(١١)
إنسان الرحمة والعدل
ملتقى الآباء والأبناء
للانهائي الوجود والتواجد
لأوادم الإنسان للوجود في بحار العطاء والجود
في قائم وقيوم الله
حديث الجمعة
٢١ رمضان ١٣٨٧ هـ - ٢٣ ديسمبر ١٩٦٧ م
باسم الرافع للغم، الراعي للأُمم، جل جلاله، وتنزه عن المثال كماله، والصلاة والسلام على رافع الرتب، مفرج الكرب، عَزَّ جاره، وحقق الخلاص لنفسه من أُدخِل داره، فكان للمسيح المتوفى ظله ورافعه، ولله وليه وشافعه، وللمصاحب في الطريق رفيقه ونافعه.
ورضي الله عن كل نفس لنفسها خافضة، ولروحها مطلقة محررة، ولعقلها طيعة نيرة.
تعالى الله عن كل وصف، وعز الله على كل متصف، لا وجود لغيره، ولا شريك له. تجلى بالوجود للإنسان عند الإنسان، وتجلى بالإنسان للوجود عند الوجود.
عباد الله… أمور الله… وجوه الله… إنسان الله… إنسانية الله… أما آن لكم أن تقدِروا الله حق قدره، فتتآلف على ذكره قلوبكم، وتستيقظ من نومتها عقولكم، وتشرق بنور الله من غفلتها نفوسكم، وتحيا بذكر الله في أوبتها معانيكم، على ما بُلغتم وهُديتم، ممن حقق لنفسه ذلك، ورضي الله به عمن كان كذلك؟
من عرفناه بيننا من أنفسنا، وآمنا بالله ورسوله يوم شهدنانا من نفسه، فعلمنا أنَّا إليه، وعلمنا أنا منه، هو أبوة الآباء، وبنوة الأبناء، عليه أمومة وخلة يجتمعان، وإلى قبلته ذاتا وروحا يصليان ويتصلان.
عرفه الآباء مرجوهم من الحق في قادم في الأبناء، وعرفه الأبناء أبوتهم من الحق في قديم وقادم للآباء، فقامه المؤمنون بالله ورسوله لقائمهم قائم الحق، وعَلم الحق قيوما عليهم بقيومه لقيومهم. فكان بذلك رحمة للعالمين، وكتابا لأهل الكتاب أجمعين.
فكان بكائنه مما كان، وإلى ما يكون، للمؤمنين دينا، وللعارفين كتابا ويقينا، أمر الناس من الناموس، حُمل إليهم حديثه، وقد ظهر لهم، وظهر بينهم علمه وجليسه، فظهر بهم لهم إنسانهم وأعلامهم وأنيسهم وجليسهم، أُمِروا أن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، قائم عبدهم ومعبودهم، لهم فيهم.
هُدي الناس النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، شرف به الناس، وشرفت به البشرية، وقد أعلمت فعلمت أن الآباء وأبناءهم من قبله، يصلون على النبي، قبلة مثاليتهم، لمرجوهم لهم به من بعده في علميتهم، لظاهر الله وملائكته، بإنسانيتهم في آدميتهم (خلفت الله عليكم)[١] لظاهر الحق وظلاله بقائمهم لقيومهم، لظاهر أمر الناموس بغيبه وشهادته، في اجتماع قلوبهم على مذكورها لربهم، باسم الله ورسوله لهم معهم، لقائم الإنسان في قديمه وأزليته، يتجهون إلى مرجوهم لأنفسهم، بإنسان رجائهم وأملهم، فيصلون على النبي {إن الله وملائكته يصلون على النبي}[٢]، (تخلقوا بأخلاق الله)[٣].
وطلب إلى الأبناء وأبنائهم أن يقتدوا بالآباء وآبائهم، فيصلون على النبي، فيصلي الأبناء والآباء على النبي… نبي ورسول البقاء… نبي ورسول العطاء… نبي ورسول الولاء… وقد حقق لنفسه ذلك… {ثلة من الأولين}[٤]، وثلة من الآخرين، في دورة آدم، دائبة لا بدء لها ولا انقضاء.
فيصلي الأبناء وأبناء الأبناء على النبي… نبي الأزل والأبد… نبي الإنسانية أزلا وأبدا… فيجتمع الناس حوله، نُصب الولاء، وبيت الرجاء، وسماء الدعاء، وقبلة الصلاة والولاء، للعليّ الدنيّ، والمداني الأعلى بعليّ، في قائم إنباء، وقائم هدي وعطاء، في قائم ولاء، لعاجل جزاء، فيتحقق لذلك منهم ثلة من الآخرين، اقتداء بثلة الأولين.
