(٢)

الوحي
منك وإليك

حديث الجمعة

٤ ذو الحجة ١٣٨٠ هـ - ١٠ مايو ١٩٦١ م

تصحيح التاريخ الهجري: ٢٥ ذو القعدة ١٣٨٠ هـ

باسم الله الهادي… باسم الله الحي… باسم الله القيوم… باسم الله الرحمن الرحيم… باسمه نبدأ وبه نستعين.

نتحدث دائما عن الأمين، والرسول الأمين، والوحي الأمين، والروح الأمين، ولا نُعمِل عقولنا لندرك من يكون الرسول، أو الوحي الأمين، وغير الأمين؟ وما معنى الوحي؟ وهل يتصف الوحي بغير الأمانة، كما يتصف بالأمانة؟ وهل هناك رسول غير أمين في مواجهة الرسول الأمين؟

الواقع أنه لا يراد بالوحي إلا ما يقوم في النفس من العلم، عما يقوم بها من الوعي عن الحياة من الحي القيوم، رب الملائكة والروح… رب الإنسان ورب رب الإنسان، الوجود وموجد الوجود، اسم الله ومعناه للإنسان، عن الإنسان بالإنسان.

فإذا كان الوحي هو المعلم للمعلمين من الحكماء والرسل والأنبياء، وهو في الوقت نفسه المعلم للنَحل في أوكارها وفي جبالها وفي أعراشها، في حلها وترحالها، وهو الآخذ بنواصي الأشياء من الكائنات في هياكلها من الأحياء، هاديها طريقها للرشاد، وطريقها لمظهر المقاومة والعناد. فإذا كان نصيب الإنسان، في الرباط به، قائم بوصف المغايرة له معه، كان الإنسان دون الحيوان، الملهم من نبع الذات.

إذا تأملنا في هذا أمكننا القول بأن الوحي بالنسبة للإنسان هو شقه الغيبي، وهو بداية العلم يتلقاه ويتعلمه المتعلم الموحَى إليه من مُعلمه الموحِي، روحا له، فيعلَمه ويُعلمه، إذا ما أُوتى الحكمة فأوتي بها الخير العظيم، فيصبح معلما وموحيا وحكيما (إذا رضي الله عن امرئ جعل له من نفسه واعظًا، يأمره وينهاه)[١].

فالوحي في صورته التي عرفها الفقه عند أهل الكتاب أو عَرَّفها الأثر عند أهل الخبر، أو عَرفها التاريخ فسردها من أهل الرواية، إنما هو خطاب بقول أو بوعي أو بتوجيه من الغيب لإتيان فعل يصدر من مصدر غائب عن المخاطب، مدرك منه، أو ظاهر له، يحمل إليه كلاما بلفظ أو إلقاء بإلهام، يقع في نفس المخاطب وقد يكون بلا لفظ وبلا صوت، ولكنه يحمل له معنى من معاني الحياة أو معنى من معاني الوجود، أو أمرا بتكليف يخص أو يعم، بحال لا يتشكك فيها المخاطب، من أن هذا الإلقاء صادر إليه وليس صادرا منه. فإذا كان هذا الخطاب يحمل أمرا بتكليف أو توجيه أو علم، لا يستقيم مع العقل أو مع معروف الشرع عند المخاطَب، كان المصدر من نفسه المنحرفة، وهذا يحمل معنى الاختبار للمخاطب، لتوجيه القوى الكامنة في العقل، إلى الوعي والتقدير السليم. فإذا اختل ميزان العقل، انزلقت النفس، وظهرت بسلطانها على الذات، وعبثت بها في الظاهر والباطن.

