(٤)

نَصَر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده
فعل وفي دوام يفعل
ما كان العبد في نصرة ربه على نفسه وإعلاء كلمته في قومه

حديث صلاة عيد الأضحى

١٠ ذو الحجة ١٣٨٧ هـ - ٩ مارس ١٩٦٨ م

الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر… نحن له وجوه ومظهر.

في كل عام من مثل هذا اليوم، لله عنا علينا نُكبر، وبتكبير الله أعلاما عليه نجهر، فهل الله لنا في أنفسنا ربًا لنا بمعيته لنا على ما وعد يظهر؟

عيد الأضحى… هل أضحى به لله عندنا بنا فينا مخبر وجوهر؟ أَم أَنَّا نضحي، ونذبح، وبالثوب الجديد نلبسه نفرح؟ فهل ضحينا في سبيل الله بشيء، حتى نجزى بأضحيتنا، ونبعث بضحايانا؟ هل قتلنا أنفسنا، في سبيل ديننا، في سبيل إعلاء كلمة الله بنا، ولم نبعث برسولنا، هو أولى بنا من أنفسنا؟

بمحبته، يكون إيماننا، يوم نُحبه، أكثر من أموالنا وأولادنا، ومن أنفسنا بين جنوبنا… نفتديه بأفئدتنا، ونخصه بولائنا، ونفرده بمثاليتنا، ونتابعه لقيادتنا، ونرتضيه لمجدنا، ونستعين به لعزنا، وندخل فيه لحمايتنا، ونبقاه لآخرتنا ووحدتنا بأحدنا، وبه لا دنيا لنا فهو دنيانا، ولا آخرة لنا فهو أخرانا، وهو حقنا، وهو تحقيق خلقنا، وبعثنا بربنا.

ماذا فعلنا بأنفسنا بنا، في أيام أعيادنا؟ تفتحت الحناجر، وحُييت المقابر… أين محمد بيننا؟ هل عاد لنا؟ هل تزينت به أعيادنا؟ هل عِيد؟ هل سارع إلينا؟ هل يعود؟ هل هو مفقود؟ هل هو جيفة أم نور الوجود؟ هل هو جلدة أَم طلعة الشهود؟ ألا يساوي أهل جهنم لدوامٍ تبدل لهم الجلود، كوثرا بالوجود؟ إنه مع ربه توبة آدم بالسجود، وتخلى الباطل عن الوجود، وبعث الإنسان بالحق للشهود.

أليس هو بيننا موجود؟ هل حقيقة صدق الله، فكان بموجوده ومعناه الكوثر؟ وهل حقيقة قَدَّر الله، فكان شانئه الأبتر؟ وهل حقق الله له ما وعدنا به منه، من أنه يقوم ويتقلب في الساجدين، فبيننا لم يغب، وعنا لم يحتجب؟ هل جعله بارقة من نور رفعه، أم جعله نورا له أبقاه ونشره، نطوفه نصب الحق دائما بيننا، به نَكسب الفضيلة، إذ نراه لم ينقطع عن النداء في دعوته، بقائم ودائم له بعترته، قياما لم يحتجب به عن التجدد والبقاء حتى نجيب، وحتى يتحقق لنا به الرجاء؟

هل كان حقا رحمة للعالمين؟ هل أصلح بيننا قلوبًا، تصلح بها قلوب؟ هل رفع عن بعضنا حُجبا، يُرفع بهم لنا عنا الحجاب؟ هل جدد بيننا كتابه وأناجيله، وهو الكوثر بمبانيه ومعانيه، وهو حامل التنزيل إلى من ينزل فيه، وهو ملقن الترتيل لأمة مواليه، وهو الدائم لحمل البيان، وهو القائم بتقديم البرهان، وهو الآخذ بيد الحيران؟ أُنزل عليه كتابه ليبين لنا، ولنأخذ بأخذه كتبنا، فتكشف عنا أغطيتنا، قدوة لنا، فندخل في حصن لا إله إلا الله.