فيصلي الآباء وآباء الآباء فيه، على الأبناء والأبناء حوله، قائم إنسان، في قائم العيان، بيتا يذكر فيه اسم الرحمن، ونصبا تطوف حوله وجوه الإحسان، اسما لله، لأسماء لله، ويحقق لذلك فيه المسارعون المتخلصون من شح أنفسهم بأنفسهم لتغيير ما بها إليه في كل وقت وحين.
شَرَّف العبودية والعباد وعجّل للعابدين بالرشاد، فكان عبدا بمن فيه، وعبدا بمن حوله، وعبدا بمن قامه، فكان به العبد حقا، وكان به العبد ربا، وكان به الرب في الله عبدا، فقُدِّر الله حق قدره، وعُرف الإنسان حق معرفته، وشَرف البشر وحقت البشرية، وقام الذكر واستقام الأمر.
فعرف الناس في أمرهم لوصف الناس، منازلهم، ومواضعهم، وصفاتهم، فقاموا في أمورهم خيرَ قيام، فظهر {محمد رسول الله والذين معه، أشداء على الكفار، رحماء بينهم}[٥].
ظهر محمد رسول الله والذين معه، أمرا وسطا، اتجهت إليه أمور الأولين، واستقبلته أمور الآخرين، وأحاطت به حوله أمور المؤمنين، وتوحدت معه أمور العارفين، فقام أمرا للحق، وللهداية واليقين، أمرا للفطرة، والترتيل والرفع والتنزيل، أمر العدل والتغيير والتبديل، أمرا للدين والمعرفة والإبانة والتأويل، في ظاهرٍ من العلم، وفي باطنٍ من السر، بقائم من الحق، في ظاهر من الخلق.
فقام الإيمان، وقام الإسلام، وقام اليقين، وقامت المشاهدة… {والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وآمنوا بما نزل على محمد، وهو الحق من ربهم، كفر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم}[٦]، وما أنزل على محمد، إلا الروح، روح الآباء وآباء الآباء، كان بها لما يليه مما يبرز الله، أبوة الآباء. وكان منه بموجوده، روحا وذاتا، حقي الأبناء والأبناء، أبناء الروح أرواحا، وأبناء الذات ذواتا.
فكانت الأبناء ذواتا، أعلاما على الآباء أرواحا، قاموا له عترة، علما وإشهارا، فكان بهما دواما، على القديم له إعلاما وأعلاما، أرواحا وذواتا، كان بهما في وحدته لهما، على القديم عَلما وعلما، فكان للناس في أمرهم به، جماع كلمات، تناثرت منهم به الآيات، قام في قادمه للناس في الناس، عين قديم الناس لقديمه، قياما بالحق لهم بينهم في قائم الناس، فتجمعت عليه الكلمات في قائم الناس بحاضرهم، من قديمهم من الناس، توفية أمرهم، فكان العروة الوثقى لا انفصام لها، عن قديم الناس حقا، وعن قادم الناس حقا، في قائم الناس خلقا وحقا. بذلك كان رسول الله دوما.
كان الكعبة… كان البيت… كان أول العابدين… قياما للناس، والشهر الحرام لهم والهدي في أمرهم، والقلائد لأئمة اقتدائهم… كان قديم المتحققين… كان وجه الله المقصود، عند وجه الله العابد والمعبود لكل موعود… كان أحدية وجماع الخالق والمخلوق، في قائم وجود لمن حيا بالحي القيوم.
عُرف به الموجد لكل عارف، بموجود، يوم هو بالوجود تواجد فتعارف، وتعارف فتواجد، فكان وجودا لمن يريد التواجد، ومعرفة لمن يريد التعارف، للنفوس المطمئنة، تدخله بيتا رحبا، وحقا وجنة.
كان الناس به حقا لهم، لموعود الأوادم لهم بأنفسهم أجنة، كان هو لهم الحرم والرحم، كان هو لهم الساحَة والعَلَم، كان هو لهم عندهم الكلام والمتكلم، كان لهم الروح والمجسم، كان لهم الحق من ربهم والمعلوم والمعلم. فهل عرفوه الحق من ربهم؟ هل طلبوه الحق من ربهم! رحمة مهداة، ونعمة مزجاة، وحقيقة مصدقة، ونعمة لليد مُسَلَّمة!