تأملوا في عبارة الرسول وهو يقول (عرض عليّ جبريل ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت لا والله إنها لشبعة وثلاث جوعات، أشبع فأحمد الله أو أجوع فأتضرع إلى الله)[٢]، ثم استمعوا إلى الرسول وهو يقول وقد جاءه الملك في غار حراء، وقدَم له رقا من حرير فيه كلام - سواء في غيهبة أو في وعي وتمام صحو - فقال له اقرأ فقال ما أنا بقارئ… إلى آخر ما روى الرسول… فهل ذاك الذي عرض عليه بطحاء مكة ذهبا هو عين من قال له اقرأ؟ هذا جبريل في تعريف الرسول، وهذا جبريل في تعريف الرسول، هذا هو الوحي في عرف الفقه، وهذا هو الملك في عرف الفقهاء… فهل كلاهما واحد؟

وهناك صورة أخرى من الوحي يقدمها الرسول بقوله (نزلت عليَّ آية الكرسي يحملها سبعون ألف ملَك)[٣]، ثم هناك الأحاديث القدسية رواية عن نطق الذات العلية، المدرَك للرسول سماعا أو إلقاء في روعه أو قياما به نبعا من ذاته، وهي صورة متميزة للوحي إليه، على ما عرف عنده من مصدر الغيب عليه. فالوحي مصدره الأصيل هو الإنسان بقيامه من الله، في قائمه في الله ذي المعارج، صدورا عن الحق لأصل الحق له، أو لقائم الحق لمعيته، أو لقادم الحق به. وقد جمع الرسول جبريل، لمعنى الوحي عنده، إلى أهل بيته في حديث العباءة، كما جمعه على نفسه لموصوف الأخ له، كما جمعه على الأعلى لموصوف الرفيق الأعلى، للعلمية على ربه.

دخل عليه أعرابي ليس عليه آثار السفر، ثم وضع ركبتيه على ركبتيه، وقال له ما الإسلام يا محمد؟ فأجابه، وسأله ما الإيمان يا محمد؟ فأجابه، إلى آخر ما سأله وآخر ما أجابه، ثم انصرف الرجل فقال الرسول ردوا عليَّ الرجل فلم يجدوه خارج المسجد عقب خروجه مباشرة، فقال لهم الرسول: هل تعرفون من الرجل؟ قالوا الله ورسوله أعلم، فقال: هذا هو أخي جبريل، جاء يعلمكم دينكم… فهل هذا هو من قال له اقرأ؟ هل هو من عرض عليه بطحاء مكة ذهبا؟ هل هو من أوحى إلى النحل أن اسلكي سُبل ربك ذللا؟

إذا عرفنا أن الوحي ملأ، كما يصفه رسول الله، وهو يقول أخي جبريل، وكما يقول بل الرفيق الأعلى، في طلب رقيه رقيا لا يتوقف، وكما ينبئ عن الملأ الأعلى أخا لأهله، وفردا منه بقوله (إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم)[٤]. إن أهل هذا الملأ في طبيعة لهم تخرجهم عن قيود المكان والزمان. يتواجدون على ظهر أي كوكب أو أرضه، أو في سمائه لقيام برسالة، ولا يعوقهم ذلك عن الاتصال بإخوانهم من نوعهم، أينما كانوا. ولا يقيدهم عالم أو مكان تواجدهم عن الانتشار بمعانيهم إلى حيث يريدون، فهم بنوعهم وحيث هم، عالم في وحدة من مفرداته، قائم بذاته.

إذا عرفنا ذلك، كان هذا الملأ والملأ الأعلى، والملأ الأعلى ومن هو أعلى من ملأ، في معارج الله لا تتناهى أمرا يدرك، وكان كل ملأ بين ملأين يحمل خبر الأعلى للأدنى، من أرض بدئه، ملأ بينهما، وهو ما أريد بمعنى الوحي أو الناموس، وهو ملأ قابل للتوحيد مع الأعلى ومع الأدنى، كان الإنسان في حقيته جماع الثلاث بتواجد له، في العوالم الثلاث.