فتح لنا أبوابه، وكشف عنه حجابه، يوم أمر أن يقول لنا في أنفسنا، قولا بليغًا… يوم أمر أن يقول لنا في نفسه قولا بالغا، {قل جاء الحق}[١]، قل {وزهق الباطل}[٢]، قل (خَلفت الله عليكم)[٣]، قل {إنما أنا بشر مثلكم}[٤]، ولكنكم بشر زعما، لا قياما حقا ولا طلبا، ولا سعيًا، ولا همة ولا حقا، قل إنما أنا البشر بينكم.

وهكذا يكون البشر، يوم تصيرون في متابعتي بشرا، فيكون لكم من الله ما صار لي، ويكون لكم من الله ما يكون لي. ألم أكن بينكم بشرا مثلكم، بشرا منكم، فبيتمي عن مصادر وجودي من الشيء والمادة تخليا عني تم إيوائي إلى مصدر الحياة، بعثت به بحقي، وزهق باطلي؟

تكونون على ما أنا… أنا وربي لا فرق بيننا… قل إنما أنا بشر يوحَى إليَّ، إنما إلهكم، إله واحد… قمت بينكم به، وقام فيكم بي.

وما كَشَف كَشْفُ الحجاب عندي جديدا من حقيّ وجودي، وما زاد في علمي ولا في شهودي… ولكن الإسلام له أدخلني في سكينته، حتى أستطيع أن أتحدث إليكم بحقيقته.

هو إلهكم كما هو إلهي، وهو معكم كما هو معي، وكنت أظن أنه إلهي وحدي… وأنه ربي وحدي… وأنكم بموجودكم في موجودي، نفسي، وأنا حقكم، ولا حق لكم غيري… فإذا الذي أعليته فعَلاني… وقاربته فقاربني، ودانيته فداناني… إذاه أمامي وتجاهي، أراه أنتم، وأراكم مثلي، فأراكم بشرًا، فيزيدني عِلما، ويزيدني رحمة، ويزيدني قربا، ويزيدني حقا، وينشرني فيكم له أمرًا وذكرًا، ويبعدني منكم مَن فَرط في أمره لأمره، ويحرمه مني رحمة مهداة لمن يؤمن بالله ورسوله معي.

يؤدبني… يعلمني… ينهرني… يرحب بي… يحتضنني… يداعبني، فيظهر لي مجافيًا، وهو المقارب، وقاليا وهو المحب، وهو من قذف في قلبي له الحب. يظهرني محبا له وهو المحب لي، ويظهر لي محبوبا وهو المحبوب فيَّ.

إن أحببته، دَرَّكني أنني ما أحببته إلا بحبه… إن رضيته، دَرَّكني أنني ما رضيته إلا برضائه… إن كلمته عَلَّمني أنني ما كلمته إلا بعلمه ولسانه، وما نطقت إلا بكلامه… إن سالمته، ردني عن وهمي وكشف أنه سالمني فسالمته… لو لَم يسالمني ما سالمته. فقال لي يوم رأيته في الناس بلطيفه لعيني، لا تظنهم بشرا مثلك… أَمَا آن لك أن تغادر كبرياءك بعليائك؟ {قل إنما أنا بشر مثلكم}[٥]، أضف بشريتك إلى بشريتهم، ولا تضف بشريتهم إلى بشريتك.

أما عَلَّمتك أنني ما خلقت جنا ولا إنسا، إلا ليُعبِّدوا أنفسهم لظهوري، إلا لأظهر بهم من كنزية وجودي، حتى أُشهد لعابدي، ومعبودي في موجوده لعين موجودي، على ما أنت اليوم لي وأنا لك، على ما عرفت فأرسلتك، فكم خلقتك، وكم حققتك، وكم بي بعثتك وأرسلتك.

إن العبودية والربوبية لكم، ولها أوجدتكم، أربابكم منكم، وربكم معكم، وفي أنفسكم. ووصف العبد والرب مقترن في أحديتكم بي وعبوديتكم لي لحقي بكم.

