(١)

عند قدمي الإمام
بقلم الكيون (ج. كرشنا مورتي)
سنة ١٩١٠

كتيب

إلى الطارقين…

اهدني من الوهم إلى الحقيقة‍!

اهدني من الظلام إلى النـــور‍!

اهدني من الموت إلى الخــــلود!

مقدمــة

ليست هذه بكلماتي، وإنما هي كلمات الإمام الذي علمني… فبدونه لم أكن لأستطيع شيئا، ولكني بمعونته وضعت قدمي في الطريق. وإنك لترغب كذلك في دخول الطريق عينه، وإذَن… فالكلمات التي قالها لي ستعينك أنت أيضا، إذا قمت بطاعتها. ليس يكفي أن تقول إنها كلمات حقة وجميلة، بل من أراد النجاح يجب أن يعمَل بهذه الأقوال، في دقة وإحكام… وليس يُشبع المشرف على الهلاك من الجوع أن ينظر إلى الطعام، ويقول إنه طعام طيب، بل يجب أن يمد يده ويأكل. كذلك ليس يكفي أن تسمع كلام الإمام، بل يجب أن تعمل بما يقول، فتلقي بالك لكل كلمة، وتنتبه لكل إشارة… ذلك لأنه إذا عدتك إشارة، أو فاتتك كلمة، فقد ضاعت إلى الأبد، إذ ما كان للإمام أن يتكلم مرتين.

لدخول الطريق أربع مؤهلات:

١. حسن التمييز

٢. الزهادة

٣. حسن السلوك

٤. الحب

أول هذه المؤهلات:

١. حسن التمييز

ويراد به في العادة حسن التمييز بين الحقيقة والوهم، وبه يهتدي الناس إلى دخول الطريق، وإنه لكذلك، ولكنه أيضا يزيد على ذلك بكثير، وبه يجب العمل، لا عند بداية الطريق فحسب، بل في كل خطوة منه، كل يوم، حتى النهاية.

وإنما تدخل الطريق لأنك علمت أن فيه، دون سواه، يمكن أن توجد تلك الأشياء التي يجدر إحرازها… فأما الذين لا يعلمون فيَسعون لإحراز الثروة والسلطان، بيد أن هذين لا يدومان إلا مدى حياة واحدة على الأكثر… وإذن فَهُما وهم زائل، وثمة أشياء هي أعظم منهما… أشياء هي حقائق باقية، فإذا رأيتها مرة لم تَعد بَعدَ ذلك ترغب فيما عداها.

ليس في العالم كله سوى صنفين من الناس ــــــــــ من يعرفون ومن لا يعرفون… وإنما الأمر الهام هو هذه المعرفة… فأما الدين الذي يعتقده المرء، والجنس الذي ينتسب إليه، فأمران لا خطر لهما، إنما الشيء الخطير حقا هو هذه المعرفة… معرفة مراد الله بالناس، لأن لله مرادا، وهذا المراد هو التطور والارتقاء… فإذا أبصر المرء ذلك، وعرفه حق معرفته، فلن يسعه سوى العمل له والاندماج فيه، لأنه أمر مجيد وجميل. ولكونه يعلم، فهو ينحاز إلى جانب الله، يناصر الخير، ويناهض الشر، يعمل للتطور والارتقاء، ولا يعمل مدفوعا بالأنانية…

فإذا انحاز إلى جانب الله فهو مِنَّا، وليس يهم البتَّة أيسمي نفسه هندوسيا أم بوذيا أم مسيحيا أم مسلما، وهل هو هندي أو إنجليزي أو صيني أو روسي. ومن كانوا إلى جانب الله، فهم يعلمون علة وجودهم في هذه الدنيا، وماذا ينبغي أن يفعلوا، ثم يعالجون فعله، أما من عداهم فلا يعلمون حتى الآن ماذا ينبغي أن يفعلوا. ولذلك فكثيرا ما يعملون عن جهالة، ويحاولون أن يبتكروا لأنفسهم طرائق، يحسبون فيها سرورا لأنفسهم، غير مدركين وحدانية الخلق جميعا، وأن ما يريده (الواحد) هو إذًا دون سواه الذي يمكن حقا أن يَسُرّ أي إنسان. أولئك يتبعون الوهم، ولا يتبعون الحقيقة، ولَن ينحازوا إلى جانب الله، حتى يعرفوا كيف يفرقون بين الأمرين، إذن فهذا التمييز هو الخطوة الأولى.

بل حتى بعد أن يتم لك الاختيار، يجب أن تذكر أن من الحقيقة والوهم ضروبا كثيرة، وأنه يجب التمييز بين الخير والشر، وبين الخطير والتافه، وبين النافع وغير النافع، وبين الحق والباطل، وبين الأَثِر، (الأناني) وغير الأثر.

ولا ينبغي أن يصعب اختيارك بين الخير والشر، إذ من رغب في اتباع الإمام، فقد عَقد النية على الأخذ بالخير مهما كلَّفه. فإذا رغب جسمك في شيء، فتَمَهّل رويدا، واعمل فكرك، هل ترغب فيه حقا، لأنك (أنت) الله، وإنما تريد ما يريده الله، لكن عليك أن تتغلغل في أعماق نفسك، لتهتدي إلى الله في طواياك، فتلقي السمع إلى صوته الذي هو صوتك أنت، ولا تخطيء فتحسب أن أجسامك هي ذاتك، سواء في ذلك الجسم الكثيف والكوكبي والعقلي، وسيزعم كل من هذه الأجسام أنه هو الذات، لكي ينال ما يهوى، لكن عليك أن تعرفها جميعا، وأن تعرف أن ذاتك مُهيمنة عليها.

كلما وجب أداء عمل جَنَح الجسم الكثيف إلى الراحة، أو إلى المشي طلبا للنزهة، أو إلى الطعام والشراب، فيقول لنفسه من لا يعرف… (أود أن أفعل هذه الأشياء ويجب أن أفعلها)… فأما العارف فيقول… (إن هذا الذي يود هذه الأشياء ليس ذاتي، فيجب أن ينتظر قليلا)… وإذا حانت فرصة لمعونة إنسان، فكثيرا ما يشعر الجسم هذا الشعور (ما أكثر العناء الذي سأحتمله في هذا السبيل، ألا فليؤد هذه المعونة شخص سواي)، لكن المرء يجيب جسمه قائلا (إنك لن تصرفني عن العمل الصالح).

