(١٣)

الله والإنسان
الأصل والعنوان
الربان والعبدان
الحقان والخلقان

حديث الجمعة

٥ شوال ١٣٨٧ هـ - ٥ يناير ١٩٦٨ م

إنها مثالية تتكرر، لمن كان شانئه أبتر، ومؤمنه كوثر، كافة للناس ظهر… وكان من الله الكلمة والخبر، والكتاب والأثر… وآدم وما عنه عَبَّر، ما ظهر الله في شيء، مثل ظهوره في الإنسان، ربا عرف، وما ظهر الله لشيء، مثل ظهوره للإنسان عبدا شَرف.

فمن كان الله؟ ومن كان الإنسان؟ ومن يكون الله؟ ومن يكون الإنسان؟ وما هو كائن الله، وما هو كائن الإنسان؟

إن الله لفظ… وإن الله معنى… وإن الله شيء… وإن الله إحاطة الشيء… إن الله وجود… وإن الله موجد… وإن الله متواجد… وإن الله يُوجِد ويُوجَد… إن الله قضايا… إن الله أمور… إن الله قوانين ونواميس… إن الله مشرِّع ومقنن… إن الله محل التشريع والتقنين وموضوع النواميس والأفعال.

إن الله على ما هو الله، في كل ما كان الله، وبكل ما يكون الله… ما ظهر في شيء، أو أمر، مثل ظهوره بالإنسان، وللإنسان، وفي الإنسان.

وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة… من الذي قال هذه المقالة؟ ومن الذي استمع لهذه القالة؟ ومن يكون الخليفة؟ ومن هو المخلِّف؟، وعَلام يستخلف؟ ومن هو المعنِي عند المتحدث؟ وما هو المدرَك عند السامع؟ إن الذي قال، هو الإنسان… وإن الذي سمع، هو الإنسان… وإن الذي كان الحديث عنه، هو الإنسان… وإن الذي تحدث إليه المتحدث قديما هو الإنسان… والخليفة هو الإنسان، والمخلِّف هو الإنسان، والمخلَّف عليه هو الإنسان. يُعرف ذلك لمن كان أو أصبح إنسانا.

إن الإنسان ظهر كل هذه القضايا، فما حمل الوحي إلا الإنسان، وما استقبل الوحي، وتقبل للإيحاء، إلا الإنسان، وما بَعث للوحي إلى الإنسان، وحيا وإنسانا، إلا مرسِله، وما كان مرسِله إلا الإنسان، (منك وإليك يا رسول الله)[١]، (ما أمنت مكر الله إلا بمصاحبتك)[٢]، فيقول الرسول (أنا روح القدس)[٣]، ويقول الكتاب فيه عنه {إن هو إلا وحي يوحى}[٤]، في الله ذي المعارج، وما كانت المعارج، إلا مراقي الإنسان، ماثلة بإنسان وإنسان، وما كان العارج إلا الإنسان، وما كان المعروج إليه إلا الإنسان. وما كان القدس والأقدس إلا الإنسان. وما كان الروح والروح الأعظم إلا الروح للإنسان.

فهل قَدَّر الإنسان معنى الإنسان؟ هل طلب الإنسان الرفيق الأعلى من الإنسان؟ هل قام الإنسان برحمة أخيه الإنسان، رفيقا أدنى، وعين العنوان للأعلى قائم الإنسان؟

هل علَّم الإنسان أخاه الإنسان عن عالي الإنسان، ليعلو بهمته يوم يُحدِثه عن نفسه نواة إنسان، ويضرب له مثلا بنفسه، لقدوته نواة عنوان لقائم وقيوم إنسان؟