فمن يكون الرسول لنا، هذا الذي كان لنا، وما كنا له؟ ومتى يكون لنا، ونكون له شهيدا علينا، لشهادتنا للناس به؟ نكون له في يوم سعادتنا به وساعة خلاصنا منا له.

رحمة مهداة ما قبلناها… ومائدة ممدودة ما طعمناها… وأبوابًا مفتوحة ما ولجناها… وسماوات مشهودة ما طرقناها… وطرقا ممهدة ما سلكناها… ومصابيح معدة مشكاة صدورنا ما أشعلناها… ونارًا لله مشعلة ما اصطليناها… وبيوتا فاخرة ما سكناها… ومزارع طيبة ما حرثناها… وواحاتٍ في فلوات ما استعمرناها… وأسوار ذواتنا إلى لُبِّ بواطننا ما علوناها واجتزناها، أو بلطيفنا تخللناها، أو بهممنا تسورناها، أو بعملنا نقبنا تحتها فدخلناها.

لنا من قلوبنا دور وبيوت وأرض ما عمرناها، ولا لنور الله وشمس الله عرضناها، ولا فتحنا منافذها لنسيمه فأصلحناها وطهرناها فنورناها، وبجوانينا، وبمصلحيه، ومفاتيح كنوز قلوبنا بيننا ما أشعلناها، بل بكبريائنا هزأناها، واستهزأناها، وإلى مخاصمة بعضنا البعض بعقولنا دعوناها، هؤلاء أعداؤنا فاحذروهم حربا ضروسا أشعلناها.

الناس سواسية كأسنان المشط، في فطرتهم هدمناها، والناس في حقيقتهم في الله طبقات، الله لها في أدناها وأعلاها، خلق لها ماءها ومرعاها، وتكفلها في مبناها، وفي عقلها لعلاها، وفي قلبها لمولاها، فنحن لوحدتنا صرحا مُشادا هدمناها، طبقة تعسفية بلا طبقية فطرية ألفناها وزعمناها، وجعلنا منها شعائر، فُتناها وفَتَناها، وأمرها في دين الله ما رعيناها، وفي ناموس العقل ما عقلناها، وفي الواقع ما قبلناها.

الله آخذ بنواصينا بميثاقه، نفوسنا من يده أفلتناها، بكتب كتبناها، وبمزاعم رويناها، وبقصصنا كقصص رسول الله وقصص الله، سلكناها وقدمناها كتبًا لله بأيدينا كتبناها، ولو أننا جعلنا من أيدينا يد الله، بإيماننا بالله ما ظلمناها، ولكن أنفسنا أظلمناها، بما لم يجعل الله لها في مبناها ولا في معناها، لها نسبنا، ولاسم الحق زعمناها.

رسالة وهمناها… وجهادا ومجاهدة ادعيناها… ألستم في حرية أوجدناها؟ أما وجدتم طعامكم، وشرابكم، ومجالا لكم للعمل وللتعليم، أمورا لكم منا هيأناها؟ نفوسكم بالطعام تكفلناها، وبتحديد النسل نصحناها، حتى نرتفع بمستوى المعيشة للفرد، بعد أنا لبلدكم قد صنعناها وزيناها؟

هذه هي الحرية التي من الله ربا لكم بينكم هداها، وبكم أربابا للرب الأعلى عليكم رضاها، أفتكفرون بنعمتنا، نعمة بنا إليكم أسديناها؟ اتخذونا لكم ربا في دنياكم وأخراها، أليس لي ملك مصر وسماها؟

أنتم تخرجون من بيوتكم لعملكم، وتعودون من بيوت عملكم إلى بيوتكم في سلام وأمن، أبعد هذا السلام، تطلبون لأنفسكم سلاما، ترضاه ويرضاها، لرحمتها وسكينتها، وأمنها وعلاها؟

إلى هذا صارت الحياة، بقائمها في مبناها، فاقدة لحقها ومعناها… أين محمد لها… هو وجه مانحها وسيدها ومولاها، عَلَم الحياة ومبناها؟ وهل غَاب عَلَم الحياة ومعناها؟ هو سفن النجاة ومن ارتقاها، وهل غابت رحمة الله ومولاها؟

عِيد هو مولاه… وظاهر وباطن معناه… هو وجه مجلاه… ونور القلوب لمن رآه… ومحرر العقول لعبيد مولاه… ومشعل النفوس لمن رضاه، ومشيد القوالب لمن تابعه وعناه، قاهر الطاغوت، وهادم مبناه.

