(١٢)
كلام الله دستورنا
ولا إله إلا الله طريقنا
ومحمد رسول الله عقيدتنا
والإسلام والسلام شعارنا
حديث الجمعة
٢٧ صفر ١٣٨٦ هـ - ١٧ يونيو ١٩٦٦ م
بسم الله، نعوذ بالله من الله، ونستعين بالله لله، ونتوكل على الله في الله.
فيستقيم أمرنا، ويشرق كتاب الله لنا، وتحيا فينا قلوبنا، فتحيا بهـا جوارحنا، لنا، منا، بنا، فينا، فنرفع شعارنا “كتاب الله دستورنا، والإسلام سبيلنا، والمحمدية عقيدتنا”.
لا نفرق بين رسله ظلال رسوله لدائم رسالته، ولا نفرق بين كتبه ألواح كتابه لدائم حديثه، ولا نفرق لنا بيننا، فيه لنا، نحن له جماع الحق لنا، نحن وجوه الحق منه، لقائم وشامل الحق فيه.
نجادل في الله بيننا، لا جدالا معه، ولا ريبة به، ولا انفكاكا عنه، بل في صفاء معه، وفي إيمان به. نجادل في الله لا خصومة بيننا عليه، فهو جماع أمورنا. ولكنه التواصي بالحق لنا فيه، والتواصي بالصبر منا لأمره بنا.
نجادل فيه، لنُعرِّف عنه، ونُعرف به، ونتعارف إليه، لنتعامل معه ونعمل فيه، ويتعامل هو معنا ويعمل بنا، نتواصى بيننا بالحق لنخشاه، ولنرهبه، ولنقدره، ولنتوادد فيه بيننا، ولنقاربه لجمعنا، ولنحبه لاتحاد قلوبنا، ولنتفانى فيه، بالتفاني فينا بيننا.
نؤثر على أنفسنا، ولا نكز على نعمته إلينا. نبذل ما في أيدينا، طمعـا فيما عنده. نبذل الدنيا، لتطيب لنا الآخرة. نقدم الأولى بما ملكنا في معاملته، ليتوفر لنا نصيبنا في الثانية، من هباته… من كرمه… من جوده.
نبتغي فيما آتانا الله الدار الآخرة، ونعلم أن هذا وحده هو نصيبنا مـن الدنيا الذي نخرج به منها يوم نبذل الدنيا ابتغاء مرضاته، فنكسب الآخرة برضائه. ونحن يوم نبذل الآخرة كسبناها فنكسب اللـه، آمنا به معيتنا بالحياة، تبدأ سعادتنا ومعرفتنا، ويوم نبذل الله لطالبيه، وقد قمناه وجوها له، فنكسب موصوف العبد لنا فينا بنا، لمطلقه لوجوده بنا ومعنا، في معارجه بصعوده، وتعاليه لشهوده، رقيه بنا لا يتوقف، وإكرامه لنا لا يحد، ونعماؤه علينا لا توصف، وتدانيه إلينا لا ينقطع، وعطاؤه فينا لنا بنا لا يجز. نسير في الله بلانهاية، وقد سرنا إليه فلاقيناه فينا، وحققنا الغاية، لعبد ورب.
به، له، أسماء ووجوها، نتصف ونتواصف، يوم نذكر فنتذاكر، يوم نتعارف بالحق فيه، للحق له فينا، أقرب منا من حبل الوريد، أقرب إلينا من حبل الوريد، قائما على أنفسنا ومن ورائنا بإحاطته، لشهودنا في مرآة أنفسنا، بالأخوة فيه.
فبالأخوة فيه نتراءى، ونتلاقى، ونتواصى، وجوهًا للحق، لوجوه للحق، قائم قيامنا لمعانينا، منعمًا علينا لأوادمنا بمبانينا، لوصف خلقه، ولقائم وظاهر فعله، مُحققا لنا، في وجودنا بالحياة، الحي القيوم بنا، لا شريك لنا يوم نكونه، ولا شريك له يوم نصونه، ولا شريك فيه يوم نعرف عهده، ونقوم أمره، ونكتم سره، ونشهر جهره.
