(١٢)
نشهد
أن الناس نواة لأوادم الله، والمؤمنين كلمات الله،
والعارفين رسل الله، والمرشدين حقائق الله، والروحيين أمناء الله
وأن الروح المرشد (برش)
أمين الله وإنسان الله، وتمام كلمة الله متوفاة
وروح الله لذوات رسول الله، وعبد الله، لإحاطة وجه الله
صلاة عيد الفطر والاحتفاء برأس السنة الميلادية
١ شوال ١٣٨٧ هـ - ١ يناير ١٩٦٨ م
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يجري منا مجرى الدم، ويجعل من أنفسنا بين جوانحنا عدوا لنا، وما أوجدها الله إلا لنفسه، جعلنا بها بشرا، وبَشَّرنا ببشريتنا أن يتواجدنا، يوم نغير ما بأنفسنا من غرائزها لصفات المادة، إلى تخلقنا بخلقه، لوجوه ذاته بحقائقه للإنسان بالإنسان.
زين لنفوسنا من مادي غرائزها حُب الشهوات، اختبارا وابتلاءً لها، حتى تتغير من طبيعتها بغريزتها، إلى طبيعتها لحقي بشريتها على ما هداها، وجعل من نفسه لقائم نفسها موعودها، وجعل من أمره أمرها، وجعل من سره سرها، وجعل من كنزيته كنزيتها، وجعل من ظهوره ظهورها، في قائم وقيوم حقيها من حقيقتها.
فلقائم الإنسان عَرّفها، وبقيامها لمعنى الإنسان عَرَفها وشرفها، ومن قائم الشيطان بها لماديها حذرها، وبالخلاص منه بشرها، وعلى الاهتداء إلى الأعلى أقرب إليها من حبل الوريد قدرها، وبالله معيتها ذَكَّرها، وبالعقل دَبرها، ولتدبير أمره بها إليه يسره ويسرها.
فبما فيها من تراب الأرض قَبَرها، وبما في الأرض من روح الحياة من الأرض أنبتها وبالحياة جددها وكوثرها، ومن الأرض أخرجها، وفي السماء بعثها، وإلى السماوات أرسلها وأقامها، فسلمها وعلمها وقومها، ومن عليّ ردها برسالة فكملها، وتوفاها، فصبغها وسواها، ومن السماء والأرض نفسا له حررها، طليقة منطلقة في الوجود، عضدا له قدَّرها، سابحة في مطلق الوجود، جنة لها ووجها له مكنها.
ألهمها فجورها وتقواها، بقائمها في مبتداها، وبذلك علمها وهداها، فخرجت عن الفجور والتقوى بفعلها لصفاتها، فقومها وحققها، ووجهه تجلاها وسماها، وباسمه بيتا له دعاها، وعبدا وهيكلا له بناها، وحقيقة به أبقاها، وشرفا لها شَرُفت به انتسابا إليه، أعلاها وأدناها، وبها ربانية جدد لها بيتها ومبناها، فخلقت نفسها مرآة لها لتراها، وخلقت لنفسها جديد السماوات والأرض، لمن أدخلت وأنشأت في بيتها لمعناها، لظهور شرفها وعُلاها بمن خلق السماوات والأرض لها في جمعها لمبتداها، فلنفسه عناها، وإلى نفسه أضافها وأعلاها، على ما وعدها، وعلى ما بشّرها، وبشرًا أظهرها، {وقليل من عبادي الشكور}[١]، {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}[٢].
إن من حرص على أمر الله له، ولم يفرط فيه، فالعناية معه في مهابطه ومراقيه، في كل أطواره، وفي كل أسراره، وفي كل أحواله.
فهلا على معية الله لنا حرصنا، وعنا إليها بالحق بُعثنا، فوجوها لله قمنا، ووجوها لله قوَّمنا، ووجوها لله جلونا، ووجوها لله بقينا وأبقينا، ووجوها لله علونا، ووجوها لله أعلينا، ووجوها لله بيننا تواصينا، ووجوها لوجوه أسفرنا وتجلينا ودانينا، وعن مدانينا رحمة به وهدية منا نزلنا، وإلى الأعلى لنا حملنا ورفعنا، وإلى المنفرد وجهنا ودعونا وعلمنا وأعلمنا.
