(٨)
القلوب أرض الحق المخلف
لبشرية العقل المشرف، وبشرة النفس المكلَّف
في مجتمع التمييز بين عزة الإحسان، وأوهام الإنسان
حديث الجمعة
٢٢ ربيع الأول ١٣٨٧ هـ - ٣٠ يونيو ١٩٦٧ م
إذا تحدث الله، أنصت الناس… وإذا تحدث الناس، سمع الله… إذا تحدث الله إلى الناس، بآياته في الآفاق، وفي أنفسهم، كان على الناس أن ينصتوا إلى حديث الله، وأن يقرأوا في كتاب الله، لشهودهم لموجودهم، بوجودهم لموجوده.
إذا تحدث الناس بأعمالهم أنصت الله لأقوالهم، ونظر في كتبهم، ينشرونها بأيديهم، عن أيمانهم وشمائلهم، إلى يوم معلوم لحياة كل إنسان، بكرة له يدور بها الزمان دورته وينعكس انعكاسته، كما بدأ الناموس أول خلق يعيده، فينبئهم من قائمهم به، بما كانوا يعملون في يقظة ذاكرتهم لضمائرهم ردا لأعمالهم إليهم، في قائمهم لهم، أفرادا وجماعات بموصول الحياة لقائم معانيهم.
فإن رجعوا برحمته إلى قيام بحقائقهم في جديد أمرهم عين قديمهم لبدئهم، أحبوا أن يعرفوا عند جديد لهم من فعلهم، فكرروا ما بدأوا به من خلقهم وفعلهم، لينتهوا به إلى ما صاروا إليه، لقيام نبوتهم، والتواجد بحقهم وألوهيتهم لعبوديتهم وربوبيتهم، وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، لو شاء ربك ما فعلوه، لا تظنوا بالله ظن السوء. أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم. خلقت كل شيء من أجلك، وخلقتك من أجلي.
أما إذا تحدث الله من الناس إلى الناس، استمع الله في الناس للناس، فقامت رسالته (اللهم)، رسولا من أنفسهم، يتحدث من نفسه إلى نفسه، عند من خلقهم لنفسه، حديثا إليهم في أنفسهم، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، فقام الناس، وجوها لله، لوجوه لله، في قائم أمر الله بهم، فكانت قيامة، وكانت ساعة، يربح فيها من ربح، ويخسر فيها من خسر، قياما ليوم فصل مشاهد، ليس بالهزل في معرفة بظن ووهم. (إن الله ينظر إلى قوم كفاتا وينظر إلى قوم من قلوب قوم آخرين)[١]، {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس}[٢]، بما جعل من أمر منسكها لمن فيها ولمن حولها، أمرا يكشف لأهلها برفع أسوارها.
ساعة من ساعات الله، ليوم من أيام الله، برسالة وساعتها ويومها، لابثين فيه أحقابا، بدعوتها وقيامها، للطاغين مآبا، بالسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، حتى يؤمن من يؤمن عن بينة، ويكفر من يكفر عن بينة، علمت نفس ما قدمت وأخرت، على مستوى الفرد للعارفين، وعلى مستوى الجمع للسالكين، وعلى مستوى الأُمة للداعين. وعلى مستوى البشرية لظالمي أنفسهم.
ذلك الأمر للأرض تشرق به بنور ربها، يوم يقوم الروح لرب العالمين، يوم تكشط السماء فلا غيب، وتكشط النفوس فلا جهل، ولكنه الحق أبلج للعقول، قائما بالنفوس، يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسا {كأنهم إلى نصب يوفضون}[٣].
إنكم في عصركم في هذا اليوم، بقيام الروح برسالته، تعريفا وقياما برب العالمين، لرب العالمين، عن رب العالمين، إنكم في يوم من أيام الفصل، إنكم في قيامة ليست بالهزل، إنكم في ساعة تسمعون وتشهدون فيها وبها الحق بالفعل، لا غيب، ولكنها الشهادة {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٤]، (يا رُبَّ جوهر عِلم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا)[٥]، {إن الله بالغ أمره}[٦]، وقد بلغه على ما بلغه، من جاء رحمة للعالمين، مخلفا الله عليكم.