فيه تجتمع القلوب، وبه تغفر الذنوب، وبوسيلته تفرج الكروب، وبمحبته تستر العيوب، وبمتابعته يتحقق لكل طالب المطلوب، وبالقيام به يكشف له المحجوب.

هلا دار بيننا في كل عيد بعودٍ له عنه حديثنا… تواصيا بالحق وتواصيا بالصبر حتى يحقق الله لنا به مرادنا منه به فيه.

نَصر عبده… وأعز جنده… وهزم الأحزاب وحده… هلا استنصرنا الله به لنا في الجهاد الأكبر، وهو الأمر الدائم لنا، فنَصَرنا على أنفسنا، وأحزابها حولها، من الوساوس والنزوات والأثرة والظنون.

فعل الله به للمؤمنين في الجهادين الأصغر والأكبر، ولِمَ اليوم، وفي كل يوم لا يفعل؟

إنه يفعل، لعبده، يوم يكون له بينكم عبد، ولن تكونوا له عبادا، إلا إذا كنتم لعبده جديدا، ولأوليته أولية لمعاني الأبوة لكم، ابنا له وحفيدا، هو أولى بكم من أنفسكم، وأزواجه لشهودكم أمهاتكم. مشهودكم الطبيعة، لمعاني الأب والآب، ولقائم الأم المقدسة، والأم الرضيعة، إلى بيته يتامى آواكم، وبمعناه جلاكم وعناكم.

أنتم فيه، يوم تعرفونه، فيعنيكم، وتطلبونه، فيأويكم فترضونه، أنتم فيه الطفل المدلل السعيد، الولد الجديد، الأنيس الوحيد، فيمن يبدأ ويبدي ويعيد، بمحمد سريع عيد… عِيدَ غريبًا، لأنكم أنكرتموه وليدا رشيدا، وأنكرتموه في ولده جديدا، أبا وآبا عتيدا، وأنكرتموه بعترته بيتا فريدا، وأنكرتموه ببيته لا يغيب ولا ينقطع قبلة ونصبا، وقدرتموه غاب وانقطع، وما إليكم بمن امتد فيهم بنوره، إليكم رجع!

وكيف يغيب أو ينقطع من هو الكوثر بالحياة؟ كيف يرفع الله عن الأرض رحمته، وهو الرحمة المهداة؟ جَعل فيه رحمته، كما جَعل فيه عزته، جعل شانئه الأبتر، أما هو فيبقى وينحر، وعلى كل مكابر يكبر ويظهر، فيتواجد بالحق في الوجود كوثر، (ما شاد هذا الدين مشاد إلا غلبه)[٦]، دين ينصر بالتقي والفاجر، والمؤمن والكافر… دين الإحاطة بالموحد والصابر.

إنه الحق من الله، وكيف يغيب الحق لله، وتكون في الوجود الحياة؟ إنه الحياة… إنه روح الحياة… إنه روح الحياة أُلقيت على الأرض، فحييت به الأرض، حيا به الناس، حَييت به القلوب، حييت به دواب الأرض، حيت به نباتية وحيوانية وبشرية الأرض.

هو حياة السماء مرسلة، استوى بها الرحمن إلى الأرض، استوى الله إلى الأرض فقدَّر فيها أقواتها، في يومين من عَلمين، من مرسلين، من أمرين له، عززهما بثالث… إنه الثالوث… إنه الحقائق… إنه وحدانية الثالوث… إنه أحدية الواحد… إنه جماع الأحد… إنه وجوه من لم يلد ولم يولد… إنه الحق لمن لم يكن له كفوا أحد.