وقد عبر مؤسسو الأديان عن الوحي، بتعبيرات مختلفة… فمنهم من قال الناموس بمعنى قائم القانون أو مقيمه… ومنهم من قال الملك، بمعنى الكائن من النور، ومنهم من قال الروح، بمعنى اللطيف للذات، ومنهم من قال الرب، بمعنى الأصل للفرع، وبمعنى المتولي إلى المتولَى من الأكبر… ومنهم من قال آله أو الإله، معنونا المرتقى إلى عوالم الغيب عن قائم الشهادة… وهكذا.

ولم يناقض القرآن هذه التعبيرات المختلفة عن الوحي أو يعارضها ولكن جمعها كلها مضافة إلى لفظ الله الجامع للغيب والشهادة، إذ يقول في كثير من المواضع، قال الله، كما قال {أأرباب متفرقون خير أم الله}[٥]… نعم هم أرباب لكم، ولكنهم ليسوا أربابا مع الله بل عباد مكرمون… أآلهة مع الله؟ نعم هؤلاء يرتقون، وهم معانٍ سماوية راقية، تغيب عنكم شهودا، وتغيب عنكم حسا، وتغيب عنكم فهما، أو لحاقا بالأعلى، ولكن أآلهة مع الله؟ بل عباد مكرمون!!

لقد خص القرآن، وخصت الرسالة المحمدية، لفظ الله، للحقيقة المجردة، الشاملة، ثم ألحقت بهذه الحقيقة أمورا، سمتها مضافة إلى هذا اللفظ بالعباد، بالذكر، وبالوجه لله، وبالروح، وبالنور، كقوله تعالى {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث}[٦]، {وأقم الصلاة لذكري}[٧]… ذكر الله القديم… فالذكر إنما يشير مضافا إلى الله إلى الإنسان عَلما عليه، ذكرا محدثا لذكر قديم أزلي، لم يأت عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا.

إنسانية الله الصمد، صمدية… إنسانية الله السرمد سرمدية… إنسانية الله الأبد، أبدية… إنسانية الله الأزل، أزلية… إنسانية الله إلهية هي حجابه الأعظم، القديم، المتجدد. به يظهر، وبدونه لا يدرك، ولا يعلم. هو في كنزيته وتنزيهه وتعاليه… يحيي الوجود في حجابه من إنسانية ذكره السرمدي، في حجابها من النور والظلام، تتواجد مفرداتها قبل تواجد الوجود المرعي منها الذي توجده بخبرتها، يدا لله بما علمت وعلمت في تجوالها في عوالم الله، بحقيقتها لحقها وحقيتها.

حريتها في الانطلاق من عوالم الله، سكونا مع الله في أنفسها، لا تتسع لها السماوات أو الأرض، متسعةً لله ذكرا له، لها تقام الصلاة، بالصلة، للتواجد به، هي التي تستقبل بمعانيها، مُثلا عليا له، في بيوت الصلاة بمعانيها، لحرمها لها فيها. {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس…}[٨].

عرفاتها حجيج الناس سواسية، لا فرق بين أميرهم وصغيرهم، تحت شمس الله المشرقة… تحت شمس وجه الله، تتخلل ذواتهم أنوارها، وحرارتها… نار الله موقدة، بورك من فيها وبورك من حولها، تطلع على الأفئدة، إذ تحيا بها النفوس، فتحيا معها العقول، فتشرق معها الضمائر، فيصبح الإنسان على نفسه بصيرة، وإن أبدى معاذيره… تطلع على الأفئدة، هي بصيرة الإنسان بنفسه، بالقيوم عليه، يعلمه فيعلم السر وأخفى، ويعلم به معلمه، في السر والنجوى.

فالوحي من حيث الذات، إنما هو ملأ التعليم من المــُعلِّم، ظاهرا أو مستورا. ومن هذا قال القوم (الشيخ جبريل المريد)[٩]، وفي هذا يقول القرآن، {إنه لا ييأس من روح الله [أمينا معلما] إلا القوم الكافرون}[١٠]، ويقول الكتاب {… أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء}[١١]

وما اقتصر تعليم الروح لعالم الإنسان على الأنبياء، ولكنه شمل الناس، فإذا أخرجهم للناس بتكليف كانوا رسلا، وإذا قام عليهم بتعريف كانوا لأنفسهم أنبياء، وكانت عقولهم المتصلة هي النبوة لنفوسهم المزكاة المدركة المتقبلة لما يأتي به العقل بصفائه وإدراكه، من الروح، بحريتها وانطلاقها.