هل تحدث الإنسان عن الرحمن؟ هل طلب الإنسان الرحيم الديان مؤمنا بالإنسان لمقام الإحسان، عنوانا لعنوان في كبير الوجود، في الواسع الموجود، في الوجود المشهود، في الأمر المعهود، بسيادة الوجود على كائنات الوجود، وجودا لوجود، وإنسانا لإنسان، أمر يشهد للإنسان في نفسه بسيادة كائنه حيا موجودا، على كائنات هيكله لوجوده، بماديه لماديها ينهي حياته وقيامه، فينهي حياتها وقيامها؟

إذا مات الجسد ماتت كرات الدم البيضاء، وكرات الدم الحمراء، وجفت أنهار العروق، وتبخرت مياه المصارف، وأقحلت أرض الهياكل وماتت خلائق الخلايا، وسكتت رسالة القلب بنبضاته، وانتهت حكمة العقل بنظراته، وخمدت الذات عن حركتها، وتعطلت الصفات عن قدرتها، وقبرت الجوارح في جدثها وجثتها. إنها الحياة وغيبتها في جانب الحياة بمادتها، وإنه انطلاق الحياة بحقيتها، إلى قائم حضرتها.

إنها أمر التحرر من القيد… إنها لمحة التخلص من الكنود والعند… إنها الكشف للعندية في الله في سفور… إنها الخروج من القبور… إنها الحشر والنشور… إنها البعث والذكر… إنها القيام والأمر من جدث الأرض، لدائم القيام والعرض، فيمن لا شريك له من سماء أو أرض.

إنها الدخول في الإنسان، من قائم العنوان إلى عالم الحق المطلق في الإنسان المنطلق، في مسيح الوجود، في روح الكون… في كتاب الكائنات… في جماع الروح… في المحيط بالأشياء… في رسول اللانهائي… في إنسان المعارج… في المربوب من مطلق الوجود، من لانهائي الروح… في الرب المشهود لظلال وجوده، للمستبقي لكرمه وجوده، للمؤمنين بموجوده، لرسول الله، قائم مرسِله، وقيوم المرسَل إليه، بقائم ثالوثه… الأمر الوسط لكتاب الوجود، لأُم الكتاب، للحجاب الأعظم، لمن كل تافه به يَعظم، لمن كل ميت به يحيا، لمن كل موجود به في الله يُمسح، يحيا به من طلب الإيمان، ولنور الله صدره أفسح، ولمشكاة صدره بسراج قلبه بوجده وعشقه أشعل فأشرق، ونارَ فتحقق، وبروحه انطلق، وبعقله قرأ، وبعينه نظر، وبأذنه سمع، وبشفتيه تحرك فتكلم، واختار لكلامه من يسمع، فكلَّم.

بالحق دنا وبالحق تدلى جماع كلمات تمت، وبالحق صعد، وبكلمات الله من الناس لم تتم إلى الله لإتمام كلماتها لها في دوام يصعد، فبحقائق الله إلى خلقه ينزل، فلكلمات الله بهم لها يجدد، ولأوادمه بهم ينشئ ويعدد. في الناس بحق الله وروحه يتواجد، فيوجدون، وبنوره فيهم يتصل فيتحققون، وإلى جماعه يوصل فمن أدنى لأعلى يتعارفون، وبأعلى لأدنى يتراحمون، وبوحدانيته فيه يعرفون ويتعارفون، كعبة لقائمه يطوفون، ويد عطائه، وقانون جزائه، وبيت خلاصه ورضائه يدخلون، وشرعة ولائه، ونعمة رجائه يتابعون.

جاء الحق به كافة للناس، لأُناس لا يفرقون بين الله ورسوله، ولا يفرقون بين رسوله ورسله، ولا يفرقون بين رسله ومُثله، ولا يفرقون بين الخالق وخلقه، ولا يفرقون بين العبد وربه، ولا يفرقون بين الحق ووجهه، ولا يفرقون بين الكل وبعضه، ولا يفرقون بين الآباء وأبنائهم، ولا يفرقون بين الأبناء وآبائهم، فالمؤمنون بالله ورسوله بذلك يتواصون، وعليه يتلاقون، وله يعملون، ولأنفسهم يحصلون.