إنما البدن مطيتك - نعم هو جوادك الذي تمتطيه… وإذن فعليك أن تحسن معاملته، وأن تحسن العناية به، فلا ينبغي أن تجهده، ويجب أن تحسن تغذيته بالنقي من الطعام والشراب ليس غَير، وأن تتعهده بالنظافة التامة أبدا، حتى من أدق ذرة من الوسخ… فإنه ما لم يكن الجسم غاية في النظافة والصحة، فلن تستطيع القيام بالعمل الجهيد الذي تقتضيه الرياضة الإعدادية، ولن تقدر على احتمال العمل الذي لا ينقطع… لكن يجب أن تكون أنت الذي تسيطر على الجسم، ولا يكون هو الذي يسيطر عليك.

وللجسم الكوكبي رغباته - بل له عشرات منها، فهو يريدك على أن تغضب وأن تلفظ بكلمات حادة، وأن تستشعر الحسد، وأن تكون طموعا في المال - وأن تحقد على من سواك لِما يملكون، وأن تسلم قيادك للكآبة… نعم يريدك على كل هذه الأمور، وعلى كثير سواها، لا لأنه يريد إيذاءك، بل لأنه يشتهي الذباذب العنيفة، ويلذ له أن يجددها تجديدا مستمرا… لكنك أنت لا ترغب في شيء من ذلك، وإذًا يجب أن تميز بين رغائبك، ورغائب جسمك.

فأما جسمك العقلي، فيود أن يحسب نفسه منفصلا عما حوله، زهوا وخيلاء، وأن يحفل بنفسه كثيرا، ولا يحفل بمن سواه إلا قليلا… بل حتى إذا صرفته عن أمور الدنيا، فإنه لا يزال يدأب في التدبير لصالح نفسه، وفي توجيه فكرك إلى رقيك الشخصي، بدلا من التفكير في العمل الذي يريده الإمام، وبدلا من التوافر على معونة من سواك… وإذا أقبلت على الذكر، فإنه يحاول أن يصرف بالك إلى مختلف الأشياء الكثيرة التي يرغب هو فيها، بدلا من الشيء الفذ الذي ترغب أنت فيه… ألا إنك لست أنت هذا العقل، بل هو ملك لك تسخره لخدمتك، وإذن فيجب التمييز هنا. أيضا يجب أن تراقب في غير انقطاع، وإلا منيت بالإخفاق.

العِلم الباطن لا يعرف هوادة في التفريق بين الخير والشر، فما كان خيرا وجب عليك أن تفعله، مهما كلفك ذلك في ظاهر الأمر، وما كان شرا وجب عليك أن تتجنبه، مهما ظن الجاهلون، ومهما قالوا، وعليك أن تمعن في تفهم القوانين الخفية، التي تجري عليها الطبيعة، فإذا عرفتها فلتنظم حياتك وفقا لها، معملا رويتك وبديهتك أبدا.

ويجب أن تميز بين الخطير والتافه… فإذا تعلق الأمر بالخير والشر، فليكن ثباتك ثبات الصخور… أما إذا تعلق الأمر بشئون غير ذات بال، فلتتجاوز فيها أبدا لمن سواك… إذ يجب أبدا أن تكون رفيقا رقيقا، وأن تكون رشيدا واسع الصدر، فتدع لغيرك من الحرية الكاملة، مثلما تطلبه لنفسك.

عليك أن تحاول الاهتداء إلى ما يجدر عمله… وتذكر أنه لا ينبغي لك أن تحكم على الأشياء بأحجامها… فإن الشيء الصغير إذا كان قريب النفع، فيما يريده الإمام من عمل، كان أفضل بكثير وأجدر بالأداء، من الشيء الكبير، وإن قال العالم أنه حسن… ولا ينبغي أن تميز بين النافع وغير النافع فحسب، بل يجب أن تميز كذلك بين أكثر الشيئين وأقلهما نفعا… فإطعام الفقراء عمل صالح ونبيل ونافع، بيد أن تغذية أرواحهم أعظم نبلا، وأكثر نفعا من تغذية أجسامهم.

وفي وسع أي غني أن يطعم الجسم، وإنما العارفون دون سواهم، يستطيعون تغذية الروح… فإذا كنت من العارفين، كان واجبك أن تُعين غيرك على المعرفة.

ومهما تكن بَلَغت من الحكمة فما زال أمامك في هذا الطريق، كثير يجب أن تتعلمه… نعم كثير بحيث يجب حسن التمييز، ها هنا أيضا، فتحكم التفكير فيما يجدر بك أن تتعلمه. إن العلم نافع كله، وستحرز العلم كله يوما ما، لكن ما دمت لا تحيط إلا بجزء، فلتحرص على أن يكون أنفع الأجزاء. إن الله هو الحكمة، كما أنه هو الحب، وكلما ازددت حكمة، ازداد ما يتجلى فيك من الله… وإذن فعليك أن تتعلم، ولكن تعلم أولا ما يكون فيه أكبر عون لك على معونة غيرك… ولتكن أبدا دؤوبا على طلب العلم، لا ليحسبك الناس حكيما، كلا ولا لتحظى بسعادة الحكماء، ولكن لأن الرجل الحكيم هو الذي يستطيع، دون سواه، أن يُعِينَ غيره معونة حكيمة… إذ مهما اشتدت رغبتك في إسداء المعونة، وكنت جاهلا، فقد تُسِبب من الأذى أكثر مما تأتي من الخير.

ويجب أن تميز بين الحق والباطل… يجب أن تعرف كيف تكون أنت حقا بأكملك… حقا بالفكر وباللفظ وبالعمل.

بالفكر أولا… وليس هذا سهلا، إذ في الدنيا أفكار كثيرة غير حقة، وخرافَات كثيرة حمقاء… وليس في وسع أحد أن يرتقي ما دام لها عبدا… وإذن لا ينبغي لك أن تأخذ بفكرة، لمجرد أن كثيرا من الناس يأخذ بها، أو لمجرد أن الناس آمنوا بها قرونا، أو لمجرد أنها مكتوبة في كتاب يَحسب الناس أنه مقدس، بل يجب أن تفكر أنت في الأمر، وأن تحكم بنفسك… هل هذا الأمر معقول؟ تذكر أنه لو أجمع ألف من الناس على أمر، وكانوا لا يعلمون عنه شيئا، فليس لرأيهم قيمة… ومن أراد أن يسير على الطريق، فليعمل فكره بنفسه، لأن الخرافة شر من أعظم شرور العالم، وغل من الأغلال التي يجب أن تطلق نفسك منها أكمل إطلاق.