فالوحي طبيعة في الإنسان، وفي سائر الكائنات الحية، {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}[١٢]، وقسط الإنسان منه في جميع عوالمه أوفر من سائر الكائنات. وشرف الإنسان به، أن يرتقي بتطوره إلى صلة تقوم بين داني معناه بنفسه، وبين الأرقى بمعاني الرب له، إدراكا به، لقيام إلهه، قائما بهما. وهذا ما عناه الحديث القدسي من الرسول عن الأقدس بقوله (ما ظهرت في شيء مثل ظهوري في الإنسان)[١٣].

يعتقد المسلمون لمحمد إسلاما للحق معه، أن شرف الرسول قام به لقابليته للاتصال بالوحي إليه، وهو أمر شاركه فيه سائر الأنبياء والحكماء، وأهل المعرفة، ويشاركه فيه سائر الناس ما صلحت طبائعهم له. ويشاركه ويشاركهم فيه سائر الكائنات الحية. ولكن شرف الرسول وتمييزه لم يقم على أساس القابلية للوحي، فقد كان هذا أمرا طبيعيا فيه بمولده، وشاركه في هذه القابلية الكثير من الناس، وقد ظهر بذلك الكثيرون من متابعيه، ظهور من سبقه به من الناس من قبله.

ولكن شرف الرسول قام بقيام قديم الإنسان، في جديد الإنسان، في قائم معناه، بوصف العبد لجديده، وبوصف الرب لقديمه، محوا للقيام الجديد، وقياما به، للقيام القديم. فكان الجديد المدرك، مسيح القديم الغير مقدر، لإنسان المـُثل العليا في الله، لا حد له، ولا غيب له، ولا ظهور له إلا بالإنسان، ذكرا أزليا، وذكرا محدثا فيه. فكان بذلك الرسول هو المثالية المقبولة، عند الإنسان الأزلي، ليكونها الإنسان المحدث ليصبح بها ذكرا للقديم، وإنسانا أبديا.

إن الرسالة الروحية القائمة في هذا العصر، بما تقدم من آيات الطبيعة الإنسانية المحدثة، في قابلياتها، وإمكانيات القيام الإنساني للملأ الأعلى، تظهر جميع صور الوحي، وتكشف عن الناموس، وتقوم بها الربوبية والألوهية والعبودية الإنسانية، في أكمل وأقرب وأشرف صورها.

بذلك تقوم أساليب الاتصال بروح الحياة القائم، والروح الأعظم القائم عليه، والروح القيوم على ما يقوما عليه، وروح الحياة الأعظم اللانهائي على أساس إظهار الدين كله للناس كافة، وفي جميع ألوان هذا الاتصال، بجميع مستوياته، مع الكشف عن طبيعة وقائم إمكانياته، تقوم رسالة الروح لرب العالمين.

فالمخاطبة الداخلية والخارجية والإلقاء والإلهام باللفظ أو بالمعنى، من دائرة القائم أو القيوم أو المحيط، أصبحت أمورا مدركة في هذه الرسالة، بقيامها، واستعمالها، وبيانها، وكشف مقومات القيام بها، أو القيام فيها. فالكتابة التلقائية عن طريق الهيمنة الجزئية على اليد أو اليدين، أو الهيمنة على الجهاز العقلي، أصبح أمرا عاديا، يدرب الوسطاء له في جميع الدوائر. وكذلك التبليغ عن طريق القراءة على صفحة الفضاء بحروف النور، أصبح أمرا ممكنا وعاديا في هذا الاتصال. وأرقى منه التعبير التصويري عن المعاني، إنباءً عن الماضي، كحكمة مبلغة، أو إنباء عن المستقبل، كآية مقامة أو تكييفا للحاضر، كتوجيه مصحوب بالاختبار، ومتميز للخصوص لا يدرك إلا بالصفاء. وأكبر من هذا النظر المصحوب بتبادل الحديث الداخلي مع الروح المتصل… وأكبر منه تكييف الوسيط، على ما يراد كشفه، من إمكانيات الروح عند مريديها، حول وسيط لها بينهم، يأخذ إمكانيات المربي أو المعلم.

