(٧)

التمييز بين الوحدانية والتوحيد
الوحدانية فقه الدين.. والتوحيد سلوك الطريق لليقين
بعقيدة الواحد الأحد.. وقيام الآحاد فيه
في الاكتفاء الذاتي للأحد الإنساني ومتحديه
بيت الذات وأعلام الصفات بمعانيه

حديث الجمعة

٢٥ صفر ١٣٨٧ هـ - ٢ يونيو ١٩٦٧ م

لا إله إلا الله، ننطقها بألسنتنا، وندركها بعقولنا، ونقومها بقلوبنا، ونشهدها في أحوالنا.

لا إله إلا الله، عليها يقوم دين الله، يدخلها أهله، حصنا لله، فيه يتقون، قضاء الله لنهاية أفعالهم، وجزاء الله برد أعمالهم، وعدل الله بارتداد إرادتهم عليهم. وفيه يلاقون مغفرة الله، ورحمة الله. (أهل لا إله إلا الله لا يحضرون الموقف)[١].

بها، يتواجد المؤمنون، وفي أنفسهم معها يتلاقون، قيام رسول الله لهم يشهدون، الرحمة المهداة، كافة للناس، لكل من ارتضاه، فبه تولاه الله، وأشهده الله، قائم نفسه بالله، في قائم الله وواسع الله، فيعرف الله لا إله إلا هو، الحي القيوم، ويعرف الله يوم يعرف معناه، وجها لله، يلقى وجه الله، حيثما ولى، وكيفما اتجه.

{فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب}[٢]، {خلق الإنسان من صلصال كالفخار}[٣]، {بورك من في النار ومن حولها}[٤]، {وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتما مقضيا}[٥]، {نار الله الموقدة}[٦]، جذوة الحياة، شعلة الخلاص والنجاة، القلوب أرضها، والنفوس شجرتها وزرعها، والصدور مشكاتها، والعقول نورها، والروح حياتها، والله لها جماعها، لا شريك له منها، ولا موجود لها غيره، هو لها ليس غيرها، وهي له ليست غيره، {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت}[٧]، ومن ورائها بإحاطته، وأمامها لشهادته بقيامها لقيامته، بموقوتها لساعته، وبدائمها لحقيقته.

ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان… وما ظهر بشيء مثل ظهوره بالإنسان… وما ظهر لشيء مثل ظهوره للإنسان… وما قارب شيئا مقاربته للإنسان. به فعل، وبه خلق، وبه تجلى، وبه ظهر، وله أشهد، وبه شُهد، قائم لا إله إلا الله، يوم يدخل حصنها، ويقوم بها، ويكون حصنا لها، يوم هو لمن بنوره دخله فدخلها.

الإنسان في الله… الإنسان بالله… الإنسان لله… هو اسم الله… هو لفظ الله… هو حروف الله… هو كلمة الله. هل حرص الإنسان على أمره في الله؟ هل طلب الله في نفسه فلم يجده؟ هل خطى إليه في قلبه ولم يشهده؟ هل تحرر بعقله، فانطلق في ملكوت الله، فلم يكنه!!!

هذا دين الفطرة، جاء به رسول الله، تمام جيئة، وظهر به رسول الله، كمال ظهوره، وأعلمه رسول الله، واضح وصالح عِلم، ونشره رسول الله، تمام عمل فيه، وإعمال له، وانتشار به.

ولكننا بأغلبيتنا عرفنا الدين مناسكا، وعرفنا المعاملة فيه ألفاظا، وجفونا العمل به عقيدة، ولم نسعى إليه للوجود حقيقة، أو للشهود كشفا وشهادة، في دائم الموجد بمحدث الموجود، بلا إله إلا الله.

قطعنا الحياة كرات، ولم نجمع في كرة سابق مرات، لنشهد في قائمٍ قادم دورات، على ما كان في قديم من جماع حيوات في لا إله إلا الله.