هل عرفه مَن كلَّمه؟ هل طلبه من عَلَّمه؟ هل عشقه من نظره؟ هل وصله من قَدره؟ هل سعى إليه في نفسه من آمن به، أو أسلم له أو سالمه؟
ما رفض طالبًا له، وما قطع مصليا عليه موصولا به. (الصلاة على النبي شيخ من لا شيخ له)[٧]، فهل صلى الناس عليه حقا؟ هل وصله الناس إيمانا؟ هل عرفه الناس قياما لا كلاما؟ هل قدره الناس قياما لا حساما؟ هل قام فيه الناس سلاما لا خصاما؟ هل آمنوا بالله ورسوله في إيمانهم بالرسول وربه؟
كيف صلى الناس عليه!؟ جعلوا من الصلاة عليه لفظا، ليس له عندهم معنى، (اللهم صلي على محمد)، إن الله وملائكته يصلون على النبي، يصلون على محمد قائم كل نبي من قبله ومن بعده، لا ينتظرون من الناس أمرا بذلك، ولا دعوة إلى ذلك، ولا دعاء بذلك. ولكن المردد لذلك يجب أن يعنى به أحد أمرين أو كليهما معا، أحدهما يخص نفسه، والآخر يخص قومه وبشريته.
أما عن أمر نفسه، فيجب أن يكون القول مصحوبا بحاضر معنى الاعتقاد، بأن قائمه بكائنه بشرا، إنما هو قائم محمد، الذي هو جماع أرواح البشر، وأنه بقائم هذا الفهم له عنه، يطالب بحق محمد الذي هو هو، من صلاة الله وملائكته، وصلتهم به، الأمر المشروع من الله لنفسه، كتب على نفسه الرحمة، وجعل من محمد بحقه أحواضها، فهو يطالب بمحمد لنفسه خلقا، من محمد لقيومه بحقه ربا، أن يصل بحقه موجود خلقه، في مؤمن قام به وفنى فيه بحبه، خلقا وحقا.
أما عن الوجه الآخر فيما يخص قومه، فإنه يتوجه بالنداء والالتجاء إلى اسمه اللهم، يعنى به رب الناس لجمعهم وحقيقتهم، وقد غفل الناس عن الحق لهم بينهم بمحمد، فأخفيت معالم الطريق، وأظلمت، وقد اختفى بين الناس مصباحها بمحمد، من ظلام النفوس حوله، وبهذا يطلب المصلي على النبي من ربه أن يكشف عن مصابيح النبي بين الناس، وأن يمنحها من الصلة ما يعطيها قوة في الإشراق، تخترق بها حجب الظلام، للنفوس الهاوية المتعثرة، في طريق الحياة.
إن الناس إن غيبوا الرب عنهم، غاب الرسول بينهم، وإن عرفوا الرسول بينهم، به عُرف لهم قيام الرب عليهم، وكشفت عنهم أغطيتهم، ورفع الغشاء عن أبصارهم. ولو طلبوا صادقين من القائم عليهم لقاء الرسول بينهم لهداهم السبيل، وجمعهم على الدليل.
ولو أحسنوا اختيار دليلهم، وسلكوا في استقامة سبيلهم، لكشف الله لمعاني الرب فيهم وعليهم قائمهم وقيومهم، في أنفسهم وعليها، كشف لهم الحجاب بينه وبينهم.
ولو كشف الله الحجاب بينه وبينهم، فإن حاجتهم للرسول ما زالت قائمة، بل هم لها أحوج، فمسلكهم في الله ما زال فيه الاختبار والاختيار، وما تخلص بعد من الاضطرار، فهم ما زالوا في جهل بأنفسهم، وفي عماء عن أمرهم. فما تكشف لهم إلا أمر وحدانيته لقائم لا إله إلا الله، فيها يقومون وبها يختبرون، ولها بإيمانهم يقومون.
فالرسول في الله، إنما هو قيامهم، إنما هو سلامهم، إنما هو معراجهم، إنما هو دوامهم، إنما هو بقاؤهم، إنما هو حياتهم، إنما هو لبابهم، وألبابهم، وقوالبهم، وجلودهم وجلبابهم، لحقه في قلوبهم، وقائم خلقه بهياكلهم. هو المستوي على عرش القلوب عارية لهم، هو لقائم ربه لقيومه عليهم الغافر للذنوب… هو الرب المنشود، والحق المحبوب المطلوب… هو مفرج الكروب… هو ساتر العيوب، أُمة مذنبة ورب غفور، أُمة مذنبة معيبة ورب يستر عيبها، ويغفر ذنبها.
