}[١٧].

والله لمعلومهم بمعلومهم ومجهولهم بتنزيهه، ما خلقهم إلا لنفسه، ألا يكفيهم أن يكونوا نفس نفسه؟ ألا يُرضيهم أن يقوموا اسم اسمه؟ ألا يغنيهم أن يكونوا بيته؟ وما يذكر فيه من أسمائِه؟ ويعرف فيه من كرمه وجوده وآلائه؟ لدائمه وموجوده وحقيه وصمديه ومشهوده؟!

جعل ذلك كله للإنسان، ما جَعل الإنسان نفسَه له، وخلق كل شيء من أجله، خلق السماوات والأرض من أجله، جعلها له دارا، إليها يأوي ليسكن ويستريح، ومنها يخرج ليتريض ويعيش، ويملأ فراغ الوجود بالحياة. (آخر من يخرج من النار يُعطى عشر أضعاف هذه الدنيا)[١٨].

{يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا}[١٩]، هل تنفذون باشتراكيتكم الوضعية؟! هل تنفذون بإسلامكم الوضعي؟! هل تنفذون بعقائدكم من تأليفكم وتلحينكم؟! أم تنفذون بسلطان الله لكم؟ جعل عزَّته له ولرسوله وللمؤمنين، عزةً وأي عزة، عزةً على الوجود، عزةً على الإنس والجنس، عزةً على الجن والمــَلَك، هي عزةُ الله العزيز الحكيم.

ليست عزة على الدينار والدرهم، تتحكم فيه، تأخذه من هذا وتعطيه لهذا، أو تختلسه لنفسك، إن الدينار هالك وصاحبه هالك، وأنت إذ تتوهم أنك تتحكم فيه، تنسى أنه ما تسرَّب حبه إلى قلبك فقد تحكَّم هو فيك، مهما قلَّ أو ضؤل نصيبك منه.

الثورة الثقافية؟ الثورة الثقافية التي تخلو من ذكر الله… وتخلو من العقيدة في الله… وتخلو من الحقية في الإنسان، في أزله وأبده لقائمه، وتخلو من التوعية عن قيامه للعنوان، وتجعل الحياة القائمة جامدة بذاتها، تجردها من حوافزها وغاياتها، ومقوماتها (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)[٢٠]، ليست ثورةً ثقافية… ولكنها ثورة على الثقافة. (ما مَنَّ الله على امريء بشيء أفضل من فقه في دين)[٢١].

الثورة الفكرية التي تخلو من حاكمِية الله للوجود، ومن حُكمه قائما للشهود، التي تخلو من دائم الله لدائم الناس، لا تقوم على أساس من الفكر. إنك لا تعرف لا عن الله، ولا عن الاشتراكية، ولا عن المجتمع أو الشعب أو الأُمة، إذا نظرت نظرة عاجلة لقائم البشرية على ما ترى، لأنها في قائمها في لمحة من لمحات الزمان لدائمها، إنها في قائمها لدائمها تتحقق حاكمية الله، بالآباء على الآباء في قديم آبائها وجنسها، بثمار عملهم لأنفسهم في قائمها بالأبناء، {وتلك الأيام نداولها بين الناس}[٢٢]، شأنه أن يرفع أقواما ويخفض آخرين.

{وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[٢٣]… {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}[٢٤]، {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}[٢٥]، ولامتنع عليهم أن يعرفوا الله، ولما عرف الناس أمرهم له، وأنهم منه وإليه، وهو يبلوهم في حاضرهم، أيهم أحسن عملا في كرتهم، ليكون هذا أساسا لما يسند إليهم في كراتهم التالية، على ما كان من أمرهم في كرات سابقة، لموصوف آبائهم.

إن ما تشاهدونه من التناقضات، وما تقدرونه من المد الرأسمالي، والجزر الاشتراكي، وما تأمرون به بعضكم لبعض، في دكتاتورية تزعمون أنها موقوتة، وتقولون إنها تهدف إلى ديمقراطية منتظرة، وحرية كاملة شاملة، لتبرروا الظلم والطغيان عند المظلومين والمقهورين، أمور لا حل لها إلا بالرجوع إلى الفطرة ونواميسها.

