(٢)
محمدٌ لمحمدٍ بمحمد
عَلَم الإنسان وعِلمه
رسول الله وحقيته، كتاب الله وحكمته
صبغة الله وطلعته، عبد الله وفطرته
دورة الزمان ودهريته، دورة آدم بأبوته وبنوته، بذاته وروحيته
حديث الجمعة
٢٩ شعبان ١٣٨٧ هـ - ١ ديسمبر ١٩٦٧ م
أشهد أني في لا إله إلا الله، فاشهدوا معي أنكم في لا إله إلا الله… وأشهد أني في محمد رسول الله، فاشهدوا معي أنكم في محمد رسول الله.
أشهد أنه لا موجود بحق إلا الله، فاشهدوا معي أنه لا موجود بحق إلا الله.
أشهد أن الله لا شريك له مني ولا منكم، فاشهدوا معي أن الله لا شريك له منكم ولا مني.
اِشهدوا أنه أينما نولي فثَمّ وجهه، وكيفما نكون يقوم أمره، ويظهر سره بجهره، في قائمنا بأمره، منه النشأة، وإليه العودة، وله القيام والرعاية. الحي في حياتنا، والقيوم عليها، قائم الأحياء وقيومها، لا شريك له من شيء، ولا عزلة لشيء عنه، ولا عزلة له عن الأحياء به. قائم الحياة في مطلقها لمعناه بموجوده لوجوده بمبناه ومعناه.
سيد الوجود بناموسه وحكمته، وقائم الوجود بذاته، لظهوره وطلعته، وراعي الوجود بقدرته وإرادته، والمتواجد في دوام بوجود لتعاليه، لعين وجوده في إحاطته بمعانيه.
أبرز لنا إنسان حقه، ورسول أمره، وقديم سره على قائم جهره، إنسانا لإنسانيتنا، وإنسانا لإنساننا، أظهره على الدين كله، فظهر الدين كله، عنون البداية للإنسان، وقام النهاية للإنسان، وكشف عن الغاية للإنسان، وأبان عن الحكمة لمن أوجد الإنسان لنفسه، وأظهره ظهورا لأمره.
فقام بذاته، وقام ببيته، وقام بنسله، وقام بآله، وقام بصحبه، وقام بمتابعيه، وقام بمتابعيهم، وحدة جمعه وأحدية حقه، بذاته لذواته وروحه لروح قدسه لعاليه ودانيه، عَلَم الإنسان وعِلمه، وكتاب الله وحكمته، رسول الله وحقيقته لحقيته، عبد الله وفطرته، صبغة الله وطلعته، دورة الزمان ودهريته، دورة آدم لبدايته ونهايته، بأبوته وبنوته، بذاته لذواته في روحه وروحانيته.
وها هو بزمانكم، يدور مع الزمان دورته، في روحه وجلدته… وها هو في عصركم، يدور مع العصور تمامه ونشأتَه، يقوم بذواته لذاته، ببنوته وأبوته، بداياتها ونهاياتها. علمه ويعلمه في دائم شديد القوى، وهو بالأفق الأعلى، فيعلَم ويتعلم، ويعلَم ويعلِم، حتى صار في خاص أفقه لآفاقنا، أُفقا أعلى، عين من علَّمه فعلِم، وكلَّمه فتكلم.
كَلَّمَنا على ما كَلَّمَه، وألهمنا على ألهمه، ووصلنا على ما وصَله، وقامنا على ما قامه، فقمناه، ذاته وكتابه وكلامه… رحمته وصفحه، وعدله وحسامه… ارتبط بالكون فكانَه، وارتبط به الكون، فجدد نفسه وأوسع بالحياة دائرته ومكانه، وعدد عوالمه وأعلامه.
ها نحن نشهد في عصرنا انعكاسة زمانه، لتجديد مقامه وعنوانه، فتتفتح أذاننا مرة أخرى على سماع كلامه، لاستقبال أحواض رحمته وسلامه، بين محبته، وتقوى عزته وحسامه.