كلمات الله له وجودنا وموجودنا، وكتاب الله منه نفوسنا، ورسل اللـه له عقولنا، يوم ندخل في حصن لا إله إلا الله، فنعرفها لنا شعارا، ونتحدث بها جهارا، ونظهر بها ليلا ونهارا، فنقول لا إله إلا الله، أو لا إله إلا أنا.
لا إله إلا الله، نحن له، وله من كان منا، {يا أيتها النفس المطمئنة، ادخلي في عبادي، وادخلي جنتي}[١]، فما فرق الله بينه وبين العباد، يوم يكونون من أهل الرشاد، وقد خرجوا من أهل العناد {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم}[٢].
بعث محمدا بالحق لقائم كمالهم من قبله، وبدء كمالهم لأحسن تقويم من بعده، فكان محمد لمن بعده وممن بعده على ما هو لمن قبله وممن قبله، ظهور إنسان التمام لمن شهده، ووجه الحق لمن طلبه، وكتاب الله لمن قرأه، ونور الله لمن لقيه، وروح الله لمن عرفه العروة الوثقى لا انفصام لها، لا ينفصل عن الحق معلما، ولا ينفصل عن الخلق متعلما، ولا يغيب عن الوجود علما، ولا يتعطل عن المراقي معراجا وسلما.
فهو المعراج والعارج، وهو العارج والمعروج به، وهو العارج والعروج، أسرى به فيه ربه، ما أسرى من أمر نفسه، وعرج به فيه معلمه، ما عرج من مشاهد عقله، حتى ارتد البصر إليه، فلقيه في نفسه، وقد امتلأت نفسه بنور ربه.
عرف الله لا اتجاه له، عرفه ما قبله بلا بدء، كان هو الأعلى له، لمعنى ربه، معاني البدء فيه، هو فيه بدء لبدء… وعرفه ما بعده بلا انتهاء، هو فيه انتهاء بعد انتهاء. انتهاء لابتداء، وابتداء إلى عين الانتهاء. كان وربه، النهاية فيه بلا نهاية، على ما هما فيه البداية بلا بداية رحمة للعالمين وحقا للعابدين.
كان الله من ورائه حتى إلى لا وراء… وكان هو وربه، ما هو الوراء، بلا وراء وبلا انتهاء. كان الله أمامه، شهوده في مرآته لقيامه بلا انتهاء لتجليه بالوجود بلا توقف، وبلا تعطل. فكان هو بربه له ما أمامه لشهوده وقيامه، كان هو وربه لشاهد ومشهود، لموجد وموجود في ظهور واحتجاب لا يتوقف.
كان الله عن يمينه، وعن يمينه… إلى لا يمين، وكان اليمين إنما هو له وربه، بلا يمين لمعبوده. كان الله عن شماله وعن شماله… إلى لا شمال، وكان ما على شماله، إنما هو وربه، بلا شمال، لإلهه ومعبوده.
عرفه كلتا يديه يمين، يوم كان فيه كلتا يديه يمين… عرفه الخلف والأمام، يوم بُعث فيه الخلف والأمام… عرفه الأعلى والأدنى، يوم تواجد فيه الأعلى والأدنى.
هو الجهات الست للموجود الجامع لها، لقيامه، عَلما على أعلامه في الله ذي المعارج، وعَلما لأعلامه لمن طلبه رحمة للعالمين، وعرفه حقا في القائمين، لا غيبة له، عِلم الدين، وعَلم الدين، وحوض الحياة، وكتاب اليقين.