كيف يتحقق لكم ذلك، وأنتم تقولون إن المد والجزر، غريزتان في الناس؟ وأن الاشتراكي الصادق يجب أن يتنبه لذلك ويقاومه؟ ولا تعرفون لذلك مقاومة، إلا بالكبت وحرمان الجمع من الحرية! وكيف تقاوم الغرائز؟ وهل من العدل تحكم أُناس في أُناس دون رضاهم، وبعيدا عن الحب يتبادل بينهم؟

وتقولون إنكم تعطون الحرية لفريق منكم، أعددتموهم للصلاحية، وصلحوا لقيادة الجمع لكم، وسيادتكم. ولا ترون في السيادة إلا دكتاتورية الجماعة القليلة، من عدّة أفراد، تنتهي دائما إلى سلطان فرد وعبادته، وفرض إرادته على الشعب على سعته، فمتى تتحقق للشعب يوما الحرية، إذا أصبح هذا هو نظامكم الدائم؟ إنكم تدورون في حلقة مفرغة، كيف تخرجون من هذا وقد استكان الشعب، وسكن إلى مالكية وأمانة طغاته؟

إن هذه التناقضات، التي تقولون بها، وإن هذه الغايات التي تهدفون إليها، وإن هذه الإرادات التي تعملونها قسرا على الناس، كل ذلك، لا تجدون له حلا، إلا في رسالة السماء، إلا في هدي السماء.

وما السماء إلا آباؤكم، قاموا قيامكم، ومروا بتجربتكم، وتجردوا من بشرَتِهم، وانطلقوا بلبهم، وحيوا يوم أحيوا بذكر الله قلوبَهم.

فقامت حقائقُهم في الغنى عن العالمين، في ملأ أعلى له، فجاؤوكم وعادوا إليكم مرسلين آباءً لكم رحامين، قياما من أنفسكم لموصوف ملأ أدنى لله. أنتم من الملأ الأعلى لوجودهم بالحق مبعوثين، يوم تبعثون بالحق مخلفين، وهم الملأ الأعلى لوجودكم، لمرافقتكم إلى قائم الحق بكم، في قيامكم بهم من أنفسكم، من نوعكم هم قائم الملأ الأعلى لكم بينكم، لمثاليةٍ مرضية تُقتَدى منكم.

فما جاءت رسالات السماء إلا منكم، ردا لأعمالكم إليكم بمجيئها من أصولكم هاديةً أو مختبِرةً، جاءت تستخلفكم، وتحمل رسالتها لكم بدوركم، لأنكم منها، بكم، إلى جديدكم لأبنائكم، لأنهم منكم على ما أنتم منهم، وتَوجت رسالة الفطرة إنسانها بمحمدٍ، كمالُ الفرد لذاته، لأصله وفرعه، وكمال الأُمة في وحدانيتها، في شيوعيتها، في اشتراكيتها، في قائمها في اشتراكها، لما قام في آبائها، ولِما يقوم في أبنائها، بقائمها في حاضرها، باتحاد وتآلف القلوب لجمعها، أمةً وسطا وأمرا وسطا، وحقا وسطا، وطبقة وسطى، ووجودا وسطا، في وحدانية مع سبقها ولحاقها بها، به لها كشف ناموس الفطرة في البشرية، به وبأمته، إنسانا من الناس يتجدد ولا يتعدد، أمرٌ يقوم في صورة أبدية.

بذلك تَكَشفَ وأسفر الناموس، فقال الرسول (خلّفت الله عليكم)[٢٦]، قائما على كل نفس بما كسبت، وأقرب إليها من حبل الوريد، فاجمعوا شتات إنسانكم من إنسانية الله في قائمها بكم، بجمع قلوبكم على قلب مثالٍ بُعث بالحق من الأعلى بينكم، حتى تتآلف قلوبُكم، فتألف وتُؤلَف، وتُؤلِّف وتأتَلِف، طبقةً بعد طبقة.

فتكونون لبناتٍ لبيت الله، تُرفع قواعده بكم بتآلف قلوب منكم. (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُدُّ بعضُه بعضا)[٢٧]، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [وتؤمن بالله]}[٢٨]، أُمة هي جماع الغيب والشهادة، لقائمها بالله، لا شريك له منها، ولا وجود لها فيه مستقلا عن وجوده بها، (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٢٩].