(ما ظنكم أني فاعل بكم)[٨]، ما عرفناك إلا أبا كريما، وأخا كريما، كل إناء ينضح بما فيه، فما كان إلا كريما غافرا، راعيا (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[٩]، إنه الرحمة… إنه النعمة… إنه الشفاعة… إنه الوسيلة… إنه الضراعة… إنه القيامة يوم يقوم… إنه السلام والسلامة، يوم يسالمه مسالم، وفي السلام يقيم وبالسلام يدوم… إنه القهر والجبروت، يوم يخاصمه مخاصم، هو برحمة الله لا يقهر انتقاما، ولكن يقهر تخليصا للمقهور، بإقامة سلام مع القاهر… لا شريك له.
ينحر ليحيي، ويميت ليُبقي، ينحر المتقين، ويميت المؤمنين، فيبعثهم بالحق وبالدين، بالإيمان وباليقين، بالمعرفة وبالسلام آمنين ومؤمنين.
هذه هي الصلاة على من تصلون عليه، بأفواهكم، ولا تصلون عليه بقلوبكم، بحبكم، بعشقكم، بأرواحكم، بافتقاركم، برضائكم به في الصلة بربكم والصلاة بالصلة به لمعبودكم، وجها له فيكم، وجماع وجوهه بكم، أرسل إليكم، حقا له وحقا لكم، بقائم الحق على كل نفس فيكم، (زويت له الأرض)[١٠]، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[١١]… (من رآني فقد رآني حقا)[١٢]… (أنا روح القدس)[١٣].
هل أدركتم وحدانية الله بوحدانيته معكم؟ هل وحدتم الله باتحادكم به، من أنفسكم، قدوة لكم، في دوام معكم، فردا فكوثرا، قياما لا يبتر، شانئه يبتر، وتجتث شجرته من فوق الأرض فما لها من قرار، وموصوله وواصله يبقى، يبقى على الأرض، يبقى في الأرض؟ {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}[١٤]، {فأما الزبد فيذهب جفاء}[١٥]، أما هو فله عقبى الدار، فلينتظر من يريد أن ينتظره، فلمن يكون الحاضر لقائم الدار؟ هل هي بقائمها لحاضرها لغيره! فما كان الحاضر لها، إلا لمن كانت له العقبى، فهو صاحب الدار، زويت له الأرض، وجعلت له دارا من دور، فلا تجعلوها قبرا من القبور.
إنكم به في دوام في يوم النشور، حشرا بعد حشر في سائر الدهور، وأنتم ترفعون طبقا فوق طبق، وبعثا بعد بعث إلى دار بعد دار… وترفعون من السماء طبقا بعد طبق، جُعلت القيامة به لقائمه، يوم يقوم به، امتدادا لنوره فيه، في ظاهر الأمر له، وجُعل الحشر به، في قائم الأمر بالاجتماع عليه، وجُعل الذكر في قلوبكم لمعانيكم، يوم تحيا بذكر الله، صلاة على النبي لمذكوره، ولموصوف ذكره، ذكرا لله، لقائم أمره به، بقائم أمره عليكم، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٦]، ([إذن] أجعلُ لك كل صلاتي يا رسول الله؟ لو فعلت تكفى همك ويُغفر ذنبك [يا عمر])[١٧].
الذين آمنوا… الذين آمنوا بالله ورسوله… الذين آمنوا بمحمد… الذين آمنوا بالحق معه، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[١٨]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٩]، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[٢٠] {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٢١]، {والنور الذي أنزلنا}[٢٢] معك، وما كان الله ليعذبهم وهم ينتظرون رحمة الله لهم يوم هم من أنفسهم يستغفرون، ونفسك يطلبون، إليها بها بما في أنفسهم يغيرون.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
اللهم بمن جعلته رحمة للعالمين ارحمنا.
اللهم بمن أعززته بحقك أعزنا به حقا لك.
اللهم بمن نصرته بقدرتك انصرنا بقدرتك عزة لك بنا.
اللهم به فانصرنا على أنفسنا، وادفع به عنا ما يحيط بنا من بلائك، ردا لأعمالنا بعدل جزائك، لإقامة وقيام ناموس عدلك، على من تخلى عن ولائك، بالتخلي عن عبدك ونبيك ورسولك لحقيقتك وحقك.
اللهم أكرمنا وارحمنا بالولاء له، ولاء لك، وبالقيام به، قياما فيك.
اللهم انشر فينا نوره، وعدد بيننا دوره، واكشف عنا ظلام أنفسنا، وموات قلوبنا حتى نبعث من قلوبنا مقبورة، حتى نتواجده له، بما أنت لنا، عروجا في معراج رقيه لرقيك وتعاليك به حنانا بخلقك لراقيك.