والواقع أن أرقى صور الوحي ما ينتهي إليه الإنسان من الحكمة بقيام المعرفة وتحصيل العلم، عن طريق الذات والنفس والعقل والروح، بالوعي الذي يقوم، في مفردات المعنى الإنساني، وفي هذا يقول عيسى، (إنجيلي في صدري)[١٤]، عندما سُئل من أين تأتي بهذا الكلام يا معلم؟ ويصف أتباعه رسالة روح القدس بقولهم: قوم أناجيلهم صدورهم.

هذا وحي راقٍ… هذا إنسان هو كتابه… هذا كائن هو علمه… هذا وجود هو نفسه… هذا رسول وجودِه، وجوده وحيه… وفي هذا يقول القرآن عن محمد {ما كذب الفؤاد ما رأى}[١٥]، {وما ينطق عن الهوى}[١٦]، إنما ينطق عن العلم… عن المعرفة… المعرفة لها فيه قيام وكيان، {إن هو إلا وحي يوحى}[١٧].

أوجده الأعلى لنفسه، موصولا به غير متخلٍ عنه… أول العابدين من قومه لكوثره، فكان أول عابدين لعليِّه، فعلم في علمه عن نفسه أن الإنسان على نفسه بصيرة، علم ما كان… عَلم بدء وجوده، بدء الوجود له، رسولا لكونه ولعالمه. أوجده الأعلى بعثا لأول العابدين له، بمعناه في قديم معناه، فعرفه آخر الأمر، قبله، رفيقا له، لتكاثره، فكان آخر الأمر عنده، به لنفسه، قائم كوثره، فقام به آخر الأمر، لقائم عينه له، فكان في موجوده المحدث أمرا وسطا، هو الأول والآخر لموجوده لحق قديمه لوجوده، فاطلع في نفسه على ما سيكون، في آخر الأمر به، فعرف ما يكون، فقال لأُمته، (أَعلمني الله في موقفي هذا، وفي كرتي هذه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، سلوا ما شئتم)[١٨].

وقد ضُرب عيسى عليه السلام مثلا يحققه لنفسه مَن يتابعه في سيره إلى ربه، لمعنى رفيق أعلى، وفي سيره بربه إلى اللانهائي فيه، فقال كتاب إحاطته {ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون}[١٩]، ولم يؤاخذهم الرسول بما لم تتحمل عقولهم أو لم تتقبل نفوسهم، مما لا يطيقون، فما أرسل إلا رحمة للعالمين، فقال (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[٢٠]، وتألف قلوبهم وبَشَّرهم برحمة الله المهداة به فقال (أُمة مذنبة ورب غفور)[٢١].

كان العلم قياما في موجوده، عليه الصلوات والسلام، كما كان هو حق معناه، وكتاب نفسه، {ألم نشرح لك صدرك}[٢٢]، فكان في مرتقاه أُم كتابه، عند ربه يتكاثر، بتواجده، بألواحه وكتبه، فعرف أنه أُم الكتاب، يمحو ويثبت فيها بقلم القدرة، وما قلم قدرة الله إلا العبد نفسه. ففتح باب الرجاء والمغفرة للناس، فقال (أَتبع السيئة الحسنة تمحها)[٢٣].

