(٤)
الإنسان
في ذاته بصفاته في أطواره، هو الطريق والبعث والقيامة والحياة
في قائمه بعث قديمه وكتاب قادمه
حديث الجمعة
١٩ محرم ١٣٨٢ هـ - ٢٢ يونيو ١٩٦٢ م
أستغفر الله، لي ولكم، وللناس أجمعين.
وأعوذ به وأستهديه، أقرب إلينا من حبل الوريد.
روح حياتنا، ونور إدراكنا، وقوام ذواتنا، ومعنى نفوسنا.
نشهد بوحدانيته لا إله غيره، ولا موجود معه من أعلامنا وعوالمنا، ونشهد رسوله من أنفسنا، ممتدا بنوره من نوره فيمن يعلمنا ويدرِّكنا، أو يحمل إلينا منا أي فكر أو نظر، صادقا صادرا لنا من معانينا، من مصدره من جماع أنفسنا لقائم الحق علينا فينا، بقيامنا له في قيومه بنا، قائما على كل نفس منا، أعطاها خلقها وهديها، فيما اكتسبت، بما كسبت، لقيامتها من قيامها، إن تعمل مثقال ذرة خيرا تره، وإن تعمل مثقال ذرة شرا تره.
تدرك النفس لذلك يوم يرد إليها عملها، حاكما عليها، أو محكوما منها، فنحن نقول لا إله إلا الله، ونتناجى بلا إله إلا الله، ونعمل ونسعى إلى لا إله إلا الله، مؤمنين بها أو غافلين عنها… مؤمنين أننا في سعينا وعملنا، مقامين وقائمين في لا إله إلا الله، أيا ما طرقنا من سبيل إلى هدى من حظنا وسعادتنا، أو إلى ضلال من شقوتنا وتعاستنا، في عزلتنا مؤمنين بأنفسنا بعيدة عما حولها وعما فيها، غير مدركين عن الحق لها، أو غير آبهين له عليها ومعها.
إننا في حياة نقومها، تقوم على قوامها من أيام معدودة على أرضها حقبة من الزمان، نشرق فيها بموالدنا، ونغرب عنها في منظورنا ومدركنا بغيابنا عنها، بما ندعوه في رحلتنا بموتنا. نحن في طفولتنا نبدأ أهِلَّة، يكتمل بدرها بتقواها، مرعية ممن يرعاها، في ناموس فلاح من زكاها، ثم تتناقص لكي لا نعلم من بعد علم شيئا، حتى ندخل في محاق، وفي ظلام كامل مهدا لمولد هلال جديد، في مكان وعالم جديد قريبا أو بعيدا، بغيابنا عن مجابهة مصدر النور لكرتنا، للظهور بنور الأكبر في بيئة كرة أخرى، نقوم في هذا في دورة منتظمة، بأشهر معلومة، في زمان يبدو أنه لا ينقضي، ولا نعرف له بداية، في كرات نقومها ونبديها، لا سلطان لنا عليها، ولا علم لنا متى نبدأها أو ننهيها.
تولد الأهِلَّة، وتغيب الأعلام والأدلة، بين تكامل لبدور، وتناقص من كمال. وها نحن مع هذه الأهِلَّة والبدور، في حركة الوجود ندور، بين قبر ونشور، بين بعث وقيامة، أو بين قيامة وبعث، بين زرع وحصاد، أو فرق وجمع، وتجمع وحشر، بعلم فجهل، أو جهل فعلم. هذه هي الحياة، على ما نشهدها، وعلى ما تغيب علينا، وعلى ما نقدرها، وعلى ما ندركها، وعلى ما نجهلها، ويدق علينا فهمها، وهي لمدركها لا يدركها إلا بجمعه لشقيها، في وحدة معناه بها صامدة.
إن هذه هي الحياة! والدين إنما هو في أن نعرف ما هي الحياة، حتى نحيا… وأن نتذوق به ألوان الحياة حتى نتطور فيها ونزداد منها، وأن نقوم في أطوار الحياة حتى تتكامل فينا دورتها، وأن نوائم بين مفهومنا عنا ومفهومنا عن الحياة حتى نتحقق بصبغتها في فطرتنا، وأن نعرفنا من نكون بظاهرنا ومن نكون بباطننا حتى نستقيم لنا في أمرنا وشأننا، ومن نكون بقادمنا ومن كنا بماضينا حتى نحسن العمل بقائمنا.