رسول الله… ومتى انقطعت حاجة الناس إلى رسول الله!!! وكيف يعيش الناس ولا رسول الله!!! وكيف يعلم الناس ولا كتاب الله!!! وكيف يشهـد الناس ولا وجه الله، ولا عين الله!!! وكيف يفعل الناس ولا يد اللـه!!! وكيف يسير الناس ولا قَدم اللـه!!! وكيف يحيا الناس ولا حي ولا قيوم!!! {قل جاء الحق}[٣]، (من رآني فقد رآني حقا)[٤] الله {قائم على كل نفس بما كسبت}[٥]، {وبرزوا لله جميعا}[٦].
ما هي الحياة؟ وما هي النجاة؟ وما هي المِصر المرادة في قوله {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم}[٧]؟ وهل هناك رباط بين ذلك وبين قوله {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٨]؟ وما هي الأرض المرادة في قوله {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت}[٩]؟ أأرض الفلاة القحلاء، أم القلوب الجدباء، لا أعلى لها ولا سماء، ولا أدنى فيها ولا ماء؟
البشرية… الإنسانية… الحقية… الخلقية… الروحية… المادية… النفوس الكلية… النار القدسية… الأتربة والمتارب الزكية… الأنوار المشرقة العلية… الحقائق السماوية… المصابيح الأرضية… العقول الكلية… ألفاظ يلوكها اللسان، ولا يقوم بها الجنان، إلا من رحم.
السبل الممهدة… الوجوه المعددة… الطريق المجددة… العيون المتعددة… مطايا الله، دواب السماوات والأرض، في رحلتها من السماء إلى الأرض تهبط، ومن الأرض إلى السماء تصعد، أكرمهم عند الله أتقاهم، هل عرفناهم؟ هل لاقيناهم؟
وجوه ناضرة… وجوه منظورة وناظرة، لها النظرة الأولى متعلمة، وعليها النظرة الثانية مكلمة معلمة. عباد وأرباب الله لهم. عبدهم رب، وربهم عبد، لا يعرفون إلا الله، ولا يذكرون إلا الله، ولا يشهَدون إلا الله، ولا يقومون إلا الله، ولا يُشهِدون إلا الله، هل طلبناهم وما لاقيناهم؟!
هذا هو شعار الإسلام بلا إله إلا الله… هذا هو شعار الإسلام بالله أكبر… هذا هو شعار الإسلام بالحق جاء… هذا شعار الإسلام بنبي الإسلام، بالحق بعث، ومن الباطل تخلص، وللباطل أزهق، وبالحق انتصب، فكان للبشرية في جمعها النصب، {فإذا فرغت فانصب}[١٠] ومزيدا ينتظرك… {وإلى ربك فارغب}[١١].
كان الرسول للناس البيت وزمزم والحرم… كان النصب والعَلم… كان البيت عليه عَلما… وكانت زمزم إشارة إلى الحوض به عُلِم، فورد، فسلم وارد، بما سلم، ونطق عالم بما عَلم، وقام قائم به جماع الكلم، فكان روح القدس لربه بما علم، لواجب الوجود عند موجوده عُلم… يوم قام الوجود به إليه أسلم، فسلم، فدخل في السلم بما علم.
أسلم لرسول الله، عَلم الله واسمه، ووجه الله وطلعته، وكتاب الله وشرعته، ونور الله وحقيقته، عرفه لا يغيب ولا يحتجب، عرفه واجب الوجود، كلما تجدد الوجود على ما يجب، فبه وجد الكائن وبه تجدد، حقا من الله تعدد، وقائما لله، ببعث جدد ليشهد، لجديده بقديمه وجد، رحمة للعالمين، وخاتما وطابعا، للنبيئين والمنبئين. هو النبأ العظيـم في كل دين، في كل مكان، في كل زمان، في كل حين، عبد بـه عرف الرب، ورب به عرف الله للعارفين، وحق عرف به النبيون، يوم هم بخلقهم مع ما عرف من خلقه يتطابقون، ويتخلقون، ويتلاقون. خاتم النبيين، وأول العابدين.