إن الله قادر، بإنسانه لعبده، وقد قَدَّره فقدر على أمره، فكشف مخاصمه وعرف وعرَّف ملائمه، وأيقظ نائمه، وسرى بركب اليقظى، وتخلى عن ركب المنظرين إلى حين، كشف الحق في النفوس، كشف الله في القلوب، كشف الواسع العليم في العقول، فالله لا شريك له، ولا مخاصمة فيه، ظهر أنه هو من قام بالإنسان وراء الأسباب، ظهر أنه هو من يلبس الجلباب، لظاهر وقائم الإنسان بالروح، لقائمه بالذات والبنيان.
ظهر المدثر، وقد أسقط الدثر، ظهر الإنسان وقائم الرحمن… ظهر من عرا بربه بالمقام المحمود، بالحق المشهود، بالكتاب الموجود، بالواسع المعبود، بالطريق المنشود، بالبيت المطاف، بقبلة السجود والاعتكاف، بحقيقة الوجود، وطلعته للشهود. فتحقق العبد وبُعث العابد وتنزه المعبود. وقُدر المؤمن بالله ورسوله الحق، حق قدره، لواجب الوجود، بقائم الموجود. نطق الأعلى عنه جاءكم من عرا بي.
ماذا بعد الله إلا العدم؟ وماذا قبل الله إلا لا شيء؟ وهل كان الإنسان غير الله؟ وهل ظهر الله بغير الإنسان؟ ومن عرف الله غير الإنسان؟ ومن عبَّد نفسه لله إلا الإنسان؟ ومن عبَّد الله لنفسه غير الإنسان؟ هل تجاوز الإنسان أسوار الزمان والمكان ولم يتلاقَ مع الرحمن؟
هل قدَّر الإنسان معناه، كإنسان؟ ظهر بيننا رجل منا، به جاء الحق، وبخلقه زهق الباطل، وبقوله سُمع الكتاب، وبسنته استقام الحجاب، وبنوره في القلوب قام الله، وبعلمه في العقول تحرر الإنسان من سجن نفسه بالسماوات والأرض، وبقدسه في النفوس انطلقت الأرواح، وبناره في الهياكل تجددت الأشباح، فتكاثر المخلوق، وتوحد الخلق في الخالق، فتعدد الحق وتجمعت الحقائق، فظهرت وعملت حضرات الله بملائكته بلا احتجاب وبلا غياب وبلا انقطاع وبلا ارتياب.
صلح الإنسان، فصلح له الأُمهات والآباء، والبنات والأبناء، والأزواج والأخوات والأخلاء. به بُعث الحق، لكل من قام عليه الحق، في قائم الله لجمعه، بجماعته في جماعه، قائما على كل نفس، بما أرادت هي، بما كسبت، بما عملت، بما صنعت، بما خلقت، بما أبدعت، بما تواجدت، بما تجلت، بما انتشرت، بما على نفسها جمعت، على ما علمت من نفس عليها اجتمعت، وبها بعثت، وبعلمها علَّمت.
أشباح لأرواح، وأرواح لحق، وحق لحقيقة، في قائم المطلق، لا راد لأمره، ولا معطل لإرادته، لا يخرج شيء من دائرة وجوده، ولا عبد ولا عابد ولا معبود، عن إحاطة اسمه، وعن قائم موجوده لرسمه.
جعل من الإنسان أسماءً له، وجمعها له في الاسم الأعظم لذاته من عديد ذواته في قائم معناه بالإنسان للإنسان للوجود اللانهائي المطلق له، أسماءً ووجوها له، يجمعها عَلمه ظلالا له، لقائمه بمعلومه، في معلومه كتابا لوجوده، لعلم المطلق لا شريك له من فرده وجمعه، هو مسيح وجوده، ووجه موجوده، ويد قدرته، وقدم سعيه، ونور شمسه، وقمر رحمته، وأرض خلقه، وقائم خليقته، إنسانه وعنوانه.