أُمةٌ هي عندية الله، لكل من يدخل فيها، فيكون في عندية الله معها، ويقوم عند الله منها، أُمة تؤمن بالله، ولا تعرفه بعيدا عن قائمها، لقيومه عليها، تستعيذ قيوم وجودها لقائم وجودِه بها، بلا إله إلا الله ترددها وتنشدها، وتقومها وتستزيدها، وتمنحها وتزيدها وتفيضها.

ما هي لا إله إلا الله عند هذا الإسلام الوضعي؟ إنها حروف ترسم، ولفظ يُنطَق، لا واقعَ له في القلب، ولا سلطانَ له على بشرَة، ولا انسيابَ له بماء الحياة في جلدة، فما كانت البشرَة إلا ماعونَ ماء الحياة، أو هي زجاجةُ مصباح الحياة، وهي حَوض ماء الحياة يوم تتسع، وهي مشكاةُ وهيكل الحياة يوم تتَحَقق، ففيها يذكر اسم الله، وهو الحياة في قائمِ بيت الله، وهو الإنسان.

فهل رددنا لا إله إلا الله بوعيٍ لها، وبفهمٍ فيها، وبتعبيرٍ عنها، فقلنا لا إله إلا الله نبعًا من قلوبنا، ونورا مشرقا من عقولنا، ونارا حامية من نفوسنا؟ إنها نار الله كما هي نور الله، وهي ماءُ الحياة، كما هي أرض الحياة.

وترى الأرض هامدة، وهي أرض القلوب، فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزت وربَت، وأنبتت من كل زوج بهيج. هلا أحييتم قلوبكم أرضا لله، وجنة للإنسان، وبيتًا ودارًا يذكر فيه اسم الرحمن، لقائم العنوان، لإنسان الله في لُبِّ كلِّ إنسان، في قائم بشرَتِه وجِلدَتِه، لماعون الإحسان ودنيا الرحمن، وعالم الناس لعوالم الديَّان؟

{خلقكم من نفس واحدة}[٣٠]، وها هو بكم {قائمٌ على كل نفس}[٣١]،قياما بها نفسًا واحدةً، يخلق منها زوجها، ويبث منهما رجالا ونساء كثيرين. هكذا فعل، وهكذا هو فاعل، وهكذا هو سيفعل، على ما كان. أنتم في قيامكم كائنون، وعلى ما أنتم في ما كان، أنتم في قادم ستكونون، على ما هو كائن.

ما كان آدم في جلدته، إلا أنتم في جلدتكم وجلودكم، وما كان كلمة الله في ماعونه إلا لبابكم في مواعينكم بعيسى لبني إسرائيل رحمة مهداة رفضوه، وكافةً للناس أبرزه بمحمدٍ، كافةً للناس يكسبوه، ومثالًا لهم ارتضاه ليرتضوه، وأجَّلَ الفصلَ في أمرِهم، وقد فصَلَ هو في أمرِه، وقد صَلى عليه وملائكته، ليصلوا عليه وأبناؤهم تخلقًا بخلقه، حتى يكون الرسول بما هو عليه من الحق، غاية ونهايةً لهم.

دعاهم لاقتدائه، وواساهم بابتلائه، وبَشَّرهم بنعمته عليه ونعمائه، نعمةً لهم يوم هم له ظلال، وقائم حالٍ ومثال، وهداهم بولائه، ووعدهم بجزائه، وأقامهم في بنائه، ويجددهم لعين قائمه في سعتِه، والدًا وما ولد، روحَ القيام للكون وللبلد.

الإنسانُ روحُ الوجود، روحُ الحياة، ولخَلْقُ السماوات والأرض، إنما هو للناس خَلقٌ لهم، هو الأكبر للأصغر، في موجودهم لظاهرهم. إن كلًّا منكم يَحمل نواة للسماوات والأرض. إن كلا منكم إنما هو جنين لقائم من موجود لأب في وجود، هو السماوات والأرض. تواجد بينكم بوليده، لقائم جديده، لإعلام قديمه، في صغير موجوده لحاضره بينكم، لكبير وجودِه، في قديمه وقادمه لكم، برسول الله، بمعلمكم، بمحمدٍ رسول الله، وآله وعترته، وأُمته وأنبيائه، وحكمائه من أهل حضرته، لقائم الحق لحضرة الأعلى، لقيومه.