بذلك نعرف من نكون بمادياتنا، ومن نكون بإدراكاتنا، ومن نكون بطاقاتنا، ومن نكون بعجزنا، حتى نغير ما لا يرضينا بما يرضينا، فنقدر من نكون في قيودنا، ومن نكون في حريتنا وانطلاقنا وقدراتنا، حتى نتمكن من أن نسبح في رحابة الوجود، ونسعد بالوجود لموجودنا.
هل يمكن أن نعرف ذلك كله، أو شيئا منه، دون من يأخذ بيدنا، ودون معلم لنا، ودون مرشد من بيننا، ودون مثال نحتذيه، ودون باب نرتجيه، ودون إمام لطريق في سبيل نقتديه؟
إن الدين بلَّغنا وتكفل لنا، بأن الله موفر المعلم منا بيننا، على دوام في فعل، ودوام في قيام، في كل لون من علم، اقرأ… {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ، وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}[١]، {إنا أعطيناك الكوثر، إن شانئك هو الأبتر}[٢]، {رسول من أنفسكم}[٣]، (يقوم ويتقلب في الساجدين)[٤] بــــ {النور الذي أنزل معه}[٥]، وجُعل له {يمشي به في الناس}[٦]، فيسويهم بنفسه، ويملأهم بنور الله، روح قدسه، لمعناه من ذات حقه، بكتاب يتلوه في الناس على مكث له به، تاليا معلما مبينا.
فكيف نقول بضرورة القلم، والمعلم به، معلما بالقلم في كل علم، وما كان القلم، إلا ذات الإنسان للإنسان، ولا نطلب المعلم وقلمه بنا، في العلم للإنسان عن الله، ومعرفة الله علم؟ وكيف نطلب العون عند كل حاجة! ولا نستعين بالخبير عند كل عجز! فكيف يكون العلم بالدين، بمعزل عن حاجة للمعلم، وليس المعلم للدين إلا القدوة به وما صحت الصلاة إلا للقبلة إليه، وما كان الهدي، وما كانت القلائد في التقليد والمتابعة إلا انطباعا عليه؟ فحاجة المتعلم للمثال ضرورة في علم الدين، وهو الطريق والحق والحياة، وما كان الدين، إلا علم الحياة، وكسبها، والاحتفاظ بها.
الله يقول {ما قدروا الله حق قدره}[٧]، هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٨] من {عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[٩]. فيهم القدوة وفيهم الأسوة، {يبيتون لربهم سجدا وقياما}[١٠]، فيهم العلم والإدراك لمعاني الحياة، والهدي والقلائد.
(هذه الدار أول أبواب جهنم)[١١]، في علمهم وشهودهم، يبيتون لربهم ركعا وقياما، فهم القريبون من الله، الراهبون له، يقولون {ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما}[١٢]، ربنا لا تجعل أمرنا فيها عندنا غراما بها، على ما أشهدتنا وأريتنا عن المغرمين بها، ممن نعاشر وممن نحيا بينهم من بيئتنا. فقال رب النار للنار {يا نار كوني بردا وسلاما…}[١٣].
ربنا… لقد كشفت عنا الضر وهديتنا السبيل، {إنها ساءت مستقرا ومقاما}[١٤]. ربنا إنا لا نتثاقل إلى الأرض، كما يتثاقل أبناء المادة وأبناء الظلام، بما هديتنا منعما. ربنا وقد أردتنا كلمة منك وذكرا لك، بقديم إرادتك وأزلي فعلك، {ربنا أتمم لنا نورنا}[١٥]، وصعِّد إليك بقدرتك جودا وكرما منك كلماتنا، بالعمل الصالح، من فضلك، إليه هديتنا.