عبد الله… عابد الله… معبود الله بمعبود نفسه… ظاهر حقه… مسيح أمره… ومأمور آمره… إنسانا عُرِف، وعبد اتصف. فهل عرفناه؟ إنه بعيدا عن النفس لا يُعرف، وعند وصفه لا يتصف، ومن قائمه لا يوصف. رحمة للعالمين أبرز، وطريقا لهم بينهم لاقتدائهم عُرِف. سَلك فملك، ومَلك فسلك. بالحق أُنزِل وبالحق يُنزِل، وبالحق يَنزِل، وبالحقيقة يصعد. وإلى المطلق ينطلق. أظهره على الدين كله من كان الأعلى لعينه، قيوم قائمه لنفسه.
فهل استمع الناس إليه؟! هل استمعوا إليه منبرا؟ هل استمعوا إليه في ضمائرهم، خبيرا ومخبرا وخبرا؟ هل عرفوه الوحي، إليهم يُوحى؟ هل عرفوه الروح عليهم يُلقى؟ هل أدركوه الأمر، بهم يقوم؟ هل قدروه السر، في قائمهم لهم يعرف؟ هل استقاموه الجهر، قدوةً للناس، تقوم وتنتشر؟
هل قام به القيمة على الناس، قائم الله، قائم الحق، قائم جمعه، قائم أُمته، قائم مفرداته، قائم أسمائه وصفاته، جماع قيامهم، باطن أعلامهم، يظاهرهم، وينصرُهم، ويثبت أقدامهم؟ كانت به الأرض لهم لزرعهم وعملهم وحصادهم، وكانت الآخرة به دنيا لهم، لعلمهم وجنان معرفتهم، وكانت الحضرة به مأواهم لحقهم، في حضرة الأعلى لأمرهم، في الله ذي المعارج لطريقهم.
كان به في القلوب لقاؤهم، بالقائم على أنفسهم، يذكرون ربهم في أنفسهم، لا غريبا عليهم، ولا بعيدا عنهم، ولا مقيما لحيلولة بينه وبينهم، ما أسقطوا جلبابهم عنهم لوصف أناهم، ليتكشف أمرهم لهم، وترفع الغشاوة عن أعينهم، فينظرون إلى ما في أنفسهم، متجهين إلى قلوبهم، ليشهدوا قلب القلوب، ظاهرا لا محجوبا، منتصرا لا مغلوبا، ميسرا لهم ما كان منهم مطلوبا، راغبا لهم ما كان منهم مرغوبا.
يُكسب، ويُرتضى، وينادى، ويلبي، ويتواجد، وفي هياكل النفوس ينتشر نورا هو نور الله، نور هو نور السماوات والأرض، سماوات العقول، وأرض القلوب، وكواكب الجوارح، لهياكل الوجود، لقائم السماوات والأرض بالإنسان في الشهود، تشهد، وتنظر، وترى وتسمع، وتلمس وتدرك، في قائم النفوس، يوم تكشف عنها الأغطية، وتسقط عن الأرواح الأبنية. ينادى لا من وراء الحجرات، ولا بعيدا عن طريق وبيوت الكلمات.