ويجب أن يكون فكرك في شأن من سواك، قائما على الحق… فلا تظن بهم ما ليس لك به علم… ولا تحسب أنهم يفكرون فيك أبدا… وإذا أتى بعض الناس عملا تظنه ضارا بك، أو قال قولا تظنه يَصدق عليك، فلا تعجل إلى الظن… (إنه أراد إيقاع الأذى بي)… إذ الراجح أعظم الرجحان، أنه لم يفكر البتة فيك، لأن لكل امرئ همومه الخاصة… وإنما تدور أكثر أفكاره حول نفسه… وإذا كلمك بعض الناس، وهو مغضب فلا تظن… (إنه يبغضني ويريد أن يجرح مشاعري)… إذ الراجح أن شخصا، أو شيئا آخر، قد أغضبه، وإنما وجَّه غضبه إليك، إذ اتفق له لقاؤك… إنه يتصرف عن حمق، إذ الغضب كله حماقة، بيد أنه لا يجوز لك من أجل ذلك، أن تظن به ظنونا لا تقوم على الحق.

إذا أصبحت للإمَام تلميذا، كان لك أن تتعرف مبلغ فكرك من الحق، بأن تقارنه بفكر الإمام… إذ التلميذ وإمامه شخص واحد، وحسبه أن يرجع فكره إلى فكر الإمام، كيما يرى توا هل يتفقان؟ فإذا لم يتفقا ففكر التلميذ باطل، ويجب أن يعدل عنه من فوره، لأن فكر الإمام بلغ الكمال، إذ هو عليم بكل شيء. أما الذين لم يقبلهم الإمام بعد، فلا يستطيعون كل ذلك على وجهه، لكن في مقدورهم أن يستمدوا عونا عظيما، إذا أكثروا من الروية متسائلين… (ماذا عسى أن يكون فكر الإمام في هذا الشأن؟ ماذا عسى أن يقول الإمام، أو يفعل في هذه الظروف؟ لأنه لا يسوغ لك البتة أن تفعل شيئا، أو تقوله، أو تفكر فيه، ما دمت لا تستطيع أن تتخيل الإمام يفعله، أو يقوله، أو يفكر فيه.

ويجب كذلك أن يكون كلامك حقا - أن يكون محكما لا غلو فيه… ولا تحكم على نيات غيرك أبدا، فإن إمامه دون سواه، هو العليم بخوالج فكره، وقد يكون عمله صادرا عن أسباب، لم تدر في خلدك قط. وإذا سمعت نادرة تمس سواك، فلا تُعِد ذكرها، فقد لا تكون حقا، وإن تكن حقا، فإغفال ذكرها أرفق. وأمعن الفكرة قبل الكلام، خشية أن تقع في الخطأ.

وليكن عملك حقا. إياك أن تزعم أنك غير ما أنت في الواقع، لأن المزاعم كلها حجاب، دون صفاء نور الحق الذي ينبغي أن يضيء فيك، كما يضيء نور الشمس في الزجاج النقي.

ويجب أن تميز بين الأثَرة والإيثار. فإن للأثرة (الأنانية) أشكالا كثيرة، وكلما ظننت أنك قضيت عليها القضاء الأخير في أحد أشكالها، بَدت أقوى ما تكون في شكل آخر، لكنك على التدريج ستمتلئ نفسك من التفكير في معونة غيرك، حتى لن تجد مكانا ولا زمانا لأي فكرة بشأن شخصك.

ويجب أن يَصدق تمييزكم على وجه آخر… تَعلَّم كيف تستبين الله في كل إنسان، وفي كل شيء، مهما بدا لك ذلك الإنسان، أو ذلك الشيء خبيثا في ظاهر أمره… فإن في قدرتك أن تُعين أخاك على سبيل ما هو مشترك بينك بينه، ألا وهو الحياة الإلهية. تَعلّم كيف توقظ تلك الحياة فيه، تعلم كيف تناجي فيه تلك الحياة، فعلى هذا النحو تنقذ أخاك من الضلال.

٢. الزهــــادة

إن صفة الزهادة لتصعب على كثيرين، إذ يشعرون بأنهم هم وشهواتهم سواء، وبأنهم إذا انتزعت منهم شهواتهم الخاصة، وما يحبون وما يكرهون، فلن يبقى لهم من ذاتهم شيء… وإنما أولئك هم الذين لم يشاهدوا الإمام، إذ في نور حضرته المقدسة تموت الشهوات جميعا، إلا رغبة واحدة هي أن يكونوا مثله… لكنك تستطيع أن تصل إلى الزهادة، قبل أن تحظى بغبطة لقائه وجها لوجه… لقد دلك صدق التمييز على أن الأشياء التي يشتهيها أكثر الناس، كالثروة والجاه، غير جديرة بالإحراز، فإذا صارت هذه الحقيقة شعورا صادقا، لا مجرد قول، زالت كل رغبة في تلك الأمور.

كل ما مَرّ بك من القول واضح حتى هاهنا، وإنما يحتاج منك إلى الفهم… لكن من الناس من يعرضون عن طلب الأغراض الدنيوية، لا لأمر سوى رغبة الصعود إلى الملأ الأعلى، أو الوصول إلى تحرير أشخاصهم من الرجعة في هذه الدنيا… فحذار أن تقع في مثل هذا الخطأ… ولو أنك نسيت نفسك نسيانا كاملا، لما فكرت متى تتحرر نفسك، ولا ما نوع الملأ الأعلى الذي تصير إليه.

تذكر أن كل رغبة تنطوي على الأثرة هي قيد يقيدك، مهما بلغ سمو الغرض الذي ترمي إليه، ولن تفرغ للعمل الذي يطلبه الإمام فراغا تاما، حتى تكون من كل القيود بمنجاة.

وقد يزول كل ما يتعلق بنفسك من رغبات، وتبقى فيك مع ذلك رغبة الوقوف على نتيجة عملك… فإذا قدّمت إلى إنسان معونة وددت أن تعرف مبلغ معونتك له، وربما وددت أن يعرفه هو كذلك، وأن يقر لك بالجميل… وهذا نوع من الشهوة أيضا، وضعف في اليقين… إذ ما دمت تُفرغ جهدك في سبيل المعونة، فإنها ستنتج نتيجتها لا محالة، سواء أشهدتها أم لم تشهدها، ولو عرفت الناموس لأيقنت من صحة ذلك… وإذن يجب أن تفعل الخير من أجل الخير، لا أملا في الجزاء، ويجب أن تعمل من أجل العمل، لا أملا في معرفة النتيجة، ويجب أن تهب نَفسك لخدمَة العالم لأنك تحبه، ولا يسعك سوى أن تقَف نفسك عليه.

ولا ترغب في تنمية قواك الباطنة، فإنها آتية حين يرى الإمام أن في إحرازها خيرا لك. وتكلّف تنميتها قبل الأوان، كثيرا ما يستتبع متاعب جمة… فكثيرا ما يضل صاحبها، بخداع أرواح الطبيعة، وكثيرا ما يؤذيه الغرور، فيحسب أنه معصوم من الخطأ… وعلى كل حال فإن ما ينفقه في تحصيلها من وقت وجهد، يستطيع أن ينفقه في صالح غيره من الناس. إن تلك القوى آتية في خلال رياضته - ولا بد أن تأتي، وإذا رأى الإمام أن في التعجيل بها نفعا لك، فسينبأك كيف تعالج تفتيحها، آمنا من الخطر… وخير لك أن تكون في غني عنها حتى ذلك الحين.