ربنا… أوجدتنا لنفسك، ولنصنع على عينك، ربنا لا تتركنا لأنفسنا، ولا تُحكِّم في مصائرنا أهل الطاغوت منا، وأهل الظلام بيننا. ربنا وحد جمعنا، وأحيِ قلوبنا، وانشر في الناس ما وفرت لنا، مما أنزلت علينا من نورك، به هديتنا، ونسبت الاهتداء إلينا، لقائمنا بك، انتسابا لآبائنا. ونحن المنسوبون إليك والمنسوبون لأبوتنا منك عبادا لك تفعل بنا، لتفعل لنا.
فعلت بأبوتنا الخير والهدي لنا، رسالة برسول من أنفسنا، ونسبت الهدي والخير لمن فعلت به، ولمن فعلت له، تواضعا منك، وتكريما وإكبارا لنا، بقائمنا لمعاني العبيد لك، وإكبارا لمعناك بهم، عند عابدك، لإدراك معنى معبودك في وحدانية العابد والمعبود فيك لك، قائم كلمتك بالإنسان لروحك وقدسك.
تنزهت إلهنا وتعاليت في معناك بانفرادك عن العبد والمعبود، وعن الرب والمربوب، وعن الخلق والخالق والمخلوق، فجعلت الإنسان في وصف أسمائك وصفاتك بجمعه وفرده، في شتاته واجتماعه، خالقا وما خلق، هو من خلق الأعلى والرفيق الأكبر لعين موجوده في موجود أحديتك بصمد قيامك وناموس فعلك.
كل الفعل منك ولا فعل لك! كل الفعل لعبادك ولا فعل لهم! يا من أوضحت أمرك، فكان الوضوح معجما على قاليك، وما كان هناك إعجام في أمرك على طالبك وعانيك.
جعلت العلم عنك، في العلم عن عالِمك، في علمه عن نفسه، فشرعت وجعلت علم عبادك عنك، في علمهم عن أنفسهم، في اقتداء من عرفك. عرفوك يوم عرفوهم، وجهلوك يوم جهلوهم، ووصلوك يوم وصلوهم، وقاموك يوم قاموهم، وبعثوك يوم بعثوهم.
يوم حاسبوا أنفسهم، حوسبوا وانتهى حسابهم، وكسبوا وأدركوا الحياة واستقامت في الحياة طريقهم، وقد رأوك فيهم الحياة، فشهدوا أنه لا موجود سواك ولا حق إلا إياك. فأشهدتهم أنهم عبادك بإشهادهم أنهم عين عبدك ورسولك، فشهدوا أن محمدا رسول الله، والحق لمعناهم من ربهم في الله بالله، فقاموا معه الله أكبر. ليس له صفة ووصف الأشياء وإن قامته، وليس له وصف المقيدات وإن أعلمته، وليس له حصر بالوجود وإن اتسع، ولا يتقيد بالإنسان وإن كان للوجود وسع.
وصلوك يوم تابعوه، وتابعوه يوم وصلوك. هديتهم إليك بإحاطتك، وفقد أنفسهم، وهداهم إليك بنورك وهديك ساريا فيهم عبادا لك، بحق عبوديته، لقائم وقيوم حقك. أشهدهم نورك في أنفسهم، فشهدوك لا إله إلا أنت، ولا وجود لهم. فأشهدتهم أنفسهم في نورك، فشهدوه لا عبد غيره، ولا رسول سواه، يوم شهدوه قائم أنفسهم على ما شهدوك لهم، أقرب إليهم حبل الوريد.
قاموا بكما للقلب والقالب ولا وجود لهم، بل نُصب ومعانيها، وكلمات وأممها ومبانيها وعباد مكرمون، أقداس للأقدس، في اللانهائي لهم، للانهائي معناك عندهم، فتنزهتم عندهم عنهم وعن الغيرية لهم، فرأوهم لكم بهم تواجد بالله تم، لتواجد بالله أكبر، لجديد بدء لهم، في قيام بالرسول أعظم، لجديد إيمان بهم، في معراج لا يتوقف، ولا يجذ عطاؤه، فهما جديدا متجددا في الله ورسوله، وقيامهما في شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، لله في مطلقه ولانهائيه، وللإنسان بحقه، في مسحه في موجده، لدوام موجوده، باطن الآب والأب والابن، لقائم الذات والروح، في كلي وجوده لموجده بظاهره.