يتواجد الله عند موحده ويفنى الوجود للعيان وللشهود، على ما هو قائم. أمر يشهده فيه كل مسالم. يا أيها الناس اُدخلوا في السلم كافة، لِمَ الكنود؟ لِمَ العناد؟ أليس خيرا منه الوداد؟ هل اجتمعتوه، فلم يحببكم؟ هل أحبكم ولم يشهدكم فعرفتم ثمار محبته، عرفتم أنوار مودته، عرفتم دنوه ومداناته، ناجيتم فسمعكم، وناجاكم فسمعتم؟
سبحان الله، هل سجدتم له ولم يسجد الكون لكم؟ هل طلبتم له في أنفسكم، وبالناس لم يطلبكم؟ طلبكم ولم تطلبوه، وأوجدكم ولم تعبدوه. أحبكم وكرهتموه، وتواضع لكم فامتطيتموه، ومطية لكم أبرزتموه وقدرتموه، وسعيا به إلى الدنيا أرهقتموه.
ما قدرتموه وما تخللتموه، وأراد أن يتخللكم فما تركتموه، كلما طرق الباب أغلقتموه، وكلما داناكم باعدتموه، فلا في أنفسكم ذكرتموه، ولا فيها طلبتموه، وبعيدا عنه ادعيتموه، زعمتم لكم الإيمان يوم كفرتموه، وقلتم بالإسلام يوم خاصمتموه، وادعيتم التسليم وأنتم محاربوه.
أما يكفي لظهور جهلكم أنكم جعلتم من الله لفظا ذكرتموه، وبوصفكم وصفتموه، مسمى باسم بلفظ كحاكم قدرتموه، وهو لا اسم له فالتسمية من صفاتكم؟ وزعمتم أنكم بذكر اسمه وهو لا اسم له آمنتم وله عرفتم، فما كان هذا الاسم إلا للإنسان لكم. إنه اسم لمسماكم يوم تعبدون أنفسكم لمعناكم، إنه مسماكم واسمكم يوم تقومون في الوجود به، إنه لكم، أما هو {هل تعلم له سميا}[٧].
ولكنكم ترفضون هذا الاسم لكم، ولأعلامكم، بدلالة به على أقدس ورفيق أعلى فيه، وتكزون على أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم لجلودكم، ما أنزل الله بها من سلطان، وما أبرز الله لها عليها بكون من عنوان، وما نطق منها بفم له بعرفان، وما قامت بها يده له بإحسان.
ولكنها نفوسكم بظلامها في لحمتها وسداها، قامت بالبهتان واعتزت بالكفران، وغفلت عن التواجد به وعن الوجدان. كان الرسول بينكم وما زال، إنسانا وابن إنسان، وإنسانا وأب إنسان، في الوجود وفي العيان.
ولكنكم أبترا ذكرتموه، وهو ليس بأبتر كما يزعم شانئوه، وقدرتموه فردا منفردا، وتزعمون أنكم بذلك أكبرتموه، وما كان إلا كوثرا أنكرتموه، فما لأنفسكم بعقيدة كسبتموه، ولا بمجاهدة لأنفسكم إليه صرتموه، وهو رحمة مهداة رفضتموه. ترددون الشهادة له منافقين، فما شهدتموه به مبعوثين. تقولون بألسنتكم أشهد أن محمدا رسول الله، وما في أنفسكم شهدتموه، هل حقيقة شهدتم أن محمدا رسول الله؟ أم أنكم ببغاوات رددتم شهادة محمد رسول الله، أشهد أن نابليون امبراطور فرنسا، أشهد أن نلسن قائد انجلترا البحري، وأن ولنجتون قائدها البري، هل هكذا يشهد محمد رسول الله؟
جثة أو جيفة في قبر حصرتموه، ولو أدركتم لعرفتم أنكم له المقابر، وأنه في قبور قلوبكم روح الحياة لكم، ولكنكم ما بعثتموه، وهو نور الله الساري بالحياة، في حياة القلوب، وفي وعي العقول، وفي استقامة الذوات، وفي تطور الهياكل، يعرف في وحدة المعاني، في تجمع المباني. ولكن ما بشيء من هذا عرفتموه، ومن عرفه بذلك وحاول نشره في الناس بذلك، جافيتموه، وخاصمتموه وحاربتموه.