ها نحن على ما عرفنا بدرا وحنين ننتظر بدرا ونحن لحنين… ها نحن قمنا وشهدنا حنينا وننظر ونرقب بدرا… ها نحن على ما كنا، أعجبتنا كثرتنا، وزعمنا أننا لن نهزم من قلة، فلم تغنِ عنا الكثرة، وخرجنا من الهزيمة بالعبرة، فتُرى هل نستقبل بدرا؟ هل تتعدد بدر؟ هل ننتصر ونحن أذلة؟ هل نتغلب ونحن بأسلحتنا قلة؟ لعل شيئا من ذلك يكون، ولعل أمرا كائن على ما كان.
ها نحن، بآبائنا قطعهم الزمان، وقد فارقوا بينهم قائم العنوان، ورجعوا إلى حياة أنفسهم، في نقصها بشيئها، دون وجهها لأمرها على ما كان، إلى جاهلية وزمان، حتى انتهينا بهم، بأمرنا لأمرهم، إلى السفه والطغيان، فهل نستيقظ لأمرهم ولا نتابع خطوهم، ونعود إلى ما جاد به يوما قائم الوجود، لقائم الزمان، بالرحمة المهداة، وطريق الإحسان؟
هل آن لنا به أن نتجدد؟ هل آن لنا أنا بخلقه نتخلق؟ هل نعقل ونهيئ لعقولنا فرصة على نفوسنا لتسود؟ وهل نتهيأ لمتابعة ضمائرنا لتقود، ولأرواحنا وهي بالحكمة تجود، فتبدل نفوسنا ما بها من كنود، وإلى الإيمان واليقين تعود؟
الأيام بيننـــــا…
ها نحن نقرأ في آيات الله من حولنا، وفي آيات الله في أنفسنا، ها نحن نقرأ كلام الله، ونقوم ونشهد كتاب الله… ها هي الطبيعة تتحدث، وكم حدثتنا، فأخطأنا فهم الحديث… وها هي اليوم تحدثنا، فهل نحن مدركو هذا الحديث، أم أنا مخطئوه كما أخطأناه؟
إن ظاهرة فلكية ظهرت من قبل في ترتيل كواكب الوجود، رتلا لأهل الفلك مشهود، فقدرناه الأمر الموعود، ووهمنا القيامة للتواجد في الوجود، على رسم وهمناه، بوصفٍ رددناه فلم يتحقق لنظرنا شيء مما وهمناه بما رسمناه، لأنَّا لم ندرك الحديث، فلم نحسن التحدث.
وها هي الشمس في شهركم، بأمر تظهر، يردده لنا بيننا الناظرون في المجهر، من أهل الفلك ومن أهل العلم والنظر، فيشيرون إلى ظواهر شمسية في هذه الأيام موجودة، لأوان، في دورة لها معهودة، لا منكورة ولا مجحودة، فإلامَ تشير هذه الظواهر عن أمر الإنسان على كواكبه من أموره في الباطن والظاهر لحاضره وغائبه؟ والشمس تلعب في حياتنا على الأرض، وفي مجموعة كواكبها، دورا رئيسيا بالحياة وللحياة وأمورها على ما نعلم، وبما لا نعلم.
إن هذه الظواهر في الفلك، وهذا الذي نشهد في عصرنا من شذوذ في الأنفس، في مولدها، وعند موتها وبما لم نألف من أحوالها في قائم حياتها، في الإنسان وفي الحيوان، وما أصبحنا نعرف من أمر النبات، وسلالاته، وأطواره، وما أصبحت تمتد به أيدينا بالعلم والمعرفة في أمر أنفسنا، وفي أمر الحيوان، وفي أمر النبات، لا بل في أمر الطبيعة، والمادة، من حيث صلتنا بأبعاضها، واستعمالنا لذاتها، هي أمور تسترعي الانتباه، وتقتضينا التأمل والتفكير والارتداع، عما أصبحنا فيه من حال من الاضطراب وفقدان الأمن وفقدان السلام، بدائم الجزع والارتياع.