فإلى الله لجمعنا دعونا، والناس إلى رحمته دعينا، وإليه برحمته سعينا، وبرحمته وعزته عليهم تولينا، فما في كبر بنير حكمنا، ولا ببهتان قمنا وظهرنا، ولا على الخلق في حقهم بحقنا علونا، ولكن في أنفسنا شرفنا وسمونا، ولنا بنا إلينا قمنا وسعينا، فبالله قَدَرنا، وبالله قَدَّرنا، وبالله عرفنا، وبالله عرَّفنا، فكنا حقا أُمة محمد، باسمه نودينا، مشهودا في قائمنا ومعانينا.
فبمحمد شَرُفنا، وبمحمد عززنا، وبمحمد عرفنا، وبمحمد تحققنا، وبالحق به لأنفسنا خلقنا، فأنفسنا بنا فينا جَدَّدنا، وإلى جديدنا عرفنا وتلاقينا، فكنا أُمة الفطرة، ورسالة الفطرة، ودين الفطرة، وأمر الفطرة، وقائم الفطرة، وبعث الفطرة، وصوت الفطرة، وكتاب الفطرة.
فإلى أهل الكتاب تحدثنا، ومعهم في الله تجادلنا، وبالحق عَرَفنا، ولنا معهم، ولهم معنا، على أمرٍ تلاقينا، فيه توحدنا، وإلى كلمة سواء بيننا وبينهم، بها شَرفنا، ولنا وُعِدنا، تجادلنا وتحدثنا، عَلمنا وتعلمنا، تكلمنا وسمعنا فتلاقينا وعلى الله بنا اجتمعنا، وعلى أن لا نعبد إلا الله، اصطلحنا، وصلاتنا معهم وثقنا، فما على أمرهم أنكرنا، ولا بالأحسن عندنا من أمرنا عليهم طغونا، وعلى الفطريين نحن وإياهم اجتمعنا، ومعهم اتحدنا ولصدقهم أكبرنا، وعليهم في حقهم بحقيقتهم ما أنكرنا، ولعلمهم ومعلميهم وجه أعلينا[٣] وقدرنا.
تلاقى بهذا العام أمرنا وأمرهم في عيدينا، فهلا بهذا التلاقي اتعظنا، وبه وعظنا، ولهم حيينا. بعيدهم عيدا لنا ذكرنا، وحييناهم، كما حيونا، وأجبناهم على ما خاطبونا.
قالوا هل تلاقونا؟ هلا قلنا إننا من قديم تلاقينا، فلاقونا على ما علمنا، وكما عُلمنا من المعلم الجامع لكل معلم عرفنا، وبمعلمكم معه وفيه شَرفنا، فكلمات الله عليها ما أنكرنا، قبل الكلمة التامة إلينا بها قمنا، وظلالًا لها بيننا لنا عليها اجتمعنا، وقبلها وبعدها في التقدير جمعنا، وما رأينا بشريتنا إلا كلها بقيامها لقائمها، وقائم قيامها، بقبلها وبعدها، لتمام أمورهم في تام أمرها، فما رأينانا إلا جمعها، وما عرفنا الحب إلا في اجتماعنا لها.
إنا نفتح لكم قلوبنا، فافتحوا قلوبكم لنا، واستقبلونا لندخلها، حتى نستقبل في قلوبنا مدخلكم فينا، لتلاقينا على من يعنيكم ويعنينا، كلمة بيننا وبينكم سواء، فلا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله.
فالله لنا ولكم رابين، والله لنا ولكم مربوبين، والمربوبون في الله ليسوا أقل من الرابين بل يزيدون، فالمربوبون عباد الله، وحقائق من تجهلون، وأرباب لمن يرعون، والرابون حقائق الله وعباد لمن تجهلون، فإن أدركنا وقدرنا وفهمنا فإن الرابين هم المكلفون والمسخرون، وإن المربوبين هم الطلقاء والمسعودون، المخلفون لله على أمورهم وما يربون، بأرباب من حقهم بها يظهرون.