المؤمن للمؤمن كالبنيان! المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد! أين هو هذا البنيان بينكم؟ لبيت يذكر فيه اسم الله! بجمع لأُمة تؤمن بالله! وتعرفه لها قيوم قائمها، ليست غيره! وإن لم تجمع النفس لنفسها كله، عرفته كل كلها، وليست كل كله.
وعرفت بإيمانها بالله وإكباره أن الرسول لها، كل كلها، وليست هي كل كله، فهو الحق من الله. كان الله كل كله، ولم يكن بموصوف عبده كل كله، ولكن كان وجه الله، وكان عَلم الله، وكان بيت الله، وكان سماء الله، وكان أرض الله، وكان ساحة الله، وكان حضرة الله، كان الحق من الله لطالبي الحق بالله، في قائمهم لقائم الله، ليسوا غير الله، بلا إله إلا الله، وليسوا كل الله بالله أكبر.
جاءه الوحي، أوحينا إليك روحا من أمرنا، كما جاء للنحل، وأوحى ربك إلى النحل أن اُسلكي سبل ربك زللا، هل كان الوحي ميزة لرسول الله… يا أغبياء! إذا كان الوحي يصل إلى النحل وإلى النمل، فهل كان شرف رسول الله أن جاءه الوحي؟ {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها}[٨]، {شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم لبعض}[٩]، (إذا رضي اللهُ على امرئ جعل له من نفسه وحيا واعظًا، يأمره وينهاه)[١٠]. ما كان الوحي إلا وليده، ومن عمله… ألم يكن الروح الأمين، أو الوحي بين أبنائه في حديث العباءة؟ (هؤلاء أهل العباءة فاطمة وعليّ، والحسن والحسين… وجبريل)[١١].
إن رسول الله لكم، إن أكبرتم الوحي، هو لكم الوحي، هل استوحيتموه، فلم يوحي إليكم؟ {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم}[١٢]، لا بحديث ولكن بوحي {أن سبحوا بكرة وعشيا}[١٣].
ها هو الوحي يدانيكم ويعمل في أوانيكم، فترونه مرضا، وتقدرونه عرضا، وتطلبون منه شفاءً، ولا تقدرونه رجاء، ولا تنظرونه اختبارا وابتلاءً، ولا تدركون أنه لا يأخذ هذه الصورة إلا لقائم بالعناد فيكم، ولو قام الرضاء بكم لسعدتم به، اجتمع عليكم دون مشقة، لو أدركتم لاستزدتم منه، برضا ومحبة، {يلقي الروح من أمره}[١٤] كما، يرسل {الشياطين على الكافرين فتؤزهم أزا}[١٥]، كما يجعل للصالحين منكم نورا يمشون به في الناس، وللطالحين ظلاما يوحون به إلى الناس.
الرسول يقول لكم أنا روح القدس، فإذا كان بروح القدس عندكم، أكبرتموه وقدرتموه، فقدروه روح القدس إليكم لتكبروه، وانشدوه لضمائركم لتستيقظ، ولعقولكم لتدرك، ولقلوبكم لتحيا. أفي قبر أنتم ذاكروه؟! أما كان الأجدر أنكم في قلوبكم منقبرة، تبعثوه، يوم تحبوه وتطلبوه، وتعشقوه!
(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه)[١٦]، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[١٧]، (أأجعلُ لك كل صلاتي يا رسول الله؟ - إذا تكفى همك، ويُغفر لك ذنبك [يا عمر])[١٨].
يا أيها الناس، ألا تصدقون الله؟ ألا تثقون بالله وهو يقول لكم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٩]؟ فأي دين هذا الذي يكون بعيدا عنه؟ وأي وحي سليم هذا الذي يستقبل من غيره، ولا يُعرف مَن مصدره؟
إنه الوحي يوحى، إنه الروح يلقى… إنه الأمر يقوم… إنه الحق يبعث… إنه اسم الله يكسبه المؤمنون… إنه وجه الله يظهره العارفون… إنه نصب الله يقومه الداعون… إنه بيت الله، يطوفه المفتقرون، ويدخله الناجون، ويتجدده الصادقون.