إن الله يرينا آياته في الآفاق، وفي أنفسنا، وفي الكون من حولنا، وفي الكائنات من دوننا، وفي الكائنات من فوقنا، وفي الكائنات معنا لكائننا، على اجتماعنا وفرقتنا، آيات باهرة، وحقائق ظاهرة، ونواميس قادرة، لنفوس في ضعفها، وفي أمرها كنودة فاجرة، كافرة متعثرة، طاغية بأمرها، فاقدة لرشدها، خاسرة في جهرها.
هي في خصام وكنود مع مصابيح الله لها، لشعلة نور الله تشرق بين الجوانح، في مشكاة الصدور، لأهل الحق بالبعث والحشر والنشور، رحمة مهداة للمؤمن بقائم الحق، وطالبيه، من أهل الصدق ومصدقيه، في أهل الأمر ومتابعيه، لأهل الله وقائميه، لأهل الرحمن وعابديه، لأهل الوجود ومجدديه، لسادة الكون وخالقيه…
لإنسانية الإنسان وموحديه، لأبناء آدم ومتحديه، لأوادم الله لقائميه، لأسماء الله بمتجليه، برسول الله وعارفيه، بنور الله ومستقبليه، بكتاب الله وناطقيه، بقلم قدرة الله وممسكيه ومعطيه، بسيف الله لغامديه ومشهريه، بماء الحياة لوارديه ومورديه، بالأمر الوسط وقائميه ومقيميه، بالحق لا يبتر ومكوثريه، بالحق لا يجحد ومظهريه، برحمة الله للإنسان، وجنته فيه، بجنان الله لمتابعيه، بعبد الله ومتجدديه، بلا إله إلا الله ورسول الله فيه، بالمؤمنين بالله ورسوله، قائم الحق وناشريه، بدين الله ومقوميه ومقيميه ومجدديه.
ولتكن منكم أُمة، بمحمد كانت، وبمحمد تكون، تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، بقائمها فيه، هو لها حق الله يقوم وترتضيه، وتنهى عن المنكر وتزدريه، وهو الشرك بالله بجسد تقتنيه، بالكنود معه معية مؤمنيه، فلا وجود لها عندها بعزلة عنه وعما فيه، ولا خير فيها لها إلا بمن عرفت وأحبت ترتضيه، يوم قامت الإنسان في الإنسان للإنسان في معانيه، لوحدة جمعه في مبانيه، لأحد قيامه لموصوف راعيه، إنسان وجودها، وحق موجودها فيها لها فيه.
هو عندها القيم على قِيمها، والشهيد على شهدائها، والمشهود من المطلق لها، ووجه الحَق لطلعته عندها، لوجه الحق بجماعها، في قائم جمعها، الله بوجه إحاطته أمامها ومن ورائها، والله بقيومه وقيامته القائم على قيامها، قائما على كل نفس في منامها، بما كسبت في أيامها، آخذا بناصيتها، هاديا أمرها، شاكرة وكافرة.
هاديها بكفرها، ومبتليها بإيمانها، حتى يعرف الله لها عندها، بقائم أمرها، بالنفس وعقلها، عند بيت الحق لقلبها، في هيكل الوجود لقالبها، كتاب الله لباب قيامها، وعبد الله جلدة قائمها، ونور الله طليق عقلها، ونار الله شعلة نفسها، وكعبة الله لها قلبها، ووجه الله لذاتها ووجهها، وقائم الله لأمره أمرها.
الله لها سرها وجهرها، الله بها عبدُها وربها، راعية مرعية، مرعية بمحيط لا يتناهى، راعية لمشروع خلق، لا ينقضي، ولا ينتهي، كلها الآدم البدء، وكلها الآدم الوليد، والأمر الجديد، سر الأب والابن وما بينهما من قائم الروح، وفي قائم اللطيف الخبير، بين قائم الذات والذات بالآباء والأُمهات للبدايات والنهايات.