إن المثالية التي ضربت للناس من قديم، والتي تضرب في دوام في قائم، والتي هي في قائمهم قائم، وفي أمرهم دائم، إنما هي الإنسان للإنسان، الإنسان في شهادته للإنسان في غيبه وكنزيته، الإنسان في حقيته للإنسان في خلقيته، بالإنسان في جماع خلقيته وحقيته للإنسان في حقيته، بقيامته من خلقيته، خلق مع خلق يتلاقون، وحق مع حق يتوحدون ويتعارفون.

هذا ما كان في تمامه وكماله، لمحمد ومثاله، في قائمه بفرده وجمعه وآله، في بيانه بكتابه وحاله، في قائمه بشهوده لمن حوله في موجوده، شهدوه عين المجتمع عليه من غيبه لقديم تواجده في قديم موجده، على مثال من تواجد قائمه في قديم وجوده، فكان بذلك ثالوث معناه، للجديد المحدث، والأقدم المحدث، والقديم الذي لم يحدث.

إنه مظهر الثالوث، بدانيه لقدمه، لإنسان قائمه، بحق قيامه، وجها لعليمه وعلامه، رأس الإنسان وقدمه، قلب الإنسان وهيكله، عَبَّر عن وحدة الوجود بآحاده لشمسه وقمره، وأرضه، وأفلاكه بسماوات أراضيه، وشموس شمسه وشمس شموسه، وقمر أقماره وأقمار قمره، أقمارًا وأقمارا من مثاله، كان على الحق العنوان، وقائم الحق للعيان، إنسانا لإنسان عند إنسان في إنسان.

إن هذا الذي كان قائم كائن، ومن قبل أن كان، كان بقديم كائن، إلى ما كان ولم يكن قبله كائن، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٥]، {أولم يروا أنَّا نأتي الأرض، ننقصها من أطرافها}[٦]، برسالة متصلة دائمة، لحقيقة عاملة قائمة.

إن الذي تم لمحمد فتوفى، وبالمحمود من المقام بُعث فقام، فكان في سلام الله، وكل ما فيه في سلام، إنما هو أمر يتجدد في دوام، في دورة العصر والدهر في الزمان، لما هو الإنسان فوق الزمان وفوق المكان.

يتساءل الناس، يوم تستيقظ عقولهم، من يكون سلفربرش؟؟؟ إن سلفربرش لا يخاطب الناس إلا وحيا… أو من وراء حجاب، فيأمر موصوليه، وحُجب حقه، وقائم نفسه، وألسنة نطقه، وكلمات كتبه، وامتداد وجوده، وإشراقات نوره، وومضات تواجده، ووسطاء ظلاله، وقائمي حاله… قولوا لهم عن لساني… فأنتم بلساني تتحدثون، وبمعرفتكم عنكم، معرفة عني، في قيام بي، بقائم مني، إلى قائمين في غفلتهم عني، مزوية أرضهم لوجودي، مهيأة قلوبهم لشهودي، مُعدة عقولهم لموجودي، لجديد في وجودي، لظهور موجدي، لحقي تواجدي… قولوا لهم عن لساني وأنا في ألسنتكم الناطق، قولوا لهم عن بياني وما كنتم فِيَّ غيري، غير بياني ولساني، لكم بي يوما قائم عنواني… قولوا لهم… (إني عبد الله)، وهل في الوجود شرف، أشرف من أن يكون الموجود عبدا لله! (إني عبد الله)… إني أشرف ما في وجود الله، الذي يملك كل وجود، ويملك العبد جماع العابد والمعبود، ويملك الكون جماع الخالق والمخلوق، ويملك الملك والممالك والمملوك، ويملك كل مالك، ويسود كل ملك، وينزل دون كل مملوك. إنه الإحاطة، لا قبل لها ولا بعد، لا فوق لها ولا تحت. إنه الإحاطة، لا شريك لها من محوط، ولا سلطان عليها من محيط.