هكذا كان الناس، قبل أن نكون، وقبل أن يكون لنا محمد حقا مرسلا، وهكذا سيبقى الناس بعد أن نفارق نحن الدنيا والناس، ولا نكون من الناس أو من ساكني العوالم النجمية، وهكذا هم الناس، أيا ما كان حالهم أو زمانهم، أو مكانهم، سواء جهل أو يجهل الناس، أو عرف أو يعرف الناس، محمدا رسولا لله.
إن رسول الله معنى خالدا في الله، وإن محمد الله الذي عرفنا، قياما لهذا المعنى، آدما فيه، إن عبودية الله، إن إنسانية الله، إن آدمية الله، التي مثلها لنا رسول الله، إنما هي قضية، لا ينقطع لها حامل، ولا يتوقف لها من الغيب والشهادة عامل، ولا يجز لها في الجديد بالجديد تواجد.
إنها في مفردات الناس، لحقهم وكسبهم، من الحق في أنفسهم، كما أنها في جماع الناس، لإمامتهم وقيادتهم وصلاح أمرهم، كما أنها في جماعات الناس، لوحدتهم ودعوتهم لبشريتهم، كما أنها في وجود الناس عبر الزمن، وعبر العوالم، وعبر السماوات، لحقهم وخلافتهم، عن الوجود المطلق لربوبيتهم ومثاليتهم.
إنها كشف الغطاء للموجودات عن سر تواجدها، وعن روابط وجودها بموجدها، وما روابطها من وجودها بوجوده، برسول إليها من مرسله، في قائم وجودها به مرسلا إليها، تعلم به فيه عن أطوارها في قيامها، بقائم وجوده، لموجوده لها، موجدها له.
إنها الطريق… إنها العلم والمعرفة… إنها الاستقامة والجادة… إنها العمل والكسب… إنها الحياة وتزايدها… إنها التواجد والتطور… إنها المسير والدليل، والحوض والسبيل… إنها الخروج من العدم إلى الوجود… إنها الخروج من التوقيت إلى الأزل والأبد والسرمد… إنها الحياة.
إنها الإنسان في مظهر الحياة… إنها خلاص الإنسان من خدعة الإنسان، في مظهر الإنسان بأمانة الحياة، يخدع الإنسان الشبحي نفسه بوصف الإنسان الحقي له، وهو ما زال إنسان نبات الأرض… وبتوهمه في قيام لبيت الذكر، وهو لم يدخل بعد معنى الإنسان لحيوان الحياة، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}[١٦]، لو كانوا يعلمون أمرهم وأمر الحياة لهم بأطوارهم، في موتهم عنهم بقائمهم لهم، قبل موت أجسادهم في حاضر أجداثهم.
إن الغطاء ما كان ولن يكون أنانية ما حجب، إن اللباس ما كان ولن يكون أنانية اللابس، إن الغلاف ما كان ولن يكون ما بين دفتيه من ألواح الكتاب. إن هذه الذوات التي تتحركون بها، والتي تقومون بها، والتي تعبِّرون عن أنانيتكم من خلالها، والتي تظهرون بباطن وجودكم، في قيام ظهوره بظهورها، ما كانت ولن تكون في معاني الأنانية لكم، إنكم ذكاءات وجود، ليس هو موجود أغلفتكم. إنه لبابكم وقلوبكم لمعانيكم.
فإذا رفضتم معاني الأنانية فيكم لكم، بالله ورسوله، للعقل والنفس، بالروح والنور، بالرأس والقلب، بالطاقة والحركة والفعل، بما تُحصِّلون من فعل معانيكم وعوالم قيامكم، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[١٧]، تخلقا بأخلاق الله الذي لا خالق له، وتواجدا في وجود الله الذي لا موجِد له، بأمانة وجوده عارية لكم، حتى تعرفوا من كسبكم وتحصيلكم وعملكم وخلقكم، أنكم تواجدتم بتخلقكم بأخلاقه، وكنتم محدث ذكره لقديمه، بترديد اسمه وذكره، قائم مذكوره، فعرفتم عظمة المذكور، في تخلقكم من فعلكم، بأطواركم بذكره، وعرفتم عظمة الموجود، بمحاكاة وجوده، بيوت حضرته، وعوالم صنعه.