هذا… وكن على حذر من بعض الشهوات الصغيرة، التي كثيرا ما تعرض في الحياة اليومية. إياك والرغبة في أن تبدو للناس لامع المواهب، أو أن تبدو لهم فطنا ذكيا، ولتكن زاهدا في الكلام… فقلة الكلام خير، وخير منه الصمت، إلا حين تكون على يقين من أن ما تريد أن تقوله ينطوي على الحق، وعلى الرفق وعلى المعونة… وقبل أن تتكلم أمعِن الفكر… هل ما تهم بقوله مستكمل لهذه الصفات الثلاث؟ فإذا لَم يكن كذلك، فلا تلفظ به.

ومن الخير أن تُعوِّد نفسك منذ الآن، إمعان الفكرة قبل الكلام، لأنك إذا بلغت مرتبة التكريس، كان عليك أن ترقب كل كلمة، خشية أن تذكر ما لا يجوز ذكره… وكثير من الحديث الدارج لغو وسخف، فإذا كان غيبة، فهو إثم وشر… ولأن تُعوِّد نفسك الإنصات، أفضل من أن تُعوِّدها الكلام… ولا تتطوع بإبداء الآراء، إلا إذا سُئلت بالذات إبداءها… وقد وردت المؤهلات في بعض النصوص على النحو الآتي: أن تعلم، وأن تجرؤ، وأن تريد، وأن تلزم السكوت، وآخر هذه المؤهلات الأربعة أشقها جميعا…

وثمة شهوة أخرى مألوفة يجب أن تكبحها كبحا شديدا، وهي رغبة التدخل في شئون الغير… ليس يعنيك ما يفعله سواك، ولا ما يقول، ولا ما يعتقد، فيجب أن تروض نفسك على أن تدعه وشأنه، من كل وجه… فإن له حقا كاملا في حرية الفكر والقول والعمل، ما دام لا يعرض لأي شخص آخر… فأنت نفسك تطلب أن تكون حرا في فعل ما تعتقد أنه صواب، وإذن فعليك أن تبيح له هذه الحرية عينها، وإذا استعملها فلا حق لك في أن تتناوله بالكلام.

فإذا ظننت أنه يفعل سوءا، وكان في وسعك أن تدبر فرصة، تنبئُه فيها على انفراد، وفي أدب جم، لماذا تظن ما تظن، كان من الجَائز أن تقنعه… لكن هذا التدخل، حتى على هذا الشكل، قد لا يليق في أحوال كثيرة… ولا يجوز لك بوجه من الوجوه أن تقصد إلى شخص ثالث، فتتخذ الأمر عنده مثارا للغيبة، فإن ذلك إثم كبير.

إذا شهدت طفلا أو حيوانا يعاني من غيره قسوة، كان واجبك أن تتدخل… وإذا شهدت أي إنسان يخالف قوانين البلاد، كان عليك أن تبلغ ولاة الأمور… وإذا عُهِد إليك في تعليم شخص، جاز أن يكون من واجبك أن تدله على معايبه متلطفا… أما فيما عدا ذلك، فعليك شئون نفسك، ولتتعلم فضيلة السكوت.

٣. حسن السلوك

أما نقط السلوك الست، التي ينبغي توافرها بنوع خاص، فقد ذَكرها الإمام على النحو الآتي:

٣-١. ضبط النفس في التفكير

٣-٢. ضبط النفس في العمل

٣-٣. التســــــــامح

٣-٤. البشــــــــاشة

٣-٥. تركيــز الجهـــود

٣-٦. الثقــــــــــة

٣-١. ضبط النفس في التفكير

يُؤخذ من شرط الزهادة أن الجسم الكوكبي يجب أن يُضبط، وهذا الشرط نفسه يستوجب أن نضبط الجسم العقلي… ومعنى ذلك أن يملك المرء إربه، حتى لا يستشعر شيئا من الغضب، ولا نفاد الصبر، كما أن معناه أن يملك المرء عقله، حتى يكون الفكر أبدا هادئا غير مضطرب، وأن يملك أعصابه عن طريق عقله، حتى يقل هياجها بقدر المستطاع… وهذه الصفة الأخيرة عسيرة المنال، لأنك إذا أخذت تعالج إعداد نفسك للطريق، فلا مناص لك من أن تجعل جسمك أشد حساسية مما كان، فيسهل اضطراب أعصابه لوقع صوت أو صدمة، ويشعر بكل ما يضغطه، أو يقاومه شعورا حادا.

والعقل الهادئ ينطوي على الشجاعة، حتى لتواجِه مِحن الطريق ومصاعبه في غير وجل، وينطوي على الثبات، حتى لتستخف بالمتاعب التي تعرض في حياة الناس جميعا، وتتجنب تلك البلابل التي تثيرها صغائر الأمور في النفس من غير انقطاع ويُضيع فيها كثير من الناس معظم أوقاتهم. إن الإمام يعلَمنا أنه ليس يضير المرء بحال ما يصيبه من خارج… فالأحزان والهموم والأمراض والخسائر - كل هذه يجب أن لا تهمه فتيلا، ويجب ألا يُمكنها من التأثير في هدوء عقله. إنها نتائج أعمال ماضيه، فإذا أتت كان عليك أن تحتملها مستبشرا، فتذكر أن كل شر إلى انقضاء، وأن واجبك هو أن تظل مرحا مغتبطا على الدوام. إنها ترجع إلى (حيواتك) الماضية، لا إلى هذه الحياة، وليس تغييرها في مقدورك، فمن العبث إذن أن تهتم لها… وأولى بك أن تفكر فيما أنت صانع الآن، فعليه تترتب أمور حياتك التالية، إذ هذا هو الذي تملك تغييره (الآن).

لا تسمح لنفسك باستشعار الحزن أو الكآبة أبدا، فالكآبة إحدى الشرور، لأنها تُعدِي الغير، وتزيد حياتهم عسرا، وليس ذلك من حقك… وإذن فمتى نزلت بك الكآبة فلتسرع لطردها على عجل.

ويجب أن تضبط فكرك من وجه آخر، ذلك بأن لا تمكنه من الشرود… مهما يكن العمل الذي تشتغل به، فيجب أن تحصر فيه فكرك ليتم على أكمل وجه… ولا تمكن عقلك من العطول، بل احتفظ أبدا في قرارته بأفكار طيبة، تكون على أهبة البروز في اللحظة التي يخلو فيها عقلك من مشاغله.