يطلبه المسلمون ليكونوا من المؤمنين، ويطلبه المؤمنون ليكونوا من الموقنين، ويطلبه الموقنون ليكونوا من المعلمين، ويطلبه المعلمون ليكونوا من المكلَّمين، ويطلبه المكلمون ليكونوا من المكلِمين، ويطلبه المكلِّمون، مربوطا على قلوبهم، حتى يبقوا في سبح في العالمين، من عالين إلى سافلين، ومن سافلين إلى عالين، منبئين ومعلمين وآمين، وهـداة مصلحين يعرفون عنه دون الجهر من القول، إلى حاضر وجوده يشيرون، وعن بيته في الناس لقلوبهم يكشفون.
بذلك كله جاء الإسلام كدين، جاء لداخل الفرد، وداخل كل فرد، جاء للقلوب، كما جاء لخارج الفرد، وخارج كل فرد جاء للمجتمع. جاء للقلوب تتجمع، فتُجمع، فتُبعث، فيقوم بها الحق يُشهد، وتقوم نصبا لله يقصد، إذ هي لله تعبد ونفوسها لله تعبِّد، وحول بيته تطوف وإلى قبلته تسجد، وفيه وطنا كبيرا تسبح وتعكف، وعنه تتحدث وبه تعرف، وجه الله تلاقي، وصوت الله تسمع، وصوتها لله يرفع ومنه يسمع، {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها، وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما}[١٢].
لا يقع نظر الأعلى إلا عليه، ولا يَشهد إلا من دخله، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٣]، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[١٤]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١٥]، الذي {أنعم الله عليه، وأنعمت عليه}[١٦] أنعم الله عليه يوم صاحبـك بنعمة مصاحبتك، وأنعمت عليه برضائك عنه، برضائك عن كل من رضي عنه الله.
(أنفق بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا)[١٧]، ماذا ينفق بلال!!! هل كان بلال يملك مصانع فورد، أو مناجم جنوب أفريقيا؟ كان بلال يملك كنوز الله، يوم صاحب من مَلَّكه الله كنوز رحمته، وجعل به الرحمة غالبة، قائمة سيدة، عزيزة منجدة، هزمت عذابه بعدله.
هزمت جزاءه، بقانون أسمى، بحق أعلى، بأمر أكبر، في ظل رحمة أوسع، لم تهزم الناموس، ولكن أخضعت ناموسا لناموس، أخضعت قانون العدل وناموسه لقانون الرحمة وناموسها، يوم قال الله معه، (رحمتي غلبت عذابي)[١٨]، {ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم وآمنتم}[١٩]، {ولـو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٢٠]، {وما نرسل بالآيات إلا تخويفـا}[٢١].
{واُذكـر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}[٢٢]، {أولئك يجزون الغرفة بما صبـروا}[٢٣]، فسترى ما يعجز اللفظ عن التعبير عنه، ستشهد من أمر الله لك ما يقصر اللسان عن التعريف عنه.
لم يقل اذكر الله في نفسك، وهو معك وأقرب إليك من حبل الوريد، ولكن قال اذكر ربك في نفسك، فتحدث عن نعمة الله بربك لك، انقلب إلى ربه، {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم}[٢٤]، كن ظلا لربك، أشر إلى ما تعرف مجرد إشارة، ولا تحاول العبارة، فإنها سوف لا تسعفك فتحدث… {ودون الجهر من القول}[٢٥]، (القوم أهل إشارة)[٢٦].
اجعل الله، شاغلك، ومشغولك… اجعل الله له معك كل أوقاتك، اذكره وذكره بقلبك، وعرفه بلسانك، عرفه للناس، هو فيهم، هو لهم، هو معهم، أينما كانوا، وكيفما كانوا، وكلما كانوا.