إنه الغرفة تجزى، والغرف لبيوت تتجمع… إنه البيت يرفع والبيوت حضرات تتلاقى… إنه الحجرة والحجرات… إنه الأمر والأمور… إنه الآية والآيات… إنه الكلمة والكلمات… إنه القرآن والأناجيل… إنه الكتب والتراتيل… إنه الغناء والتنزيل… إنه العلم والبيان والعلة والتعليل… إنه العجب… إنه البحار… إنه الأسرار… إنه الوجود… إنه بربه وبحقه، وبأمره، وبرحمته، مشهود الله لكل مشاهد، وموجود الله لكل متواجد.
فكيف قدرنا الله؟ وكيف قدرنا رسول الله؟ وكيف قدرنا كتاب الله؟ وكيف قدرنا الدين؟ كيف قدرنا الطريق؟ كيف قدرنا الإسلام؟ كيف قدرنا الإيمان؟ عبث من حديث، هو كتاب البيان! وسخف من تصريف هو استقامة العنوان! وتخطيط من تخريف، هو طريق الإيمان! أين نحن من هذا الدين؟ ها أنتم ترون… ها أنتم تُسْجَدون… ها أنتم تُسْجدون… ها أنتم تكشف عنكم أغطيتكم ساجدين ومسجدين، فإذاكم الشياطين، وإذاكم المبلسين، هل عرفتم ما في أنفسكم، وطلبتم تغييره إلى ما تقولون بألسنتكم، مما ليس له وجود في قلوبكم، ولم يحقق الله لكم، على ما حقق لأناس من بينكم، أنتم لهم مخاصمون وعليهم تنكرون؟
(إن الشـيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)[٢٠]، هل صدقتم؟! أم زعمتم أنه غيركم، وتزعمونكم الرحامين؟ تزعمونكم المسلمين المؤمنين، تخاتلون وتداهنون بعضكم البعض، بموصوف العارفين الواصلين، تجادلون في الله بغير علم وبغير دين، وتتبعون الشياطين ماردين طاغين، لأنفسهم ظالمين، أنتم بهم مؤمنين، ولهم متابعين بوهمكم إلى الله سالكين! إلى الجنة سارين!! إلى الحضرة أنتم لها موالين، وفيها بطغاتكم قائمين!!
أنتم في هذا لسبق به، متابعين، لا فيما انتهى إليه سبقكم به متعظين، وفيه متأملين، وعن حالكم راجعين، مثلكم الأعلى هتلر وموسيلين، أبو سفيان وبنيه والمتابعين، أبناء يعرب معتزين، وما أنتم برسول العرب عاربين، ولكنكم للجهالة مجددين، وبالجاهلية متواجدين، جهلاء قائمين، باسم العلم واسم العارفين.
هذا ما صار وآل إليه أمر المسلمين، لمن يوقظكم قالين، وله مباعدين، وعن داره مبتعدين، ولقوله وحكمته مظاهرين، جريا وسعيا لأحواض الضالين المضلين، لكتب المفسدين مرددين متبنين مبينين… دين وأي دين! مسلمين وأي مسلمين! لو أنكم عرفتموكم كافرين، لكان في هذا استقامة في الدين، ولكرهتم الكفر، ولطلبتم الإيمان واليقين، عنه باحثين، وإليه مفتقرين، ساعين بافتقاركم مجتهدين، لأنفسكم مجاهدين، إذن لهداكم الله السبيل، على ما وعد المجتهدين المجاهدين.
