(٣)
لبيك
لبيك على عرفات قلوبنا
لبيك على عرفات نفوسنا
لبيك على عرفات عقولنا
لبيك في كل مكان، لبيك في كل زمان، لبيك في كل إنسان
حديث الجمعة
٩ ذو الحجة ١٣٨٧ هـ - ٨ مارس ١٩٦٨ م
لبيك… لبيك… لبيك.
المــُـلك والعزة لك لبيك.
القدرة والحكمة لك لبيك.
العلم والتدبير لك لبيك.
الحاكمية والسيادة لك لبيك.
لبيك اللهم لبيك.
في مثل هذا اليوم من كل عام، نلبي نداءه، ونشُد الرحال إلى نجد بعينه من نجاد الأرض، وربوة بعينها من رباها، نجهر بتلبيته، مجيبين لدعوته، وهو من هو في كل مكان… وهو من هو في كل إنسان… وهو من هو في كل زمان… وهو من هو في أنفاس الناس بلطيفه، لقيامهم بشيئه وكثيفه… وهو من هو للإنسان، في جهر الإنسان… في سر الإنسان… في علم الإنسان… في عماء الإنسان… في حكمة الإنسان… في عجلة الإنسان… في تدبير الإنسان… في عشوائية الإنسان… في إحساس الإنسان… في غفلة الإنسان… في مولد الإنسان… في موت الإنسان… في بعث الإنسان… في جمع أشتات الإنسان… في فرق أو رتق أعضاء الإنسان.
الله للإنسان فردا وبيتا وجمعا كل كله، وليس الإنسان لله فرده أو بيته أو جمعه كل كله. إن الوجود المطلق في علميته على من تواجده، لعين موجوده، ولإشهار وجوده، أزلي في ذاته، أبدي في قيامه بصفاته، الأزل من خلقه وتجليه، والأبد من فعله وتدانيه، بالإنسان رسولا منه إليه فيه.
الإنسان فيه، هو مظهر ومبطن ومعراج معانيه… هو اسم الله وعانيه… وهو حق العبد وراجيه… وهو الحق وطالبيه… وهو الخلق ومتحققيه.
الإنسان… الله كل ما فيه، وليس هو كل ما في الله، هو من الله بعض معانيه، وآثار لذاته لمبانيه… هو لله في الله، والله له، وليس الله فيه… الله بنوره، وبروحه، وبسره، وبقدرته، وبصفاته، وبأسمائه، ممتد فيه، معلوم به، عند عالميه، بمعلوم إنسان له، عند إنسان فيه، عن طريق إنسان بينهما فيهما والكل فيه، مرسَلا إليه، ورسولا من مرسِل جماع أحد بإنسانية رشاد له فيه، خلق الإنسان لنفسه يصطفيه، وبه يسويه، عَلما على الأعلى يرتضيه.
هذا جوهر رسالة الفطرة، وشعارها بلا إله إلا الله شعارا تُعليه، وتدفع به إلى الله كل طالبيه، فيدخلون حصن لا إله إلا الله، خالصين لله فيه.
هذا ما قامه رسول الله، عَلَما فيه، وأقام أُمته به، أعلاما على من هو عَلم فيه، كلمات لله وأسماءً له، ووجوهَ وحقائقَ منه فيه.
فكان أُمة به، لأُمم خلت مما سواه، من قبلها، ليقوم بها منها أُمم من بعدها، تخلو من كل ما سواه، أُمة وسطا، خلت من قبلها أُمم، وتخلو من الغيرية من بعدها أُمم، هي في دوام الأُمة الوسط. هي الأُمة الوسط في قائم، وهي الأُمة الوسط في قديم، وهي الأُمة الوسط في قادم، أُمة تتحدد ببداية، وبنهاية، في دائم بدايتها رسول الله وأول العابدين، وفي دائم نهايتها رسول الله بمسيحه لحقه وإنسانه، وخاتم النبيين، تتجدد ببدايتها وبنهايتها في كل وقت وحين.
وهي بين بدايتها ونهايتها، قائم رسول الله، يقوم ويتقلب في الساجدين، إعلاما عن الأعلى، له ولها، وتعريفا عن الأبقى، عنه وعنها.
بذلك استقام شعار رسالته بلا إله إلا الله لمحمد رسول الله، قائم الإنسان. واستقام طريق أُمته بمحمد رسول الله للا إله إلا الله قائم العنوان.