هو أقرب إليهم من حبل الوريد. عَرِّفه معهم، واكتمه لك معك. (من كتم سره، بلغ رشده)[٢٧]. لا تتأله به عليهم، ولكن إن شئت، فدعهم يتألهون به عليك، وألِّهم به عليك برضائك، واخفض لهم جناح الذل من الرحمة، ارفعهم فوق رأسك، وانزل تحت أقدامهم. ذلك لك أقوم، إن ناشئة الليل أشد وطأ وأقوم قيلا، فرقي نفسك في النزول، ورقي عقلك في التحرر من نفسك، ورقي روحك في إمداد عقلك ونفسك.
إن نزلت دونهم، فردا فردا، وأرضا أرضا، علوت عليهم بنور عقلك، سماءً سماءً، ورجلا رجلا، ووجودا وجودا، فأنت ما دونهم بحسن الخلق لك، وأنت ما فوقهم بعزة الله معك، رحمة بك ورحمة بهـم.
{واصبر نفسك، مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}[٢٨]، يريدونك، ولا يعرفونك، يطلبونك، وهم يشهدونك ويجهلونك يا وجه الله إليه، يا رسول الله بينهم، يا قائم الحق لهم. جُمع لك الزمـان، فكنت قائم الزمان في كل زمان، وجمع لك المكان، فكنت قائم المكان في كل مكان، {إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}[٢٩]، ناموسا قائما خالدا، طولا وعرضا.
في أي صورة ما شاء ركبك، وفي أي صفة من صفات الحق ما شاء أظهرك، كنت الحق لهم دائما، بكوثرك، بظلالك، وكنت من ينشدون بمخبرك وحالك، كنت اسم الله، للهو، وكنت الله لال لا هو. كنت الظاهر للباطن، وكنت الباطن للظاهر.
كنت رسول الله، وعين المرسِل لك من الله. كنت الرسول والمرسَل بإرسالهم منك لمواصلة رسالتك. كنت المتعلم بربك دائما، وكنت المعلم لهم من الله أبـدا، وكنت الحق المعلوم عندهم من الوجود أزلا، يوم صاروا بك معلمين، وللحق معك راجعين، وباسم الله لـك قائمين، أسماءً لك مؤمنا، وعَلم المؤمنين، ولله مؤمنا، وحقيقة كل مؤمن في كل دين.
كنت لا إله إلا الله وشعارها… كنت لا إله إلا الله، خافيها وجهارها… كنت لا إله إلا الله، لمن كان لا إله إلا الله، ولمن طلب لا إله إلا الله، ولمن عرف لا إله إلا الله، ولمن شهد لا إله إلا الله.
إن رسول الله كان وما زال وسيبقى لنا، الحق من الله، كلما طلبنا الحق من الله، وكلما شهدنا الحق لله، وكلما افتقرنا إلى الحق من الله، فكنا حقا الفقراء إلى الله، وكان الله لنا بنا هو الغني الحميد.
بنا لنا منا يبدأ، ولنا في جديد يعيد. فكيف يتوقف فعل الصمد، وصفته صامدة؟ إنه يبدأ الخلق ويعيده، بدأه في معراج للبدء لمعلوم يوم بالانتهاء في دورة دائبة. هو كل يوم في لبس من خلق جديد، بآحاد لا بدء لها ولا انقضاء لها، يزيد في الخلق بمن يطلب الحياة، ويفني من الخلق من يطلب الفناء.
يحيي من الخلق، من يطلب الحياة مع جديد لقديم، يطلب الحياة بأمانة الحياة لجديد حياة. إن الله في إجابة الطالبين، وفي تحقيق سؤل السائلين، على ما يريدون، (كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون)[٣٠]، {وما تشاؤون، إلا أن يشاء الله}[٣١]، (أنا عند ظن عبدي بي، إن خيراً، فخير وإن شراً فشر)[٣٢].
فالله لا يعجز عن إيصال الخير إلى من طلب الخير، ولا يمنع الشر عمن طلب الشر، فالله لا يخزيه في طلبه، ولا يسفهه في أحلامـه، الله عنده على ما يريد هو، لأنه هو الفقير إلى الله، ولو كان الله عنده على ما يريد الله لكان الله هو الفقير إليه {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}[٣٣].