ولكنكم بغير الله تستنصرون، ومع ظلام أنفسكم تبقون، فلا عقولكم تعملون، ولا قلوبكم تتابعون، ولو سألتم ضمائركم، لأجابتكم بالخبر اليقين، ولو حررتم عقولكم لاتجهت إلى ما يوجه إليه الدين، ولكن لا الحق في أنفسكم تنشدون، ولا الحق بنصب ينصب بينكم تستقبلون، وأنتم على ما أنتم فيما أنتم، حول خيال أنفسكم تسيرون، وعليه تصرّون، (إذا أراد الله نفاذ أمر سلب من ذوي العقول عقولهم)[٢١]، فإلى متى يبقى الناس لا يعقلون، وضمائرهم لا يستفتون؟
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم يا من وهبت لنا العقول، أنرها… اللهم يا من وهبت لنا الضمائر، أيقظها… اللهم يا من وهبت لنا القلوب، أحيها… اللهم يا من وهبت لنا الجوارح، قوّمها… اللهم يا من وهبت لنا الهياكل، كثرها وطورها وجددها، وجمعها ووحدها.
اللهم يا من وهبت لنا العقول، أنرها… اللهم يا من وهبت لنا الرسول، به فأحينا، وفيه فابعثنا، وإليك به فوجهنا، وسفن النجاة له أركبنا، وطريق السلامة أسلكنا، وماء الحياة به أوردنا، ووجه الحق له أشهدنا، وبحقيقته للناس تواجدنا، وبكلمته جامعة كنا وكلمنا، وبروحه واسعة روحنا، ومن شرور أنفسنا برحمتك به أرحنا.
اللهم إنا إليه انتسبنا، وما استقمنا، وأنفسنا ظلمنا، ولكن وقد جعلته رحمة للعالمين، اللهم به فارحمنا، وبه فتولَنا، وبه فادفع عنا، شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من خلقك، وبرحمتك به فعاملنا، وبمغفرتك معه فاغفر لنا.
اللهم به فاجعلنا منك… اللهم بك فاجعلنا منه… اللهم بنا كن لنا، واجعله لنا، لعين معنانا، لقائم معناك بنا، لا إله غيرك ولا معبود سواك.
اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، برد أعمالنا إلينا، واهدنا سواء السبيل، حكاما ومحكومين، وافضحنا لنا عندنا، حتى تتبين لنا سوءاتنا، فنتلمس إليك طريقنا، ونسلك إليك سبيلنا.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
أضواء على الطريق
من هدي السيد الروح المرشد سلفربرش بدائرة لندن:
(يساعد الاتصال بعالمكم خلال وسيط على تطور الروح دائما، إذ أن هذا يعاونه على إدراك أن الروابط الأرضية لا تربطه كما كان يظن عندما جاء في أول الأمر إلى عالمنا، فإن الكثيرين في عالمي يمكن مساعدتهم، بأن تحضروا إليهم الأجسام الروحية لمن هم في عالمكم ممن تتحد أو تتوافق اهتزازاتهم أو تتواصل بينهم حياتهم. وإن هذا ما تجدونه في الإنجيل وفي الكتب السماوية الأخرى، ألم يقل لكم الإنجيل كيف نزل الناصري إلى ما سموها جهنم… وهو ما يقدم لكم في هذا الاتصال بين العالمين على هدي نفس القانون).
وضرب فيه مثلا بما حمل لأحد الجالسين مكررا عبارات روح رغبت في الاعتذار عن متاعب سببتها له أثناء حياتها على الأرض، وعلق المرشد موجها الحديث إلى من حملت إليه:
(أنا أعلم أن هذه الرسالة لا تهمك. ولكن هذا الروح يتقدم باعتذاره، وذلك منه إليك يساعده الآن، فهم عندما يتقدمون برغباتهم، فهذا علامة على أنهم قد اكتشفوا أنفسهم الحقيقية. وهذا هو السبب في أنني نقلت الرسالة. إني أعلم أنها شيء ماضي قد نسي من جانبك ولكنها مسجلة ولا يمكن محوها قبل أن يتم النمو ويحدث التعرف).