نقطعها كراتٍ خاسرة، واهمينها دورات رابحة، لا نعرف خسرانها، إلا يوم تنقضي الكرة فاقرة، فيتكشف لنا الغطاء، فلا نجد بنا لنا من الله عطاء، لأننا لم نعمل لجزاء، ولم نوادد بولاء، ولم نتقِ برجاء.

كنا الكنودين، كنا المعاندين، على ما كان الآباء، وعلى ما نُعلِّم الأبناء، فلا ينقطع عملنا في إعمال القطيعة، والحرص على بقاء الوجيعة، {فما أصبرهم على النار}[٨]، {يا حسرة على العباد}[٩]، ما يأتيهم من رسول، ما يأتيهم من ذكر محدث، إلا كانوا به يهزأون، إلا استمعوا له وهم يلعبون، لاهية قلوبهم يوم يستمعون، وأصابعهم في آذانهم يضعون، حذر الموت، به يحيون.

ولو عرفوا أن الحياة في موت القطيعة، لطلبوا الموت، ورحبوا بالوجيعة، وقتلوا أنفسهم باختيارهم، قبل أن يموتوا باضطرارهم، عملا بما هداهم إليه من بُعث بالحق بينهم، ومات عن الباطل من مثال أنفسهم.

{إن يوم الفصل كان ميقاتا، للطاغين مآبا، لابثين فيها أحقابا}[١٠]، يومئذ يبعث بالمقام المحمود، من كان لهم في وجود، ومعهم في شهود، وكانوا معه في كنود. يومئذ، يتبعون الداعي لا عوج له. يومئذ يتبعون الداعي لم يلبوه ولم يجيبوه، ولم يكسبوه، ولم يكونوه، وخشعت الأصوات للرحمن، يشهدوه رسولا يلاقوه، وإنسانا يعرفوه. (يخلق الله له صورة يتجلى بها على الخلق يوم القيامة أرجو أن أكون صاحب هذه الصورة)[١١]، أرجو أن أكون صاحب هذه الصورة. (إذا كانت القيامة انقطع كل نسب وحسب وسبب وصهر إلا نسبي وحسبي وسببي وصهري)[١٢]، (أقربكم مني منازل في القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون)[١٣].

ما في أنفسهم أكبروه، ولكن فرقوا بينه وبين ربه ما عرفوه، وما اعتقدوه، فما ربهم به في أنفسهم قدروه فذكروه، يقوم ويتقلب في الساجدين صدقوه ليشهدوه، نور الله يكسبوه، وبعثا بالحق يوهبوه، ولكنهم تركوه وجافوه، وأبترا دعوه، وفردا وصفوه، لا أُمة جددوه، ولا كوثرا كانوه، ولا حيا في قبره وادّوه، ولا من قبور قلوبهم، نفسا يحيا الناس بها جميعا بعثوه.

إن يوم الفصل كان ميقاتا، ها أنتم في يومكم تلاقوه، إلى أرض المعاد تشدون فتُشدَهوه لا تعرفوه، وأنتم به في رحمة ملاقوه، (أُمة مذنبة ورب غفور)[١٤]. ما جافاهم وإن جافوه، وأحبهم وإن قلوه، ورعاهم وإن أهملوه.

زويت له الأرض ما قدروه، تعرض عليه أعمالهم ولكنهم كذبوه، فإن وجد خيرا حمد الله، كسبوه، وقاموه، وبعثوه، وإن وجد شرا، استغفر لهم، وإن لم يقدروه، وغفر لهم وإن لم يستغفروه، وتاب عليهم وإن لم يسترحموه.

إنهم قومه! وأسوأ الأقوام بما قاموه، بئس العشيرة كانوا لعشيرهم، الأعراب أشد كفرا ونفاقا، ولكنه ربهم، وخير رب شهدوه، وأرحم رب لاقوه. روح الرحمة، ذات الرحمن، يد الله، بحار الحياة للرحيم، قاهر الرجيم، سلاح وسند المستقيم، زاد وماء حياة المستديم، سماوات العناية، أراضي الرعاية، شامل الوجود، هو في وجوده بموجوده فيه للمؤمنين الكفاية.