إن الله من جانبه يحب للإنسان أن يكون الفقير إليه يوم يكون الإنسان لـه على ما يريد. وقد تواجده لنفسه، ولا يحب أن يراه الغني عنه ركونا إلى فعله ومجاهدته وثمرتهما. ولكن المفتقر فيه إنما هو الله به، للمفتقر إليه وهو الله له. فلا يتوهم أنه الفقير إليه أو أنه الغني عنه، ففي تعديده مع الله يقوم الشرك ويتخلق الكفر، نعم {إن الله لغني عن العالمين}[٣٤]، و(إن الله تنفعه طاعة، ولا تضره معصية)[٣٥]، ولكن هذا لا يكون إلا لله أو هذا الحق إنما هو الإنسان نفسه، في غنائه بحقائقه عن مادي عوالمه. إن الإنسان في حقيقته أكبر مما يخسر ومما يربح.
فكيف تزعمون أنكم له طائعين؟ وكيف تتوهمون أنكم له عاصين؟ ولو شاء ما عصيتم، ولو فتن ما أطعتم، ولكنكم أنتم بما فيكم من معناه، لا لمراد له ولكن على ما أردتم، لأنه هو على ما هو في حقه وخلقه، (خلق الخلق لا عن روية)[٣٦]، فطرة الله، وصبغة الله، فطر وصبغ الناس عليها.
لا جديد في الله، ولا جديد في الطبيعة، ولا جديد في الشريعة، ولا جديد في الحقيقة، ولا جديد في الطريقة. إنه الله وكفى، على صبغته، في صمديته بسرمده، في آزاله وآباده، وقائمه لا شريك له.
هذا هو شعار الإسلام بلا إله إلا الله، وشعار الإيمان والمعرفة والطريق بمحمد رسول اللـه. نعم الرفيق، ونعم الصديق، ونعم الخليل، ونعم الطريق والدليل، ونعم الحق، ونعم الله، لمن كان اسما لله ورسوله، ففي مرآة نفسه رآه. رآه رسول الله، وفي مرآة رسول اللـه لمعناه، رآه لنفسه الحق من الله في معناه ومبناه. ذلك دين القيمة على الناس باصطفاء الله لهم ليكونوا في إمامة خلقه. والله أعلم حيث يجعل رسالته.
بذلك قامت الطريق في الإسلام مع محمد وقبل محمد، وبعد محمد، بالحكماء والأنبياء من قبله، والأنبياء والحكماء من بعده. هو حياة الطريق وعلمها، هو إشراق الطريق وإنسانها، هو حق الطريق ورحمانها، هو نور الطريق وعنوانها، هو سبيل الطريق وأحواضها.
هو الدين… هو اليقين… هو الإسلام… هو السلم… هو السلام… هو السلامة… هو الأمان… هو الأمانة… هو الإعلام… هو العلامة… هو القيام… هو القيامة… هو النعمة، وفقدانها بالندامة… هو الحياة ودوامها… هـو الرحمة وسلامها… هو الكتاب… هو الحجاب… هو نور الكتاب… هـو ما وراء الحجاب… هو الإنسان… هو عبد الإنسان… هو رب الإنسان في الله.
أشهد أنه لا إله إلا الله، شهادته لها، وأشهد أنه محمدا رسول الله، شهادة الله له بها. فهل شهدناه، بعين الله؟ وهل شهدنا الله بعين رسول اللـه؟
أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
اللهم يا من تعنونت عندنا مؤمنا، وعنونتك بمحمد رسولك بيننا مؤمنا، وأدخلتنا فيه مؤمنين، فدخلنا فيك بالإيمان مؤمنين… اللهم اجعلنا به من المؤمنين، وانشر الإيمان به في أهل هذه المِلة، وأهل هذا الدين.
