(٣)

الإنسان الروح المتجسد
للذات الموعود في الذات الموجود
ذكر الله لذكر الله.. وعبد الله لعبد الله
في الموجود المطلق باسم الله لاسم الله
مسيح المسيح إلى مسيح الوجود

حديث الجمعة

٢١ ذو الحجة ١٣٨١ هـ - ٢٥ مايو ١٩٦٢ م

هل أتى على الإنسان لفرده بنوعه وجمعه لجنسه، حين من الدهر، لم يكن شيئا مذكورا؟ هل يدري الإنسان متى بدأ وجوده وجنسه؟ إنه لا يدري ولا يستطيع أن يدري، إلا إذا تجاوز جنسه نوعا وزمانا! ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فلا أقل من أن ينظر ويتأمل، فلينظر الإنسان بحاضره ولاحقه وبقديمه لسابقه، مِمَّ خُلق {خُلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب}[١]، وإنه على رجعه لقادر في كرات متواصلة…

{إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا}[٢]، نطوره في جلود نبدلها، {ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها}[٣].

خُلق الإنسان من تراب الأرض لقالبه وجلبابه ومما لا يعلم من رجع السماء من الروح والطاقة، وعلى صورة ثابتة أنبتناه من الأرض نباتا، وجعلنا منه بشرا مملكة نباتية، وجعلناه أزواجا وجددناه أفرادا، ثم جعلناه أمشاجا جلبابا وثيابا ودثارا، هشيما تذروه الرياح، فتنطلق من سجونها بأشباحها في صورها الأرواح لمجتمع وعالم روحي ناري أو نوراني {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}[٤]، {وما تغِيض الأرحام وما تزداد}[٥]، ألم تروا أنا جعلنا بعبادنا، لقائم حقائقنا، سفن خلاص، بها {نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[٦]، {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}[٧].

أغرتكم الحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الحياة الأخرى، قائم لبابكم، بما نفخنا فيكم من روحنا، إلا متاع، جنة من جنان، ونار من نيران، ففي أنفسكم لهياكلكم بجلودكم، وهي جلباب لبيوت قلوبكم، لجديد بدئكم، أفلا تبصرون؟ إنا نريكم آياتنا في أحداث وفعل الكون، في الآفاق من حولكم، وفي أنفسكم لانعكاسكم فيكم، فلِمَ إلى أنفسكم لا ترجعون، فتبصرون جوانيكم لعوالمكم؟ أفلا تذكَّرون بما إليه هديتم وبه تهتدون؟

ما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، يعشقها السطحيون، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، تستهوي اللاهين العابثين بالحياة، ولكنها بواقعها كتاب الحق للمتأملين المتقين، {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين}[٨]، {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين}[٩]، وما كنا في أمرنا عابثين، وما كنا في فعلنا لاهين.

تأمل الإنسان في أمر نفسه من بدء نشأته، كلما كان له بدء بنشأة، فردا أو جمعا {والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا}[١٠] (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)[١١]، {الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها}[١٢]، وبقي الإنسان متأملا في أمر نفسه، أخطأ أو أصاب، لا ينفك أبدا عن التأمل في أمر نفسه، مهما قل نصيبه من هذا التأمل، فهو الموصوف بالعاقل وبالمتأمل المستنير. وباعد الإنسان بينه وبين ما يطلب من الاجتماع على الحق أو المعرفة عنه، في أمر خلقه وحقه، بجهله عنه، باحثا عن خالقه بعيدا عن قائمه، ولما كان في ظاهر قيامه مخلوقا ماديا على ما هو مدرك عنده في حدود وعيه، فكر في الأكبر منه من موجودات الوجود، ثم فكر في الألصق إليه من كائناته.

فعبَّد نفسه للشمس بوصفها الأكبر، وعبَّد نفسه للأرض بوصفها الأقرب والألصق، فلما ارتقى وعيه عن المادة، وطلب ما وراءها، عبَّد نفسه لنفسه، وعبَّد عقله لعقله، وعبَّد فرده لجمعه، وعبَّد جنسه لفرده.

فلما أدرك التوقيت لما عبده له، ظاهرا لإدراكه، وبدأ يرتقي بمعنوياته في معبوده، وقدّر بوعيه أن معبوده يجب ألا يكون موقوتا، فكر في معاني الوسيلة إليه، وفكر في معاني الرسالة منه، فرأى في المكونات معاني الرسالة منه، بتواجدها عَلما على ما وراءها، من غير المدرك لعقله… فتقرب إلى غير المدرك، بمعاملته مع المدرك، لعقله ونظره، فتقرب إليه بالشمس، ورآه بصفاته في صفاتها، وبقدرته في قدرتها، رسولا من مقصوده إليه بالحق بعث {جعلنا الشمس عليه دليلا}[١٣].

ثم تجول العقل الإنساني فيما وراء الأشياء، بحثا عن الحقيقة، مراحل أخرى، محاولا إدراك موضعه من الأشياء ورباطه من الحقيقة، مشوقا إلى قيام الوصلة معها، حتى انتصرت مجاهدته وكشف عنه غطاؤه فظهرت فيه الحكمة في أصدق صورها، عروجا إلى أكمل لتمام كمالها، مرجوا منه، في إدراك باطنه مرتبطا بظاهره.