إن النبوة كانت وصلة وصِلة بين رب وعبد، بأمر وسط بين أمرين، وإن العبودية لله في جماعها بأمورها، لأحدية أمرها، إنما هي إحاطة قيام بحق، لعابد ومعبود وما بينهما، وشاهد ومشهود في سياجهما، وموجد وموجود في بيتهما، ومتواجد ومفقود في أحدية كون لدوام وجود. هلا على ذلك تلاقينا وبيننا به تواصينا.
فلا نتخذ من الدنيا وأشيائها سيادة علينا، ولا ربوبية لنا، ولا جنة وهمية لوجودنا، هي لنا ولكم خُلقت، وهي لنا ولكم سُخرت. هلا تلاقينا على الله، وفارقنا التنازع عليها، والتخاصم بسببها، بالخلاص منها وركوب مراكب النجاة وسفن الحياة، بكلمات الله تترى بيننا، سواء لنا، ظاهرة وخفية، دانية وعلية.
إن كلمة الله لغايتنا في جمعنا واجتماعنا، ضُرب بعيسى لها مثالا لكم ولنا، وقامت بمحمد بوجود منكم وفينا، وبوجود يقتدى لكم ولنا، ووعدنا وإياكم أن تتجدد منا لنا فينا بكهولة، على ما واصلت فينا وفيكم لنا ولكم برجولة، من قيامها بينكم وبيننا بطفولة. إن صدقتم بالصادقين منكم في التلاقي عليها، ففينا من صدق في التلاقي عليها فيها بها، وفيكم وبينكم كما هو فينا وبيننا من يصح أن يصدق في التلاقي عليها، قياما بها. فإن وهمتموها بينكم وفيكم دوننا، فمنا من توهمها فينا وبيننا دونكم، حالنا حالكم وأمرنا أمركم، (زويت لها الأرض)[٤]، (لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى)[٥].
فهلا تلاقينا فتعارفنا، فعرفتم وعرفنا، عرفنا وعرفتم أنا ما أسلمنا لله، إلا يوم أنا للرسول أسلمنا، وما أسلمنا لله كلمة له إلا على ما هديتم بدينكم دان لديننا، وعرفتم أنكم اليوم لا تمسحون في الله ولا تسلمون له إلا بديننا دان لدينكم، فلا دين لنا ولا دين لكم، في حال الاستقامة لنا أو لكم، إلا باجتماع الدين لنا ولكم، لا فرق بيننا وبينكم.
ولو تلاقينا لعرفناها كلمة تامة متوفاة، متصلة متواصلة فينا وفيكم وفي أمم دوننا ودونكم، فيهم جحدتموها وجحدناها، وعليهم أنكرتموها وأنكرناها. فهلا تلاقينا عليها جميعا، زويت لها الأرض في قائمها بمعناها، تتجلى لنا اليوم بالروح من علاها، رسالة موعودة انتظرناها، ها هي جاءتنا فأنكرناها.
ربنا وربكم واحد، وإلهنا وإلهكم واحد، وكلمات الله إلينا وكلمات الله إليكم أمر واحد. فهلا تلاقينا بما عندنا، وبما عندكم، فتوحدنا بما عندنا وبما عندكم، فتوحد جمعنا، وتواصينا بيننا إلى كلمة سواء، لنا ولكم، مستوفاة في علاها، توفاها الله بيننا في مبناها، فيمن اصطفت ممن رضاها، لاجتماعنا وإياكم واجتماعكم وإيانا حول مبناها ومعناها، كلما تجلت بيننا فلاقيناها، أو تجلت بالروح منادية من عوالم الروح في علاها، فسمعناها ولبيناها.
لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فما كان عيسى إلا كلمة لله في مهدها بين كلمات في مهدها، وما كان محمد إلا كلمة لله تمت بين تام كلمات، وما كان عيسى إلا آية لله وجماع آيات، وما كان محمد إلا آية لله وجماع بينات، وما كان عيسى إلا عبدا لله من عباد، وما كان محمد إلا عبدا لله من عباد، فلا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله بالآيات والكلمات نحن ظلالها، لجديد لها بالحق في الخلق، كلمات وآيات.
فهلا اجتمعنا، وتلاقينا، حتى تظهر لنا ولكم الكلمات، وحتى يظهر بيننا وبينكم العباد والآيات، حتى ترفع على أرضنا الأعلام والشعارات، وتزول من أمامنا لجمعنا واجتماعنا العقبات، ويرفع شعار الأمان، وانقضاء سلطة الطغاة والطغيان، ورسالة الطاغوت بالبهتان، {لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا}[٦].
ليس هذا مستحيلا، {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة}[٧]، (فليأتِ ملكوتك على الأرض كما هو في السماء)[٨]، (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا)[٩]… (لو لم يبقَ من عمر الزمان إلا يوم، لمد الله في عمر ذلك اليوم، حتى يخرج الله رجلا مِن أهلِ بيتِي -[١٠] (المهدي ولدي)[١١] - (لا مهدي إلا عيسى)[١٢]… (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم)[١٣]… (مريم إحدى زوجاتي في الجنة)[١٤].
هل عرفنا ما بين محمد وعيسى؟ هل عرفنا ما بين محمد ومريم؟ هل عرفناهم أُسرة واحدة؟ هل قدَّرناهم بيتا واحدا، يذكر فيه اسم الله؟ هل شهدناهم وجوها لله، تجلى بها إطلاقه، وأشرقت بأنوارها آفاقه، كان لها من الناس في الولاء لها ولاؤه، وكان منها للناس رحمته وجزاؤه؟ فما كان محمد إلا تمام البيت الموضوع، من الأب والابن والروح القدس، حقا واحدا قائما دائما {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١٥]، بك {وتمت كلمة ربك}[١٦]، {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب…}[١٧].
سبحان الله… هلا تلاقينا على إنسانية الله… هلا تلاقينا على أعلام الله، بلا تفرقة بين أعلامه، بلا إنكار على اجتماع بيت قيامه بلا تعكير لصفو إنسانيته وبشريته وسلامه، في بيت خلاصه وأمانه، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[١٨].
هلا دخلنا في السِلم كافة بدخول بيته، وقبول ميثاقه وعهده… هلا تواصينا على السلام بيننا حتى يحقق الله السلام والسِلم لنا، باستلال السخائم من قلوبنا، ونشر الكرامة فينا، متابعة لمن برحمته يصطفينا، وبتوليه يوالينا، يقوم بمبانينا ومعانينا، يوم نجعل من أرضنا بقلوبنا بنعمته جنة لنا فينا، ونتواجد على هذه الأرض، كلمات لله، بأشجار باسقة في الأرض ثابتة، جذورها في الأرض تغور، وفروعها في السماء تعلو وتطول، بامتداد أنوار من أنزل معه لدائم من الله النور، يمشي به في القلوب فيخرجها من أجداث القبور.
به ندور في الزمان دورات العصور، لا نعرف لذواتنا القبور، ولا نعرف لمعانينا النشور، ولكننا نملأ ونعمر القبور بالنور، ونهيئ من عملنا القلوب للنشور، من صنعنا بها، من خلقنا لها، من فعلنا فيها، من قيامنا امتدادا لنا بها، من تكاثرنا بمعاني الخلق والحق، لنا بنا فينا، بنفوس لا تبتر عن الخلق، ولا تشنأ في الحق، بل سلام في قيام، وقيام في سلام، جنة الله بنعمته، ونار الله بحكمته.