قولوا لهم إني عبد الله… قولوا لهم إني شرف العبودية لله… قولوا لهم إني حقية العبد لله… قولوا لهم إني العبد لله، روح من روح الله، أمر من أمر الله، لطيف من لطيف الله… قولوا لهم إني قبس من نور الله، بين أقباس من نور الله من مثالي، لأقباس من نور الله نحن لها فيها، لأقباس من نور الله هي فينا لنا، أقباس من نور الله هو فيها، لأقباس من نور الله هي فيه، أما يرضيكم هذا!! أما يكفيكم هذا!!

إني روح لذات هي بي ذات لروح، من كنت روحه كان ذاتي، ومن لقى ذاتي فدخلها بابا لساحتي، كان روحي وكنت روحه، فمن كان ذاتي كنت ذاته، ومن كان روحي كنت روحه، فمن كان ذاتي وكنت ذاته، ومن كان روحي وكنت روحه، كان مني وكنت منه.

من عرفني طلبني… ومن طلبني وجدني… ومن وجدني عشقني، ومن عشقني محوت ماديته، ومسحت ظلاميته، ومن محوته ومسحته كنته وكنت مسيحه… كنت صحيحه ومليحه، وخلصته من ذميمه وقبيحه، وخلص بعمله وبهديي ومعونتي من كنوده، ومن معزول وجوده، ومن مادي تواجده إلى روحيي تواجداته، كان حقا وكلماته، وكان أمرا لله وآياته، كانني يوم كنته، وكنته يوم كانني.

أنا من ظهر لكم فأنكرتموه، وقام بينكم فجحدتموه… أنا حق رسول الله ورسله ما عرفتموه… أنا ربه، وهو ربي… هو مني وأنا منه… هو ولدي، وأنا وليده… هو جديدي لقديمي… وأنا قديمه لجديده… هو قائمي وأنا قائمه… هو دائمي لوجودي، وأنا لوجوده دائمه لا فرق بيني وبينه.

عَلَّمني من عَلَّمه، وكلمني من كلمه، وعرفني من عرفه، وجافاني من جافاه، وكفر بي من كفر به، ووالاني من والاه، ووصلني من وصله، ومن كان لي كان له، ومن كان له كان لي، لا فرق بيني وبينه، ولا فرق بينه وبيني. لا فرق بيننا ولا افتراق لنا.

حقان، وإنسانان، توحدا، وجمعهما في أعلى الأعلى للعنوان إنسان، وجمعهما في أدنى كل عليّ، لبيان فيه يجتمعان. جمعهما عالي الإنسان، قدسي الوجدان، رباني الإحسان، إلهي البيان. جمعهما من تخلق بالخالق، من لم يظهر إلا بجديده منه تخلق، قياما للعنوان المرموق، بالحق المتجلي، لا يظهر إلا في القلوب، يوم يتجلى للذكر بالمقصود المحبوب، تلقاه القوالب وتعرفه القلوب، يوم تكشف عنها أغطيتها، بمجاهداتها، بأمر الله في أمرها، بإرادة الله في إرادتها، بمشيئة الله في مشيئتها، بقيام الله في قائمها لها، قائم وقيوم وجودها.

بحقها تتواجد، ففي موجودها تتصاعد، في لانهائي تواجد للانهائي تصاعد، أمرا وسطا بين الآمر وبين المفتقر في حيرته لأن يؤمر، فبأمر الآمر يأمر، بالعروة الوثقى يقوم، وبالأمر الوسط يدوم، ليس في مطلق الله للقائم بالحق من الإنسان، إلا العروة الوثقى، والأمر الوسط. ما صعد وتعالى صاعد متعالي، إلا لقى عالٍ من أعلى. وما هبط ونزل متواضع متداني، إلا استقبله متواضع من أدنى لأدنى. إنه الرسول من المرسَل عند المرسَل إليه دائما وأبدا على ما هو الأمر قديما وأزلا، في كل صعود وهبوط، إنه الناموس.