الله… قيوم قائمها، وقبل بدء قيامها… الله، منها يقوم، بقائمها، لقائمه له من بعدها… الله لها قبلها وبعدها وقائمها وقيومها، أُمة وسطا وخير الأمم، أمرا وسطا وخير الأمور، حقا وسطا وخير الحقائق، كتابا وسطا وأُم الكتاب وأُم الكتب، حجابا وسطا وحجاب الحجب، رحمة لا نقمة، ولا جهالة.
لقد حجبنا رسول الله عن ربه، رحمة بنا، حتى نستكمل في حجابه نضجنا، كانت في حجابه نشأتنا، وفي قائم حجابه كمالنا ونهايتنا، حتى أنه من حجابه يخرجنا، لمعنى الوليد له، والجديد منه، وإلى ربه يقودنا، ويسوقنا، ويقدمنا، فخورا بنا، أو مسترحما لنا، مُعلِما لنا، أو مُعلِما بِنا، ظاهرا لنا، أو ظاهرا فينا، أو ظاهرا بنا، {إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}[١].
أخذنا من كل أُمة في قائم البشرية على الأرض بشهيد، وجئنا بك في حاضر اجتماعهم لبشريتهم، لقائم بشريتك، شهيدا على الشهداء، شهداء على الناس.
وجئنا عبر الزمان، وعبر الطبقات والأجرام والمكان، من كل أُمة بشهيد، ثم جئنا بك على هؤلاء شهيدا، فكنت عَلَم الإنسان بحقه، قديما وقائما وجديدا…
مُعلِّم الوجود، يد الله بالجود، أحواض رحمته لكل موجود، سر شفاعته بهديه بالحياة لكل مسعود، أمر بالصفح الجميل، وقام معنا وعلينا بالصبر الجميل، أمر أن يظهر للناس الدليل، وهو المدلول إليه، بالحق له، والنور أُنزل معه… أمر أن يظهر عبدا حقية العبد، وأن يقوم وراء حجاب عبوديته ربا، قدرة ورحمة وعزة الرب، وأن يغيب عن الناس، عليها متعاليا، رسول الإله، وهيكل اللا إله إلا الله، اسم الله وأسماء الله.
كل من تابعه آله، وفي المطلق إله، وفي قائمه بالحق عبد، وفي ظاهره للحق عابد، وبجنته وجود، وبمداناته عالَم، وبرسالته عوالم، فكان في الله، لمطلقه وجه، كان في الله الذي عَرفَه، كان لله الذي قامه واتصفه، كان الكلام، وكان المتكلم، وكان المكلم. كان العلم، وكان العالم، وكان المعلم، كما كان المــُتعلم، لا ينقضي في الله تَعليمه، ولا يتوقف إليه من الله جديد عِلمه.
هذا الذي ذكرنا رسول الله، وما استقبلناه، وما فتحنا قلوبنا لحقه، ولا صدورنا لنوره، ولا نفوسنا لشعلته، ولا هياكلنا لملكيته.
جانبناه، وبشرا وصفناه، وهل كان الله، يوم ظهر للبشر إلا بشرا؟ وهل كان الله يوم ظهر للإنسان إلا إنسانا؟ وهل كان الله يوم ظهر للوجود إلا وجودا؟ وهل كان الله، يوم ظهر للكون إلا كونا؟ إن الله لا يعرف لعارف به، كائنا ما كان، إلا في قائم وحدانيته بإدراكه لعين معناه في قائمه العارف بقيومه.
ولا ينتفع برسالته ولن ينتفع بها في دائم رسله لدائم رسالته إلا بتوحيده، بوحدانية الرسول مع المرسل إليه، لقائم وحدانية الرسول مع مرسله، في وحدانية الله في مطلقه، تدرك للرسول والمرسِل والمرسَل إليه، في الوجود الجامع لهم، لعالم الرشاد والراشدين، حيث قام المرسِل والرسول والمرسَل إليه.
إني جاعل في الأرض خليفة، هو العروة الوثقى، لا انفصام لها، هو الحلقة بين حلقتين، والعروة بين عروتين، هو الآدم بين الآدمين، هو الأب بين الأبوين، وهو الابن بين الولدين، هو الوجود بين الوجودين، هو الإنسان بين الإنسانين.