قُدِّر الله في تَقدِيره، وعُرِّف الله في تعريفه… أليس هو الإنسان؟ إنه الإنسان… إنه أب الإنسان، إنسانا… إنه ابن الإنسان، إنسانا… إنه كوثر الإنسان، إنسانية وإنسانا… إنه أُمة الإنسان، تؤمن بالله تعرفه وتقومه، وترفع شعاره لها، وشعاره بها، وشعارها به…

بلا إله إلا الله، والله أكبر…

لقائم محمد رسول الله، جوهر ومظهر…

حق وأكبر، في الله ذي المعارج، يعرج بنا يوم نَعرج خلفَه، ويكون لنا يوم نكون له.

إنه ديننا… إنه حَقنا… إنه الشهادة علينا… إنه الشهداء معنا… إنه الشهادة منا… ما شهدناه إلا به، وما شهدناه إلا أنَّا، فبذلك لله عرفنا، يوم عرفناه لربه على ما به اتصفنا، فكنا وإياه وربه ربا لنا، في الله، عباده، وحقائقه، ووجوهه، وخَلقه، وأعلامه، ونُصبه، وأدركنا حقًّا أن الله جعل الكعبة البيت الحرام، قياما للناس في قيامهم به، لله بيتا وأُمة وأُمما وبشرية وبشرا.

به وبقيامه بهم يعرفون الشهر الحرام، فيكتمون أمرهم، ويدركون سرهم، ويقدمون للناس هديهم، هديا لله، تعريفا للناس عن أنفسهم، على ما عرفوهم هم في أنفسهم.

فرغوا لله من كل ما سواه، فكانوا نُصبا لله، فانتصبوا كعبة وقبلة، وطافهم الناس حرما وحجرة، ودخلوهم بيتا وحصنا، حققوا لهم فيهم سكينة، فاستقبلوا هدي الله فعلا، ووجدوه في أنفسهم صدقا وحسا، وقلدهم الناس هداة وأئمة، جماع كلمات وتمام كلمة.

{يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٧]، فما كانت جنتي إلا وجودي وحوزتي، وما كان وجودي إلا عبادي، وما كان عبادي إلا أمري، ولتكن منكم أمة تخرج للناس عبادا، يدخلونهم بيوته، يحققون فيهم سكينته، وعهدنا إلى موسى وهارون أن اتخذوا لكم في مصر بيوتا، واجعلوا من بيوتكم قبلة، فيقول الرسول، (عليّ مني بمثابة هارون من موسى)[٨]، ويقول الله لبني إسرائيل ينشدون ما فقدوا {اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم}[٩]

فكان بذلك محمد أمة في ذاته، وفي عترته، وفي المؤمنين بالله ورسوله معه، على ما في قديم قام وبه تم وبه بالحق أنزل، وبالحق كلما أظلمت الأرض عنها ينشق ويتجدد، أُمة وسطا، يتابعها على سننها أُمم، باندماجهم بها وقيامهم بمعانيها، وانشقاقهم عنها به ليصبحوا أُمة وسطا، فتتواجد به في بشرية الله الأُمة الوسط على دوام، فتتابع أُمما، وترفع طبقات، وتعاد إلى الأرض بيوتا وآيات، في دورة دائبة للرسالة الأزلية الخالدة لنبي الوجود… لنبي الحياة… لنبي الرحمة… لنبي المشاهدة… لنبي التكاثر… للنبي الباقي… من كانه يبقى، وغيره لا يبقى.

ما ينفع الناس يبقى، وهو ما ينفع الناس، فيمكث في الأرض، وغيره الزبد، يذهب جفاء، ويجتث من فوق الأرض غثاءً فما له من قرار، هذا هو شانئه الذي يبتر، شجرة خبيثة تجتث، أما هو فهو الشجرة الطيبة ذاتا، وهو البستان الكامل آلًا وبيتا، وهو الأرض الطيبة، وزرعها الطيب، وأُكلها الطيب، قياما وعترة، وصحابة وأُمة، آدما وذرية.