واستعمل قوة فكرك كل يوم، في الأغراض الصالحة… كن قوة عاملة في توجيه التطور والارتقاء… فكر كل يوم في إنسان تعلم أنه محزون أو متألم أو بحاجة إلى المعونة، وأفض عليه من أفكار المحبَّة…

واكبح عقلك عن الكبرياء، فإنما تصدر الكبرياء عن الجهل… ومن لا يعلم يحسب نفسه عظيما، وأنه فعل هذا الأمر العظيم أو ذاك… فأما العاقل فيعلم أن العظمة لله وحده، وأنه ما من عمل صالح، إلا وهو من صنع الله وحده.

٣-٢. ضبط النفس في العمل

إذا كان فكرك على ما ينبغي أن يكون عليه، فقَلَّ أن يصادفك في ضبط عملك عناء… لكن عليك أن تذكر أنه لكي ينتفع بك النوع البشرى، يجب أن ينتج التفكير عملا… يجب أن يزول الكسل، وأن يدوم الاشتغال بالعمل الصالح، على أن يكون ما تعمل هو واجبك أنت، لا واجب غيرك من الناس، إلا أن يكون بإذنه، وعلى طريق المعونة له… دع كل إنسان لعمله يتولاه على طريقته، وكن أبدا على استعداد لتقديم العون، كلما احتيج إليك، لكن إياك والفضول… وإن أشق أمر في هذه الدنيا على كثير من الناس، لهو أن يعنوا بشئون أنفسهم فحسب… لكن هذا هو ما يتعين عليك اتباعه، عندما يتميز عندك الخبيث من الطيب.

وليس يجوز لك أن تنسى واجباتك العادية، بسبب اشتغالك بأعمال أسمى منها، لأنك لن تتحرر وتفرغ لخدمة أخرى، حتى تؤدي تلك الواجبات… لا ينبغي أن تأخذ على نفسك واجبات دنيوية جديدة، أما ما أخذته على نفسك بالفعل من تلك الواجبات، فينبغي أن تؤديه على الوجه الكامل - وإنما نريد كل الواجبات الواضحة المعقولة التي تعترف أنت بها، لا تلك الواجبات الموهومة التي يحاول غيرك أن يفرضها عليك. إذا وهبت نفسك للإمام فعليك أن تكون أحسن - لا أسوأ - أداء للأعمال العادية من سواك، إذ يجب أن تؤديها هي كذلك ابتغاء وجهه.

٣-٣. التسامح

يجب أن تستشعر حيال الجميع تسامحا كاملا، وأن تستشعر من العناية الصَّادقة بعقائد أهل الديانات الأخرى، مثل ما تشعر به من العناية بعقائدك، لأن دينهم طريق إلى المثل الأعلى كدينك… ولكي تعين الخلق جميعا يجب أن تفهمهم جميعا.

ولأجل أن تبلغ هذا الحد الكامل من التسامح، يجب أن تبدأ بنفسك، فتحررها من التعصب والخرافة… ويجب أن تعلم أن الرسوم والشعائر ليست أمرا محتوما، وإلا توهمت أنك أفضل نوعا ممن لا يقيمون تلك الشعائر، على أنه لا يجوز أن تزدري الذين ما زالوا يستمسكون بها… بل دعهم يفعلون ما يشاءون، لكن لا يجوز لهم أن يعترضوك أنت الذي تعرف الحق - لا يجوز لهم أن يحاولوا إجبارك على شيء قد ارتقيت حتى سموت عنه… والتمس لغيرك المعاذير في كل شيء، وكن رفيقا بكل شيء.

الآن وقد تفتحت عيناك، فإن بعض عقائدك القديمة، وبعض شعائرك القديمة، قد تبدو لك عبثا باطلا، ويجوز أن تكون كذلك، بل هي كذلك حقا… بيد أنك وإن لم يعد في وسعك أن تشترك في إقامتها، يجب أن تحترمها من أجل تلك الأرواح الطيبة، التي ما زالت تعتقد أنها خطيرة قيمة… ومثل هذه الشعائر والرسوم، كتلك الخطوط المزدوجة التي كانت تهديك طفلا إلى إقامة الكتابة وتنسيقها، حتى صرت بدون تلك الخطوط أقدر على الكتابة، وأطلق يدا فيها بكثير… ولقد مر بك حين من الزمان، كنت فيه بحاجة إلى تلك الخطوط، أما الآن فقد مضى ذلك العهد.

كتب مرشد عظيم ذات مرة فقال… (لما كنت طفلا، كنت أتكلم كما يتكلم الأطفال، وكنت أفهم كما يفهم الأطفال، وكنت أفكر كما يفكر الأطفال، فلما صرت رجلا نبذت أمور الطفولة ظهريا)، سوى أن من ينسى طفولته، ويفقد العطف على الأطفال، ليس بالرجل الذي يستطيع لهم هداية أو معونة… فلتبدو إذن عليك سيماء الرحمة والرفق والتسامح، نحو الناس أجمعين، ونحوهم على السواء، بوذيين كانوا أم هندوسا… جانيين أم يهودا… نصارى أم مسلمين.

٣-٤. البشاشة

يجب أن تحتمل كرماك… أي قائم الثمرة لحيواتك السابقة، وما لها من أثر على اللاحق، أي نتائج أعمالك الماضية، في بشر وغبطة، مهما تكن… وأن تعتقد أن من الشرف، نزول الأذى بك، لأن فيه دلالة على أن ولاة (الكارما) يرونك جديرا بالمعونة… ومهما اشتد بك الألم، فلتكن شكورا إذ لم يصبك ما هو أشد، وتذكر أنك قليل النفع للإمام، حتى تستنفذ سيئ (كارماك) فتكون محررا طلقا. إنك حين وهبت نفسك للإمام، قد طلبت الإسراع باستنفاد كارماك، فأنت الآن تستنجز، في حياة واحدة أو حياتين، ما لولا ذلك، لامتد على مائة حياة… لكن لكي تجعل الأمر عليك أهون ما يكون، يجب أن تحتمله في بشر وسرور.

وثمة نقطة أخرى… يجب أن تنبذ كل مشاعر الحيازة، فقد تجردك (الكارما) من أحب الأشياء إليك - بل من أعز الأشخاص عليك… فحتى في مثل تلك الحال، يجب أن تكون مستبشرا راضيا - مستعدا لأن تفارق أي شيء، وكل شيء… فكثيرا ما يشاء الإمام أن يفيض قوته على الناس، عن طريق خادمه، ولن يستطيع الإمام ذلك، إذا استسلم الخادم للكآبة، وإذن فيجب أن يكون البِشر هو القاعدة.