عَرَف الإنسان الله يوم عرف الإنسان قبله، وعرف الإنسان فيه، وعرف الإنسان بعده، في قائم الله، لا بدء للإنسانية فيه بآباء وأجداد، ولا انقضاء للإنسانية فيه بجديد، ووليد من أبناء، ولا توقف للإنسانية فيه، بمرتقى في مراقيه، إلى قديم الآباء، ولا غيبة للإنسانية فيه، بقيومها على القائم بالإنسان لها بالأبناء، لقائم الإنسان معها لها بالآباء قائم الأبوة للأبناء.
هذا هو دين الفطرة… وهذه هي رسالة الرسول… وهذا هو الحق… وهكذا كان الخلق، في قائم الحق، لا جديد فيه، ولا جديد له.
ها أنتم في عصركم هذا، وفي أيامكم هذه، تشهدون من آيات الله في الآفاق وفي أنفسكم عجبا، تشهدون ما تدعونه جديدا، وهو في قديم مجهول كان، تشهدون ما ترونه وليدا موقوتا، وهو في دائم يبقى، ويتوالد.
تشهدون آيات الله في الآفاق وفي أنفسكم، ولكن كبرياءكم، وكنودكم مع الله، يحجب الحق عنكم، ويحول بين إدراككم لكم، إذ أنكم تظنون بجهلكم وغفلتكم، ودون وعي منكم عنكم، أن الله بوجوده، وبكائناته، وبعوالمه، في متابعتكم وتحت أمركم، وتجهلون أو تتجاهلون، كبرياءً منكم، إنكم في متابعة، ومحلا لآثار وفعل كائناته، ولستم في كرتكم من تراب الأرض إلا أجهزة بيد قدرته لاستعمال آياته.
إنكم إذا ظهر لكم في الكون فلكا يترتل بكواكبه ظننتموكم فاعليه، في رتله، أنتم مرتلوه، وإنه قام متابعا لأمر قام بينكم تقدروه، وإلى أنفسكم تنسبوه، وهو إشارة إليكم، ولأمثالكم من العوالم من أن ترتيلا لكم قد يقوم بينكم، وإنه على مثال من هذا يجب أن يترتل جمعكم وجماعتكم.
إذا رأيتم الشمس تتحدث، ظننتم أن فعلا صدر منكم بها أحدث ما حدث، وما قدرتم أن هذا الذي هو فيها حادث، إنما هو أمر لأمر بينكم يحدث… إنما هو علم، لعلم بينكم يُعلم.
كسفت الشمس يوم مات إبراهيم، كلمة الحق، صدرت من الحق، برسول الحق، جديد كلمة، لقائم كلمة، في قديم كلمة، فقال الناس: “كُسفت الشمس لموت إبراهيم”، فقال الرسول، (إن الشمس والقمر، آيتان من آيات الله، لا يكسفان لموت إنسان)[٢].
ولو قَبِل من قومه أو سكت عليهم فيما قالوا، لكان مثلهم في جهلهم، ولما عنون عندنا علما، بل كان مُجسما لجهل وهو مجسم الحق والعلم، ولكن الله أظهره على الدين كله، وأدبه فأحسن تأديبه، وعَلَّمه، فعلم، وبما عَلِم عَلَّم وتكلم، وامتد بعلمه في الناس، فعلَّم وعلِم، وكلَّم وكُلِم، مواصلا كلامه، في مواصلة دوامه، بدائم أعلامه.
فما كان الرسول بحقه، أو الحق برسوله أبترا، بل قام في السماوات والأرض أُمة وكوثرا، عَلما وحقيقة وعِلما وخبرا. ولو أنهم قالوا “لقد حدد الله لموت إبراهيم يوم الكسوف، ليكون لنا بإبراهيم أمرا معروفا”، لوافقهم الرسول. لكل أجل كتاب، وعنده أُم الكتاب، يمحو ما يشاء ويثبت.