تم له ذلك بكشف القناع بين ظواهره وروابطها بمعارج بواطنه، فسعد بإدراك جمال الصلة بين ذاته في حقي أنانيته بمعانيه في واسع هويته، وذاته بخلقه، قائم جنته لعارجه، بجنانه في تقييده، بانطلاقه من قيوده في طليق موجوده، بروحه لقائم قلبه، مركزا للبه، مستجيبا لعقله، قبسا من نور ربه، لمعاني الأعلى برفيقه، فاتخذ من القلب بجوهره، مركزا لهيكله، وبيتا لذكره، للقاء مذكوره في قلبه بنفسه.

بذلك قام دين الفطرة وأخذ طريقه في الناس قديما، بمن لم يذكر لأهل الكتاب في كتبهم، ثم خبت جذوته، وغابت جنته بعد أن أشهدها للناس ناموس فطرتهم، فاختفى نورهم عنهم بعد أن عمل بهم، وعمل لهم، وعمل منهم، وتغلفت بالظلام جلبابا لها قلوبهم، فرجعت البشرية إلى عمائها عن معناها، وامتهنت الآباء لحقائق الحق لها، فجاءت النبوة مجددة دين الفطرة بالأبوة، بأبناء من الجنس {أخوهم صالح}[١٤] وابن الإنسان، وسيد ولد آدم، بالأمر الوسط، يذكرونهم بأخوتهم بما تلقوا من آبائهم في قديم وجديد ودائم وصلتهم.

وأخذت النبوة طريقها بين الناس، متجددة بالأبناء، بين يقظة وغفلة النفوس، وبين نور وظلمة القلوب، وبين سكتة ولفتة العقول، حتى ختم النبوة لكسب الناس بلا تمييز بينهم خاتمها وطابعها لبني إسرائيل عيسى بن مريم، وللناس كافة مَن جدد دين الفطرة مجددا الحكمة القديمة، مجددا معرفة الآباء، مجددا معاني الوحدانية للإنسان، للتعريف عن وحدانية الرحمن، في وحدانية الله، بين ظاهر الإنسان بقيامه لعالمه وكونه، وباطن الإنسان بقيامه لقيومه وقائمه، كافة للناس قدوة وأسوة، معرفا ومحققا قيام الله على كل نفس بكسبها، عبد الله وابن عبد الله وأبو عبد الله.

وبذلك فتح للبشرية مرة أخرى أن يتواجد منها بينها معاني الآباء لها بعثا من الحكماء، لا بدء لهم، ففتح للآباء من القدامى ما يشتاقون إليه من أن يتواجدوا على أرض نشأتهم مرة أخرى مجددين أثوابهم في معاني الأبناء، ليفيضوا بعلمهم ومعلومهم على أبناء الأرض من سلالة الأبناء لهم، لا انقضاء لجديدهم، حتى يعرف الإنسان ربه وإلهه وحقه في نفسه بالتعارف بين الجديد والقديم له في أمره، بدورة خلقيته إلى صمد حقيته. وهو ما عناه الرسول بقوله (خلفت الله عليكم)[١٥].

وتوالى الآباء مبعوثين في معاني الأبناء، وعاد الأبناء من الأنبياء مجددين لأنفسهم بين الناس ليتوفوا إلى حقائقهم. فكان محمد أول العباد وأول الحقائق وأول العابدين لبعده بعثا لأول العابدين لقبله. بهذا كان رسول الله لبعده وقبله، ومتم الكاملين للأكمل باقتدائه، ومؤهل الطالبين لمعرفته وهديه، ومكمل النبيين إلى قائم حقه، وهادي الصديقين لقيام عينه، حوض الحياة للمفتقرين، وإمام الرعاية والراعين، عبدا لله لعبد لله ورفيق أعلى وربا للعالمين، من رب العالمين، في الله ذي المعارج لا شريك لله ولا إحاطة به.

به عُرف الله، فكان هو العلم للإنسان عن الإنسان عند الإنسان، سيد الأولين ولا أول له، وسيد الآخرين ولا آخر له، به يُقدَّر الرب للإنسان بالإنسان، فيقدَّر الله حق قدره، وبه يُقدَّر الإنسان لله حق قدره، وبه يُقدَّر عبد الله لعبد الله حق قدره، فتقدَّر العبودية لله حق قدرها، وبه تفاض رحمة الله على ما يليق برحمة الله، وبه تكتب صحائف الخلق بيضاء مطهرة، ويمحى ظلام صحائفهم سودا مغبرة، (أَتبع السيئة الحسنة تمحها)[١٦] بهديه وشفاعته ووسيلته وقدوته، برحمة الله فيما يأتي الناس مجددا به من رحمته.

ربه المعطي دائما وأزلا، وهو يده لقائم القاسم أبدا وسرمدا، صاحب الخُلق العظيم. الناس أقربهم منازل في قائمه أحاسنهم أخلاقا الموطؤون أكنافا، يوم يدخلون فيه وفي عهده وميثاقه، فيكسبون الحياة به، وقد لحقتهم فيوضات نظراته الربانية، وقد نفخ فيهم من روحه، فاجتازت أنواره أسوارهم إلى قلوبهم، فقام وتقلب فيهم بالسجود للأعلى، فعرف به العابد ما يكون العبد وما يكون المعبود.

يحيا به الحي، منه الحياة التي لا موت بعدها، ويموت عن نفسه إليه، الميتة التي لا شقاء ولا مسئولية بعدها، أقرب الناس منازلَ منه يوم القيام به فيه لهم أحاسنهم أخلاقا، الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون.