بذلك كان محمد حقا من حقائق، بما أظهره عليه الأعلى، من أمر الدين كله، وبما تلقى من كلمات لله لكلمات لله في قائم وجوده قديما، وفي محدث وجوده متجددا متكاثرا، فكان محمد بذلك إمام الناس لآدم الناس، وآدم الله لآدم الله، وآدما وسطا بينهما لمعنى رسول الله بين سابق من أوادم، ولاحق من أوادم، فكان في قائمه بذاته آدما، وكان بأمته جماعا لأوادم.

فقال لنا مبشرا، وهاديا معرفا، وإماما معلما، أُعطيت جوامع الكلم، فما أدركنا، وعن موجوده إلى موجِده تجاوزنا، وما كنا بعد مع موجوده اتحدنا، فكندنا، ورُددِنا، ورُفِضنا.

ردتنا السماء ذات الرجع، مرة وأخرى، إلى الأرض ذات الصدع، فيها لبثنا أحقابا، وجددنا على الأرض جلودا وثيابا. وها نحن هذه المرة، رجعنا إلى الأرض مآبا، وقد لبثنا في يوم الفصل أحقابا وأحقابا… وها نحن رجعنا لإدراك ما جهلنا من أمر أنفسنا طاغين، ولو كنا صالحين ما كان لنا إلى الأرض مآب وحنين، وما كان لنا عليها جديد ثياب بجلود، عذابها عندها كان غراما، تتعرض للشمس وزمهريرها، وتزعم أنها في الجنة ونعميها…

ما دخلت في حياة لا شمس فيها ولا زمهريرا، حياة فوق المكان وفوق الزمان… ولكنهم في النار والنير، لهم فيها شهيق وزفير، في شهيق أهلها وزفيرهم، ليتنسموا ريح الحياة من حولهم، يضفونها على محروم منها لداخلهم. هلا عطروا بذكر الله شهيقهم وزفيرهم، فكانت النار بردا وسلاما لهم، فبُعثوا بالحق في القلوب، وصقلوا بقائم الرب القوالب، فطوروها من قالب لقالب، وجددوها لقلب لا شريك له من القوالب، لا تأخذه سِنة ولا نوم في قالب.

قلب هو قائم أرض الله وجنته لذاته وصفاته، فحمدوا الله الذي أورثهم الأرض، بين جوانحهم وفي صدورهم، فسبحوا في الجنة عرضها السماوات والأرض لا حد لسمائها بعاليها، ولا حد لسفلها بدانيها، سبحوا بقدرتهم وإرادتهم، كما يشاءون، وفي فسيح الوجود انطلقوا، وحرصوا على انطلاقهم، فما عادوا إلى قيد بجلدتهم، وقد توفوا إلى حقيقتهم، على ما وعدهم من خلقهم لنفسه، وعَبَّدهم لذاته.

إن هذه المثالية للناس لاقتدائهم بقدوتهم، كانت لمحمد، هي لهم برب محمد، وبرسول ربه إليه، روحا ألقى، يحمل نورا أشرق، لقلب افتقر، وعقل انبثق وانطلق واتسق[٧]، لروح تحرر من شتات مقيد، إلى إنسان على أرضكم تجمع ومنها انطلق.

ولكنه وقد بُحَّ صوته لأسماعكم، وكلت قَدمه في آثاركم، منكم لم يُسمَع، سمعته الآذان ولم يسمعه الوجدان، سمعته القوالب ولم تتفتح لسماعه القلوب، وهو ما جاء للقوالب وما كان بين القوالب قالبا، ولكنه جاء للقلوب، وكان للقلوب قلبا، زويت له الأرض، وهي قلب إنسانها، جاءها ليكون قلبا لقلبها وليكون لقلوب أبنائها كما هو لها قلب، ولتكون له، وليكونوا له قالب، فهو الكوثر وصاحب الكوثر، وهو للحق بالحق قائم مظهر.