غني بالله، قوي بالله، عزيز بالله، رحيم بالله، قادر بالله، مقتدر بالله، مقدر بالله، تواب بالله، غفور بالله، ما انفك عن الله في فعله، ولا في صفاته، ولا فيما قدم من آياته، لا في معناه لمبناه، ولا في ذاته بكوثر ذواته.

يسجُد لله، ويسجِد لله، ويعبد الله بالله، ويعرف الله بالله، ويقدم الله إلى الله بالله، بين قديم وجديد الله، بين قائم الله وقادم الله، بلا إله إلا الله، شعارا لمعناه، وشعارا لمولاه، وشعارا لروحه، وشعارا لمبناه، وشعارا لرسالته، وشعارا لكتابه، وشعارا لإمامته، وشعارا لآله، وشعارا لحاله، وشعارا لمآله، وشعارا لنبوته، وشعارا لطريقته، وشعارا لعِلمه، وشعارا لعَلمه، وشعارا لحكمته، وقياما وبعثا لأمته.

ها هي أرض المعاد، تبرز في ثوب العناد، ويبرز داخلوا البيت اليوم كأنهم موازين الرشاد، قد فقدتها لها، حسب الوعد، أُمة الوداد، فقدها من جعلوها في بدايتهم، قبلة الصلاة في الجهاد، فصارت بالتي هي أحسن، ظهيرا لهم بحقهم في العباد، يوم استقبلوا قبلة الغيب للمعبود، فظاهرهم الله بكلماته في الوجود، في العيان وفي الشهود، (قـوم أناجيلهم صدورهم)[١٥]، ضُرب ابن مريم مثلا لهم يقوموه، الناس بهم يشهدوه.

قوم هم كلمات الله… قوم هم كتب الله… قوم هم وجه الله، ووجوه الله… قوم هم يد الله، وأيدي الله… قوم هم قدم الله، وأقدام الله… قوم هم مطية الله، ومطايا الله… قوم هم عباد الله.

{إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}[١٦]، يقوم الحق عبدا، ويشهد في الحقيقة عبادا، يقوم حبا وخلا، ويشهده في واحدية لأحده بآحاده مشاهد لا يعرف عنادا، ولكن يقوم عِلما ورشادا، {إن الله كان عليما حكيما}[١٧].

شهد الله أنه لا إله إلا هو، شهادة منه لنفسه عند نفسه، وشهد الملائكة بوحدانيته عن أنفسهم، فشهدوا شهادته لنفسه، بشهودهم أنفسهم من نفسه. وكذلك أولو العلم، شهدوه في أنفسهم لكلهم به، شهادته لكله، في مطلق وجوده، شهادته لنفسه عن نفسه. عرفوه، وشهدوه، يوم سقطت عنهم أغيارهم بأثقالهم بوهم عزلتهم، وقد كشفت عنهم أغطيتهم، ووضعت عنهم أوزارهم، لمعنى صلاتهم ووصلتهم. فشهدوه لأنفسهم في أنفسهم، قائم نفسه، بلا إله إلا الله، يدخلونها، ويقومونها، ويقيمونها.

ها هو الزمان يدور بالإنسان على هيئته من البدء، دورة من دوراته، في الله دهرا بصفاته. كان الإنسان فيه وفي دوام يوما وعصرا. ها هي أرض الموعد، بها يتجلى الوعد للوجود، وعما قريب يتجلى بساعة للشهود، فما غاب الحق عن وجوده في موجوده عند متواجده، وما اختفى في شهوده، عند مشاهده، لعين لطيفه، في قلب تشريفه، بعقل نوره، عند ذات قدسه. ولكن الناس أكثرهم لا يعلمون، ولكن الناس أكثرهم لا يؤمنون، فالناس هلكى إلا العالمون، وقليل ما هم، والعالمون هلكى إلا العاملون، وما أقلهم، والعاملون هلكى إلا المخلصون، وما أندرهم، والمخلصون على خطر عظيم وما أصبرهم.