ما كانت القيامة عنده، وعند عارفيها وقائميها إلا قيامه، أُمة هو لها إمام وهي له عَلم، وهي في قيامها عَلم على معلومها من معبودها، على ما قام فيها بالحق عبادا لربه، عباد مُكرمون على جانبي الحياة، من ظاهر الحياة على الأرض أو في باطن الحياة في سماواتها ومراقيها، من عوالم الروح، أو في ظاهرها في السماوات، لباطنها على الأرض، سماء دنيا.

إذا ردَّدنا ذلك بيننا به متواصين، وقلنا به مؤمنين وموقنين، وإذا فكرنا فيه وتأملنا إليه مفتقرين، أدركنا أن الدين لا يقوم إلا في المعرفة عن الإنسان، وأن المعرفة عن الإنسان لا تقوم إلا في المعرفة عن الإنسان المعلوم، وأن المعرفة عن الإنسان المعلوم لا تقوم إلا في المعرفة عن العبد المرقوم، وأن العبد لله معلوم عبد الله، ما كان لنا عندنا على أتم ما يكون، إلى موعود تمام، إلا محمد الله، لقائم ومعنى رسول الله، في قديم وقادم لقائم له بيننا لا يبتر، هو لنا جميعا بالحق كوثر ونحن له جميعا لقائم الحق به مظهر.

فإذا قلنا بقديم الإنسان للحق وجودا، وبقديم العبد له بالحق تواجدا، وعرفنا أن هذا الإنسان في قديمه ما عُرف وعَرَف إلا بتواجده في جديده من قديمه دائما، وأن الإنسان في تعاليه هو عين الإنسان في تدانيه، يوم يتعالى بسابق، ويداني بتواجد له بلاحق، فتساءلنا بيننا، ومن يكون السابق ومن يكون اللاحق لعلمنا منا؟ ما وجدناهما إلا من عرفناه لنا، في الحاضر مَثَّله عندنا رسول الله، من شهدناه بيننا حاضرا، وعَلما على السابق واللاحق لمعنى الموعود، للقائم الموجود، في كل نفس، لكل نفس، ممن هو على كل نفس، كافة للناس.

إن المعرفة في محمد، هي المعرفة في الإنسان (المحمد)… وهي المعرفة في العبد المحقق، متعاليا إلى إنسانه الممجد، مدانيا بجديد عبوديته، لدائم رسالته، مبعوثا بجديد من خلقيته، إلى البشرية بحقيته، لعين عنوانه خلقا وحقا.

ولذلك قامت دعوة محمد ورسالته، يدعو إلى ربه ما دعا إلى نفسه، {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[١٧]، {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}[١٨]، وقامت دعوة ربه إلى خلقه في الدعوة إلى عبده {اسجدوا لآدم}[١٩]، ولا تفرقوا بين الله ورسله. فما كان العبد في محمد غير وجه الرب له، منطلق موجود لمعاني وجه ربه بذوات وبروح وجوده، هو المقيد بموجود الحق لمعاني العبد، للمطلق، لقائم الرب، للرب الأعلى، لإنسان الغيب، لإنسانه للشهادة، يشهد لقومه، بعنوانه، لدائمه للريادة.

من هذا قال مقالته، لم تُدرك لنا، (ما عرفني غير ربي)[٢٠]، وهو ما يتحقق للمعلم، يوم يزدوج في موجوده لوجوده، فما عرف هو نفسه في عَليِّه لقيومه، وإن عرف أنه بنفسه ما كان فيه شيء غير ربه، لقائم الحق بقيامه مشهودا له فيمن قامه، شهد الأعلى له في الأدنى منه بلا انقضاء لشهوده ووجوده، فغابت عنه الإحاطة بنفسه في خلقه وفي حقه، لكتاب علمه عن المطلق، بقيامه في إطلاقه بانطلاقه.

خلقه الأعلى به فيه منه فسواه فعَدله، وفي أي صورة ما شاء ركبه، ثم إلى نفسه أضافه فحققه، وعن معاني خلقه أماته فأقبره، ثم من قبره أقامه فبعثه وأحياه فنشره، يقوم ويتقلب في الساجدين، روح قدسه دائما ومن قديم، فنى عنه وبقي بالرب له، ويفنى متابعوه عنهم ويبقى العبد به لهم، وجوها لربه، وبعثا لنفسه، وحشرا لكوثره في مجال خلقه لقائم حقه.

لقد عرف محمد شرف الإنسان له في أمره، من غير معروف له يحيط به، إذ لو أحاط بنفسه لأحاط بربه، وعرف شرف العبد بالحق لذاته في أمره مضافا إلى أمر ربه لشهوده، في قائم أمر وجوده. عَبَّد نفسه لربه رفيقا أعلى، فوجد ربه لقائم عينه، يعبد نفسه لرب له بدوره، فأدرك أن الملأ الأعلى يطلبون الحقيقة على ما يطلبها هو، وعلى ما يطلب هو لنفسه، في طلبه لمن يصدقه ويتابعه فمما عَلم يعلمه، فعرف أن العبد هو مطلوب الرب أيضا، كما هو الرب لطلب العبد، فقام يعنون بافتقاره ومجاهدته الملأ الأدنى الطالب للملأ الأعلى، فآمن في معراجه لمراقيه لا تتناهى بالغيب، وطلب إلى الناس أن يؤمنوا بالغيب معه مثله على ما آمن به. وأعلم وأعلن وأشهر أن الرب يبحث عن عبده، كما يبحث العبد عن ربه، في هذا المجتمع البشري وفيه يلتقيان، (المؤمن مرآة المؤمن)[٢١]، وجه لوجه في الله. فأمر وهدى {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٢٢].