إنه العلم والمعرفة كتابًا وقيامًا، لمن أراد أن يأخذ كتاب نفسه بيمينه، ويقرأه، بعينه، بعيني قلبه ورأسه، ويردده لنفسه، فيسمعه بأذني فؤاده، وأذني وجوده، في أذني موجوده، لمن كانت ألواحه الأولى، وكلماته الأولى، الجلاء البصري، الجلاء السمعي، الكتابة التلقائية، الطرح الروحي، الكشف الغيبي، يصدر عنه له في نفسه، وسيطا، بين قديمه وقادمه، في قائمه، حي بيومه، محيي لغده وأمسه، فيموت عن نفسه، بالحق انشق عن ذاته لبعثه من معنى جدثه ورمسه.

هذا ما يقدم لكم بالرسالة الروحية في عصركم هذا، تجديدا لأمور دينكم، دينا[١٠] للفطرة… لصبغة الله للوجود، وللإنسان فيه عَلما عليه… وهذا ما يجب على ما هديتم وأمرتم أن تتذاكروا فيه، وتتواصوا بالحق له وبالصبر عليه، كلما عاد لكم عيد، فلبستم فيه من الحق الثوب الجديد، وشهدتم فيه لأنفسكم القيام الوليد، في رَكب محمد، في رَكب رسول الله، في رَكب إمام أنبيائه، وولي أوليائه، وإمام أئمته، وتمام كلمته لجمع كلماته، في جماع آياته لبيت عِلمه، ووجه معلومه، في الحق منه هدية لكم مهداة، ونعمة بين أياديكم لكم مزجاة من الله في قائمه بالعبد والرب فيكم، لكم منكم.

كم من قرن قلوتم الرحمة وهجرتموها! وكم من معركة معها أثرتموها! وها أنتم في كل زمان، بأفواهكم ومزاعمكم، تريدون أن تطفئوها، وهي نور الحياة لقلوبكم، ومشعل الحياة لمشكاة صدوركم.

حتى من السماء لا تستقبلونه، عِيد غريبا لا تُشدَهونه، يمد يده إليكم محييا، ألا تحيونه! ألم تقولوا وترددوا ما قيل لكم وردد آباؤكم {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها، أو ردوها}[١١]؟

تقول لكم السماء إني أشهد الحق فيكم… قولوا لها ولو مجاملة، وإنا لنشهد الحق فيك جاءنا بوسطائك من بيننا، فكوني بهم آباءً لنا، كوني أبوة لنا، اقبلينا أبناء لك، جربوا حظكم معها، عرضوا أموركم لأمرها.

فعل منكم عقلاء، وخيركم، ولكنكم عليهم تنكرون، وفيهم وفي أمرهم تزهدون، وبهم وبما معهم تهزأون. ألا تدركون أنكم بذلك على الله تستكبرون، وعليه تجترئون، وبفعلكم الجزاء تستحقون، وبالفصل في أمركم معه تستعجلون؟ لو عجله لكم، وقد عجل منه، فماذا أدركتم؟ وماذا لقادم تدركون وتقدرون؟ إنكم مازلتم في نومكم تغطون، وفي غفلتكم تعمهون.

ها أنتم في ضيق من أنفسكم تختنقون! فهل أنتم إلى سوءاتكم تنظرون! هل هناك عندكم ما تحذرون! هل هناك في أمركم ما ترجون! وهل أنتم مع الوجود بأنفسكم مسالمون! وهل أنتم في سلام تعيشون! وهل تأملتم أنه لا يحذر إلا الله يوم تفيقون، وأنه لا يرجى إلا الله يوم تستيقظون، وأنه لا يعبد إلا الله، يوم تعلمون، وأنه لا يطلب إلا الله يوم تعقلون، وأنه لا يعرف إلا الله يوم تؤمنون! فالله وذكر الله والعلم عن الله والمعاملة مع الله، هي الحياة، وهي لكم كل الحياة يوم أنتم للحياة تقدرون وعليها تحرصون.