اللهم وقد جعلته رحمة للعالمين، ونورا للوجود ما كنت به على الوجود بضنين… اللهم بنوره فأنر عقولنا، وأحيِ قلوبنا وقوالبنا.
اللهم أدخلنا في عهده، وجددنا بجده، وأعلنا في عليائه، وسبحنا في سماوات سمائه، وحققنا به على ما أردت بنا وعلى ما أراد لنا، رجاء لـه، ورجاء لنا… اللهم حقق له سؤله، (لا أرضى وأحد من أمتي في النـار)[٣٧].
لم يطلب أن يتطهر من المذنبين، طمعا فيك، وإيمانا بك وعلما عنك. (لحمتي مني وإن نتنت، والعرق مني وإن مال)[٣٨]، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٣٩].
عترتي والكتاب في خدمتكم، في مساندتكم، في هديكم، في قيادتكم، هم سفن نوح لكم، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك، فلا تهلكوا أنفسكم واركبوها، وامتطوها، برحمة الله، هبة لكم من الله.
لا أسألكم عليها أجرا، وهي إنما تقوم في المودة في القربى، فاحرصوا على أهل قربي، احرصوا على من تنسبون إليَّ، بالدم أو بالحب أو بالتقوى إنه مني، (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)[٤٠].
بيتي مفتوح لكل من يدخله، لا يستأذن في دخوله، وهو لا يمتنع على داخله، ولا حرس على أبوابه، لا جنود، لا كبرياء، لا غطرسة، ولكن السماحة والحب.
رضي عن كل من رضي عنه، ورضي عن كل من لم يرضى عنه، رضاء عن الله وفعل الله، وكان في طاعة كل من أطاعه، وفي عون كل من خالفه. كان خلقا متجددا، وحقا صامدا، أبوابه عباد الرحمن يمشون على الأرض هونا.
طلب الرسول لنا هو طلب الله لحقيقتنا، وهو الإجابة والشفاعة، هو المجاهدة والضراعة… هو كل شيء للمسلم… هو كل نعمة للمؤمن… هو كل هدي للعارف والعالم… هو الحق للمتحقق… هو الجزاء للمصدق والمتصدق… هو الولاء للموالي… هو العطاء للكريم المفتقر.
هو الحاجز والحافظ عن اللئيم، وعن الزنيم، وعن الدميم… هو الجمال وهو الجلال… وهو لكل طالب الحق والمثال، (من رآني فقد رآني حقا)[٤١]، فهل رأيناه؟ إن الشيطان لا يتمثل بي، فهل للشيطان في أنفسنا جافيناه؟ هل هو في ضمائرنا واليناه؟ هل في قربه قاربناه؟ هل في إيمانه بنا آمنا به؟
لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، فهل كنا نحن له في طاعة، وقد أمره الأعلى، لمعناه، أن يكون في طاعتنا يوم نكون في طاعة اللـه؟
{ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}[٤٢]، وها نحن نرى… نرى الكافرين على اختلاف ألوانهم، لهم علينا كل السبل، يأخذون بخناقنا، ويسودوننا في قيامنا، ويتحكمون فينا في أمرنا ظاهره وباطنه. فهل نحن مؤمنون بالله ورسوله، متحررون من سلطان الطغاة والطاغين؟
إن صلاح أمرنا… إن صلاح حالنا، لا يكون ولن يكون إلا بالرجوع إلى الله في معيتنا، إلا بالرجوع إلى الله في ضمائرنا، إلا بالرجوع إلى الله في قلوبنا، إلا بالرجوع إلى الله في عقولنا، إلا بالرجوع إلى الله في نفوسنا، إلا بالرجوع إلى الله في مبانينا، عين رجوعنا إلى الله في معانينا.