٣-٥. تركيز الجهود

إن الأمر الوحيد الذي يجب أن تجعله نصب عينك، هو أن تؤدي عمل الإمام… ومهما يعرض في سبيلك من عمل آخر، فعمل الإمام على الأقل هو ما لا ينبغي أن تنساه أبدا… على أنه لا يمكن أن يعرض في سبيلك شيء آخر، لأن كل عمل فيه عون للغير، وليس فيه أنانية، فهو عمل الإمام، ويجب أن تؤديه من أجله… وينبغي أن تلقي بالك كله لكل جزء من العمل حين تؤديه، حتى يجيء على أكمل صورة تستطيعها… وقد كتب ذلك المرشد نفسه فقال… (مهما يكن لديك من عمل فاعمله بكل قلبك، ابتغاء مرضاة الله، لا ابتغاء مرضاة الناس)… خَيِّل إلى نفسك كيف تؤدي جزءا من العمل، إذا علمت أن الإمام سيجيئ الساعة ليتفقده، وعلى هذه الطريقة بذاتها، يجب أن تؤدي كل أعمالك… وأكثر الناس علما أكثرهم إدراكا لكل ما تنطوي عليه تلك الآية من معانٍ… وهناك آية أخرى مثلها، وهي أقدم منها بكثير… (مهما تناولت يدك من عمل فاعمله بكل هِمتك).

ويدخل كذلك في معنى تركيز الجهود، أن لا يصرفك عن الطريق الذي دخلت فيه صارف، ولو لحظة واحدة… فلا المغريات ولا ملذات الدنيا… كلا… ولا أواصر المحبة الدنيوية، يجوز أن تنحرف بك عن الجادة في أي حين… إذ يجب أن تصبح أنت والطريق، حقيقة واحدة… يجب أن يصير الطريق جزءا من طبيعتك، إلى حد أن تتبعه من غير حاجة إلى إعمال الفكر فيه، ومن غير أن تستطيع الانحراف عنه… ذلك أنك أنت الذرة النورانية، قضيت بهذا… فلو انقطعت عنه لانقطعت بذلك عن نفسك.

٣-٦. الثقــــة

يجب أن تثق بإمامك… يجب أن تثق بنفسك… إذا كنت قد شهدت الإمام، فإنك تثق به إلى الغاية القصوى، خلال حيوات كثيرة، وميتات كثيرة… وإذا لم تكن شهدته بعد، فيجب مع ذلك أن تحاول تمثله، وأن تثق به… لأنك إن لم تفعل، فلن يستطيع حتى هو أن يعينك… فإنه إن لم تتوافر الثقة الكاملة، فلا سبيل إلى فيض كامل من المحبة والقوة.

يجب أن تثق بنفسك… أتقول إنك أعرف بنفسك من أن تثق بها؟ إن كان هذا شعورك، فإنك لا تعرف نفسك، وإنما تعرف الغشاء الظاهر الضعيف، الذي كثيرا ما تردى في الدِمَن… أما أنت - يا من هو أنت بحق - أنت شرارة من نار الله ذاته، والله القدير على كل شيء يحل فيك، ومن أجل ذلك لا يوجد شيء يعجزك عمله، إذا أعملت إرادتك… قل لنفسك… (إن ما عمله الإنسان يستطيعه الإنسان، وإني لإنسان… ولكنني كذلك الله في الإنسان… إني أستطيع هذا الأمر… وإني أريد)… لأن إرادتك يجب أن تكون كالفولاذ المصقول، إذا شئت أن تسلك الطريق.

٤. المحبـــة

أهم المؤهلات كلها المحبة، لأنها إذا بلغت في المرء من القوة مبلغا كافيا، فإنها تلجئه إلى إحراز المؤهلات الأخرى… وبدون المحبة لا تكفي تلك المؤهلات أبدا… كثيرا ما تفهم المحبة على أنها رغبة شديدة في التحرر من دورة الرجعات والميتات، ورغبة شديدة في الاتصال بالله… لكن تصويرها على هذا النحو، يبدو كالأنانية، ولا يتناول سوى جزء من المعنى… فليست المحبة رغبة بقدر ما هي إرادة وعزيمة وتصميم… ولكي تنتج هذه العزيمة نتائجها، يجب أن تمتلئ منها طبيعتك كلها، بحيث لا تدع مكانا لأي شعور آخر… فالمحبة هي أن تريد الاتحاد مع الله حقا، لا لكي تنجو من الضجر والآلام، بل لكي تعمل معه (تعالى)، كما يعمل مدفوعا بحبك العميق له (جل شأنه).

ومعنى ذلك في الحياة اليومية أمران… أولهما أن تكون على حذر من إلحاق الأذى بأي كائن حي، والثاني أن تترقب على الدوام فرصة المعونة، فتقدمها لمن سواك.

أولهما عدم الإيذاء… وإن بين الخطايا ثلاثا، تسبب من الأذى في هذه الدنيا، أكثر مما يسببه كل ما عداها – النميمة، والقسوة، والخرافة، لأنها خطايا مضادة للمحبة… فمن هذه الثلاث، يجب أن يحذر بلا انقطاع من يريد أن يملأ قلبه من محبة الله.

انظر ماذا تصنع النميمة… إنها تبدأ بتفكير خبيث، وهو جريمة في ذاته… إن في كل إنسان، وفي كل شيء، جانبا من الخير… وفي كل إنسان وفي كل شيء، جانب من الشر… وفي وسعنا أن نقوي أحد هذين الأمرين، بالتفكير فيه… وعلى هذا النحو نستطيع أن نعاون التطور والارتقاء، أو أن نعوقه… نستطيع أن نعمل بمشيئة الإله، أو أن نقاومها… إذا فكرت في سيئات إنسان، فقد ارتكبت بذلك ثلاث آثام…

  • إنك تملأ ما حولك، بأفكار الشر بدلا من أن تملأه بأفكار الخير، وبذلك تزيد من نكد الدنيا.

  • إذا كان هذا الشخص متصفا بالسيئات التي تظنها، فإنك تمدها بمزيد من القوة والغذاء… وإذن تجعل أخاك أسوأ حالا، بدلا من أن تجعله أحسن حالا… لكن الغالب أن الشر الذي تعزوه إليه، غير موجود في الواقع، وإنما هو من وهمك… ثم أن سوء تفكيرك في أخيك، يغريه بارتكاب الشرور، لأنه ما دام لم يبلغ بعد عصمة الكمال، فقد تصيره أنت بسوء تفكيرك، مماثلا لصورة تفكيرك فيه.

  • وإنك تملأ عقلك من أفكار السوء، بدلا من أن تملأه من أفكار الخير، وعلى هذا النحو تعوق نموك، وتجعل نفسك مخلوقا ذميما، كريه الطلعة في عيون من يبصرون (البواطن)، بدلا من أن تكون إنسان بهي الجمال مُحَبَّبًا إلى النفوس.