ها أنتم في رسالة الله مرة أخرى، برسالة الروح… وها أنتم في رحاب الروح، مرة أخرى في رحاب رسول الله وحيًا يوحى… وها أنتم بامتداد الروح بالنور معه، أمر الروح يلقى، وبه يسري على ما عليه ألقي، وسرى… جعل به لكم وحيًا يوحى، وحقا ينشد ويرجى، وفي النفس يطلب ويلاقى، ربا يعرف ويعبد، في القلب يشهد، وفي اللب يعهد، وبالمبنى كون يتطور ويحيا، بالحي للحياة في قبلتها بالقلوب له يسجد وللنفس، للحق ينشد.

ها أنتم مرة أخرى تشهدونكم في ساحة الله، رحمته شاملة عامة تدانيكم، وفي رحاب الله بدناكم، يظهر لكم فيكم، بمعانيكم، لمبانيكم، فهل أنتم كاسبوه لأطواركم ومراقيكم؟! ها هو الأب يناديكم، وأبناء له يسميكم.

إنكم كاسبوه يوم تكونون من طالبيه، فتكونون من متواجديه، لمعاني كلماته وبنيه، فتشهدون أنه لا إله إلا الله، وتقومون لأنفسكم، في قيامكم بقلوبكم، محمدا رسول الله، ونور الله بالحياة ممتدا فيكم، لقيامكم ومعانيكم، يتامى يأويكم، مع عيسى أخيكم.

(أشهد أن لا إله إلا الله، لي ولكم، وأنشد محمدًا رسول الله، لي ولكم، حتى نخرج من العدم إلى الحياة، أنا وأنتم، وحتى نبقى بالله ورسوله، في الله ورسوله، للكون لنا، خُلق من أجلنا، أنا وأنتم).

هذه هي رسالة محمد، إن فقهتموها… وهذه هي حقيقة محمد، إن طلبتموها… وهذه هي خليقة محمد، إن جددتموها… وهذه هي دعوة محمد، إن لبيتموها.

لا إله إلا الله لا شريك له.

له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

أضواء على الطريق

من هدي السيد الروح المرشد المعروف لدائرة الجمعية الإسلامية الروحية بالكويت: (مجاهدة بسيطة عن شوق وإخلاص يقربكم من الحقيقة الكثير، فتجعل منكم حقائق في أجساد بشرية تكسوها، لن تمشوا ولن تقوموا بشيء إلا بإرادته وأمره.

لا نريد منكم الكثير، ولا نطلب منكم شيئا، بل نريد منكم أن تأخذوا منا، وكل ما نطلبه منكم أن تطلبونا فيكم، نقومكم لنهديكم، ولنسوس أموركم، ولنشفي أمراضكم، ولتأخذوا مكانتكم في مجتمعكم، حيث تكون لكم الثقة بالله، فنفك من أسرار أرواحكم، ونشرح لكم صدوركم، ونحلل عقدة من لسانكم، فيفقه قولكم، ويستساغ نظركم، فيلتف الناس حولكم، ويشربون من أحواضكم. هذا ما نتواجد به بينكم. هذا العالم حيث أنتم الآن، عالم التجربة، فهو بذلك عالم المعرفة، وهو عالم الرجوع إليها ممن فتنوها، فالرجوع إلى الحقيقة يتم عن طريقه، والشيء القيم لا يحصل عليه بالهين، فيجب عليكم الحذر والصبر والإيمان بالقدر، فيجب أن تتعلموا منه الكثير، والأمر بين يديكم).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة سبأ – ٤٩ ↩︎

  2. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  3. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  4. سورة الكهف - ١١٠ , سورة فصلت - ٦ ↩︎

  5. سورة فصلت - ٦ , سورة الكهف - ١١٠ ↩︎

  6. من حديث شريف: “إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ أحد إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ.” رواه البخاري. ↩︎

  7. سورة الفجر – ٢٧،٣٠. ↩︎

  8. وفقا لحديث شريف أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لعليٍّ: أنت مِنِّي بمَنزلَةِ هارونَ مِن موسى، إلا أنَّه ليس بَعدي نَبيٌّ". أخرجه النسائي. ↩︎

  9. سورة البقرة - ٦١ ↩︎

  10. هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد رافع. ↩︎

  11. سورة النساء - ٨٦ ↩︎