لبى الله على عرفات نفسه، وعلى نجد مكانته، بعليّ وجوده، عند داني موجوده لحقي تواجده، هو ومَن تابعه على بصيرة من أمره، فلبى الأعلى طلب الأدنى برحمته، وقد لبى الأدنى نداء الأعلى باستقامته، فقال كلاهما، رفيق لرفيق… لبيك… لبيك… لبيك في وحدة الخلق بالخالق… الملك والعزة لك لبيك… والوجود والظهور لك لبيك، والبطون والتعالي لك لبيك، في وحدة المعارج لقائم المعراج، لآحاد العارج، في الصمد لا شريك له، ولا غير معه، لبيك.
فلبى الناس خلف من لبى نداء ربه.
عرفوه الحق لهم منه، وقائد ركب عوالمه إليه، معلوما عند عوالمه، بقائمه على كل نفس بما كسبت.
إن هذه الأُمة، وهي الأُمة الشهيدة على الأُمم، لا ينقطع لها تجدد، ولا يتوقف لها تعدد، لها دورة في الله، بدورة رسول الله فيه، قائم العبد والرب منه، ولا يصلح آخر هذه الأُمة إلا بما صلح به أولها.
بأولها… (اسـتدار الزمان على هيئته، كيوم خلق الله السـموات والأرض)[١]، وبآخرها، يستدير على ما استدار في أمر أولها على هيئته كيوم خلق الله السماوات والأرض، {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[٢]، كيف خُلقوا وإلى أي أمر ينتهي تطورهم بمعارج خلقهم لبعثهم بحقهم.
إن سفور الرسول في الناس في دورة، هو الساعة، وهو القيامة… وهو حدود الزمان… وهو تجديد المكان… وهو ملء فراغ الوجود بالإنسان، ملأ للفراغ في الكون بالحياة، ملأ للفراغ بالوجود… {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون}[٣].
إن الوجود المطلق على ما هو، قائم على ما هو، صمد على ما هو، بما هو، لا يعرف غيره، وفني عن غيره، ولا وجود لغيره، هو خالق الفطرة ولا فطرة له، هو قائم الحياة ولا بدء للحياة له، هو دائم الحياة ولا انقضاء للحياة له، هو مجدد الأشياء بالوجود في موجوده ولا فعل له، لا توقف لتعاليه بأشيائه ولا علو ولا دنو له… ينتشر بنفثات الحياة منه، في لا نهائي الوجود له ولا جديد عليه ولا حد ولا حصر له.
هذا أمره ولا أمر له… هذا شأنه ولا شأن له، وهو قائم الأمر لنا ولا أمر لنا به، ولا شأن لنا فيه، ولا سلطان لنا عليه. إنما الدين لنا، هو في أمرنا نحن، منا، وإلينا، مع سَبقنا، من آبائنا من أزلي الآباء لأمرنا، ولأمر أبنائنا لأبدي الأبناء لهم ولنا، لباقي الجنس، لخالده، مواصلة للحياة الأزلية لقائمنا للأبدية بنا.
إن الربوبية في الآباء، وإن العبودية في الأبناء، وإن الرسالة فيما بينهما لأُمهات[٤] الناس، من أُمهات الوجود بينهما، بعرس الإنسان بالوجود والتواجد بحقائق الحياة، من مجالي الوجود بظاهر وباطن، لقائم ودائم دنا الإنسان، في لانهائي دُناه بعثا بجمال الوجود، من روح الوجود للموجِد.
إذا قلنا ربَّنا، فإنما نعني أحدية الآباء، وإذا نطقناها عانين أحدية الآباء فإنا لا نشهدها إلا يوم نعنينا بها في قائمنا لأحدية الأبناء، قائم العبد وجماع العباد.
فإذا قلنا يا رسول الله… يا حبيب الله… يا خليل الله… يا جمال الله… يا اسم الله… يا وجه الله… يا جماع كلمات الله… فإنما نعني لنا عندنا، معنى الأُمومة المباركة في أحدية الأُمهات، بقائم أُمة في وحدة من القلوب، أو العروة الوثقى والأمر الوسط والأُمة الوسط.