عَرف ربه ليس بغيب عليه، وعرفه لا يغيب على الناس ما طلبوه طَلَبَه. فهو القيوم عليهم قائم الأعلى لقيامهم به، وهو على كل نفس قائم الحياة لها، ومن وراء كل نفس هو المحيط المعبود عندها. فدعاهم إلى ربه وربهم في معيتهم، ووصفهم بأخوته، دعوة الأخوة في البشرية (إذا جئت في القيامة دعوتكم بيا إخوتي)[٢٣]، وشهد وأشهد الناس جميعا لله، بقوله لقيامته بهم لهم، (خَلفت الله عليكم)[٢٤].

بقيامه وبعثه بربه، قام رب الناس على الناس سافرا باسمه اللهم… الله لهم… الله هم… ربا على الناس وراعيا لهم، مقوما به لأمرهم، وأقامه ملكا على الناس وخادما لهم، مزوية له الأرض، وخليفة له مخضعا لهم بسلطانه، رحمة بهم بحاكمية الله وأمرا له… إلها للناس وإنسانهم، وجها يشهد بينهم، وأمرا لله لا يحاط به، وغيبا عليهم، لا يظهر لهم فيهم إلا بعنوانه لأمرهم، وعينهم، وبذلك دبَّ الحق على الأرض بينهم على مثالهم ومن أنفسهم، خفيا عليهم، على سنن من قديم فعله ودائمه، فقال الرسول بمن قامهم هاديا بهم، ومُعلما ومبشرا ومحذرا، (خَلَّفت الله عليكم)[٢٥]، وقال الكتاب معه ميسرا بلسانه {أوَلم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[٢٦] بعباده لمعنى سفن الخلاص (أخفى الله الولي في الخلق)[٢٧].

الله يأتي الأرض يوم يدب عليها بمن آوى من أهلها إلى نفسه، وأضاف إلى حقه، يتيما عن داريه، بعيدا عن خلقه في عالميه بغيبته عن عالمي المادة والروح لقائمه بإرادته في معناه، وعن معنييه بالكثيف واللطيف، عبدا وأمرا للرحمن، خرج من فرده إلى جماع قومه، خروجا من العزلة عن المطلق، في الناس، كزا على نفسه بالأنانية له، منطلقا من الأنانية لعبوديته في قيده إلى أنانيته لربه، مطلقا في وجوده وجها واسما له، وقبسا من نوره.

إن محمدا عرف ربه والأعلى، على ما يليق أن تكون المعرفة بالحق، وعَرَّف الله على ما يليق أن يكون التعريف عنه، فقامه له اسما، وكتابا، فظهره له رسولا، ودامه به مرسِلا، وقرَّبه للقلوب رحمة، فظهره له عبدا، وبشره للناس كافة، إنسانا وحقا، وظهره كلمة وابنا، ووعده وجهه وأبا، وقامه حقه وآبا، وأسفر به أمره وفعله، شفاعة وطلبا، وقامه الساعة، هو ذكراها، وهو عين معناها، وهو رَجُلها، وهو قيامها ومجلاها (بعثت والسـاعة كهاتين)[٢٨]، مشيرا لأصبعيه تعريفا عنه وعنها لله أمرين، وزمانين، وحقين، ورسالتين، وإنسانين.

الساعة عنده، وعند من آمن، وعُرف لمعنى قومه وأُمته، هي لمحة اليقين… هي لمحة التلاق… هي كينونة (كن) على ما أراد ناطقها. إنها واحدة في حياة كائنها، كلمح بالبصر أو هي أقرب، يسعدها الكائن البشري، يوم هو بها إلى ربه في قلبه يتعارف، ومعه في معناه يلتقي يقينها له لقديمه، ويقينه بها لحديثه منه وقائمه به، يعرف بها أن الله أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه على نفسه قائم، وأن الرسول قد صدق، وأنه ما حَمل من ربه إلا صدقا، وأنه ما حمل قولا، ولكنه حمل فعلا وأمرا، وأن المؤمن بالله ورسوله يفنى عنه إليهما، بلبه وقلبه وقالبه ثالوث وأقانيم قيامه، يبعث بهم لسعيد الكلمة لهم لقائمه، في مطلق الوجود لقائم الله، بقائم الحق منه له فيه.

هل يؤمن الناس حقا أن الله أقرب إليهم من حبل الوريد؟ أم أنهم في هذا المعنى ينافقون أنفسهم! إذ لو أنهم آمنوا أنه أقرب إليهم من حبل الوريد حقا، ما فسق منهم فاسق، وما قسى منهم على أخيه طاغ، وما انحرف عن الجادة منهم منحرف.

ولكنه وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، حقا وصدقا، فإنه في رقة وحنان عنهم بهم عليهم يتحجب، حتى يتكشف للناس لأنفسهم يوما على معاييرهم من خلق ذواتهم ونفوسهم بماديهم من عملهم بصورة لعملهم بموجود مقابل لتواجدهم، بأمانة وجوده لهم بالحياة، وأقرب إليهم من حبل الوريد فعلا، فيعرفونهم لهم الشاكر والجحود، المحب والحقود، المنزلق والمستقيم، في محاسبة أنفسهم، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٢٩]، {كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا}[٣٠]، حتى يأخذ كل كائن بمعايير نفسه وبمعايير قدرته، {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[٣١]، وكفى بكل نفس على نفسها حسيبا ورقيبا وسائلا ومجيبا، مريضا وطبيبا، موجودا ومتواجدا، مؤمنا مرآة لمؤمن في قائم مؤمن، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[٣٢].