إن أحداث الزمان في عصركم هذا، فيها حديث الله على صورة أوضح من كل زمان، وأبلغ من كل بيان، وأقرب من كل عرفان. إن الأحداث تترى ناطقة، تبين مخبرة مُنبئة محققة، صدق ما بين أيديكم من نبوءات الرسول، عن نبأ الله، وعما يصنع الله، وعما يحكم الله، وعما يدبر الله، وعما يبرز الله، وعما يعلِّم الله، وعما يهدي الله، لخير الناس واهتدائهم.

وهو الهادي في دوام، لا ينقطع عن وجوده، يقوم فيه الهادي والمهدي في دار سلام بقلوب الهياكل، فما كان الأنبياء إلا المهدي، وما كان الرسول بيننا لشهودنا إلا المهدي، وما كان ربه، لحقه وحقيقته، إلا الهادي، ما كان الرسول لمشاهدتنا إلا المعطي، وما كان ربه لمظاهره إلا العاطي، (الله معطي وأنا قاسم)[١٨]… فكان شهيدا على الشهداء، وأبا لكل قاسم من الآباء، فكان بمعناه الدائم أبا القاسم لكل قسم، وأبا الطيب لخزائن الطيب، وأبا الطاهر لخزائن الطهر، وأب الناس لرب الناس، ورحمة الناس لملك الناس، وقدس الناس لإله الناس. كان الحق بين الله والناس. كان الطريق إلى الله للناس. كان الخليل للناس مخاللة ربه له. كان الحبيب للناس حب الله له، (أُمة مذنبة ورب غفور)[١٩].

هل عرفوه؟ لا! بل أنكروه، إلا من رحم. هل قاربوه؟ لا! بل أعطوه أقفيتهم، إلا من هدي. {من يهد الله، فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٢٠]، {ليس عليك هداهم}[٢١]، {ولكن الله يهدي من يشاء}[٢٢]، وإليك، ويرحم من يشاء، وبك، ويغفر لمن يشاء، بالاتحاد معك. {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[٢٣]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢٤]، نور الله وقائم ربك، لقيومه عليهم بك. أنت وربك لقائم الحق معهم، حقائق الله، وأقانيم الفطرة، وثالوث الواحدية، لآحادهم، وقائم الأحدية لصفاتهم، فكان الرسول عبد الأحد لعقائدهم، وقائم وكوثر الواحد، بلا عد ولا حصر، لدائم طريقهم وسلوكهم.

عرفناك رسول الله كوثر الحق، بظلالك لحقائقك، قمت وتقوم بيننا بمثالك، نعرفك فينا دائما بأمثالك، فنحيا لنا بمُثلك، رحمة للعالمين كنت لنا. أنزلك الله من عليِّ شأنك لقائم أنفسنا، يجري منها الشيطان مجرى الدم. ومن عليّ قيامك، ومن عليّ دارك، ومن عليّ وضعك، ومن عليّ أمرك، إلى عالمنا عالم الرجع والصدع، رحمة بالعالمين، وتخلقا بأخلاق ربك نزلت، ودوننا رحمة بنا تواجدت، وإلى طريق ربك حملت، ثم علينا علوت، فمن عدل الله وقيت ورحمت وشفعت. هكذا أمرت، وهكذا خلقت، وهكذا تحققت وحققت، وهكذا حققت وحقا بعثت، وهكذا كنت على الخلق العظيم، والطريق القويم، والأمر المستقيم، به قمت، وبه عملت، وله دعوت.