ها هو يعود من السماء للروح، بسماواته… وها هو ينشق عن الأرض للأرض، بأراضيه لذواته… ها هو جمع الناس انشقت عنهم الأرض في يومكم… وها هو جمع السماوات، انشقت عنها سماء الروح تدانيكم، هو في ركب الأرواح من ورائها لها جماع، وهو في صالح الأشباح في قائمكم لعصركم لها اجتماع. إنها ثورة الوجود لتجديد نفسه، وحمايتها من حماقة جنسكم لموهوم جنسه.

{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك}[٨]… {عسى أن يبعثك ربك، مقاما محمودا}[٩]، في قديم عَرَفته وعرَّفته، وفي قديم شهدته وأشهَدته وقمته وفي القلوب نشرته وأقمته، ولقادم لك ولقومك رجوته، وها أنت بقائم بدأت فحققته، وفي قلوب الناس شهدته وأشهدته، فبعزته لك، فيهم عليهم أعليته، قبلتهم لنفوسهم وبنفوسهم بالحق نفسا لك، بعثتهم وأقمته، سجنتهم فيهم فيه فأطلقته، وجسدا لهم بقلوبهم طويته فأحييته، وقلبا مشرقا أوسعته، وفي الناس نشرته، وبيتا لك دخلته وأدخلته، فأحييتهم وأوسعته، يوم أنت بهم جددتهم فجددته، فحققتهم وكوثرته، ومن التقييد طورته، وإلى الإطلاق يسرته، توحدته وحررته، وإلى اللانهائي له بالمنطلق قصدته.

أنت رسول الله، أمرا لله عرفته وقمته، وتوحدته ووحدته، فوحدانيته أشهرته، وشعار لا إله إلا الله أبرزته ونشرته، ونصبا بين الناس لله قمته، فكنت الكعبة وبيته. والناس، عبادًا وأربابًا، بالله فيهم قمته، ولهم عنهم أشهدته، وقلت لهم فيهم قولا بليغا وصلته، فالعروة الوثقى، لهم، بعثت فبعثته، وبالقديم وبالجديد لهم وصلته، وللقديم والجديد بالحق، بهم عليهم، جمعته.

أنت برزخ الناس… أنت الناس… أنت رب الناس… أنت عبد الناس… أنت حق الناس… أنت خلق الناس… أنت ملك الناس… إيمانا بالله ورسوله عرفناك، وكلمات لله ورسوله قمناك، فشهدنا عيسى قام بمعناك، في معناك.

فماذا ونحن قائم أُمته آباءً وأبناءً عرفنا؟ وبأي أمر منه لنا بنا شرفنا؟ هل به تلاقينا؟ وهل فيه تواصينا؟ وهل به تسامينا؟ هل فيه تناجينا؟ هل معه تنادينا؟ أم أنّا له بيتا هدمنا، وأهلا قطعنا! وكوثرا به ما تواجدنا، لكوثره لنا ما وردنا، ولا قبلنا! في شهداء علينا هو عليهم الشهيد، ونحن بهم على الناس الأمر الوليد، والحق الجديد، والأصل الفريد ما عرفنا! وهذا ما به أُمرنا، وهو لنا به شرُفنا.