إن البشرية على الأرض وفي سائر عوالمها ما عَرفت ولا تعرف ولن تَعرف من الحق إلا ما تواجد به وجودها منه، ولن تعرف إلا ما تواجد موجودها لها.

فلن تعرف إلا قديم تواجدها عند موجدها منه، ولن تحصد إلا قادم تواجدها من قائم وجودها به. إن التواجد في هذه الأرض تحت ثراها، أو على سطحها، لسمائها الدنيا لمعناها، أو في سماوات قيامها لسموها، إنما هي تواجد ووجود واحد، متحد، لوحدة حضرتها بإنسانيتها {ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواتا}[٣٣].

أنتم دائما بمكانكم من السماء الدنيا، في قائم هذا التواجد، والوجود المتحد، إنما تقومون المرحلة الوسطى فيه، والقيام الأوسط منه. فالقيام الأعلى يواصل تدفقه قرونا وقرونا إلى هذا القيام الأدنى، حتى يقوم فيه بمثاله (إنكم لا تدرون كم قطعتم من آلاف وآلافها من السنين حتى وصلتم إلى صوركم هذه)، هذا ما يقوله الروح المرشد (السيد برش).

وقد قام الحق في تدانيه بمثاله الفردي والجماعي لوجه الحق الجامع لصفاته في قائمه بذاته، مبعوثا به بينكم إنسانه دب على الأرض في مثالكم فردا وبيتا وجمعا لمثاليتكم رسولا من أنفسكم، جعل الله في اقتدائه ومتابعته، محو نباتيتكم وحيوانيتكم وجماديتكم، بعثه الله من عاليه بإنسان حقه قيوم ربه بقائمه، أحياه من أعلى وبعثه حيا من أدنى، جماع الحياة، بجمع الحياتين، في أحد متزاوج، فكان بينكم لآدمكم لعلمكم وشهودكم محمدا رسول الله، وما كان محمد جديدا على التواجد على الأرض، فقد تواجده الإنسان في معاني قديمه من قبل، باسم الذكر لحقي الإنسان لآدمه، كلما كانت هناك أولية بآدم لها، كان هو رسول الله إليه، على صورة ما هو قائم لآدم زمانكم، لجديد بدء لعالم المستقبل، الذي تعد وتهيئ له رسالة الروح القائمة، في هذا العصر، لتمام دورة، لآدم، وبداية لأخرى، نفاذا للنبأ العظيم في دورته.

ففي مجال أقدم منه وأقدم، تواجده آدما لدائم دورته، وتواجده قبل آدم آدما، ومئات الألوف من الأوادم لحقيقة آدم، بإنسان قيومه لقائمه وقيامه. فحق أن نعلم أن الذي تواجده محمدا رادّه إلى معاد، باعثه مقاما محمودا وأحمد، عطاءً غير مجذوذ، على مثال أكمل وأكمل، في قديم تواجد، وعلى أكمل وأكمل في باق يتواجد، في أكمل وأكمل لقائم موجود.

جعل منه النقطة والدائرة، في تواجد الأقدس من كائن الذات والإنسان والعالم، والوجود والحقيقة، بين قديم لا بدء له من عين معناه، وبذلك كله ليس هو بدعا فيه، بل هو الجديد لقديمه بذلك كله، لا انتهاء له، وبعين معناه، وبعين أطواره ومعراجه، يكون أمره لأمر متابعيه على أمره، في الله لذواتهم، بدءا من ذاته، لهم، يقتدونها ويكسبونها، بها تبعث ذواتهم في عوالمهم.

يتواجد من الكمال المطلق مدانيا في مراحل على أكمل وأكمل ليتكامل لنظرنا ومتابعتنا، ولا يظهر على أرضنا إلا بوجه من وجوه كمالاته، كمالا بعد كمال، للابن والأب والآب والغيب والمثال، فالأرض لا تطيق وطأته في اجتماع، بمقام وحال.

فإذا تواجد بوجه من وجوه كماله، واصل ينشر وينتشر، ويتسع ويتسع، ويتجدد ويتجدد، بعين وجه من وجوه من معانيه، لا يظهر بكله، (ما عرفني غير ربي)[٣٤]، لا يحيط به إلا الأعلى به، ولا يظهر مستقلا عن الأعلى له، فهو العبد دائما، وهو الابن دائما، قائما بربه وظاهرا بسر أبيه. إنه الآدم لربه، وإنه جديد آدم ووليده لآدمه.

فالأرض في إحاطته، ولا تصلح لظهوره لأنه بمعناه أرحب وأكبر منها، (زويت لي الأرض)[٣٥]، ولكنه يظهر بوجه من وجوه مداناته وقربه، فإذا تم انتشاره، وقام في الناس اعتباره، وكمل جديد تواجده، على مثال من قديم وجوده، بدأ أن يتخلى بموجود كماله، لجديد يتواجد منه على مثاله، تخلقا بأخلاق الأعلى، ليتصاعد ويتصاعد بكمالاته، ويتجدد ويتجدد بكلماته، (كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمكم منكم])[٣٦]

على مثاله من سابق في سبق تواجد، وهكذا في مثال من لاحق في لحاق يعمل، ويختفي، ويظهر، ما أدرك السابق في أزله بقيام، وما انقطع اللاحق في أبده بدوام، بين انتشار فارتقاء، أو تداني بتلاحق وبقاء، في دورة دائبة دائمة، لا تفتر أبدا، ولا تتوقف سرمدا، لدورة إنسانه، لحقه وعنوانه، دوام رسالته، في متجدد أُمته، بكوثر ذواته لأحدية ذاته.