فخاطبه ربه، كافة للناس جعلناك، ودينا لهم بدينك ارتضيناك، يوم هم لأنفسهم لك يرتضون، فيرتضونا، فهم يوم يكسبوك يكسبونا، وهم يوم يتواجدوك يتواجدونا، وهم يوم تسقط بينك وبينهم الحواجز، تسقط بيننا وبينهم الحواجز، فما أبديناك لتكون عنا حاجزا، وإن جعلناك حجاب رحمتنا، ونور حضرتنا، ووجه طلعتنا، وقائم أمرنا، وعبد مطلقنا، وعلم معرفتنا، وقدس لقائنا.

{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٢٥]، {من يطع الرسول فقد أطاع الله}[٢٦]، ومن غاضب الرسول فقد أغضب الله، ومن تجاهل الرسول فقد جهل الله، ومن جهل الرسول فقد تجاهل الله، ومن جهل الله فقد نفسه، واختار عدمه، وباعد وجوده، وأغمض عن شهوده، وكفر بحق موجوده.

فلا كفر بالله، ولكن الكفر إنما هو بك لك بكفرك بمعية الله، {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}[٢٧]، {ومن ضل فإنما يضل عليها}[٢٨]، {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[٢٩]، من ذا الذي يظلمنا، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا، فقد قدرهم لهداهم، وإلى أعماق أنفسهم وجههم وتولاهم، فيوم اتجهوا كشف عنهم أغطيتهم، وقوَّم فيهم أمرهم. {قدَّر فهدى}[٣٠]، وما كان هديه، إلا الانتفاع بقدرته مبذولة فيما وجهت إليه، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٣١]، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٣٢].

وأنتم اليوم ترثون عن آبائكم، ما تشهدون من أحوالكم، {وليخشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله} [٣٣]، (من صلح أصلحنا له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته)[٣٤] ، وما صلح من صلح إلا يوم يصلح لله، خلقه لنفسه، وخلق كل شيء من أجله، فرد أمانة ربه إلى ربه، فأعطاه الله أمانته التي خلق له، وهي كل شيء ممن ليس كمثله شيء، والذي جعل الإنسان له ظهوره في الشيء، وفي كل شيء. وها هو الروح يقوم في يومكم لرب العالمين، فهلا تساءلتم عن آبائكم وأحوالهم فعرفتم من كان في مسلكه الزمني السليم، ومن كان منهم السقيم؟

لا إله إلا اللـــــــــــــــــــــــــــــه، محمد رسول اللــــــــــــــــــــه.

اللهم يا من جعلتنا بمن جعلته لا إله إلا الله، لا إله إلا الله… اللهم أتمم لنا نورنا، ويسر لنا أمرنا، وادفع عنا بلاءنا، استجلبناه على أنفسنا بأنفسنا بميراث آبائنا، بمضاعفات غفلتنا عن أبوتك لنا برسولك أولى بنا من أنفسنا… اللهم اهدِ قلوبنا، وأنر عقولنا، وقوم فيك أمرنا.

اللهم اكشف الغمة عن الأرض وارزق أهلها السلام، وهيئهم للوئام، واجمع قلوبهم على حبك، وقوم أمورهم على أمرك، واكشف عنهم أغطيتهم لكشف سرك، ليشهدوك في جهرك أنك لا إله إلا الله، وأنك بإنسانك محمدا رسول الله، لقائم الإنسان، ولقديم الإنسان، ولقادم الإنسان، ولكل بشر ليكون إنسانا، قائم أمرك، وقيوم رحمتك.

اللهم به أشهدنا لا إله إلا الله، ولا تخرجنا فناء أنفسنا من لا إله إلا الله، واحفظنا فيها بقاء بلا إله إلا الله وعبادا لك. وقوِّم أمرنا فيك لا إله إلا الله، لنشهدك بها الله أكبر، والله أكبر، والله أكبر، ونقوم شعارك الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر على من طغى وتجبر، ولا إله إلا الله.

