(١٣)

من يكون فقهاء هذا الدين؟
وحَملة أمانته للعالمين؟
لسان النبيين أقدام الحق ووجوه المرسلين

حديث الجمعة

٤ ربيع الآخر ١٣٨٦ هـ - ٢٢ يوليو ١٩٦٦ م

إنا هديناه السبيل، إما شاكرا، وإما كفورا.

من يهدي الله، فهو المهتدي، ومن يضلل، فلن تجد له وليا مرشدا.

إن هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم، من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، لا إكراه في الدين، تبين الرشد من الغي.

ولكن الناس اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

ويـوم يتخذونه ذكرا، يحرفون الكلم عن مواضعه، فيضلون بـه، ولا يهتدون به. وقد جعله المتحدث به بفطرته، سببا للضلال، أو سببا للهدى، {يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقيـن}[١]، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، يشترون به ثمنا قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون.

يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، يَضِلون ويُضِلون، فهم لله في أنفسهم لا يطلبون، ووجه إمامهم لا ينظرون، فعلى وجهه ينكرون، ووجهه ظاهرا لا يبصرون، وفي أنفسهم يعمهون، وفي أئمتهم ينكرون، وحديثه من حكمائهم لا يسمعون، وخلف طغاتهم يسيرون، ولهم ولحسابهم يعملون.

دينهم لا يفقهون، وباسم الفقه يتحدثون، وبوهم قيامه بهم مع الناس يتعاملون، وهم في الدَرك الأسفل من النار لو يعلمون، ولو أقروا لوضعهم، واعترفوا بذنبهم، فطلبوا الإنظار، لكانوا من المنظرين، إلى اليوم المعلوم، عليه ينكرون، وهم في قيام فيه، وقيام به، لو يفقهون، وعقولهم يعملون، وأنفسهم يتهمون، لموقوتهم لاسمه الدائم، ووصفه القائم لا ينكرون.

والقائم الدائم معيتهم لو يؤمنون، فإليه معهم يرجعون، وبه أنفسهم يحيون، وجوارحهم يقوِّمون، فإذا استقام لهم الأمر، علَّموا بما يعلمون، وفقَّهوا بما يفقهون، فكانوا حقا فقهاء هذا الدين وحملة أمانته للعالمين.

إن الله بقيامه على كل نفس في هذا العالم، عَالم النفوس، عَالم الخصام، عَالم الفرقة، عَالم الظلام، عَالم القطيعة، عَالم الغفلة، عَالم العماء، عَالم الجهل، قام مفردات الناس فيه، بقائمهم عَالم قيامهم، لقائم معيتهم، في قيوم منشودهم، لواجب الوجود لهم، ولوجودهم، لموصوف الرب عندهم.

وفي إدراك ذلك فقههم، وفيه أبواب الله لطرقهم، يوم يطرقون قلوبهم بابـا لسماوات تواجداتهم، لا ينكرون عيوبهم، ويقيمون لله في معيتهم سجودهم، فيسجدون لمن هو هم، في اسمه اللهم، فيدخلون حصن لا إلـه إلا الله، بقيامهم لا إله إلا الله، لقيومهم من الله أكبر، في ذي المعارج.

ينشدون الله، بدءا من موجودهم بذواتهم، ويضيقون مسالك الشيطان بهم، يجري منهم مجرى الدم لهم، في مادي وجودهم، عالما لروحي تواجدهم، بأطوارهم إلى عوالمهم، {ولخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[٢]، لو كانوا يعلمون عنهم، ولا يحيطون بشيء من العلـم عنهم إلا بما شاء واجب الوجود لوجودهم، بعلمهم عـن معلومهم، في موجودهم، لكمالهم في تواجدهم، طورا من بعد طور.

من علق كانوا، وعلقة لوجود يقومون، إليه يصيرون، على ما صاروا من علقة من ماء مهين. أوجدهم لنفسه، أحسن تقويم، وهو بالغ بهم مراده، على ما أراد بهم، إلى مآل لأحسن تقويم، ما آمنوا بقديمهم أحسن تقويم، وما تعلق رجاؤهم لقادمهم، أن يكون على أحسن تقويم، بعملهم في قائمهم، أمرا وسطا، بين أحسن تقويم للماضي والقديم، وأحسن تقويم للقادم والسليم، بلا إله إلا الله، في قائمهم، لمحمد رسول الله يوم يكونوا من المؤمنين بأنفسهم لله ورسوله.