فالنبي في حقيقته من تجلي الحق به، والنبي في تجلياته من قائم الحق له، والنبي في خلقيته لأولية الخلق منه، والنبي في آدميته فردا وزوجا وبيتا وجمعا، والنبي في بشريته ذاتا وروحا، بيوتا وجمعا، وأُمة وأُمما، بشرية وإنسانية، بظاهر وباطن، إنما هو قضايا الحياة، وقضايا الوجود، نعلمها عن طريق إنسان الله لمعناه، حقا وخلقا، بكوثره لا يبتر، رسالة لا تتعطل، بالأئمة والمعلمين والأرواح المرشدين.
إن الرسول لمعاني حقه، في أحدية حقيقته، إنما هو العَلَم على إنسان الوجود المطلق مسيحا له، قائما به، عَلَما عليه. وهو في معلومه لعَلمه، بهذا المعنى، ليس كأحدنا، وليس على صورتنا، ولا عِلم لنا به، لا مكانة، ولا سعة، ولا إحاطة لنا به، قياما أو إدراكا، أو عِلما، أو فعلا، أو كسبا، ولكنه وهو كافة للناس، بمعلومه وعَلمِه، نتواجد فيه، بمعلوم لنا عنا، علما عنه وعن الأعلى له، على مثال مما كان يوما، ومما عنه تخلى قوما، متابعين له دوما، إلى ما هو فيه اليوم كائن أو إلى ما إليه يكون.
فإذا قمنا فيه، بشيء مما كان فيه، عَلِمنا عنه بعلمنا عنا، وعلمنا عنا بعجزنا عن لحاقه، وعلمنا عن المطلق فيما عَلَّم هو، عجزا عن لحاق به عَبد الأعلى لمعنى ربه وقائم إلهه، فبعجزنا عن لحاقه هو، عَلمنا عمن عَلَّمه، وعمن عَلمه، فنحن والرسول ومعلومه فيه، وبعلمه عنه، نكون حقيقة لحقائق ثلاثة، يجمعها الحق الأعلى لنا في المطلق، لمعنى معبودنا ومعتقدنا، ولمعنى حقنا بموجودنا فيه. هذه هي أقانيم الإسلام وحقائقه، لقائم دين الفطرة، فالمسلمون لرسول الله، إسلاما لله لمعيتهم، أُمة من الناس لهم دينهم، وغيرهم أُمة من الناس لهم دينهم.
فإذا عرفنا أن الوجود أزلي أبدي سرمدي، كانت هذه الحقائق بوضعها فيه، وبقيامها به، أزلية أبدية، سرمدية كذلك.
وكان الجديد في الكون وفي الوجود، هو ما يَجِد لنا عندنا فينا من أمرنا، بكشف الأغطية لنا، ووضع الأوزار عنا، جديدا لا ينقطع، يلحق بقديم لم يبدأ.
ويتقادم جديدنا لحاقا بالقديم في تقادمه هو، قياما على جديد منه، من صنعه، يحيط به ويعلمه، ويأخذ بناصيته ويُعلَّمه، بغريزة ما فيه وبغريزة ما له، فكلما عَلَّم تَعلَّم، وكلما أعلم عَلِم وعُلم.
بذلك يتزايد الإنسان لا يتناقص، ويتعالى لا ينخفض، ويدور في نفسه دورة الوجود في نفسه، فيعلو بتدانيه، ويدنو بتعاليه، حول مركز وجوده، في دائرة تواجده، يتسع من مركزه، فينتشر في دائرته، ويتسع بدائرة إحاطته حول قبلة مركزه لصلاته لقائم بيت حقائقه، وينعكس ببصره من محيط دائرته، إلى نقطة ارتكازه، لمعنى قلبه لذاته بهيكله.
بذلك كان الإنسان، في قائمه على ما هو قائم، بين رأس وقلب، بين روح وعقل لنفس وذات. كان الإنسان على ما هو الإنسان، في قائمه الخلقي، تعبيرا حيا، وكلمة مكتوبة، مقروءة ناطقة مبينة على صفحات الوجود لقائم طبقاته ومعارجه لقائم عَلَم واسم الله، وكان الإنسان بخلقيته، عَلَما على الإنسان في حقيته، معلوما له بعلمه عنه، وبذلك صلح، ليكون معلوما عنده لقائمه بالحق يوم عَلِم نفسه، على ما هي في كنودها، فغيّرها عما هي إلى قائمها في سجودها، بتعرضه لنفحات الله، في قائم دهره، بكرات زمانه، بعصور تواجده، بين غيبه وشهادته.