إن مجرد المحاكاة والمتابعة للرب مع عبده، تجعل منكم أربابا خالقين، تقولون للشيء كن فيكون. وإن مجرد الذكر لاسمه قرين وجهه، يجعل منكم وجوها للمعروف المذكور، (ازرع كلمة الله في أرض ناسوتك)[١٨]، تكن كلمة الله بأرض ناسوته، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}[١٩]، {ما قَدروا الله حق قدره}[٢٠]، هو {أقرب إليكم من حبل الوريد}[٢١]، وهو القائم على كل نفس لوجه إحاطته.
إن ذكر الله باللفظ، محيي للذاكر، وإن قذف اللفظ بالهمة إلى القلب، محيي للمقذوف عليه، (إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، وإن جلاؤها لذكر الله)[٢٢]. إن القلوب بين الجوانح هي أرض الله، وعالمه وبيته لم يتخلق بعد فأحيوها يا عباد الله بذكر الله، اقذفوا بكلمة الله على أرض قلوبكم تخشع وتهجع لذكر الله وتفارق نفوسكم طغيانها وتتخلص من بهتانها.
لو أنزل ذكر الله… لو أنزل كلام الله… لو أنزل كتاب الله على جبل {لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}[٢٣]، فما بال هذه القلوب أقسى من الجبال! يقذف عليها ذكر الله، ويردد لسمعها كلام الله، فتسمع كلام الله لاهية، وتنظر ذكر الله مستهترة غير عانية، وترى وجوه الله فتظاهرها مغاضبة مجافية.
هذه هي طبيعة هذه الأرض وأهلها، بما كسب قديمها، وبما ورث جديدها، فهل تحرر الناس من قديمهم، وقد حررهم الله بجديد لهم، قدوة وأسوة في مولد إنسان على الفطرة، رحمة للعالمين، وهدية للمؤمنين، وأبوة للناس أجمعين، أغفلوه فما صانوه، وما حرصوا عليه، بكوثره رأوه، وبالإيمان والتقوى وعدوه، ومنهم من تواجدوه وتجدَّدوه، فما كان أبترا كما زعموه، وما بالمادة انتسبه مَن انتسبوه، ولكن بالروح والنور صاروه، يوم هم لله ورسوله اتبعوه، (كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمكم منكم])[٢٤]فهو إنسان الإنسانية، هو إنسان الأبوة وهو إنسان البنوة.
ما بالهم لا يعمِلون عقولهم، ولا يذكرون غيوبهم! ما لهم يحنون الظهور بالركوع والسجود، لماديات معانيهم، ولا يمتدون بأنظارهم وأيديهم إلى كنوز قلوبهم، فيستخرجون منها لعقولهم ما أودع الله فيها فيهم، لمغانيهم ومعانيهم!
قلوبهم قالية لاهية، وعقولهم سافلة لاغية، ونفوسهم غير مشتعلة خامدة، وذواتهم لا حراك بها خاملة، وحكمة الله فيهم عاطلة، لا يستقبلون ماء السماء، ولا يستقون عيون الأرض فياضة بالماء. لا يعرضون أنفسهم السقيمة لأضواء الشمس لنهارهم، ولا يريحونها في ظل السكينة لليلهم، عقولهم مرهقة مشوشة، ونفوسهم مكدودة مهوشة، وذواتهم مهزوزة مضطربة. تمر بهم الأيام فتقطعهم، ولا يقطعونها، بما هو في إمكانهم، يوم يحيون من موات ذواتهم، ببعث حي معانيهم.
ينتظرون سكرة الموت، في خوف ورهبة وجزع، إذ لا حق لهم ينتظرهم، بعملهم، كسبوه، بل الحق عليهم سوف يلقاهم بجزاء يصطلوه، (ما مات أمرؤ إلا ندم، إن كان قد أحسن أنه لم يزدد. وإن كان قد أساء أنه لم يقلع)[٢٥].