جعلت لنا عزة برسول عزتك، فاستعملناها في الهوان، وفقدنا بها لنا معنى الإنسان، وأخطأنا طريقنا إلى الإحسان، وشوهنا كتابنا في العرفان، وحرفنا مواضع القول، ومواضع الكلم، في القيام، فانحرفنا بأنفسنا، وضللنا عن أنفسنا.

فما حاربناها في ظلامها، وما قومناها بنور الرسول لها، وما قتلناها بموقوتها، وما بالرسول لدائمها بعثناها، فأحييناها، فما بك تواجدناك في وحدانيتك فتواجدناها، وأنت لنفسك بنا أوجدتها، ولنا بك أعرتها، وكم فينا بيننا لأنفسنا قومتها، فبك أظهرتها، فجحدناك يوم جحدناها، وأغفلناك يوم أغفلناها، {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها، وتركوك قائما، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة}[٣٥].

{قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني}[٣٦]، فمن لم يكن على عين بصيرتي، فما قام بدعوتي يوم يدعو، وما مثل طريقتي يوم يقتدي، فما تحدث برسالتي حكمةً، ولكن بلسان الظلام في الغواية تحدث، وبلسان الضلال هدى، وبطريق الالتواء، أَمَّ ودعا. (فقهاء أُمتي في الدرك الأسفل من النار)[٣٧]، (إذا خالط الفقهاء الأمراء فاحذروهم فإنهم قد تذأبوا) [٣٨].

هذا أصبح حالنا، وهذا حال قديمنا بآبائنا، كان لنا مآلنا، وها نحن على ما كانوا قبل أن يعرفوا الإسلام عدنا، ولما قالوا قلنا {إنا وجدنا آباءنا على أُمة، وإنا على آثارهم مهتدون}[٣٩]، {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}[٤٠].

لا نردد بيننا إلا مقالة السلف الطالح، وننكر بيننا على السلف الصالح، نصفهم أهل المواجيد… أهل الأحلام، ونُتفه أمرهم، إنهم القوم. نعم إنهم القوم ما انحرفوا، إنهم القوم لا يشقى جليسهم، قالوا هم المجانين، نعم هم المجانين في حب الله.

مجانين ولكن على أبواب جنونهم سجد العقل، (اذكر ربك حتى يقولوا مجنون)[٤١]، {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}[٤٢].

هل أنتم العقلاء أيها البلهاء! أيها السفهاء! {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}[٤٣]، فلا ربانيين طلبتم، ولا أربابا لكم بينكم اتبعتم، وإليهم اتجهتم، وقبلة اتخذتم، وصلاتكم إلى قبلتهم أقمتم، ولا ربانيين كنتم، أو في الربوبية لكم طمعتم، بها مع الله تعاملتم، وبالرسول تواجدتم، ولكن سخفا بذرتم، وتافها قدمتم، ومبعدا عن الله رددتم وعلَّمتم.

نسأل الله أن لا يجعل لنا معهم طريق، وأن لا يجعل لنا منهم صديق، نسأل الله أن يجعل منا لنا فينا رفاقا من المؤمنين، وأخوة من الصادقين، قلوبا حية بالله قائمين، وعقولا متحررة برسول الله متواجدين، به منتشرين، ولرسالته عاملين.

اللهم بحقك به قوِّم أمرنا، وولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، واكشف عنا أغطيتنا، حكاما ومحكومين، مجاهدين ومتابعين حتى يتبين لنا الحق، وحتى نرى في يومنا يوما للدين، فكل أيامك يوم للدين، وكل لمحاتك لمحات لليقين، وكل ساعاتك ساعات للحق به يقوم، وللبعث يتواجد ويدوم.