وكان له ذلك يوم يمتد فيه نور الله، من حامل نوره، وقائم رسوله، فيقوم به، وقد غير ما كان فيه من كنوده، إلى ما جَدَّ عليه من سجوده، فأشرق بنور ربه في مشكاة صدره، انقشع عنها ما كان يغشاها من ظلام نفسه.
كانت نفسه من قبل ذلك دينها الكلام، فأصبح دينها من بعد ذلك نور القيام، نور السماوات والأرض. فبدأ الإنسان وجوده، بداية وجود، ليكون نواة لسماوات وأرض، في جديد تواجد، من قائم إرادته، إرادة لله، ومن قائم فعله فعلا لله، ومن قائم قدرته قدرة لله، ومن قائم وجوده وجودا لله. عرف كلام الله وقرأ كتاب نفسه. عرف الله قائما على كل نفس، يوم كشف نفسه بقائم الله عليها، {والله خلقكم وما تعملون}[٥]، {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}[٦].
عرف ربه في نفسه، يوم كشف عنه غطاءه، ونال من الله جزاءه، يوم أعلن لله ولاءه، فأعلن الله به بقاءه، ولبى نداءه، كما لبى دعاءه، فقال لبيك اللهم لبيك… وقال ربه لبيك عبدي لبيك.
(من جاءني مشيا جئته هرولة، ومن تقدم إليّ ذراعاً تقدمت إليه باعاً)[٧]، فتلاقى العبد وربه، في الرب وعبده، لقي العبد ربه في ربه، ولقى الرب عبده في عبده، فعرف العبد ربَه، أقرب إليه من حبل الوريد، ومعه أينما كان، فاطمأن لمعيته، وسعد بحقيقته، وتمام خلقيته، وتَوَفي وجوده، إلى عين موجِده، لقائم موجوده، وعرف الرب بعبده لمراده لنفسه في وحدانية العبد بربه.
فقال بقاله وحاله لقائمه ومثاله، لا إله إلا الله… وعرَفَه… ما عرفه إلا يوم كانه، وعرفه لقائمه له محمدا رسول الله، يقوم ويتقلب في الساجدين، قام فيه وقد امَّحَى هو عنه إليه، ظلا له قائم الحق له عرفه.
فأخذ كتابه، وأغلق قوائم حسابه، وعاد للناس، وكتابه بيمينه، مشهرا، هاؤمُ اقرأوا كتابي… ملبيا الناس، عند من لبوا به نداء ربه.
فما قال لعبد لبيك، لموصوف ربه، إلا إنسان لله، وما قال عبد لبيك، لقيوم ربه، إلا وهو في قائم رسول الله إنسانا، عَرف الحق من الله بإنسان رسول الله، لإنسان رسول الله في إنسان رسول الله، داعيا ومجيبا، مناديا وملبيا.
ويوم عرف ذلك لرسول الله، كسبه لنفسه فكسب الله، وعرف نفسه من الله وإلى الله فدخل حصن لا إله إلا الله، بشهادة لا إله إلا الله، حقا وصدقا، قائم وقيوم إنسان.
إن الأحداث، وإن الزمان، وأحداث الزمان، وأحداث الإنسان فيه، وحال الإنسان به، في عصركم، ترهص على ما سبق أن أرهصت، بعصر رسول الله. ما أشبه الليلة بالبارحة! لا جديد في الحق، ولا جديد تحت الشمس، ولكنها دورة آدم، ولكنها دورة الإنسان، ولكنها دورة الرسالة، ولكنها دورة الأكوان في كائنها، ودورة الموجودات في موجودها بموجدها.
ها نحن نرى فتيان الحديبية… ها نحن يعجم علينا فعل الرسول وحكمته، في ميثاق الحديبية، في هدنة الحديبية، في سلام الحديبية، مكرت قريش بالرسول، ومكر الرسول بها، في مكرها به، فاختلط الأمر على أصحابه… (أليس هو رسول الله يا أبا بكر)… (نعم هو رسول الله يا عمر)… إذن لِمَ نُعطى الدنية في ديننا؟![٨]
إنها إرادة الله يا عمر! وإنها حكمة رسول الله لا نحيط بعلمه، ولا بمعلومه! فلنصبر… فيضطرب الناس، ويتلكؤون فيما أُمروا به من الرسول، من نحر الهدي والتقصير، لتمام الحج في نظر الرسول، ويأسى الرسول لاضطرابهم، ويخشى الله عليهم، أن يمسخهم على مكانتهم في لمحتهم، فقد خالفوا أمر نبيهم… فينزل الله سكينته على قلبه بما صدر من أُم من أمهات المؤمنين في معيته، فيسكن، ويلبي إرشادها، ويخرج إلى الناس على وجهته… فتنتهي أزمة الناس في ساعتهم، وتنتهي مهمة الرسول، بظهوره بينهم لمعاني عبدٍ لربه.