وليس يقنع المغتاب بكل هذا الأذى الذي يلحقه بنفسه وبضحيته، فهو يحاول بكل جهده أن يشرك في جريمته أناسا آخرين، فيقص عليهم قصته الأثيمة في حماسة، راجيا أن يصدقوه، ثم يشاركونه في صب (أمواج) الفكر الخبيث على ذلك المعذب المسكين، ويستمر ذلك يوما بعد يوم ويأتي هذا العمل لا شخص واحد، بل ألوف من الناس… فهل بدأت ترى إلى أي درك من الانحطاط، والفظاعة تبلغ هذه الخطيئة؟ يجب أن تتحاماها بَتاتا… لا تقل في أحد قول السوء بحال… وامتنع من الإنصات إذا تناول إنسان إنسانا سواه، بقالة السوء… وقل متلطفا، (لعل ذلك غير صحيح، ولو صح فعدم الكلام فيه أدنى إلى الرفق).

أما القسوة… فهي على نوعين، مقصودة وغير مقصودة… والقسوة المقصودة هي أن تُسبب الألم لكائن حي، وأنت تريد ذلك، وهذه أكبر الخطايا - وهو عمل أشبه بالشيطان منه بالإنسان… لعلك تقول إنه ليس في الناس من يستطيع مثل هذا الأمر… لكن كثيرا ما فعل الناس ذلك، بل يفعلونه الآن كل يوم… فعلته محاكم التفتيش، وفعله كثير من المتدينين باسم دينهم، ويفعله مشرحو الحيوانات الحية، ويفعله كثير من معلمي المدارس بحكم العادة… ويحاول أولئك الناس جميعا أن يعتذروا من وحشيتهم، فيقولوا إنها عادات وتقاليد، لكن الجريمة لا يمنع كونها جريمة أن يرتكبها كثير من الناس… وليس للعادة ولا للتقاليد شأن في حساب (الكارما)… وليس أشد هولا من (كارما) القساوَة، ولا عذر لمثل هذه العادات، في بلاد الهند على الأقل، لأن واجب كف الأذى أمر يعرفه الجميع هناك حق المعرفة… وإن مصير القساة لا بد لاحق بكل أولئك الذين يغدون عن قصد، فيقتلون خلائق الله، ويسمون ذلك رياضة (أو صيدا).

إني أعلم أنك لن تعمل مثل هذه الأعمال، وأنك ستحاربها بالقول الفصيح إذا حانت الفرصة، رعاية منك لمحبة الله… لكن القسوة قد تكون في القول، كما تكون في العمل… ومن قال لإنسان كلمة، يقصد أن يؤذي شعوره، فقد ارتكب هذه الجريمة… وأنا أعلم كذلك أنك لن تفعل هذا، لكن قد تصدر الكلمة عن غير قصد، فتسبب من الأذى أحيانا، مثل ما تسببه كلمة خبيثة مقصودة… وإذن يجب أن تكون على حذر من القسوة غير المقصودة.

ومصدر هذه القسوة (غير المقصودة) عادة عدم الروية… فقد يملك الطمع والحرص بعض الناس، فلا يفكر البتة في الآلام التي يسببها لغيره، بالشح في أجورهم أو بإجاعة زوجته وأطفاله… ومن الناس من لا يفكر إلا في شهوته… وقلّ أن يبالي كم من الأرواح والأجسام، يُفسِد لإرضاء شهوته… ومنهم من يريد أن يتفادى تعب دقائق معدودة، فلا يعطي عماله أجورهم في اليوم المحدود، ولا يبالي بالمصاعب التي يجلبها عليهم… وإذن فكثير من الآلام ليس له من سبب، سوى عدم العناية، ونسيان التفكير فيما قد يصيب الناس من جراء عمل من الأعمال… لكن (الكارما) لا تنسى أبدا، ولا يدخل في حسابها أن الناس من شأنهم النسيان… فإذا أردت أن تسلك الطريق، كان من واجبك أن تفكر في عواقب ما تعمل، خشية أن تقع في جريمة القسوة الناتجة عن عدم الروية.

والخرافة… شر آخر مستطير… وقد نجم عنها كثير من القسوة المروعة… ومن كان للخرافة عبدا، فهو يحتقر غيره ممن هم أكثر منه حكمة… ويحاول قهرهم على أن يعملوا مثل ما يعمل… ألا ترى إلى المذابح الهائلة التي تنجم عن الخرافة القائلة بوجوب التضحية بالحيوانات، والمذابح التي تنجم عن خرافة أخرى أشد قساوة، وهي أن الإنسان يحتاج في غذائه إلى اللحوم؟ ألا ترى إلى المعاملة التي قضت الخرافة بأن تُعامَل بها الطبقات المستضعفة في الهند بلادنا العزيزة؟ ألا ترى من هذا كيف تُغذي هذه الرذيلة (الخرافة) قسوة لا قلب لها، حتى بين أولئك الذين يعرفون واجب الإخاء؟ وما أكثر ما ارتكب الناس من جرائم باسم إله المحبة، مدفوعين إلى ذلك بدافع الخرافة… كن على حذر إذن من أن يبقى فيك من هذه الصفة أقل أثر.

تجنب هذه الجرائم الكبرى الثلاث، لأنها قتالة لكل رقي، ولأنها تناقض المحبة… لكن ليس يجب عليك أن تتوقى الشرور فحسب، بل يجب أن تكون نشيطا في عمل الخيرات… يجب أن تمتلئ من الرغبة الشديدة في أداء ما تستطيع من خدمات، فتترقَب على الدوام أداءها لكل من حولك - لا للإنسان وحده، بل للحيوان والنبات أيضا… ويجب أن تؤديها حتى في صغار الأمور كل يوم، لتتكون فيك العادة، فلا تضيع الفرصة النادرة، حين يسنح لك الأمر الجليل، لأنك حين تَتوق إلى الاتحاد مع الله، لا تتوق إليه من أجل شخصك، بل لأجل أن تصير قناة، تفيض محبة الله بواسطتها، على إخوانك من البشر.

إن من يسلك الطريق لا يعيش لنفسه، بل يعيش لغيره من الناس… لقد نسي نفسه كي ما يخدمهم… سالك الطريق بمثابة القلم في يد الله، منه يفيض الفكر الإلهي، ليجد لنفسه ترجمانا في هذا الملأ الأدنى… ولن يجده إلا بواسطة القلم، لكنه مع ذلك يراع حي من نار، يشع على الدنيا تلك المحبة الإلهية التي تملأ فؤاده.