بهذا يعرف الناس وصف الصمدية للحق لله، بقائم معانيها لمعاني الصمدية لقائم الجنس للإنسان، في مشاهد لمعاني الصمدية لمشهود العنوان، فتتعارف النفوس والعقول إلى معاني الأحدية لله، في أحدية الإنسان في معناه، وإلى معاني الواحدية لله، في واحدية الإنسان بسبقه، وكوثره، ومجلاه، {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[٣٧]، ولك كوثرا لا يبتر جعلناه.

وبذلك قامت القلوب وهي على تنافر في فتق، وعلى متابعة في رتق، في قائم إنسان السلام، فما اجتمع قلبان على الله طلبا، إلا كان الله معهما، موائما بين طبيعتهما، وفعلهما، وما يصدر عنهما، فما اجتمع اثنان على ذكر الله، إلا كان الله ثالثهما، وما قام ثالوث وجودهم في موجودهم بهم لهم عليهم، إلا كان الله أحديتهم لحقهم، ومعيتهم، لواحديتهم، بأسمائه وصفاته، فرفعت بيوت الله من الناس برجال، ووضعت بيوت الله من الناس برجال، صبغة الفطرة، قامها وقدمها المسلم لله بإسلامه لرسول الله.

هكذا تكشف قانون الحياة مع عبد الله وإنسانه، ورسول الله وحقه، لقائم ذكره، ووجهه وعنوانه. وبذلك كانت البشرية بأحديتها، لآحادها، في غناء عن كل غير لمعناها، من عديد مثالها.

وما كان علمها بالله، وقد علمت به، فيما علمت عنه، إلا في علمها عنها منه، وأنه ليس هناك لها، إلا ما يوجد في وجودها ومعناها، فالرسول بقوله (خلفت الله عليكم)[٣٨]، كشف لها أمرها لله وللأعلى، فالمــَلَك منها والجان لها والإنس ليس غيرها، والإنسان في وحدة جمعها، عَلما على معلومه بها، هو حقها من الأقدس ومن الأعلى، لإنسان معناه لمعناها، ولإنسان جديده لجديدها.

فكان الإنسان في دين محمد، هو اسم الله، ووجه الله، ويد الله، وكتاب الله، وعَلم الله، وعبد الله، وأُذن الله، وهيكل ذات الله، لقيام بيت الله، ومعنى الله، وغيب الله، وشهادة الله. ففيمَ يطلب الناس لهم هُداة من الغيب، لمعنى غيرهم، وقد أصبحوا لله هم به عَلم الغيب والشهادة، بدائمه بينهم، وبقديمه عليهم، بجوار الرفيق الأعلى، وفي بيته من دارهم، بقبره في قلوبهم، لمقابره بهم، يبعث منهم لهم بهم لحقهم (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٣٩] عانيا أرض قلوبهم. فكيف يطلبون ما هو محقق لهم بينهم بكسبهم، من أنبياء أو أولياء، أو هُداة يختفون عنهم لطلبهم في حالهم بجهلهم، ويشهدون لهم بقلوبهم عبادا للرحمن يدبون على الأرض بينهم، وقد تفتحت به بهم أبواب الحقيقة لهم، فهو روح القدس لقلوبهم، يلقي الروح من أمره أمرا لله عليهم من جوامع الكَلم بأزواجه بينهم وعليهم في سماوات وجودهم، وقد أُمروا بقول الله منه هاديا {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[٤٠]، وتؤمن بالله، كلما تجدد بهم لهم {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}[٤١].

أُعطيت به البشرية حريتها كاملة، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[٤٢]، وقام الله على مفردات جنسها، من وراء الكل محيط {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}[٤٣]. وأشهد الله به عن سر قيامه بها، فأعلن أنه أينما ولى الناس وجوههم، بقائم وجهه بهم، شهدوا وجهه تجاههم. ففيمَ يكون تمييز الأنبياء؟ وعمن يكون الإنباء، بعد محمد الحق من ربهم، كان الله به قائما على كل نفس، عليه البلاغ الدائم، ولربه الحساب القائم؟ (خلفت الله عليكم)[٤٤].

هذا هو الحق من ربكم… وهذا هو الحق من إلهكم… وهذا هو الحق من رسولكم، فما كان الله فردا من الناس، وما كانت الرسالة فردا من الرسل، وما كان الإيمان فردا من المؤمنين، وهذا هو الحق، من حقي أنفسكم، جاءكم رسولا من أنفسكم. فلا تطلبوا الله بعيدا عن وجودكم، أو بعيدا عن جوارحكم، فهو يتخلل بنوره ذواتكم، ويتواجدكم بحقه، بمباني خلقه، بالحياة لكم، لا إله إلا هو، إليه المصير، ومنه التواجد والوجود.

بالغ في الوجود أمره، لا يعزب مثقال حبة من خردل، عن عِلمه، وعن سلطانه، وعن وجوده. آمنوه على ما وصف نفسه، وتخلقوا بخلقه على ما ظهر بها بعبده وحقه، ورسوله ووجهه، ونُصبه، وعلمه، كوثرا بحقه وكوثرا بخلقه، حتى تدركوا في تخلقكم بأخلاقه ما يكون الله في إدراككم لخلقيتكم، تقوم في معاني حقه، بعثا من قائم خلقه، استجيبوا لنداء الرسول، وهو يقول (تخلقوا بأخلاق الله)[٤٥]، واستجيبوا لنداء الله، وهو يقول {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[٤٦].