إنكم يوم تطفئون نار أنفسكم بالأحقاد فيكم، وتشعلون نار الله في سُرج مبانيكم، تزرعون جنة الله في أرض قيامكم لمعانيكم، بقلوبكم لمغانيكم، لجديد فعلكم لمتواصل قيامكم، فجنتان، جنة قيام في قيامكم تكسبونها بعملكم، وجنة رحمة تدخلونها وتوهبونها من بارئكم.
فيتسع الوجود من عملكم بعضد الله، هو موجودكم به له، لقائمه بالسماوات والأرض، واسعة على ما تشهدونها، هي كبير خلق ينتظركم من فعل أبوتكم بكم، لمعاني ربكم، تتجدد وتتسع السماوات بعملكم لكم. {والسماء بنيناها بأيد}[١٩] هي أنتم، {وإنا لموسعون}[٢٠]، وما نحن موسعوها إلا بكم ولكم، {أوليس الذي خلق السماوات والأرض، بقادر، على أن يخلق مثلهم}[٢١] لخيركم، ولنعمتكم، وهو الذي خلق كل شيء من أجلكم، ولنفسه خلقكم.
إن الذي خلقكم من أطوار إلى طوركم، ومن كرات إلى كرتكم، أيعجز أن يبدل أمثالكم، أو أن يغير أحوالكم، ويستل سخائمكم منكم، ويفيض عليكم من محبته لقيام محبتكم، ومن أُلفته لأُلفتكم، ومن رحمته لتراحمكم؟
{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، بيننا وبينكم}[٢٢]، هي لنا ولكم، هي موعودنا وموعودكم، هي شَرفنا وشرفكم، هي غايتنا وغايتكم، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}[٢٣]، يصير إليه كل إنسان بالبر والإحسان، {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك}[٢٤]، {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}[٢٥]، يريدون أن يكونوا وجوها له، ليشهدوا وجها منه، يوم ينقلبون من انقلابهم، فيعتدلون في قيامهم، ويلحقون بسبقهم، يسوون بهم آباءً لأبنائهم بالله لجمعهم.
إننا في هذا اليوم المبارك، ونحن نبدأ عامنا، نطمع أن يكون بالله ورسوله وكلماته عاما مباركا، وأن يكون بيقظتنا من غفلتنا أمرنا فيه ميسرا متداركا.
في هذا اليوم المبارك لنا صادقين ومنحرفين، في متابعة محمد الأمين، وفي محبة عيسى الخليل الضمين لأُخوتنا ولأُخوة إخواننا المؤمنين من متابعيه، صادقين أو منحرفين، منظرين وممهلين، نتقدم إليهم بجماعنا مهنئين بهذا العام المشترك بيننا وبينهم، بدءا لأمر، وانتهاءً لأمر.
نتوجه إليهم محيين، ردا لتحيتهم، وإن كنا نأسف أنَّا نحييهم في أنفسنا، في جمعنا، في دارنا، تحت الثرى في ستر من الله، وفي خفاء من الناس، وهم حيونا في علن، وفي غير ستر من أمرهم، وفي غير خفاء من جمعهم، وفوق الثرى لأرض قيامهم، وإنا لنطمع أنّا نكرر لهم تحيتنا فوق الثرى، وأمام كل الورى، في قادم من يوم، في قادم من زمان، ونطمع أن يكون في هذا العام الذي في عنوانه تلاقينا، وبسره، حُيينا وحَيَينا، فنحن لا نفرق بين أحد من رسله، ولكل رسول سمعنا وأطعنا، ولكل رسول استقبلنا واتبعنا، ومن كل رسول قبلنا وانتفعنا.
بهذا في عديد من قِلة على مدى العصور تواصينا، وعلى مدى الزمان به في الله تلاحقنا وتلاقينا، وفوق الزمان به سمونا، وجماعات اجتمعنا، وبحضرة الله أُلحقنا وجمعنا، وباسم الله تجددنا فتحدثنا، كلما اجتمعنا، ومن اسم الله ومن الله سَمعنا كلما خوطبنا، وقد شهدنا مع من شهد معنا أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا، وأن عيسى، وأن موسى، وأن إبراهيم وأن نوح وعمران، وأن آدم ونوحا، وأن آدما قبل آدم، وأن أوادم بعد آدم، كلها كان لرسالة الله، فكان لرسول الله وإنسان الله بحق الله مسيح، وكانوا بحق رسول الله متوفى لصحيح، وكان باسم رسول الله جميل ومليح، كانوا عبادا لله، ووجوها له، تنزه الله عن المثال، وتنزه الله عن النوال {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}[٢٦].