اللهم به فابعثنا، وبه فأقم لنا فينا قيامتنا، مبعوثين بالحق، مبعوثين بالرسول الحق، بقائم الحق، ودائم الحق.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

أضواء على الطريق

من هدي السيد الروح المرشد سلفربرش بإحدى دوائره الروحية، وهي دائرته بلندن نفاذا لقوله تعالى {يوم يقوم الروح[٤٤] لرب العالمين[٤٥]} حالَّا محل النبيين في رسالتهم للتعريف عنه في العالمين إلى المرسل إليهم عن قائمه بهم وفي أنفسهم، بيانا للفطرة وصبغتها بالحق وإقامةً، وبيانا لقول إمام المرسلين (خلفت الله عليكم)[٤٦]، إذ يقول السيد:

(كثيرا ما نشاهد عودة نفوس من عالمنا إلى عالمكم، متلهفة متشوقة لأن تجعل وجودها محسوسًا الذين تركتهم وراءها مؤقتا محاولةً أن تلمسهم بأيديها الممدودة. وإنا لنرى الرعب مكتوبا في وجوههم عندما يعلمون بدهشة محزنة أنه لم يعد لهم من تعبير في عالمكم، وإنه لا يمكن سماعهم، ولا يمكن رؤيتهم، ولا يمكن الإحساس بهم، ولو أرادت الدنيا كلها ذلك، ولا حتى في البيوت التي يرفرف فيها الحب. وعلينا أن نخبرهم بكل أسى أنه لا أمل من محاولة الاتصال قبل أن يصبح هؤلاء الذين يودون الاتصال بهم داخلين في دائرة التأثير الروحي).

(لقد اصطحبت كثيرين من الذين تدعونهم عمدان الكنيسة، لقد عادوا إلى أماكن عبادتهم، إلى كاتدرائياتهم وكنائسهم. لقد أنصتوا إلى الترتيل الذي يعرفون تماما الآن أنه هراء، وملأت قلوبهم الحسرة وطأطوا رؤوسهم في حزن إذ أيقنوا أنهم قد عاونوا على إقامة دعائم نظام من الخطأ والأباطيل…)

(إنه التطهير… إنه القانون، إذ لا بد أن يعكس كل واحد الخطأ الذي عمله. كل يجب أن يدفع الثمن للحياة التي عاشها. في القضاء الأبدي يجري كل الحساب بالعدل ولا يهرب أحد من نفاذ القانون).

(فعلى مثل هذا الإنسان أن يقابل كل إنسان أعطاه تعليما خاطئا ويصحح خطأه، وتصبح مهمته أسهل إن كان هذا قد استقام في الوقت المناسب، ويخفف عنه بقدر ما كان يعتقد من صواب عمله).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. استلهاما من الحديث الشريف: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "… أخرجه الحكيم الترمذي، والبيهقي، والطبراني، وأبو يعلي. ↩︎

  2. الحديد - ١٣ ↩︎

  3. سورة الرحمن - ١٤ ↩︎

  4. سورة النمل - ٨ ↩︎

  5. سورة مريم - ٧١ ↩︎

  6. سورة الهمزة - ٦ ↩︎

  7. سورة الرعد - ٣٣ ↩︎

  8. سورة البقرة - ١٧٥ ↩︎

  9. سورة يس - ٣٠ ↩︎

  10. سورة النبأ - ١٧ و٢٢ و٢٣ ↩︎

  11. من حديث شريف طويل: “إنَّ اللَّهَ يتجلَّى لَهم يومَ القيامةِ ثمَّ يأتيهم في صورةٍ غيرِ الصُّورةِ الَّتي رأوْهُ فيها أوَّلَ مرَّةٍ فيقولُ أنا ربُّكم فيقولونَ نعوذُ باللَّهِ منكَ هذا مَكانُنا حتَّى يأتيَنا ربُّنا فإذا جاءَ ربُّنا عرفناه. ثمَّ يأتيهم في الصُّورةِ الَّتي رأوْهُ فيها في أوَّلِ مرَّةٍ فيقولُ أنا ربُّكم فيقولونَ أنتَ ربُّنا.” صحيح البخاري. ↩︎