وقال القوم من بعده، اللهم إن كنت كتبتني بفعلي، في كتابي عندك، في أم الكتاب لقائم نفسي، شقيا أو محروما، فامحُ اللهم شقاوتي وحرماني. فمعنى ذلك أنه يقول، أن وفقني يا إلهي ووليي، وافعل بي في فعلي، يا روح قيامي وقائم عيني، وساكن قلبي، ومحرك إرادتي، وفقني أن أمحو حرماني وشقاوتي وطردي إلى فعل حسن، وخلقني بخلق حسن، يسره لي، فأنت الميسر لكل أمر، والقائم في كل قيام… اللهم أنسِ الحفظة ذنوبي، واستر عيوبي، وقوِّم نفسي وجوارحي. هذا رجل موحد لا يشرك بالله في نفسه، ويرى أن لكل إنسان أُم كتاب له عند ربه، تشمل كتب حيواته بعمله.

فما هي أرقى صور الوحي؟ إن أرقى صور الوحي هي تفتح الإنسان لنفسه… هي العلم بالنفس وكشف كنوزها… هي التأمل السليم والنظر الصادق، المثمر للانفعال والتطور… هي تحصيل الحكمة من الوعي المستقيم في أطوار الذات سافرة، فكتاب الله يكشف عن ذلك، وهو يقول {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[٢٤].

هذه أرقى صور الوحي، وقد صحب البصر البصيرة بالوصلة بالله موجود الكون والكينونة، سيعرف الإنسان من تلقاء نفسه، وقد تفتحت نفسه في ناموسها بآيات الله، وقد تفتح الكون من حوله في ناموسه بآيات الله، فلم يك في عمىً عنها فيعمهها الله، كما يعمهونه في أنفسهم، وهم ينظرونه، في الاتجاهين الداخلي والخارجي، والأصلين بالآباء والأبناء.

لهم عيون قلوبهم ولكن لا يبصرون بها، وبقلوبهم يسمعونه ولكنهم لا يدركونه… يسمعونه في وجيب ودقات قلوبهم، كما يسمعونه في هدير الأنهار… يسمعونه في أصوات الرياح… في حفيف الأشجار، في زئير السباع… في تغريد الطيور… يسمعونه في أصوات الطبيعة، ترعد فترهب وتهدأ فتسعد… يسمعونه في كل شيء فلهم آذان ال-قلوب ولكنهم لا يسمعون بها… لهم قلوب تعقل، ولكن لا يفقهون بها، يمرون بالبعوض يقلقهم ويضجرهم… ويمرون بالحب في لمحات تسعدهم، لا يفرقون بينهما، ولا يشعرون بالحب معه، ولا بالرهبة منه، ولا بالخشية له… لهم قلوب ولكن لا يحيونها ولا يحيون بها.

هكذا هي جوارحهم عاطلة، ما أعملوها، وما قاموها ليتعاملوا بها معه فيحيونها بالمعاملة معه وبالتخلق بخلقه بها.

لهم أيد هي لله عضد، بها يوسع خلق السماوات والأرض، وبها يمسك الأرض، فالأرض جميعا قبضته، يوم يقوم بنوره في العبد، ليجعله له يدا. ولكنهم لا يحيونها، ليحياه الله، فيكون عبدا، (زويت له الأرض)[٢٥]

هذا هو الوحي… فأنتم مصدر الوحي، ما تأملتم في أنفسكم، وحمل عالمكم ما علم من معلوم عنده، فنبه به غافلا إلى ما فيه فاستيقظ قلبه، أو أدرك حسه أو تنبه لمعينة الله معه.

إنما يعظكم الله بواحدة {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٢٦]، والرسول يركز هديه في أمرين، (ابدأ بنفسك [مستهديا] ثم بمن تعول [هاديا])[٢٧]، (ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٢٨]، وها هي الرسالة الروحية في هذا العصر تجدد تعاليم الأديان مجتمعة، في دين واحد، هو الإيمان بروح الحياة الأعظم اللانهائي، والاتصال بالأرواح المرشدة، من قديم الجنس البشري، وعلى رأس الجميع إنسان الله وعبده ورسوله، وكل من على الأرض من أبنائها هم لهم الأبناء، وأئمتهم منهم الكلمات والعباد، في خدمة أخوتهم وآبائهم، وأبنائهم من المادة، مرضاة لهما وتكليفا منهما.