هذا هو الدين، قام على ما عَرفَه العارفون… وهذا هو اليقين، على ما قامه الموحدون… وهذا هو العلم، على ما عَلّمه المعلمون… وهذا هو النور، على ما تذوقه المؤمنون… وهذه هي الطريق، على ما طرقها المتقون… وهذه هي الرحمة، على ما كشفها عباد الرحمن، الذين تولتهم رحمة الله، وتولت بهم الناس، رحمة من حق الناس بالناس، هونا على الأرض يمشون وعلى أرض القلوب يفيضون.

هلا آن لنا أن يكون لنا إلى الله مرجعا في أنفسنا؟ أما آن لنا أن يكون للدين موضع في عقولنا؟ أما آن لنا أن نضع الدنيا في موضعها من قيامنا، وأن ندرك أن الشهوات إن هي إلا اختبار وفتنة لنا، في موضعها منا؟

أما آن لنا أن نجعل من الدنيا لنا جنة وجود، ومن الآخرة لنا دنيا تواجد بسجود، بعملنا وإرادتنا؟ أما آن لنا أن ندرك أنا نستطيع في قيامنا هذا، أن نمسح كُتبنا من الماضي، بأمانة الحياة لنا، وإرادة الله فينا، بأعمالنا في الحاضر؟ (أَتبع السيئة الحسنة تمحها)[٤٧]، فنكتب كتبنا عن المستقبل بأيدينا وإرادتنا، بما نريد لنا، {ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون}[٤٨].

أما آن لنا أن نخرج من التواكل إلى التوكل؟ أما آن لنا أن نخرج من الخمول والإهمال إلى الإدراك والإعمال؟ أما آن لنا أن نخرج من سجون العماء إلى ساحات العراء؟ أما آن لنا أن نخرج من الظلام إلى النور؟ أما آن لنا أن ندخل بالنور على الظلام؟ أما آن لنا أن ندور دورة الليل والنهار، أياما لله، وعصورا في دهور؟

أما آن لنا أن نتعارف إلينا في أنفسنا؟ أما آن لنا أن نقوم بالحق عبادا لله؟ أما آن لنا أن نستمع فنتبع أحسن القول، فنموت عما نحن فيه قبل أن نموت على ما نحن فيه؟ أما آن لنا أن نلاقي الرسول، لقائمنا في قيامنا حقا للإنسان، لنجتمع به على حقه من اللانهائي اجتماعا على الرحمن مع العَلم والعنوان؟

أما آن لنا أن نستدعي غيبنا إلى حاضرنا؟ أما آن لنا أن نرتقي بحياتنا عن أجسادنا؟ أما آن لنا أن نوحد الله؟ أما آن لنا أن نشهد أنه لا إله إلا الله؟ أما آن لنا أن ندخل حصن لا إله إلا الله؟ أما آن لنا أن نجعل لا إله إلا الله في حقها على فَمنا؟ أما آن لنا أن نقولها بصدق؟ أن نقولها بحق؟ أن نقولها بيقين؟ أن نقولها بإيمان؟ أن نقولها بتطور؟ أن نقولها بتخلق، فندخل بها على محمد رسول الله، حصنا وقياما لها، نفوسا مطمئنة، ندخل بها في عبد الله أجنة، هو لها قائم الرحم والجنة؟

السماوات للأرض لنا نِعال قدميه، لقائم وقيوم الحق له بسمائه وأراضيه… والجنات للعارفين قيام معانيه… والسماوات والأراضين للمؤمنين مظاهر مبانيه… المعرفة في معرفته، والعبودية لله، في قيام العبودية له، في قائمه بها بالمؤمنين… والربوبية ناظرة راعية في متابعته، لمن كان على معناه، فيمن تولاه، بمن قامه بمعناه، أمرا يدرك لمدركه، بالإفاضة بنوره، من معناه إلى من عناه… والألوهية في إكباره عن العلم به، لا يعلم إلا لمن كان في عين معناه، في الأعلى لقائم مولاه، وقد خرج من الغيرية عنه، إلى العينية له، لعين أعلاه، به يُعرف اللانهائي بالتنزيه والتقدير، وبصفاته يتصف المعروف المعبود، القريب المداني، الداني الدني المتوحد الأحد، للعلي والأعلى، بالقيام والإكبار والتقدير.

إذا كان ذلك لنا مع محمد، فماذا نطلب من كائن من بعده، إلا أن يكون محمدا؟ يتواجد لنا، ويتواجد بنا، ويتواجد بيننا رحمة منه، وجزاءً لنا، أُمة خير، مواصلة لبلاغه وبيانه، ورسالة رحمته بيننا. يتلو كتابه في الناس على مكث، ويبينه على مكث، لا عوج له، قيِّما به، لا ينفك عن قيامه مقيما له، لا يحتجب في مقامه، يقوم ويتقلب في الساجدين قامت صلة القديم به، واستقامت في الجديد له، يبدأ ويعود في لباس من خلق جديد، شانئه الأبتر، أما هو فقد أُعطى الكوثر، يقوم ويتقلب في الساجدين، كلمات لله.

لا إله إلا الله محمد رسول الله

اللهم إن حالنا على ما تعلم، فأنت به أعلم، ونحن له وإن عَلمنا لا نعلم… اللهم برحمتك فقومنا… اللهم إنك قد عطلت العذاب عنا، برد أعمالنا إلينا، بمحمد رحمة منك، ممهلا مرجئا لنا، وقد قلت له وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٤٩]… اللهم فأضفنا إليه وقد استغفرنا منا.