عَلِم الناس تجديد أنفسهم، والخلاص من كل قبيح تخلقا بأخلاق الله بلا إله إلا اله، برسول الله، إليه نُسب، وعبدا انتسب، ليكون للناس بكوثره لقبله وبعده رسول الله إليهم، قام لقائمه وقيومه بكل وجه ظهر برسالة لله، تتوجت رسالة الله بأحمده، ومحمده، وحامده، ومحموده، في الناس من الناس، عبادا للرحمن بنور الله، فيهم يتواجد، وبهم وجوها لله يُشهد، وبه حقائق لله، من الله بمطلقه، بقائمه وقيومه، بمنزهه ومعلومه، يُشهدون، ويعرفون، وعلى أمرهم يعانون (خلفت الله عليكم)[٢٧].
فهلا تلاقينا على لا إله إلا الله، وهلا تآلفنا على رسل الله، لا نفرق بين أحد من رسله… هلا قلنا وقلتم معنا، سمعنا وأطعنا… هلا هدفنا وهدفتم معنا غفرانك ربنا… هلا طمعنا وطمعتم معنا، وإليك المصير، فعلى الله تلاقينا، وعلى الدنيا تسالمنا، وعن كتب الله علمنا، وجماع كتبه وصحائفه، في كتاب جمعنا، بإنسان لله اعتقدنا، أبناءً له بالحق بعثنا، بإنسان عرفنا، لمثال فيه فينا قامنا واتصفنا، وبه بشرا شرفنا، وأبناءً لإنسان الحق عُرفنا، وعبادا لله وُصفنا، وبيوتا لله في القلوب قمنا، وكلمات لله كلما تجددت بيننا دخلنا، وعلى الحق بها في قلوبنا اجتمعنا، فقلنا معا لا إله إلا الله، وقلنا معا عباد الرحمن رسل الله، يجمعهم معنى رسول الله، في قائم غيبه، لقيام شهادته، كوثرا في شهودنا لا يبتر عن وجودنا، ولا يشنأ في جمعنا.
فبذلك تحققنا، ومن قبيح أنفسنا تَخلصنا، وبمليحها بعثنا وفي الله سلمنا فسالمنا وتسالمنا.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
لا إله إلا الله، عيسى كلمة الله.
لا إله إلا الله، آدم أمر الله.
لا إله إلا الله، الخضر عبد الله.
لا إله إلا الله، (برش) روح الله وأمين الله، ورسول الله وعبد الله، وقبس نور الله لعباد الله.
هذه هي اليوم رسالة السماء، وهي رسالة الفصل والقضاء، والنعمة والجزاء، لرسالة الأرض بالأنبياء والحكماء والمعلمين والأولياء، قاموها بأمر وفيض السماء. واليوم جمعها الروح، لمن لم ييأس من الروح والعطاء، {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[٢٨]، جمعها الروح لمن يؤمن بالله، إيمانا بالروح {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك}[٢٩]، {تعرج الملائكة والروح إليه}[٣٠].
إن الله بث في السماوات والأرض دوابها، وإنه على جمعها لقدير، وها هو في رسالة الروح اليوم يجمعها، وعلى كلمات الله يجتمعها، ويجمع على جمعها عوالم الروح، وعوالم الكواكب، وعوالم الأرض، وعوالم البشر، عوالم الروح بطبقاتها، وعوالم الأرض من الروح، ومن الإنس، ومن الجن بدرجاتها، في وحدانية قيام لأحدية حق.