هلا آمنتم بالله بإيمانٍ برسول الله… هلا آمنتم برسول الله، في إيمانٍ بالله… إن الإيمان بالله ورسوله لقائمكم، إيمانًا بأنفسكم لهما إيمان واحد، إن اللهَ ورسولًه هو أنتم، قيامٌ مشترك واحد. هذه هي الاشتراكية العقائدية… هذه هي العقائد التلقائية… هذه هي العقيدة الفطرية… هذا هو الإسلام… هذا هو الاشتراكية… هذه هي الشيوعية، للحقيقة الشائعة لكم، يوم تؤمنون بالإنسان إيمانا بربه وإيمانا بأنفسكم.

لنا فيما بين أيدينا غُنيةٌ عن كل دين، ولكن متى تكون لنا هذه الغُنية؟ إذا لمس نور الدين قلوبَنا، إذا قامت قلوبُنا بنورِ الله، إذا تحدثنا عن الله على بصيرة، إذا بَيَنَّا الاشتراكية على بصيرة، إذا قدمنا العقيدة على بصيرة، إذا قمنا المثالية ببصيرة.

ولكننا نتحدث بالجهل، وبفنون الجهل، ونقوم في الجهل، ونُلزِم بالجهل جهلاء مثلنا، ونستمد الجهل من أمثالنا، من جهل آبائنا، أو جهل رفاقنا، أو جهل رعاتنا، أو جهل فقهائنا، أو جهل موصوف علمائنا، أو جهل حكامنا، أو جهل طغاتنا، أو جهل بعضنا على جهل بعضنا.

ليس العيب أن نقوم جهلاء فالجهل شيمتنا، وبدايتنا ما دمنا في بشرَتنا، وسجناء مواعيننا، ولم تتحرر بعد عقولنا وقلوبنا، ولكن المعيب أن نكون جهلاء، يجهلون أنهم جهلاء.

والأدهى والأَمرّ أن هؤلاء الذين يجهلون أنهم جهلاء، يزعمون أنهم علماء، وهم في أشد الحاجة لمن يقودهم ويرعاهم. ولكنك إذا نظرت إليهم، وجدتهم كلهم القادة، يقودون ويرعون أمثالهم، أربابا لهم، ويرفضون أن يقادوا، يوم أنهم يسمعون كلام الله من فم الله بقائم هياكل الله، بعباد الرحمن بينهم.

وكيف يتابعونهم وهم الضعفاء الذين يمشون على الأرض هونا! لا دكتاتورية للبروليتاريا بهم، ولا للرأسمالية وسلطانها لهم، ولا للبرجوازية ومكرها ودهائها عندهم، ولكنهم عباد الرحمن، لا يرون في الرحمن دكتاتورا، ولا طاغيا، ولا حاكما مستبدا فيتخذونه لمثاليتهم للناس، ولكنهم يرون الله على ما عرفوا من عظمته، بيده عند أقدامهم، يرفعهم إلى طلعة وجهه، ترعاهم بنظراته من فوق سماواتهم به أو سماواته لهم.

يرونهم بين يدي رحمته، يرونهم بين يدي الله، يتواضع دونهم، وهو بعَليّه، يسهر على وضيعهم، ويُكبره، لأنه خلقه لنفسه، ويُعلِيه، لأنه يوما سيلقاه ويعلوه، ويعلو به، على من يرحم، وعلى من يحب من خلقه. يرونهم وهم بين يدي رحمته، هم للناس يدا رحمته.

هذه هي الاشتراكية في حقيقتها يوم تكون اشتراكية عقائدية صادرة عن القلب مع مثالية حبيبة، مرئية ومدركة للعقل المشرق، في قائمها بالإيثار، لا تقوم ولا تعرف بالأثرة والانعزالية والتمييز، ولا تُفرض بالغلبة والسلطان، ولكنها تقوم بالمحبة، مثالية يفرضها الإنسان على نفسه بعقيدته ورضاه وحبه وطلبه.

فهلا أدركنا ذلك، في شعارنا بلا إله إلا الله، وفي انتظامنا بمحمد رسول الله، لقائم أُمته، عبادا لله، ووجوها لله، وحقائق لله، ونُصُبًا لله، وظلالا لرسولِ الله، وحقِّ الله.