الله أمر قيامهم، هم فيه وبين أموره أمرا وسطا، كانوا به أمرا وسطـا، وكان لهم أمرا وسطا، وكانوا له أمرا وسطا، مع قديم رسوله أمرا وسطا، تبادل معهم قيامه، وتبادلوا معه قيامهم، فكان لهم، كلما كانوا له، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٣].

تعلموا معه التوحيد وقاموه، وعلموا به الوحدانية وشهدوها، يوم هم معه توحدوا، وواحدا معه تواجدوا. فعلموا الله معه، ربا له، معه توحد، وهو به تواجد، فيه الرب ظهر، فعرفوه معه أحدا، فقاموا فيه له واحدا، فبالحب صاروه وصارهم، على ما صاره ربه وصاره، فكانوا في جواره حقا لهم، على ما هو في جوار الأعلى حقا له، فظهر الله لأمرهم، مع قيومه، وقائمه لهم، في قائم قيامهم.

كان الله لهم جميعا، عباد هم الأرباب، لهم ربهم ورب ربهم في الله. فأدركوا الشفع والوتر، وعرفوا الليل إذا يسري، وقاموا من جعل الله له نورا يمشي به في الناس، وجوها وظلالا له، فكانوا به الناس، كانوا بـه الإنسان، وكانوا به اللهم، وكان لهم اسم الله وحقه، ونور الله وخلقه، وقائم الله وعوالمه.

فعلموا أن خلق السماوات والأرض إنما هو بهم، يوم يتخذهم الله عضدا له، ويكون عضدا لهم. يوسع بهم خلق السماوات والأرض، ويملأ بهم فراغ الوجود بالحياة، أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ خلقنا السماء بأيد وإنا لموسعون، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا، إنا كنا فاعلين.

إن الله قد بدأ الخلق بخلق الإنسان، وأنهى الخلق بتحقيق الإنسان، فكان الإنسان بداية الخلق ونهاية الخلق، وكان الإنسان بداية الحـق الخالق، وقيام وبعث الحق المخلوق لظهور الخالق. كان سفور الحق الخالق، في موجوده للحق بلا وصف، من خلق أو خالق. بذلك كان الإنسان في اللانهائي هو موصوف الأزل الخالق، كما كان هو موصوف المخلوق للخلق الأبدي.

خلق الإنسان الخالق الإنسان المخلوق على صورته، فكان الإنسان المخلوق، للكون وللوجود، ظاهر باطنه، للإنسان الخالق كونا ووجودا، قائما في أزل، لتواجد له فيه به، لعينه في أبد.

فقام إنسان البشرية أمرا وسطا بين يدي رحمة الله بالأزلية الحقية للإنسان، والأبدية الخلقية للعنوان، قام في أمره الوسط في ظاهر من مشقة وفي كبد لظاهر الحرمان، وأمانة الوجدان، حتى يحقق الغايـة ويقطع خطر الانعدام والنهاية، يوم يخرج لأناه من التوقيت إلى الدوام، ومن الجهل إلى العلم والإعلام، ومن العجز إلى القدرة، ومن اللامبالاة إلى الإرادة، ومن اللاشيء إلى الشيء، ومن اللاكـون إلى الكينونة والكون، ومن اللاموجود إلى الوجود والتواجد، ومن موقوت الخلق إلى دائم الحق الخالق.

بكل هذا جاء دين الفطرة، ببداية فيه، لغاية مرجوة به، لأمل متجدد، بكرات متعاقبة، في دورات متلاحقة، بقيامات متعددة، لساعات متفرقـة، لساعة قائمة، وفي قيام دائمة بزرع وحصاد، بإيجاد وحشر، بحشر وبعث، ببعث ونشر، بخلق وحق، قائم دورة الزمان، وقيومية الدهر. فماذا فقهنا من ذلك كله؟ وماذا عملنا من ذلك كله؟

ما زلنا على ما كنا ندور حول مادي أنفسنا، ندور حول عاجلتنا، ندور حول عاجل حاجياتنا، ندور حول رغبات أنفسنا، ندور حول موقوتنا، ندور حول فتنتنا، ندور حول شهواتنا، ولا ندور حول حقيقتنا، ولا نطرق أبواب حقيتنا، ولا نعمل لقلوبنا، ولا نشعل مصباح صدورنا، ولا ننير مشكاة هياكلنا، ولا نحرر أرواحنا من سجين ذواتنا، ولا نطلق أنوار عقولنا من حولنا، لنصب الأضواء، إلى أراضي وشموس تواجداتنا.