  12. حديث شريف: “كلُّ نسَبٍ وصِهرٍ ينقطع يومَ القيامةِ إلا نسَبي وصِهْري”. رواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، ورواه أحمد في مسنده، كما جاء أيضا بلفظ: “كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي.” أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)). ↩︎

  13. حديث شريف: “إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة”. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان. ↩︎

  14. حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. المحدث: الألباني. المصدر: السلسلة الضعيفة، وضعيف الجامع. ↩︎

  15. من حديث شريف: “صِفَتي أحمدُ المتوكِّلُ، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، يجزي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يكافئُ بالسيئةِ، مولدُه بمكةَ، ومُهاجرُه طَيبةُ، وأُمَّتُه الحمَّادون، يأتزِرون على أنصافِهم، ويوُضِّؤون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصفّون للصلاةِ كما يصفُّون للقتالِ، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إليَّ دعاؤُهم، رُهبانٌ باللَّيلِ لُيوثٌ بالنَّهارِ”. أخرجه الطبراني. ↩︎

  16. سورة مريم - ٩٣ ↩︎

  17. سورة النساء - ١١ ↩︎

  18. حديث شريف: “أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم”. أخرجه البخاري. ↩︎

  19. حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. المحدث: الألباني. المصدر: السلسلة الضعيفة، وضعيف الجامع. ↩︎

  20. سورة الكهف - ١٧ ↩︎

  21. سورة البقرة - ٢٧٢ ↩︎

  22. سورة البقرة - ٢٧٢ ↩︎

  23. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  24. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  25. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  26. سورة النساء - ٨٠ ↩︎

  27. سورة الإسراء - ١٥ ↩︎

  28. سورة الإسراء - ١٥ ↩︎

  29. سورة البقرة - ٥٧، سورة الأعراف - ١٦٠ ↩︎

  30. سورة الأعلى - ٣ ↩︎

  31. سورة الزلزلة ٧-٨ ↩︎

  32. من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. أيضا الحديث: " يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه." صحيح مسلم. ↩︎

  33. سورة النساء - ٩ ↩︎

  34. استلهاما من {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ.} سورة الرعد – ٢٣. و{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.} سورة غافر - ٨ ↩︎

  35. سورة الجمعة - ١١ ↩︎

  36. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  37. إشارة إلى حديث شريف ذات صلة: “مررْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي بأقوامٍ تُقرضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ من نارٍ، قُلْتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: خُطَباءُ أمتِكَ الذينَ يقولونَ ما لا يفعلونَ ويقرؤونَ كتابَ اللهِ ولا يعملونَ بِه.” أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلي. ↩︎

  38. يتوافق مع معناه حديث أخرجه الديلمي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يحب الأمراء إذا خالطوا العلماء، ويمقت العلماء إذا خالطوا الأمراء؛ لأن العلماء إذا خالطوا الأمراء رغبوا في الدنيا، والأمراء إذا خالطوا العلماء رغبوا في الآخرة." أيضا، أخرج الديلمي الحديث الشريف: “عن الحسن، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم (لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه، ما لم يماري قراؤها أمراءها.” ↩︎

  39. سورة الزخرف - ٢٢ ↩︎

  40. سورة البقرة - ١٧٠ ↩︎

  41. حديث شريف: “أكثِروا ذكرَ اللهِ حتَّى يقولوا مجنونٌ.” الراوي: أبو سعيد الخدري، أخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم في ((المستدرك)). ↩︎

  42. سورة القلم - ٢ ↩︎

  43. سورة آل عمران - ٧٩ ↩︎

  44. سورة النبأ - ٣٨ ↩︎

  45. سورة البقرة – ١٣١، الأنعام – ٧١، غافر – ٦٦، المطففين - ٦ ↩︎

  46. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