ليس في الموت إلا الندامة للموتى، ولكن الموت الذي يحمل السعادة، إنما هو السعادة للأحياء ماتوا قبل أن يموتوا، إنها لمحة السعادة، إنها لمحة الساعة تصادفك في ساعة الحياة الزمنية، في قائم الحياة الأبدي، كلمح بالبصر أو هو أقرب، يوم يكشف الله عنك غطاءك، يوم يرتد إليك البصر، يوم تعرف معناك منه.
فتعرف عبودية الجسد لك أنت، والربوبية على الجسد لك أنت، أنت بروحك المرسل، وأنت بالعقل الرسول، إلى النفس لهما، مرسَلا إليها، هي أنت. أنت بعقلك رسول روحك إلى نفسك.
فما كانت طريق الله لك إلا أنت، فالطريق إنما هي تطور نفسك، وتحرر عقلك وانطلاق روحك. إنها الحياة يوم يدركها مدرك، ويقومها قائم، فيعرف أنها الحياة، وأنها الساعة، وأنها اللقاء لأشتاته، وأنها العمل والعطاء والجزاء بأبنائه وأسلافه لأحده لواحدية حقه وخلقه، وأنها اجتماع الغيب على الشهادة في أنانية الإنسان بحاضره، لقديمه وقادمه، بموصوفه عبدا بنفسه بآدمه، وربا بعقله لرحمانه قائم روحه لحقه وقدسه، فهو السيد بروحه بقائمه، لحقه، بإحسانه لنفسه، وإعماله لعقله.
هذا هو الدين… وهذا هو الرسول… وهذا هو أنتم… وهذا هو الله… فمن لا إله له أقرب إليه من حبل الوريد في يومه لحاضره، فلا إله له في غده، إذ لا إله له في يومه، إذ يبعث المرء على ما مات عليه خروجا من هذه الدار أو عودا إليها، برد السماء له لخسران كرته على أرض الصدع لجلدته.
إن الذي يشهد أنه لا إله إلا الله في يومه، هو الذي سيبقى شاهدا للا إله إلا الله في غده، وإن الذي يشهد أنه لا إله إلا الله في يومه، إنما هو ذاك الذي شهد أنه لا إله إلا الله في أمسه.
إن الذي لا يشهد أنه لا إله إلا الله في حاضره، يجب أن يعلم من هو، وأن يتخلى عمن هو، بمصاحبة من شهد أنه لا إله إلا الله، حتى يغير ما بنفسه، فـــ (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٢٦]، (المؤمن مرآة المؤمن)[٢٧]، (والمؤمن مرآة أخيه)[٢٨]، وهذا هو جوهر الحياة لأهل هذه الدار، قذرة قذر ما فيها عدا ذكر الله وما والاه، ارتباطا به لقائمه ومعناه.
{قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا}[٢٩]، وقبل أن تعملوا بما به هديتم، لا تتصفوا بما به بشرتم، فعندما تجهلون أنكم الجهلاء، فإنكم لا تطلبون العلم عند العلماء، وبداية العلم لكم هو علمكم بجهلكم بكم وعنكم.
إذا عرف الإنسان جهله كفاه ذلك أن يكون عالما، وإذا طلب العلم عند أهله، كفاه ذلك أن يكون متعلما، وإذا ارتبط بمحبة بمن يعلمه، وطلب عنده العلم عنه، كفاه ذلك أن يكون سالكا، وأن يكون بالله متصلا وإليه واصلا.