رسالة جامعة عامة، بها جاء الروح قائما وقياما لرب العالمين، مواصلة لرسالة الفطرة، بدين الفطرة، رسالة تجمع الناس على رب العالمين في أنفسهم، في قلوبهم، في قائمهم، برب العالمين لكل نفس، وعلى كل نفس، لا شريك له.
ظهره الإنسان، رسولا منه لمرسِل فيه، إلى مرسَل إليه له، ذاتا وروحا… ظهره إنسان السماوات والأرض لقائم السماوات والأرض… وظهره إنسان الغيب لعوالم الغيب… وظهره إنسان السماء لمعنى السماء… وظهره إنسان الله في الأرض لأهل الأرض، وتلاقى فيه إنسان الأرض على إنسان السماء، وتلاقى فيه إنسان السماء على إنسان الغيب، فتواجد الإنسان والإنسان للإنسان في الإنسان لحقيقة الرحمن، وجوها له، وأعلاما عليه.
هذه هي أقانيم الإسلام، يتلاقى بها الإسلام، مع أقانيم بني إسرائيل، لأقانيم النصرانية، بأقانيم العقيدة العيسوية تماما لتحقيق أقانيم إسرائيل واليهودية، لمعاني وحقائق الإنسان الواحد لقائم الربوبية في إنسانية الرشاد، عرفها وعرَّفها دين الفطرة، جاء به الرجل الرشيد، حتى يسفر الموعود، وحتى يتحقق الناس بالموجود، وحتى تشرق بنور الحياة القلوب، يوم تتحرر برحمة الله العقول، وتزكو بنار قدس الله النفوس، فتزرع أرض القلوب، وتنطلق من قيودها الأرواح، فلا تسجنها بأسوارها الأشباح، فيعلو أمر الله، وتظهر كلمات الله، وهو ما يقومه اليوم وفي هذا العصر الروح برسالته.
بذلك يتحقق الناس، وتشرق الأرض بنور ربها مرة وأخرى، ويوضع الكتاب، ويرفع الحجاب مرة وأخرى، فإذا الناس بين شقي وسعيد، لا يطغى السعيد بسعادته، ولا يهان الشقي بشقاوته، بل يأخذ السعيد بيد الشقي، كرة أخرى، مبشرا، راحما، ميسرا، مُعلما، حتى يظهر الله، قائم الشقي والسعيد، وقيوم الشقي والسعيد، الناس جميعا له، والناس جميعا لأمره، لا يختلف في ذلك شقي وسعيد، {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}[٣١]، {ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة}[٣٢]، يجتمعون ويتخاطبون {اُنظرونا نقتبس من نوركم}[٣٣].
{يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا}[٣٤]، (إذا لم تذنبوا وتستغفروا، لأتى الله بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم)[٣٥]، {ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}[٣٦]… إنكم منظرون إلى اليوم المعلوم، من مثل ما تشهدون.
يا عباد الله، اتقوا الله، واسترحموا الله، وأحبوا بعضكم بعضا محبة لله، بمحبة بعضكم لبعض، متحابين، متآلفين، لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا شرف لمؤمن بدين، على مؤمن بدين، الكل في دين الله، ما كان في صفاء ويقين.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وصفي الله، وخليل الله، وحبيب الله، أخوة النبيين، وأبوة المؤمنين، وجوهر وروح الحكماء والمعلمين، وقيوم وقيام العارفين، وشفيع المذنبين، وتعالى الله رب العالمين.
أضواء على الطريق
يقول السيد سلفربرش في حديث له بصدد بيان قانون الفعل، ورد الفعل، في حياة الإنسان بين عالميه من الذات والروح:
(نحن لا ندين الرجال الأمناء الذين يخطئون لأنهم لا يدركون… وإنما ندين الذين يعلمون أن ما يقولونه وما يعملونه ليس له أساس من الحق، ويقولون بتبرير أنفسهم، “إذا لم نفعل ذلك فما لنا من كرامة، وما لنا ما نلقيه من تعاليم”، وعلى كل حال لو عمل الخطأ بدون قصد فيجب أن يصحح، وفي هذه الحالة يقوم المخطئ بالتطهير عن طيب خاطر، ويكون التطهير خدمة سارة ومتعة مرضية لأنه يعمل برغبة من النفس.