لقد كان في تجربتي الخاصة أمر من هذا القبيل، بوليد لي، لا أدري هل هو وليدي وجديدي أم أنا كنت له وليده وجديده، قد كان في الله مشهودي، ولعلي كنته بموجودي.
هذا الطفل وُلِد عند أذان الفجر تماما، ويوم انتقل، بعد أربعة عشر شهرا، كانت بارقة حياة عندي، فقد كان له في حياتي وشأن الطريق معي أمرا يطول بيانه، ولم يأتِ أوانه… انتقل عند أذان المغرب تماما. فهل أستطيع أن أقول إن أذان المغرب تابع غيبته، أو أن أذان الفجر وافق ولادته؟ لا… لأن أذان الفجر وأذان المغرب يتعاقبان، ويتواجدان، في ناموس الفطرة، بيد القدرة، أمور لا تختل، وميزانها لا يعتل. ولكن الإنسان في الوجود، وهو مملوك الله، بنشأته وغيبته، الله قادر بحكمته، أن يحدد موعد ولادته أو انتقاله وميتته، يستطيع أن يقدمه وأن يؤخره، فإن حدده للمولد مع أذان الفجر، فقد عبَّر به عن أذان الفجر ومعناه، سلام هي حتى مطلع الفجر، وفي أمر الغيبة عن هذه الدار فلكل أجل كتاب، ويمحو الله ما يشاء ويثبت، وشاء الممسك بالقلم أن يكتب موعد غيبته، قرين الغروب، مع غيبة الشمس، تعبيرا عن أمر، وعن سر بجهر، مشيرا لي أن هذا الوليد مثلا كان مثله في مولده مثل مولد شمس وغيبتها فهو بداية يوم، وطلعة فجر، وحديث بِقَال في مهد بحال. هذا تعبير المولد والغيبة، عَبَر به لأمور أخرى، لقائم معنى بمولد شافع، لأمر نافع.
فقد كان حمله شاذا، وكان أمر أُمه قبل مولده شاذا، وكان له في آيات الطريق قبل مجيئه وضعا. وجاءها المخاض به بحالة شاذة، لم تسبق في سبع مرات لولادة لها من قبله. كان أول إشعار لها بمقدمه، أن انفجر من بطنها نور أشرق به المكان عقب صَلاتها لفريضة العشاء، ولَم تدرِ أن هذا له علاقَة، بأنها تتهيأ للوضع.
ثم بدأت أمور الوضع تأخذ مجراها، على صورة شاذة منتظمة، حتى لا تفاجأ بمولده، قبل أن تأتي الطبيبة المولدة، كما صرخ عند مولده، صرخة كل طفل، فسمعتها في أذني لفظ الجلالة.
وقبل موته بأيام ثلاث على ما أذكر، كان أخوته يلعبون، وكانوا وقتئذ إذا لعبوا يقومون في حضرة يعتبرونها لعبتهم، وهذه هي لعبتهم المفضلة، فيحاكون ما كانوا يشهدونه من حضراتٍ تقام في الدار، كانوا يشاركون فيها أحيانا، فيرددون بعض الأناشيد في صورة جميلة لا بأس بها، فإذا بهذا السيد الصغير السن، الكبير المقام يلتفت إليهم، ويمسك بالحضرة كما يمسكها إمام مستوفي الرجولة ومستوفي الحركة والهمة، وينطق باسم الصدر، بالنهضة الطويلة، على أكمل ما يكون النطق، ويبدو اللفظ بوضوح مدرك نابعا من قلبه، أعمق ما يصدر اللفظ وهو لم يحسن النطق أو الكلام بعد فأمسكت به حتى لا يسقط على الأرض، وقلت له ما شأنك واسم الصدر يا بني… أخشى أن يحرقك، كلمة صدرت مني لم أدرِ مداها، ولا صدقها، ولكنها تحققت، بمعناها.