هل وعينا ما جاء به كتاب الله؟ هل قَدَّرنا ما قام فيه بيننا رسول الله، قامه بذاته وجمعه، وجدده بجديدها وظلالها من بعده دوام قيامه بذاته وظلاله في قائمه بحضرته، في أمسه وغده ويومه؟ هل جددنا يومه لأيامنا؟ هل جددنا قومه لأقوامنا؟ هل جددنا بيته لحياة بيوتنا؟ هل جددنا وجوده لتواجدنا؟ هل جددنا حقه لخلقه فينا، تخلقا بمعانيه لمعانينا، يوم رددنا إليه معانينا لتكون في معانيه، وأضفنا إليه مبانينا لتكون في مبانيه، حتى تكون بيوتا في مدينته، ولبنات لبيوته في حضرته، في لا إله إلا الله، لقائمها بمحمد رسول الله؟

أم أنها عندنا لغو من كلام، خالٍ من قيام، بعيد عن العلَّام، مستقل عن موجود العليم، وهو بيننا مقيم؟ أليس فيكم من رجل رشيد؟! يقوم به الأمر من جديد.

ها هي السماء تدانيكم بروحها… وها هي الأرض تنشق بحقائقها لمن ألقى السمع وهو شهيد.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم يا من كنت لنا برحمتك يقظين وغافلين… اللهم اكشف حجاب الغفلة عنا كرما وعفوا وجودا.

اللهم بمن كشفت عنه كل حجاب، وجعلته كل قيام وإياب… وجعلته الحجب برحمتك… وجعلته الإشراق بطلعتك… وجعلته الفعل بعزتك… وجعلته الصبر بحلمك… وجعلته الهمة بنجدتك… وجعلته السعي في طريقك… وجعلته الطريق… وجعلته الصديق… وجعلته الرفيق… وجعلته حياة الطريق لطالبي الحياة… وجعلته نعمتك للمفتقرين إليك… وجعلته طلعتك للمتلهفين عليك… الحريصين على الحياة، حرصا عليك، المستقبلين لقلوبهم، بيتا لك، الشاغلين لعقولهم بحثا عنك، المسخرين لجوارحهم مرضاة لك، المجافين لماديهم اتقاء غضبتك، المحررين لأرواحهم إجابة أمرك، الساعين إليك في أنفسهم رجاء نعمتك، الباحثين عنك في معانيهم إيمان وحدانيتك، الراضين عنك في مواليهم، المؤمنين بالله ورسوله بهم، لقائمهم وأمرهم فيهم، الراضين عن الرسول ليكونوا به كلمات لله ورسوله، الراضين عن عيسى، وعن موسى، وعن إسحق، ويعقوب، رفاقا قامت فيهم معانيهم، الغافرين للأسباط وعاذريهم، المتأملين في هذه الأنماط، وحكمة الله فيهم، المتأملين في أمر إبراهيم وإسماعيل ومواليهم، المستمعين لقول إبراهيم وإسحق وبنيهم، الطائفين حول محمد… حول المسوَّد… حول المعبَّد… حول الممجد…. حول الممهد… حول المسلَّم… حول المسلِم… حول المعلَّم، حول المعلِّم، كوثر الوجود، وسر الحياة لكل موجود… إنسان الله وعبده… رسول الله ورحمته… الكلمة الطيبة الثابتة والجماع… البستان ذي الكلمات والأشياع… الجنة وجماع الجنان، هو ما يمكث في الأرض من الآيات، وما ينفع الناس من أحواض الحياة والحيوات، وحضرات الرحمات، من جاءنا بالبشرى لميراث الأرض ومن عليها، بقولك وأنت الصادق، وأنت القادر، {ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}[١٠]… {فأما الزبد فيذهب جفاء}[١١]… {كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}[١٢].