والرسالة الروحية تحذر من السير وراء الحس وإغفال إعمال العقل. وتحذر من الاندفاع، وتنصح بكل ما سبق أن نصح به الرسول، والأنبياء والحكماء من قبله، والأئمة والعارفون والعلماء لدائم النبوة، والهدي من بعده، (إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)[٢٩]، فهي تدعو إلى التثبت من موضع القدم قبل الارتكاز عليها، لتحريك الأخرى بإعمال العقل، لفهم كل ما يقدم للحس عن طريق الاتصال. كما تدعو إلى حسن اختيار الرائد الأرضي من الجنس أو الوسيط المتابَع. وتجعل من طهارة المسلك في الحياة، أول شرط لسلامة وصدق الاتصال عن طريقه.

إنكم في هذه البشرية عَالم من المعاني ولستم عَالما من المباني. إنكم عالم للوحي، يوحي منكم، ويوحي إليكم، ويوحي بكم، أُمة وسطا، توحون منكم إلى من تحبون وتريدون، بما يُوحَى إليكم ممن سبق.

إن الوحي… إنما هو إدراك الحياة على ما هي الحياة، والعمل بقوانينها، وإعمال الخير للآخرين لكسب النفس. وإن الدين هو إدراك الحياة، على ما هي الحياة، لإحياء النفس. وإن الاستقامة على الدين، إنما هي استقامتكم في الحياة، على معرفة بقوانين الحياة، وإعمالها، فتزدادون حياة على حياة، وتزدادون نموا على نمو، في تواصل بالحياة والنمو، بها فيها، بالحق في أنفسكم من الله.

تأملوا قوله تعالى {أو يرسِلَ رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء}[٣٠]، وقوله {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا… بكرة وعشيا}[٣١]، وتأملوا قول الرسول (الحج عرفة)[٣٢]، أي الحج معرفة، أي حَج من عَرَفه… فالحج الصحيح أن يحجَ قلبك إلى عقلك راشدا، أو أن يحج عقلك إلى قلبك متحققا متخلصا مما سوى الله، لله فارغا. وهذا هو الاتصال والوحي إليك في كماله… فالحج إنما هو فيك، منك إليك، الحج إنما هو في معانيك… الوحي إليك هو أنت {إن هو إلا وحي يوحى}[٣٣].

الدين إنما هو الحياة في حياتك، يثمر ثمرته، يوم تستقيم في قوانين الحياة… والكتاب إنما هو في بصيرتك بها تبصر فتقرأ، إذا رددت البصر إلى البصيرة فأبصرت، ولحقك من اللطيف الخبير لاحق، فأبصرت بك بجارحة حية لك، ففجرت الأرض في ذاتك عيونا… عيونا ناظرة وعيونا عذبة وعيونا صافية، وعيونا واعية… الله من ورائها محيط… والله من أمامها بوجوهه محوط… لا تلحقه الأبصار ويلحق الأبصار وهو اللطيف الخبير.

نسأل الله أن يقوِّم طريقنا فيه. وأن يقوِّم أمرنا به، وأن يركز وعينا وعقولنا ونفوسنا ذكرا له، ذاكرين له مذكورين منه، من فضله ورحمته… ونسأل الله أن ينزل سكينته على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وأن يدفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم، إنه هو الأعز الأكرم.

لا إله غيره ولا معبود سواه. نسأله الرحمة والمغفرة لنا ولكافة أمة محمد وللناس أجمعين. نسأله الرحمة والمغفرة للبشرية جميعا وللناس جميعا.

أضواء على الطريق

من هدي الروح المرشد السيد سلفربرش…

(ليس لدينا زمن كالذي تفهمونه، لأنه ليس لدينا أرض تدور حول محورها ونعتمد على الشمس لتهبها الليل والنهار. كيف تحسبون البارحة والغد إن لم توجد تقاسيم الليل والنهار؟ إنهم هنا ينتظرون. وهم لو عرفوا أنهم ينتظرون لحطموا فكرة الانتظار، إنه سجن من صنع النفس).

{كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}[٣٤].

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: “إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظًا من نفسه يأمره وينهاه.” أخرجه الديلمي، وجاء في الجامع الصغير للسيوطي. ↩︎

  2. إشارة إلى الحديث الشريف: “عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما وقال ثلاثا أو نحو هذا فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك.” سنن الترمذي ↩︎

  3. إشارة إلى ما جاء في الأثر عن أكثر من سورة، منها الأنعام والكهف، فيقال أن كل منهما نزلت ومعها سبعون ألف ملك، وكذلك ما يخص بعض الآيات الشريفة، ومنها آية الكرسي، أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ الِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الْبَقَرَةُ سَنَامُ الْقُرْآنِ وَذُرْوَتُهُ، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا، ثَمَانُونَ مَلَكًا وَاسْتُخْرِجَتْ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَوُصِلَتْ بِهَا." ↩︎

  4. حديث شريف ذكره الشعراني في “لطائف المنن” مشيرًا إلى أن الحكيم الترمذي رواه في نوادر الأصول، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي، وكذلك تفسيرات بعض الصوفية للقرآن الكريم بنص: “إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم”. ↩︎

  5. سورة يوسف - ٣٩ ↩︎

  6. سورة الشعراء - ٥ ↩︎

  7. سورة طه - ١٤ ↩︎

  8. سورة المائدة - ٩٧ ↩︎

  9. قول صوفي لم نستدل على قائله. ↩︎

  10. سورة يوسف - ٨٧ ↩︎

  11. سورة الشورى - ٥١ ↩︎

  12. سورة الشمس - ٧-٨ ↩︎

  13. حديث قدسي يردده الصوفية ولكن بلا سند. ↩︎

  14. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. وربما تشير إلى الآية: (مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُم. (لو ١٧-٢١. ↩︎

  15. سورة النجم - ١١ ↩︎

  16. سورة النجم - ٣ ↩︎

  17. سورة النجم - ٤ ↩︎

  18. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  19. سورة الزخرف - ٥٧ ↩︎

  20. حديث شريف: “معشر قريشٍ، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ! قال: فإني أقولُ لكم ما قال يوسفُ لإخوتِه: لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاءُ.” السيرة النبوية لابن اسحق، وابن هشام، كما رواه والطبري في “تاريخ الأمم والملوك”، والنسائي والبيهقي في “السنن الكبرى”. ↩︎

  21. حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في (تاريخه) عن أنس ابن مالك. المحدث الألباني. المصدر: ضعيف الجامع. ↩︎

  22. سورة الشرح - ١ ↩︎

  23. حديث شريف: " اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ " أخرجه الترمذي وأحمد. ↩︎

  24. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  25. إشارة إلى الحديث الشريف: “إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها وأُعطِيتُ الكَنزَيْنِ: الأحمرَ والأبيضَ…” أخرجه مسلم في صحيحه. ↩︎

  26. سورة سبأ - ٤٦. ↩︎

  27. من حديثين شريفين ذات صلة: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. و"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول." صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا من الحديث الشريف: ↩︎

  28. استلهاما من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب: " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  29. من حديث شريف: “إِنَّ هذا الدينَ متينٌ، فأوْغِلْ فيه برِفْقٍ، فإِنَّ الْمُنبَتَّ لا أرضًا قطعَ، ولَا ظهْرًا أبْقَى.” أخرجه البزار والحاكم، وكذلك البيهقي باختلاف يسير. وأخرجه أحمد " إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق". ↩︎

  30. سورة الشورى - ٥١ ↩︎

  31. سورة مريم - ١١ ↩︎

  32. حديث شريف: “الحجُّ يومُ عرفَةَ”. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  33. سورة النجم - ٤ ↩︎

  34. سورة النازعات - ٤٦ ↩︎