إن الحكمة التي تعينك على أن تعين من سواك، والإرادة التي تحرك هذه الحكمة، والمحبة التي تلهم الإرادة - تلك المؤهلات – الإرادة، والحكمة، والمحبة، هي مظاهر الإله الثلاثة، وأنتم يا من تهبون أنفسكم لخدمته، جل شأنه، يجب أن تذيعوا هذه المظاهر في الدنيا.

إنــــي أنتظـر كلمــة الإمـــام

إنـــــي أرتقب نــوره اللطيــف

إنــــي مُنصت لأمــره الكــريم

وســط لجــةهـــذا المعتـرك

إنـــــي مبصرأُخفــي رَمــزه

فـــوق هامــةهـــذا المجتمـع

إنـــي أســمعأخفي هَمســــه

فـــوق أغنيـاتأقــوى الصادحين.

أضواء على الطريق

نظرا لتكاثف سكان الأرض، وانتشارهم عليها، والتقدم المشده في المدنية الزمنية لربط أجزائها في القرون الأخيرة، ومحاولة سكانها - توحيد الوعي من بعضهم على البعض في ظاهر أمرهم على حساب الانكماش المتعاقب للمدنية الجوانية أو الروحية، بإمعان الكلمة في الاختفاء بينهم تحت ضغط الطغيان لفساد عمدها بالفقهاء والحكام من ظاهر الناس، جاءت دورة الزمان بالرسالة الروحية، قياما للروح لرب العالمين، لغزو ظلام النفوس البشرية، وأسفر عالم الروح الإنساني لعوالم الروح بالبشرية، عن طريق إشهار نظام الوساطة بمن يختار وهو بهذا خبير، من البشريتين الأرضية والسماوية، حيث يجعل رسالته تطويرا لعصر النبوة، والأمر المتواجد بين الناس، ليكون الوسيط جهازا للحقائق العلوية، منه تتحدث بمفرداتها الكلية، ومنه تعمل، وذلك في العالمين من عالم الذوات وعالم الروح، لها مجتمعين لقائم الحضرة الحقية للإنسان بخلته مع الإنسان، يمثلها في صورة التمام والكمال الحقي لمفرداتها في العالمين من يصطفي منهما لذلك.

ولعل دائرة الجمعية الإسلامية الروحية في الكويت، بوسطائها وروادها، مثل طيب مع دوائر الجمعية الأخرى حول دوائرها بمركزها بالقاهرة في ريادة وإرشاد معلوم مصدرهما لبروز هذه الريادة المجددة بقديم ومتتالي ومتتابع معارجها القديمة في البشرية لبيانها في انفرادها وتزاوجها في صورة واضحة برواد استقامت صلتهم بالغيب والشهادة للبشرية الواحدة وتلاقت وتآلفت قلوبهم.

وها هي بضع تفوهات عن غيبوبة تامة للوسيط السيد/ محمود محمد الحوراني، تمت بإشراف الوسيط الرائد السيد/ أسامة منير في لقاءات مع الروح الرائد للجماعة في صحبة الروح المرشد، والأمر الكبير والأكبر لإنسان الله مع كثيرين من الأرواح المعروفة المعتقدة المرشدة كحديث متصل متواصل في مواعيد دورية مجددة منتظمة، نقدم بعض مقتطفات منه من مجال الوعي الصالح المستقيم القيم، الصالح للتعميم والتعريف، وهو مما يقدم في صورة حديث وهدي، يخص ويعم، يسمع بشريا وينشر وينتشر روحيا بما يصحبه من قائم فعل وانفعال، وقد اقتطفنا من محاضر بعض الجلسات عبارات هادئة هادية رائدة.

جاء على لسان الوسيط في غيبوبته، في إحدى الجلسات قوله:

(إن هذه التعاليم مكتوبة في الكتب القديمة منها والحديثة… محفوظة عندكم على الورق، ولكن أين من يحفظها في قلبه؟ يقومها وتقومه؟ إننا لم نجتمع معكم إلا لنؤهلكم نواة صالحة لظهور الروح المقدسة من خلالكم.

تأملوا هذا الحديث دوما، لا تتعجلوا تأملاته، فبترويكم مطالعته وتأملاته على صفحات قلوبكم، يبدأ العمل فيكم ويأخذ مجراه ليبدلكم.

إنني لم آتِ إليكم لأسليكم، ولا لأضيع وقتي معكم عبثا. ما جئت لألقي سلاما فقط بل جئت أشعلها حربا ضارية، جئت أشعلها حربا ضارية مع نفوسكم.

لقد أخذنا على عاتقنا أن نمدكم بالسلاح فقط، وعليكم إشعال الحرب معها.

إن القسوة تتنافى وتعاليمنا الروحية، ولكننا نريدكم قساة على أنفسكم، رحماء بينكم. فأشعلوها نارا تأكل منكم الأخضر واليابس.

إني لأرى نفوسكم مملؤة بعالم الحيوان الذي يسيطر على أفكاركم، وكل منها يتنازع السيطرة عليكم. كل منها تتناوب السيطرة على أفكاركم وتسيير أموركم حسب رغبتها، فأخذت منكم أداة لها، وأخذت من أجسادكم هياكل لتواجدها.

أقولها ولا حياء في ذلك، لا تنظروا لمن هم دونكم بفخر واعتزاز على ما بلغتم فيه اليوم من حكمة، الكل في الطريق إلى الله. كلكم أخوة إن غركم يوما ما أنتم عليه، تراكم متأخرين في قابل يوم على من تفاخرتم عليه، لأنهم دائما ينظرون إلى الله الأكبر، ينظرون إلى الله الأكمل.

يا سـادة… ما أتينا إلا راجين لكم الخير.

يا سادة… ها قد بينا لكم ما جئنا من أجله. إننا لم نأتكم معلمين، بل جئنا لنمشي سويا، كل منا يتعلم في الآخر. إخوة تحابوا فاجتمعوا على كلمة تحتضنهم في الطريق إلى الحقيقة.

يا سادة… إنني أعتقد أن هذه هي الخطوة، قد أتينا على نهايتها في تعاليمنا الأولى. فإن صَدقنا القول وابتدأنا في العمل سنبقى مترابطين، متحابين، لنكمل الطريق سويا.

يا سادة… أحببت فيكم إخلاصكم فأعطيتكم بقدر ما أعطيتموني أضعافا، وكلما ازددتم زدتكم. الله من ورائنا جميعا بإحاطته. وفقنا الله وإياكم.

إنني أرى نفسي صغيرا جدا بما أنتم عليه اليوم. إن تجمعكم هذا لكبير جدا في الله، وإن بديتم اليوم غير ذي شأن أو بال بين الذين يحيطون بكم من بني جلدتكم، إلا أنه سيكون لكم كل يوم شأن، لو حافظتم على ما أقوله لكم).