نزعمنا الأعزاء، ونحن لأنفسنا الأذلاء، نزعمنا الأقوياء، ونحن أمام شهوات نفوسنا الضعفاء، نزعمنا الكرماء، ونحن بظلام أنفسنا الحقراء، نزعمنا العقلاء، بذرابة اللسان، ونحن في أمرنا الجهلاء، بفقدان الجنان.

أين هو الإحسان، فنعرفه؟ وأين هم أهل الإحسان نشهد فيهم وجه الرحمن، فنقومهم لعين العنوان، ونقوم معهم في مجد الإنسان، وفي الإيمان بالإنسان، ونحضر معهم يوم الديان، كلما قام في الناس للدينونة إنسان؟

إنهم الدينونة لمن يستعجل بها، وإنهم من الله المعونة لمن يستعينون الله بها، إنهم أحواض الحياة للراوين من ماء الحياة، إنهم مشاعل الحياة للمستضيئين بشموس الحياة، إنهم سفن النجاة للسالكين لطريـق الحياة. إنهم كل شيء لمن أراد أن يكون في الله شيئا، إنهم إيمان الإنسان بحقه، إنهم قيام الإنسان في مجده، إنهم لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

المرء على دين خليله، فلينظر أيكم من يخالل، والمؤمن مرآة المؤمن، فليعرف أيكم نفسه وأمره، في مرآة مخالـله. من يضلل الله، فلن تجد له وليا مرشدا، فمن لا مرشد له، ولا ولي له، فقد شرد عن ساحة المعرفة وساحة الإسلام وساحة الإيمان، وضل على نفسه، وَهَم أنه ممتطيها، وهي له ممتطية، ومن ضل فإنما يضل عليها، ومن اهتدى فإنما يهتدي إليها، ففيها يعرف أناه في معيته من الله، اُذكر ربك في نفسك، إن ولييِ الله، وهو يتولى الصالحين.

فمن كان وجها لله صارت به الناس لله وجوه، ما عرفوه فواجهوه، فكانوا في الله وجها لوجهه. يوم يسري من جعل الله له نورا، فيمن طلب الله، ليكون له من الله نور، يسرى بنور رسالته، من نور عبوديته، لنور عباد الله، لنور رسل الله، لا ينفرط جمعهم، ولا ينقطع عملهم، ولا يتعطل تواجدهم، ولا يتعدد في الله أمرهم.

جمعهم فيه، وقامهم به، وقامه بهم إنسان الله، وعبد الله، من كان لإنسان قديمه عنوانا، ومن كان لإنسان قادمه إعلانا. بذلك كان الإنسان الرسول، علما على قديم وجدانه، وعلما على قادم إحسانه، فكان الأمـر الوسط، وعرف الأمر الوسط، وعَرَّف الأمر الوسط، فعرف الأمر الوسط خير الأمور، وكانت الأُمة الوسط خير الأمم، وكانت المعرفة الوسط خير المعارف.

فمن عرف الله، قديما لا بدء له، وعرف الله، قادما لا انقطاع له، وعرف الله، قائما لا شريك له، فعرَّف عن الله بما عرف، وشرَف من شرف، بما بـه شرُف، كان عبدا وربا. كان عبدا لمن عبّد نفسه لله، وكان ربا لمن وجده نفسه ومعيته، وفي خدمته، فقام من قام معه، بموصوفه من العبـد والرب، مؤمنا بالله، لا شريك له من رب أو عبد، منزها له عن وصف الرب والعبد.

أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ أأرباب مع الله؟ لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله. إنما هم عباد مكرمون، {ولما ضرب ابن مريم مثلا [لبني إسرائيل] إذا قومك عنه يصدون}[٤]، وكنت كافة للناس بحقك لو يعلمون، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٥] بمجيئي إن كنتم بمعية اللـه لكم تؤمنون، وأنا معية الله لكم، ورسولا منه لرحمتكم، هدية منه إليكم، لو تطيعوني، متواجد معه ما ظهر بكم، غائب معه ما غاب عنكم، فإن غيبتموني فقد غيبتموه عنكم، وإن غيبتموه فقد غاب لكم بهديته إليكم.