هذا ما نرجو أن تحققه بشريةُ زماننا لنفسها يوم تستجيبُ للملأ الأعلى لها، ها هو يدانيها، وها هو يناديها في رسالة الروح، لقائمها في الله بمعانيها روحا ولبا، قالبا وقلبا، بشرة وبشرا، خلقا وحقيقة، قائم حقائق في قائم الحق، في قائم الحقيقة كلها لله، لا شريك له من خلقه، ولا موجود معه بما أوجد في قائم وجوده، في شعارنا له، وفي شعاره علينا بلا إله إلا الله، ندركه في طريق بصيرتنا، باستقامتنا، لقائم قدوتنا، في قائم مثالنا بمقتدانا في معنانا، في قديمنا وحاضرنا وقادمنا لمبنانا ومعنانا بالإنسان بمحمدٍ رسول الله.

اللهم إنا نَسألك باللهم لنا، في اللهم لك، باللهم بك، أن تكشف الغمة عن هذه الأرض، وعن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين، وعن بلادك لعبادك.

اللهم باللهم، على ما عرفنا، وعلى ما جعلت لنا، اللهم فاكشف الغمة عن أنفسنا، وألف بين قلوبنا، وحرر أرواحنا، وأنر عقولنا، وأشعل جذوة الحيَاة في نفوسنا، وقوِّم فيك جوارحنا، وأحسِن لنا معَك معاملتنا في معاملة بعضنا لبعض.

اللهم باللهم علينا، ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا وبعدلك علينا، وعاملنا بعفوك بنا، وبكرمك علينا، وبجودك ومغفرتك لنا.

لا إله إلا أنت لنا، لا وجود لنا، ولا شريك لك منا.

اللهم باللهم على كل نفس كن لنا في الصغير والكبير من شأننا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، وادفع عنا وقوِّم طريقنا، ويَسِّر أمورنا، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. تم التشكيل وفقا للنسخة الخطية المراجعة من السيد رافع ↩︎

  2. سورة التوبة - ١٠٣ ↩︎

  3. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  4. سورة يونس - ٢٤ ↩︎

  5. سورة الكهف - ٤٧ ↩︎

  6. جاء في بعض الآثار يقول تعالى: ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وذكرهما كذلك المناوي في فيض القدير. ولم نعثر بعد البحث على عزوهما للنبي صلى الله عليه وسلم فلعلهما مما روي عن أهل الكتاب." ↩︎

  7. سورة البقرة - ٢٨٦ ↩︎

  8. سورة الكهف - ٦٥ ↩︎

  9. سورة سبأ - ٣٤ ↩︎

  10. يذكره المتصوفة كحديث قدسي. حكمه عند المحدثين أنه لا أصل له، لكنه يتناغم مع الحديث القدسي (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) الذي أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد. ↩︎

  11. حديث شريف: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.”. أخرجه أحمد بن حنبل ↩︎

  12. سورة البقرة - ٢٨٦ ↩︎

  13. سورة آل عمران - ٣ ↩︎

  14. سورة الزمر - ٣٦ ↩︎

  15. سورة البقرة - ٥٧ , سورة الأعراف - ١٦٠ ↩︎

  16. سورة الإسراء - ١٥ ↩︎

  17. سورة آل عمران - ١٤ ↩︎

  18. في إشارةِ للحديث الشريف “إنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  19. سورة الرحمن - ٣٣ ↩︎

  20. من حديث شريف: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود، والترمذي. ↩︎

  21. من الحديث الشريف: “من يُرد اللَّه به خيرا يُفقهه في الدين.” رواه البخاري ومسلم. ↩︎

  22. سورة آل عمران - ١٤٠ ↩︎

  23. سورة الحجرات - ١٣ ↩︎

  24. سورة هود - ١١٨-١١٩ ↩︎

  25. سورة البقرة - ٢٥١ ↩︎

  26. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  27. حديث شريف: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بيْنَ أَصَابِعِهِ”. صحيح البخاري. ↩︎

  28. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  29. حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎

  30. سورة النساء - ١ ↩︎

  31. سورة الرعد - ٣٣ ↩︎