تنزهت ربنا عن التنزيه، وتعاليت وسموت عن الوصف، وترفعت عن التعالي، وتدانيت برحمتك دون التداني، وتنزهت عن التداني والتواني، وسموت فوق الجحود، وعلوت فوق الوجود، ودنوت لنا بالوجود وجودا من وجودك بجودك، علما لأعلامنا لك عن قائم موجودك، فكنت بوجودنا لنا واجب الوجود، في قائم الشهود، يوم تنعكس أبصارنا في بصائرنا، فنرانا من ليس كمثله شيء، ومن تنزه عن كل شيء، ومن علا عن الأشياء، ومن نزل رحمة منه دون الأشياء، يحملها إلى حقه، في شيئها، لعَلمها لشيئه بها، وهو لا شيء له، يوم هي لا شيء لها، وكل الشيء له، وكل الأمر له، وكل الوجود له، وكل الحق له، وكل الخلق له، وكل التواجد له، لا شريك له… هذا هو دينكم يوم يقوم على عماده له، بلا إله إلا الله، وبمحمد رسول الله.
فاسألوا الله وأنتم حول هذا العماد، وأنتم في قائم هذا الرشاد، اسألوه يعطكم، واستنصروه ينصركم، وقاربوه يقاربكم، ووالوه يواليكم، وصلوا على نبيه، يصلي عليكم، وملائكته، يخرجكم من الظلمات إلى النور.
اللهم إنا بحقك لنا، وبحقك بيننا، وبحقك فينا، نسألك أن تكشف الغمة عنا، وعن أنفسنا، وعن بلدنا، وعن بلاد المسلمين، وعن بلاد عبادك أجمعين، ونسألك بالحق فينا، وبالحق علينا، أن تولي أمورنا خيارنا، وأن لا تولي أمورنا شرارنا، ردا لأعمالنا، وإقامة لعدلك فينا، وقنا شر غضبتك، وعاملنا بعفوك، واقبل منا توسلنا بمن جعلته وسيلة إليك، ووسيلة لنا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم به فاجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.
(أنتم تظهرون خلال حياتكم الأرضية بجزء من وعيكم الأكبر، الذي يمكنكم الازدياد فيه الآن والذي سوف تتعرفون عليه شيئا فشيئا في الأيام التي تلي عبوركم لبوابة الموت).
من هدي السيد الروح المرشد سلفربرش.
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الأحزاب - ٥٦ ↩︎
استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎
سورة الواقعة - ١٣ ↩︎
سورة الفتح - ٢٩ ↩︎
سورة محمد - ٢ ↩︎
عبارة مقدّرة عند أولياء الله الصالحين. قال أحدهم عن الصلة على النبي صلى الله عليه وسلم: “هي شيخ من لا شيخ له، هي وسيلتنا إلى ربنا إذ هي ميثاق وفاء ومحبة، تلتقي صلاتنا عليه بصلاة الله عليه وصلاة ملائكته، فأي فضل أعظم من أن يكون موضوع صلاتنا مطابقا موافقا.” ↩︎
حديث شريف: “معشر قريشٍ، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ! قال: فإني أقولُ لكم ما قال يوسفُ لإخوتِه: لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاءُ.” السيرة النبوية لابن اسحق، وابن هشام، كما رواه والطبري في “تاريخ الأمم والملوك”، والنسائي والبيهقي في “السنن الكبرى”. ↩︎
نفس الحديث أعلاه. ↩︎
إشارة للحديث الشريف: "إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ… أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الرعد - ١٧ ↩︎
سورة الرعد - ١٧ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
حديث شريف عن الصحابي أبي ابن كعب: “قُلتُ: يا رسولَ اللهِ إني أُكثِرُ الصَّلاةَ عليك، فكم أجعلُ لك من صَلاتي؟ قال: “ما شِئتَ” قُلتُ: الرُّبُعَ؟ قال: “ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك” قُلتُ: فالنِّصفُ؟ قال: “ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك” قُلتُ: فالثُّلُثينِ؟ قال: “ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك” قُلتُ: أجعلُ لك صَلاتي كُلَّها؟ قال: إذًا تُكفى همَّكَ، ويُغفَرُ لك ذنبُكَ”. رواه الترمذي وأحمد. عبارة “يا عمر” لا توجد في الحديث الشريف. ↩︎
سورة محمد - ٢ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎
سورة التغابن - ٨ ↩︎