ففي اليوم الثالث، عاد مع مربيته من الخارج، مرتفع درجة الحرارة، فاستحضرنا له الطبيب، فعالج أمره ثلاثة أيام، وفي الليلة الثالثة وأنا أحمله، أعاد حركة الذكر باسم الصدر، بصورة أعنف، وبترديد متواصل، وأنا أحتضنه في حجري، فهدأته حتى هدأ، وفي اليوم التالي، اشتد به المرض قليلا من الليل ممتدا للنهار، وقبيل المغرب ذهب عنه كل مرض، وبدا سليما معافا، فعجبت لأمره، فإذا به عند المغرب يتلوّن وجهه ويأخذ صورة جمالية أو صورة محمدية كما يسميها رجال القوم، لموصوف صورة جماله عليه الصلوات لجمال كماله، فصارت شفتاه قرمزيتين، وخداه متوردين، وعيناه متألقتين، وبشرته مشرقة بالنور، بادي الصحة والسلامة.
فبهرت بالنظر إليه، فإذا أذان المغرب… وإذا بالوجه الجمالي المحمدي يبتسم ابتسامة رقيقة جميلة، وإذا بآخر نفس ينطلق، وإذا الوجه بالابتسامة يصطبغ… فلم أشعر بعدها وأنا لا أبعد عيني عن النظر إليه بأي أثر للحزن عندي بل انقلب الحزن إلى سرور عميق في أعماق نفسي، وحمدت الله أن يكون ذلك، وتمنيت أن يكون ذلك لأخوته، وأنه لو قُدِّر لهم ما رأيت له ما بكيت، وما تألمت، فأراد من في الدار أن يبكوا فدعوتهم للنظر إلى وجهه، كيف هو يبتسم وأنتم تبكون؟ إنه مسرور فرح برحلته، فلا تعكروا عليه صفوه.
واستودعته الله، فأبدلني الله به ثلاثا من فضله، وجعل فيهم خيرا، وأودع فيهم سرا، وأبرز كبيرهم عبدًا لله جهرًا، فآتاه من لدنه رحمة، وعلمه من لدنه علما، ومد له الحياة، وجعله صبيا شيخا، هدى الله قلبه بروحه، وأنار الله عقله، وأشعل نفسه برسوله يصطفيه لنفسه ويظهره لوجهه وعينه، فحمدت الله، ورضيت بقضاء الله فيما قضاه، وسعدت بأمر الله بما أسداه.
وما ذكرت ذلك إلا في صدد ما نحن فيه، من عبث في القول، عن أمر القيامة والحشر، ونهاية الزمان والعصر، وبدء الزمان في دورة الدهر، وخلقة المكان بالإرادة والأمر، وخلقية وحقية الإنسان في السر والجهر، نجادل في الله بالبهتان وبغير عِلم لأننا بعيدين عن العنوان في الرسول والأهل، لأننا باعدنا عنا بيننا القدوة والمثال، ورفضنا بين يديه الانصباغ والسماع والانصياغ للعقل والحال، قلوناه ما ذكرناه، وجفوناه ما قدسناه، وما إلى ربه أضفناه، وبه ألصقناه، فعرفناه به لنا ظهر، عَلما ووجها وجلية العلم والخبر، فكان به لنا عندنا الخبير والمظهر… الحقيقة والأثر، الخليفة والأكبر، الكون والمخبر، من الأكبر له والأصغر.
ليس لنا من الله برسالته الدائمة المتواصلة إلا الفهم في رسول الله، عبدا وحقا وإنسانا لله، وليس لنا عند الله، إلا رسول الله والأعلى لعين معناه باسم مولاه، فبرحمته، وبقيادته، وبأمره، وبحقيته، وبخلقيته، هو لنا يوم نكون له، ونكون له يوم نجعلنا بعقائدنا ومسلكنا، وجَدنا لله، ومعاملتنا مع الله.
إنه خلقيتنا يوم نرتضيه لها في خلقيته، وإنه حقيتنا يوم نرتضيه لها بحقيته، إنه ربوبيتنا يوم نرتضيه لها بربوبيته، إنه عبوديتنا يوم نرتضيه لها بعبوديته، وإنه قدسيتنا وألوهيتنا لنا، يوم نرتضيه قدوتنا، في قدسيته وألوهيته، في منزه الله ومطلقه.