وتسير الأيام، ويظهر فتيان الحديبية، شوكة في جسد قريش، وقذى في عينها ولعنة عليها في بيتها، وصوت الحق يدوي بهم في دورِها، فتضيق بهم ذرعا، فتخرجهم بعيدا، ولا ترى فيهم لها بهم وليدا، وتركب رأسها معهم، أُمًّا عنيدا، وتقوم عليهم، إذ تبعدهم عن مائها وطعامها بعيدا بعيدا.
وتنتهي بمحمد وصحبه وفتيتهم محنتهم، بنصرتهم في بدر، إذ وعدهم الله مبشرا إحدى الطائفتين أنها لهم، وما كانوا يريدون ذات الشوكة، ولكن الله أرادها لهم، فكانت وكانت ذات الشوكة خيرا لهم.
ها هي الحياة تدور بعصركم دورة… بَشَّر بها الرسول (لا يصلح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها)[٩]، فهل تتواصل الأيام؟ وهل يتجدد على الأرض السلام؟ وهل يظهر عليها الله الأعلام؟
إن ما نحن فيه اليوم من كلام، وما بيننا وبين خصومنا في هذه الأيام، يكشف عن طبيعة هذا الزمان، وسوف ينصر الله من ينصره، لينصره الله نصرا عزيزا مؤزرا… إن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، في دوام.
لبيك… لبيك… لبيك… العزة والملك لك لبيك…
لبيك… لبيك… لبيك… لا شريك لك لبيك…
لبيك… لبيك… لا وجود ولا موجود غيرك لبيك…
لبيك على عرفات أنفســـــــــــــــــــنا…
لبيك على أراضي قلوبنــــــــــــــــــــــا…
لبيك بعالي رؤوسنا وعقولنا، في نجادها، مستويةً على عروشها، من قلوبنا وأبداننا وأكبادها.
لا إله إلا أنت لبيــــك.
ها نحن اليوم في يوم لبيك، وفي عرفات لبيك، ولكننا نرى فتيان الحديبية، بعيدين عنا وقلوبنا معهم، ولا يسمح لنا أن ندخل إلى عرفات نفوسهم في نفوسنا. أُرينا أننا سنحج، وها نحن في رؤيانا نحج، ويعوقنا عن حجنا كهول الحديبية، فها نحن نحج بعزائمنا، ونحج بقلوبنا، ونحج بأرواحنا، ونحج بأفئدتنا، إلى عرفات أنفسنا بصدق نوايانا، فيتم لنا حجيجنا، ونتابع سنة رسول الله لنا، فنذبح هدينا ونقصر شعرنا عن امتدادنا به مع خيوط العنكبوت لنسيج رؤوسنا، فنذبح أنفسنا على مذبح الحياة، ونقطع بيننا وبين ظلامها، فنقصر امتداده، لبعض خيوط سواد رؤوسنا، بالرجوع إلى حقنا، في أنفسنا، وإلى ربنا معنا.
ها نحن نفعل، وها هو الزمان يستدير، وإنها لأيام، ويظهر على الأرض أمر السلام، ويتوقف إطفاء نور الله بالكلام، ويمتد روح الله، عبر الأسوار، يوم تسقط أسوار الهياكل عن لبابها، ويمتد نور الله في جلبابها، جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس، والشهر الحرام، والهدي والقلائد، كي يعلم الناس، في علمهم عنهم بإحاطتهم بهم، أن الله بكل شيء عليم.
لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، غُلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، غُلب أهل الكتاب في أدنى الأرض، وغلب أهل هذا الكتاب في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون.