إن العدالة الأبدية لا يُسخر منها، يا حبذا لو استطعتم رؤية تنفيذ القانون كما أراه أنا ومعرفة مقدار الاعتدال الدقيق في ميزان العدالة. عندئذ سوف يعلمون أن الروح العظيم لا يخطئ.
هلا تثقوا من أن كل معلم عليه مسئولية عظمى؟ لطالما سمعتموني أخبركم وأذكركم بأن لديكم المعرفة ولكن عليكم المسئولية التي تجلبها المعرفة. إذا ما حاولت أن ترفع نفسك فوق إخوانك كيما تقودهم وتعلمهم يجب أن تتأكد من سلامة الأرض التي تقف عليها. إذا لم تكن قد عرضت نفسك لكل فحص ولكل اختبار، وإذا لم تكن قد واجهت كل نقد ممكن، إذا لم تكن مقتنعا أن لك شخصية مستقلة، إذا لم تكن متأكدا من صدق كلماتك فيما تلقي من تعاليم، فلا تجلس مجلس المعلم، وإلا فيجب أن تدفع الثمن لتهاونك وإهمالك (.
وأشار المرشد إلى صدق المساعدة التي يقدمها الروحيون للأرواح المتأثرة بالتعاليم الخاطئة، وملازمتهم للمقابر بجوار أجسامهم انتظارا ليوم القيامة، وأن هذا من المتاعب العظمى لإصلاح هذه النفوس إذ لا يمكن عمل شيء لهم قبل أن يتعلموا كيف يغيرون أفكارهم ويحطمون الأسوار التي خلقوها من حولهم من فعلهم.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة سبأ - ١٣ ↩︎
سورة البقرة - ٢٩٦ ↩︎
تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف: "“إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ…” أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎
حديث شريف: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.”. أخرجه أحمد بن حنبل ↩︎
سورة الإسراء - ٩٥ ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎
من الصلاة الربية للسيد المسيح عليه السلام: “ليأتِ ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء، كذلك على الأرض.” (مت ٦: ١٠). ↩︎
من حديث شريف: " وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا…" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
حديث شريف رواه الإمام على ابن أبي طالب كرم الله وجهه، أخرجه أبو داود، وأحمد باختلاف يسير. وجاء بلفظ “لو لم يبق منَ الدنيا إلَّا يوم لطولَ اللَّه ذلك اليوم حتَى يبعث فيه رجلًا مني-أو من أهل بيتي-يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجَورًا.” أخرجه أبو داود، والترمذي مختصرا. ↩︎
حديث شريف: “المهدِيُّ رجلٌ مِنْ ولَدِي، وجْهُهُ كالكوْكَبِ الدُّرِّيِّ”. أخرجه الطبراني. ↩︎
حديث شريف رواه ابن ماجه. ↩︎
من حديث شريف: " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، في الأُولَى وَالآخِرَةِ قالوا: كيفَ؟ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: الأنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فليسَ بيْنَنَا نَبِيٌّ." صحيح مسلم. ↩︎
حديث شريف: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى." أخرجه الطبراني. ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٥ ↩︎
سورة الزمر - ٦٩ ↩︎
سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎
سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎
سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎
سورة يس - ٨١ ↩︎
سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
سورة الرحمن - ٢٦-٢٧ ↩︎
سورة الانفطار - ٦:٨ ↩︎
سورة الكهف - ٢٨ ↩︎
سورة مريم - ٩٣ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة يوسف - ٨٧ ↩︎
سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎
سورة المعارج - ٤ ↩︎
سورة القيامة - ٢٢-٢٣ ↩︎
سورة عبس - ٤٠-٤١ ↩︎
سورة الحديد - ١٣ ↩︎
سورة الزمر - ٥٣ ↩︎
حديث شريف: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة فاطر – ٣٧ ↩︎