إنه العبودية له، فيه، وهي أرقى عنده من الربوبية له فيه. فإن الربوبية له فيه، إنما هي بإضافة الخلق إليه لقيام أمته… وإن العبودية له فيه، إنما هي بإضافته إلى ربه لبعثه بحقيته، وهو حريص على أن يكون إلى ربه مضافا، قبل أن تكون الكائنات والكون إليه مضافا. (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين)[٣].
هكذا قال، وهكذا يجب أن نقول… وقبل أن أختم حديثي، وقد ذكرت أبي الصغير وولدي الكبير، لا يفوتني أن أشير إلى ما تلقيناه منه من وصف دقيق للانتقال وما بعده في عدة جلسات روحية، أفدنا منها وعرفنا عنها الكثير، وهو ما سنقدمه يوما للانتفاع به عند لزومه وفي الوقت المناسب.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
اللهم برسول الله ابعث قيامنا فيه، بقائمنا له، جديدا منه لقديمه به.
اللهم برسول الله، فتولنا في الصغير والكبير من أمرنا وشأننا.
اللهم برسول الله، فادفع عنا البلاء والابتلاء وخيبة الرجاء.
اللهم برسول الله، فاكشف الغمة عن الأرض، وعن هذا البلد.
اللهم برسول الله، فادفع عنا شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من خلقك.
اللهم برسول الله، وبرحمتك معه فابعثنا، وبحقك به فأقمنا، وبنورك له فانشرنا، وبكلمة الله عليه لكلمة الله له، لكلمة الله علينا، لكلمة الله بنا، بين كلمات الله فيه، فأَعلنا، ولكلمات الله للناس فيهم جددنا، وجدد بنا، حتى تعم كلمات الله، في الناس كلمة لله، واجعل بها منا رحمة، ولا تجعل بهم منا نقمة، وولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شرارنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أضواء على الطريق
من هدي السيد المرشد الرائد في دائرة الكويت للجمعية الإسلامية الروحية ووساطة السيد/ محمود الحوراني قوله:
(لقد جثا البارحة عند ركبتي أخ حَضَر بينكم وهو ينظر إليَّ نظرة إكبار… فضاق صدري بما فعل فقلت له: الله أكبر مني ومنك، وما أنا إلا عبد فقير في الله يا أخي ولا أملك هذا الذي أقول. إن الأكبر مني هو الذي يعلمني ويعلمك، فأرجو أن لا تجثو عند ركبتي، بل اُجث دائما عند ركبتيك أنت يا أخي تنشد الأكبر فيك. لا فرق بين عبد ورب فما كان العبد والرب يوما إلا معاني وأوصاف للإنسان، أما الله فبإحاطته من وراء كل شيء، فما كان له أن يوصف بهذه الأوصاف أو يسمى بهذه الأسماء، لقد تعالى فوقها كلها، فاحمدوا الله واشكروه، احمدوه واطلبوه دوما، اطلبوه على أنه الأكبر مهما سموتم في الطريق إليه).
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة النساء - ٤١ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: " إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ يُخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه وإنَّهُما لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه فإذا رأيتم كسوفَ أحدِهما فصلُّوا حتى ينجلي." صحيح البخاري. ↩︎
من الحديث الشريف: " اللَّهمَّ أَحيِني مِسكينًا، وأَمِتْني مِسكينًا، واحشُرني في زُمرةِ المساكينِ يومَ القيامَةِ، فقالَت عائِشةُ: لِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: إنَّهم يَدخُلون الجنَّةَ قبلَ أغنيائِهم بأربعين خريفًا، يا عَائشةُ، لا ترُدِّي المِسكينَ ولو بشِقِّ تَمرةٍ، يا عائشةُ، أحِبِّي المساكينَ، وقَرِّبيهم؛ فإنَّ اللهَ يقرِّبُكِ يومَ القيامَةِ." صحيح الترمذي. ↩︎