وها هي بضع السنين قد انقضت، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، والآخرة خير لك من الأولى، وللآخرة خير وأبقى، وآخرة يومك غدك، ولسوف يعطيك ربك فترضى، (زويت لي الأرض، وتبلغ أُمتي ما زوي لي منها)[١٠]، (إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر، [ينتقم به ثم ينتقم منه]) [١١]، إن الغلبة لهذا الدين دائما وأبدا، (ما شاد هذا الدين مشاد إلا غلبه)[١٢]، فإن الغلبة لله، وإن الإرادة لله، وإن الحكمة لله، وإن النصر لرسول الله لا شريك لله في الله.
اللهم اكشف الغمة عن الأرض وعن أنفسنا، وعن هذا البلد وعن بلاد المسلمين، وعن الأرض جميعا.
اللهم يسر أمورنا، واغفر ذنوبنا، واحمل عاطلنا، ووفق مجاهدنا، وانشر عارفنا، واكشف أرواحنا، وامحُ عنا ظلام أشباحنا.
اللهم ولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بعدلك، أو بغضبتك.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
أضواء على الطريق
من هدي السيد الروح المرشد لدائرة الجمعية الإسلامية الروحية في الكويت:
(يا سادة… ها قد بينا لكم ما جئنا من أجله… إننا لم نأتكم معلمين، بل جئنا لنمشي سويا… كل منا يتعلم في الآخر… إخوة تحابوا فاجتمعوا على كلمة تحتضنهم في الطريق إلى الحقيقة. إنني أعتقد أن هذه هي الخطوة التي قد أتينا على نهايتها، في تعاليمنا الأولى، فإن صدقنا القول، وبدأنا في العمل فسنبقى مترابطين متحابين لنكمل الطريق سويا.
أحببت فيكم إخلاصكم، فأعطيتكم بقدر ما أعطيتموني وأضعافا، وكلما ازددتم زدتكم، والله من ورائنا جميعا بإحاطته. إن تجمعكم هذا لكبير جدا في الله، وإن بديتم اليوم أمرا غير ذي شأن بين الذين من حولكم من بني جلدتكم، إلا أنه سيكون لكم كل يوم شأن لو حافظتم على ما قلته لكم. وإنه لتبدو نفسي لي، بما أصبحت أرتقبه لكم صغيرة بينكم، بما أصبحتم عليه اليوم.
إن هذه اللحظات التي تقضونها وأنتم ساكنون في هدوء في هذا المكان، قاصدين التزود بزاد لروحكم مما هي في أمس الحاجة إليه دائما، والمعرفة التي تحصلون عليها، تؤهل روحكم لتتمكن من تسييركم حسبما تكسب من معرفة، فتراها تنطلق تدريجيا من عقالها وقيدها من الجهل الذي يحكم الغرائز فيها، أو ما جاء معها مما كسبته من سابق حيوات كثيرة متعاقبة، محجوبة عنكم، فبانطلاقها مما قيدها تشعر بالفرحة الكبرى للمعرفة التي حصلت عليها، وحررتها نسبيا من نير العبودية).
مصادر التوثيق والتحقيق
من الحديث الشريف: “إن الزمان قد اسـتدار كهيئته يوم خلق الله السـموات والأرض.” أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. ↩︎
سورة غافر - ٥٧ ↩︎
سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎
هذه الكلمة تم تصويبها وفقا للسياق. ↩︎
سورة الصافات - ٩٦ ↩︎
سورة الإسراء - ١٥ ↩︎
من الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”. أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة ↩︎
من حديث شريف يَومَ الحُدَيْبِيَةِ، حيث َجَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا علَى الحَقِّ وهُمْ علَى البَاطِلِ؟ فَقالَ: بَلَى. فَقالَ: أَليسَ قَتْلَانَا في الجَنَّةِ وقَتْلَاهُمْ في النَّارِ؟ قالَ: بَلَى، قالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا، أَنَرْجِعُ ولَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بيْنَنَا وبيْنَهُمْ؟ فَقالَ: يا ابْنَ الخَطَّابِ، إنِّي رَسولُ اللَّهِ، ولَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا…" صحيح البخاري. ↩︎
مقولة للإمام مالك. ↩︎
من حديث شريف: إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ… أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎
حديث شريف: “إن الله ليؤيد هذا الدِين بالرجل الفاجر.” أخرجه البخاري ومسلم… ↩︎
من حديث شريف: “إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ أحد إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ.” رواه البخاري. ↩︎