اللهم إنا أصبحنا نشك في أمرنا من أنفسنا! هل هو فينا على ما وعدت؟ وهل هو بيننا على ما أعلمت؟ وهل تواجدناه على ما قَدَّرت وهديت؟ إننا نرى بما علينا من أنفسنا سائدة لا مسودة، وقد اشتدت وطأتها علينا، ما لا تستريح له قلوبنا ولا تقبله عقولنا، ولا تسكن معه نفوسنا، وإن كان حالنا محفوفا برحمتك، قائما بحكمتك، ولكن حالنا فيه ما يشككنا في أمرنا ولا شك لنا في أمرك… اللهم إن كان أمرك بإنسانك قائما اليوم بيننا، ولا بد أن يكون، اللهم فللناس فعرفه، ونفعهم به وبجمعه لخيرهم، عليه فاجمعهم، وعليهم فاجمعه.

اللهم حيث هو، إن كان ولا بد أن يكون، فأظهره… اللهم حيث جعلته فمكنه… اللهم على ما أقمته ففي الناس قدمه واحفظه وأيده.

اللهم على ما أنزلت الحق إليه، في أحواض رحمتك، من سماوات قدرتك… اللهم في الناس بالسماء فانشره، وبعزتك فمكنه، وفي الناس فأقمه، وبالناس على الناس فانصره وأيده.

اللهم اجمع القلوب عليه وألف النفوس معه، وأنر وجدد العقول به، وقوم الجوارح له، واجمع الذوات عليه.

اللهم رتل به الناس ترتيلا، على ما أمرته أن يرتلهم ترتيلا… اللهم اجعل رتل الحق قويا عزيزا منصورا… ورتل الباطل هزيلا ضعيفا مخزولا.

اللهم إنك بشرت وأنت الصادق {لأغلبن أنا ورسلي}[٥٠]… اللهم إن أهل الحق يقولون اليوم مقالة عبادك، بنوح من قبل، {… أني مغلوب فانتصر}[٥١]… اللهم ادفع عنا البلاء، مما نعلم، ومما لا نعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، والمحيط الأعلم.

أضواء على الطريق

من هدي السيد الروح المرشد سلفربرش…

(أنتم خلال حياتكم الأرضية لا تظهرون إلا جزءا فقط من وعيكم الأكبر، الذي سوف تتعرفون عليه في الأيام التي تلي عبوركم لبوابة الموت. وحتى عندئذ لن تنتبهوا في الحال لكل وعيكم لأنه خلال التطور فقط حتى في دنياكم، يستطيع الأكثر ثم الأكثر من الوعي أن يظهر خلال صاحبه).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الطارق - ٦-٧ ↩︎

  2. سورة الإنسان - ٢ ↩︎

  3. سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎

  4. سورة ق - ٤ ↩︎

  5. سورة الرعد - ٨ ↩︎

  6. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  7. سورة التوبة - ٣٨ ↩︎

  8. سورة الدخان - ٣٨ ↩︎

  9. سورة الأنبياء - ١٧ ↩︎

  10. سورة مريم - ٣٣ ↩︎

  11. قول للإمام عليّ كرم الله وجهه. المحدث: السيوطي. المصدر: الدرر المنتثرة. ↩︎

  12. سورة الزمر - ٤٢ ↩︎

  13. سورة الفرقان - ٤٥ ↩︎

  14. سورة الشعراء - ١٤٢ ↩︎

  15. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  16. حديث شريف: " اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ " أخرجه الترمذي وأحمد. ↩︎

  17. سورة النساء - ٦٣ ↩︎

  18. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  19. سورة البقرة - ٣٤ ↩︎

  20. حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎

  21. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  22. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  23. إشارة لقول المسيح عليه السلام بعد القيامة أنه قال للمجدلية: “اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يوحنا ١٧:٢٠). وتلك كانت المرة الأولى التي يدعو فيها تلاميذه بكلمة أخوتي. قبل القيامة، كان يسوع يدعو تلاميذه “أحبائي”، “عبيدي”، أو “تلاميذي”. ↩︎

  24. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  25. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  26. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  27. مقولة للإمام عليّ (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  28. حديث شريف: " بعثت أنا والساعة كهاتين"، (وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) صحيح البخاري، ورواه أحمد ومسلم والترمذي. ↩︎

  29. سورة الزلزلة ٧-٨ ↩︎

  30. سورة الإسراء - ١٤ ↩︎

  31. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  32. سورة النجم - ٣٩ ↩︎

  33. سورة المرسلات - ٢٥-٢٦ ↩︎

  34. حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎

  35. من حديث شريف: "إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ… أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎

  36. حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” وعبارة “فأمكم منكم” للسيد رافع ↩︎

  37. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  38. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  39. من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎

  40. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  41. سورة الفتح - ٢٩ ↩︎

  42. سورة الكهف - ٢٩ ↩︎

  43. سورة الإنسان - ٣ ↩︎

  44. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  45. استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎

  46. سورة الأنفال - ٢٤. ↩︎

  47. حديث شريف: " اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ " أخرجه الترمذي وأحمد. ↩︎

  48. سورة القلم - ١:٢ ↩︎

  49. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  50. سورة المجادلة - ٢١ ↩︎

  51. سورة القمر - ١٠ ↩︎