بذلك قامت شهادة لا إله إلا الله قرين شهادة محمد رسول الله، وبذلك تواصى الناس بالحق في دين الفطرة، وتواصوا بالصبر في طريقهـا، فعلمت نفس ما قدمت وأخرت، فما تعجلت حظها من الله، (لا تستعجلوا الفتح)[٦] وما سكنت إلى نفسها، {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}[٧]، وما طغت على الناس برحمة الله، {وما توفيقي إلا بالله}[٨]، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، ويعلمكم الله، فلا تيأسوا من رحمته، إنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الخاسرون، ولا تيأسوا من روح الله لكم، {إنه لا ييأس من روح الله، إلا القوم الكافرون}[٩].

اللهم بمن رفعت به شعارك لا إله إلا الله، وهيأت به جوارك محمدا رسول الله، ونشرت به كتابك عَلم الله، وأسمعت به خطابك حديث اللـه… اللهم به فاهدنا، وقوم أمرنا، وأنر سبيلنا، وخذ بنواصينا إلى الخيـر، وأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.

واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، وولِ اللهم به أمورنا خيارنا، ولا تولِ به أمورنا شرارنا بعدلك، ولا تفتنا بحكامنا، ولا تفتنا بأنفسنا، وكن لنا في الصغير والكبير من شأننا.

اللهم فاهدنا فيمن هديت، واقبلنا فيمن قبلت، وارحمنا فيمن رحمت.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

أضواء على الطريق

السيد الروح المرشد (سلفربرش) يكشف عن الناموس الفطري للوحي بين الطبقات والمستويات الروحية، وهو نشاط وعمل الأرواح بمستوياتها في العالم الواحد أو بطبقاتها في العوالم، في حدود إمكانياتها من التخلص من المادة، وبصفاتها ومعارفها بخلقها المتواجدة في معادن نشأتها، فيقول في حديث له إلى هذا العالم، في اجتماع مع أهل الغرب:

(عندما يهيمن روح حديث الانتقال على وسيط، فالروح ليس عليه أن يتمكن من المراكز العصبية للوسيط ليتمكن من الكلام منه فكل ما عليه أن يؤثر بأفكاره على العقل اللاشعوري للوسيط. وحتى ذلك فإنه يستلزم كثيرا من التمرين. ونحن نجرب على أناس في عالمنا نحن، أنه ليس أمرا سهلا. وإنه لأكثر سهولة أن تتكلم خلال بوق ما دامت كل القوة قد شكلت جيدا، من أن تتكلم بإتقان خلال وسيط وتبث أفكارك خلاله.

وإذا ما هيمنت الروح على اللاشعوري فإنه بعد سنوات كثيرة يصبح الوسيط متمرنا على التفكير في اتجاهات خاصة، وعلى إظهار نفسه في طرق مقننة وعلى استخدام أفكار معينة، ونحن نجاهد لأن نأتي بأفكارنا وآرائنا وكلماتنا الخاصة لتنشئ ممرات جديدة في العقل اللاشعوري، حتى نأتي خلالها برسالتنا الخاصة. وإن كنا نستخدم أفكارا شبيهة بتلك الموجودة فعلا، فإنا نتوجه إلى الممرات المطروقة في اللاشعور. إنها مثل أسطوانة الجراموفون، إذا وضعت الإبرة على الممر فإنها تتبع ذلك الممر لفا ودورانا. وعلى ذلك إذا رغبت في إمرار رسالتك الخاصة خلال العقل اللاشعوري يجب أن تصنع فيه ممرا جديدا).

ويفهم من ذلك بوضوح أن التفاوت بين المستويات الروحية ولو في العالم الواحد هو الذي يصدر عنه أمر الإيحاء أو الوحي بصورة فطرية شعورية أو لاشعورية {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض}[١٠]، وكذلك {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده}[١١].

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة البقرة - ٢٦ ↩︎

  2. سورة غافر - ٥٧ ↩︎

  3. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  4. سورة الزخرف- ٥٧ ↩︎

  5. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  6. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  7. سورة يوسف - ٥٣ ↩︎

  8. سورة هود - ٨٨ ↩︎

  9. سورة يوسف – ٨٧ ↩︎

  10. سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎

  11. سورة غافر - ١٥ ↩︎