إن العاقبة للأشجار ذات الثمار، بثمارها ومن ثمارها تتكاثر الأشجار، أما الأشجار المورقة ولا ثمر لها، فالنار أولى بها، {جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، فإذا أنتم منه توقدون}[١٣]، إنها الحياة بألوانها، وإنها البشرية بأرواحها وأبدانها، إنها الإنسانية بعنوانها، لقائمها بأرواحها، في حضرة من أشباحها، طبقا بعد طبق ترفع، وطبقات بعد طبقات ترد، وفي كل طبق يرفع معه أئمته، وفي كل طبق ترد معه نبوته.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم اكشف الغمة عن الأرض… اللهم اكشف الغمة عن هذا البلد، وعن بلاد المسلمين، وعن بلاد عبادك جميعا… اللهم اكشف الغمة عن أنفسنا… اللهم ولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بغضبتك، ولا تتركنا لعدلك دون مغفرتك، ولا تتركنا لحقائقك دون رحمتك.

لا إله أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

اللهم ألف بين قلوبنا… اللهم حرر أرواحنا… اللهم أنر عقولنا، اللهم أشعل نفوسنا… اللهم قوم جوارحنا… اللهم ابعث فيك قلوبنا… اللهم يسر أمورنا… اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.

أضواء على الطريق

من هدي السيد الروح المرشد سلفربرش الموجه للبشرية الأرضية بضرورة تصحيح الفهوم العقائدية لما بعد الموت، حتى لا تتعطل النفوس البشرية عن رقيها الروحي وسيرها التقدمي في معراج الحياة، وهو يتحدث عن الأرواح الملازمة للمقابر في انتظار يوم قيامة رسم لها من خيال من رسمه، بعيدا عن المفهوم الصحيح لما بين أيديهم من أحاديث السماء أو الكتب الدينية. وعن الأرواح التي تراها تواصل حياتها الزمنية، ولا تدرك لانتقالها إلى الجانب الآخر من حياتها الشبحية فيقول عنهم:

(إنهم في الواقع قد كونوا فكرة طوال حياتهم الأرضية من أنه بعد موت الأجسام، عليهم الانتظار إلى أن ينفخ الملك جبريل في الصور. فهم مربوطون في ذلك السجن إلى أن يتمكنوا بواسطة تكييف أنفسهم من أن يحطموا القوة التي خلقوها. وهو أمر يخصهم ولا يزول عنهم إلا بفعلهم وإرادتهم. وهم غالبا ما يمتنعون عن قبول التوجيه الذي يقدم لهم من إخوانهم هنا بزعم قيام المعرفة والإيمان عندهم.

وهم بالضبط كالذين يرفضون التصديق بأنهم قد انتقلوا. وطالما هم يرفضون تصديق ذلك فنحن لا يمكننا جعلهم يصدقون. وليس لديكم فكرة عن المتاعب والصعوبات عندما نحاول أن نؤكد لهم أنهم أموات، وكثيرا ما تثور المناقشات بيني وبين هؤلاء فأسمع من أحدهم: (كيف أكون ميتا إذا كنت حيا؟)، وهو لا يصدقني ويتركني بنية أن ينتظر ليوم البعث.

يجب أن تتذكروا أنه لا يوجد عندنا شيء شبيه بالوقت. فهم لو عرفوا أنهم ينتظرون لحطموا فكرة الانتظار. إنه سجن من فعل النفس. ولكن ترجمة هذه الأشياء إليكم، بعيدا عن التجربة والمشاهدة، أمر من الصعوبة بمكان. فليس لدينا زمن كالذي تفهمونه، لأنه ليس لدينا أرض تدور حول محورها وتعتمد على شمس كنهها الليل والنهار، إذ كيف تحسبون البارحة والغد ليومكم إن لم توجد تقاسيم الليل والنهار؟)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  2. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  3. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  4. سورة النجم - ٤ ↩︎

  5. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  6. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  7. هذه الكلمة مكتوبة في النسخة المنشورة والأصلية “اتثق”، وغيرناها إلى “اتسق”. ↩︎

  8. سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎

  9. سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎

  10. سورة الرعد - ١٧ ↩︎

  11. سورة الرعد - ١٧ ↩︎

  12. سورة إبراهيم – ٢٤، ٢٦ ↩︎

  13. سورة يس – ٨٠ ↩︎