إن الدين للكافة ميسر بمصدره من الواقع… وإن الدين للكافة مبسط ما عرف كل فيه موضعه من جماعته. ولكن الناس يعطلونه لهم بتعطيل أنفسهم عنهم، بتعقيد الأمور عندهم لهم بجهلهم وكبريائهم، وبتعقيدها ممن زعموا أنفسهم معلمين، فتنة لهم، إذ هم يطوفونهم، ويطوفون بهم، ويطوفون معهم، حول توافه الأشياء، وتوافه الأمور، وتوافه المعاني، دون أصولها، وقيمها وجليلها وخطيرها، من شهادة أنه لا إله إلا الله وشهادة أنه محمد رسول الله. يتفيهقون ويتمشدقون، ولَيًّا بألسنتهم يتنطعون، وبتوافههم يفتخرون وعجبا يتيهون، وينفخون أوداجهم بزخرف القول كالحمم يقذفون، وبأحاديثهم يصرخون، ولبراكين الغضب الإلهي يمثلون.
اللهم هادي العمي، أنر بصائرنا، وارفع الغشاوة عن عيوننا.
اللهم مُسمع الصم، افتح لقولك آذاننا، وإصغاءنا وتقبلنا.
اللهم منور العقول، أنر عقولنا، ورقي أفكارنا، ووفر حظنا من المعرفة عنك، بجلي وعينا عنا، منك لك، فيك، بنا.
اللهم محيي الموتى، ابعث قلوبنا بالحياة، وأنزل عليها وأفض منها ماء الحياة، وانشر فيها ومنها نور الحياة. اللهم رب الفلق، افلقها عن الظلام وعن عوالم العدم.
اللهم رب الرتق، ارتقها بعوالم الحياة وبعوالم النور. اللهم ألف بين قلوبنا، وزكي نفوسنا، واجمع فيك عقولنا وأهدافنا وأهواءنا ونشاطنا، وحيويتنا، وطاقتنا ووجهتنا… اللهم اجعل منا عبدا لك، لا تعدد فيه، ولا تعدد معك.
اللهم بمحمد فحمدنا… اللهم بروحه فابعثنا… اللهم بروحه فأحينا وانشرنا… اللهم بوعيه فقومنا، وأقم وقوم بنا… اللهم اجعل منا أمة له وعبدا لك، وذاتا له وقياما لك، وروحا منك ومعنى له، ووجودا لك، وجمعا له وفردا فيك ووجها لك.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. نستغفرك ونتوب إليك، اللهم فولِ أمورنا خيارنا بعفوك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بعدلك، وخذ بنواصينا إلى الخير برحمتك، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، بحكمتك يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة العلق - ١-٥ ↩︎
سورة الكوثر – ١,٣ ↩︎
سورة التوبة - ١٢٨ ↩︎
استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎
سورة الأعراف - ١٥٧ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎
سورة الحج - ٧٤ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٤ ↩︎
مقولة مأثورة لم نستدل على مصدرها، ولكن المعنى مفهوم من السياق. ↩︎
سورة الفرقان - ٦٥ ↩︎
سورة الأنبياء - ٦٩ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٦ ↩︎
سورة التحريم - ٨ ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٤ ↩︎
سورة النجم - ٣٩ ↩︎
استلهاما من تعاليم السيد المسيح وهو يدعو حوارييه أن يزرعوا “الكلمة” أي كلمة الله، أي المسيح في أرض ذواتهم. ↩︎
سورة فاطر - ١٠ ↩︎
سورة الحج – ٧٤ ↩︎
استلهاما من {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} - سورة ق - ١٦ ↩︎
معنى هذا الحديث الشريف جاء بأكثر من صيغة: " إنَّ هذه القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديدُ، قيل: يا رسولَ اللهِ فما جلاؤُها؟ قال: قراءةُ القرآنِ." أخرجه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) باختلاف يسير. و "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قيل: يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: كثرة ذكر الموت، وتلاوة القرآن. أخرجه الخرائطي في ((اعتلال القلوب))، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)). كما أخرجه البيهقي، والطبراني، والديلمي، بلفظ: “إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس وجلاؤها الاستغفار.”. ↩︎
سورة الحشر - ٢١ ↩︎
حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” وعبارة “فأمكم منكم” للسيد رافع. ↩︎
حديث شريف: “ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع.” أخرجه الترمذي، وابن عدي، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد، والديلمي في الفردوس، والبغوي في شرح السنة. ↩︎
حديث شريف: “لمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
نفس الحديث الشريف. ↩︎
سورة سبأ - ٤٦ ↩︎