لن يستقيم لنا ظاهر الحياة ما لم يستقم لنا باطن الحياة، ولن يستقيم لنا باطن الحياة، بعيدا عن الإيمان بالله ورسوله، وبعيدا عن شعار الإسلام، كتاب الله دستورنا… ولا إله إلا الله طريقنا… ومحمد رسول اللـه عقيدتنا… (وقائم الزمان بظلاله لا يغيب عنا)[٤٣]، ولا تحتجب ظلاله بيننا، آمرين بالمعروف معروفا عندنا، إنسان القيام وروح القيام، إنسان الزمان وروح الزمان، إنسان المكان وروح المكان.
ولو جاهدنا في الله لعرفناه، ولو سعينا في الله إليه للاقيناه، وما جاهدنا وما سعينا إلا بلا إله إلا الله، محمد رسول الله، وبلا إله إلا الله محمدا رسول الله.
اللهم به فولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شرارنا بعدلك، اللهم به كن لنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، مجاهدين ومستهترين… اللهم فتولَنا بمن توليت… اللهم به تولَنا فيمن توليت وارحمنا فيمن رحمت.
لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
أضواء على الطريق
من هدي السيد الروح المرشد (سلفربرش)…
(أنتم لا تدركون ولا تعرفون في نفوسكم أنكم جميعا مستقبلون للإلهام من عالم الروح. يوجد في عالمكم كثيرون ممن تعدونهم علماء جهابذة ومخترعين كبارا ومعلمين فطاحل وما هم إلا المركبات لـذكاءات من عالمي. وهذا لا يهم لمن ينسب ما دام الحق أو الاختراع يصبح معروفا وفي الخدمة. أما لمن يعزى الفضل، فهذا شيء ليس له حساب).
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الفجر – ٢٧،٣٠. ↩︎
سورة آل عمران - ١٨ ↩︎
سورة سبأ - ٤٩ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة الرعد - ٣٣ ↩︎
سورة إبراهيم - ٢١ ↩︎
سورة البقرة - ٦١ ↩︎
سورة الفجر – ٢٧،٣٠. ↩︎
سورة فصلت - ٣٩ ↩︎
سورة الشرح - ٧ ↩︎
سورة الشرح - ٨ ↩︎
سورة المجادلة - ١ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎
سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الأحزاب - ٣٧ ↩︎
جملة من حديث شريف وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم. أخرجه الطبراني في الكبير والإمام أحمد في الزهد، والبيهقي في الشعب، والبزار في المسند وغيرهم عن جماعة من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
حديث شريف ذات صلة: “لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي”. صحيح البخاري ↩︎
سورة النساء - ١٤٧ ↩︎
سورة النحل - ٦١ ↩︎
سورة الإسراء - ٥٩ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة الفرقان - ٧٥ ↩︎
سورة الرعد - ١٥ ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
مفهوم عام عند المتصوفة أعرب عنه الكثيرون منهم بكلمات مختلفة منها ما قاله أحد كبار المتصوفة في العراق السيد علي بن محمد بن القاسم أبي علي الروذباري (ت. ٩٣٣م) “علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة خفي.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الكهف - ٢٨ ↩︎
سورة النساء - ٤١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإنسان - ٣٠ ↩︎
حديث قدسي. أخرجه أحمد بن حنبل وابن حبان والطبراني. ↩︎
سورة الإنسان - ٣ ↩︎
سورة العنكبوت - ٦ ↩︎
من خطبة للإمام علي كرم الله وجهه من كتاب نهج البلاغة: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ…”. المكتبة الشيعية. ↩︎
من خطبة للإمام علي كرم الله وجهه: (الأصل كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، … أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها. …) شرح نهج البلاغة. المكتبة الشيعية. ↩︎
من حديث شريف جاء في تفسير القرطبي أنه حين نزلت الآية {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار.” وجاء في صحيح مسلم في حديث طويل منه: “اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل فأخبره. فقال الله تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
حديث شريف، أخرجه البيهقي والديلمي. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة النساء -١٤١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