فسألَنا السيد: هل قدرتم شعور الذين يعودون إليكم من عالمنا، من الذين لا يستطيعون رفع تأثيرهم إليكم؟ فأجاب متسائلا:
(وهل قدرتم أنتم أن الكثيرين ممن ينتقلون من عالمكم إلى عالمنا، عندما تتغير بؤرتهم، ويرون الحياة من زاويتها الجديدة لأول مرة، يعودون إليكم بشغف، ليدفعوا موجة فرحهم إلى الأناس الذين يحبونهم؟)
ثم استطرد:
(ولكن دنياكم ميتة بالنسبة إليهم، إنها لا تستطيع أن تسمع أو أن تبصر، فالكثيرون من البلهاء يتصور أن حواسهم الخمس هي المجموع الكلي لكل الحقيقة لهم، وأنه لا يوجد شيء ما خارج هذه الحواس الغامضة الضئيلة لمكنتهم بما فيهم من الروح).
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
سورة المائدة - ٩٧ ↩︎
سورة المعارج - ٤٣ ↩︎
سورة البقرة - ١١٥ ↩︎
من أبيات شعر الإمام زين العابدين (عليه السلام): العلم والحكمة في الكتاب والسنة - محمد الريشهري. المكتبة الشيعية: “يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثناولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسناإني لأكتم من علمي جواهره * كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتناوقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسين ووصى قبله حسنا.” ↩︎
سورة الطلاق - ٣ ↩︎
سورة مريم - ٦٥ ↩︎
سورة الشمس - ٧-٨ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎
حديث شريف: “إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظًا من نفسه يأمره وينهاه.” أخرجه الديلمي، وجاء في الجامع الصغير للسيوطي. ↩︎
حديث شريف معروف بـــ “أهل العباءة”، “أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَلَّلَ على الحَسَنِ والحُسَيْنِ وعليٍّ وفاطمةَ كساءً ثم قال اللهم هؤلاءِ أهلُ بيتي وخاصَّتِي أَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تطهيرًا …” سنن الترمذي. وفي صحيح مسلم باختلافات يسيرة. كما أخرجه الحاكم، والبيهقي وغيرهم بألفاظ متقاربة. وتشير كلمة “جبريل” إلى أن نزول آية {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} جاءت قبل هذا الحدث. ↩︎
سورة مريم - ١١ ↩︎
سورة مريم - ١١ ↩︎
سورة غافر - ١٥ ↩︎
سورة مريم - ٨٣ ↩︎
حديث شريف في الصحيحين. وكان عمر رضي الله عنه يمشي مع النبي يوما فقال له: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ” صحيح البخاري. ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
إشارة إلى حديث شريف عن الصحابي أبي ابن كعب: “قُلتُ: يا رسولَ اللهِ إني أُكثِرُ الصَّلاةَ عليك، فكم أجعلُ لك من صَلاتي؟ قال: “ما شِئتَ” قُلتُ: الرُّبُعَ؟ قال: “ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك” قُلتُ: فالنِّصفُ؟ قال: “ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك” قُلتُ: فالثُّلُثينِ؟ قال: “ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك” قُلتُ: أجعلُ لك صَلاتي كُلَّها؟ قال: إذًا تُكفى همَّكَ، ويُغفَرُ لك ذنبُكَ”. رواه الترمذي وأحمد ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الشـيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.” أخرجه مسلم والبخاري. وكذلك: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” أخرجه أحمد بلفظه، والترمذي والدارمي. باختلاف يسير. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إذا أرادَ اللهُ إنفاذَ قضائِهِ وقدَرِهِ، سلَبَ ذَوِي العُقولِ عُقولَهمْ، حتى يَنفُذَ فيهمْ قضاؤُهُ وقدرُهُ، فإذا مَضَى أمرُهُ ردَّ إليهِمْ عقولَهمْ، ووقعتِ النَّدامةُ.” أخرجه الديلمي، كما في (الجامع الصغير) للسيوطي. ↩︎