(١١)

منسك لمن عِيد ليحقق لنفسه بعثا بجديد
في ثوب لكون وليد، لعالم بالحق سعيد

حديث صلاة العيد

١٠ ذو الحجة ١٣٨٥ هـ - ١ أبريل ١٩٦٦ م

الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر… نصر عبده، أعز جنده، هزم الأحزاب وحده.

اسما لله يكبر، المؤمن… إذا كان لله يذكر، واسما لله يقدر، المجاهد… إذا كان لله يقدر، واسما لله يظهر، الموحد… ما كان الله له، على كل باطل فيه ينصر.

نردد هذه التكبيرات كل عام، في مثل هذا الوقت، بحكم العادة والمتابعة الآلية للآباء. ولكن متى بدأت هذه التكبيرات؟ ولِمَ قيلت؟ وممن قيلت؟ ولأي أمر قيلت؟ ولِمَ نرددها؟ أمر لا يتجول فيه تفكيرنا، ولا تنشغل به خواطرنا.

وهل ترددت بيننا ظروف مقالتها، ودار الزمان بنا إلى حالته يوم قيلت في جِدتها! رددها المؤمنون بالله ورسوله في جمعهم من الناس يوما، فرددها معهم وما زالوا من قالوا آمنا، فقيل لهم، بل قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم! {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}[١]، هذا أمر لا محل للتفكير فيه الآن بيننا!

رددها يوما من شعروا بضعفهم لقلتهم، فكان ربهم في نصرتهم، فغمرهم من شعروا بعزتهم، بكثرتهم، فتخلت عنهم نصرتهم من ربوبيتهم، فعادوا بهزيمتهم، إذ أعجبتهم كثرتهم.

رددوا هذه التكبيرات وهم قلة أمام كثرة، وهم في ميدانهم مجندين، وبمعركتهم منشغلين، صادَقوا المؤمنين بالرسول وأهله، ارتفعت بها أصواتهم مفتقرين، وفي عبد الله لقدوتهم واقتدائهم فانين، وبه قائمين، لبعثهم به تواقين، أعضاء جسده الواحد مدركين. أيها المبعوث فينا، به يتنادون… جئت بالأمر نحن له طائعون. (نصر عبده، أعز جنده، هزم الأحزاب وحده)[٢].

فكيف حارب المحاربون ليكونوا الغالبين، وليكون خصمهم في المهزومين؟ ما كانوا بالسيوف محاربين، ولا بالنبال ضاربين، ولا بالأيدي متشابكين، ولكن كانوا بالقلوب عاملين، وبالأجساد مستسلمين، خلف الإمام متحركين، وبالقلوب فيه فانين، وبالأشباح معه مجاهدين، يقتلون ويقتلون.

من كان فرسان الدين، يوم الدين؟ هل كان خالد بن الوليد، أم كان ابن أم مكتوم؟ لقد كان الله مع المستضعفين، وهو في دَوام دَوام مع الضعفاء من الدنيا فارغين، مظاهرا بهم حاملي السيوف الضاربين، هذا هو الإيمان القوي المتين.

إن الله دائما مع المساكين… إن الله مع الذين هم معه مفتقرين. إن الله مع أصحاب القلوب فارغين، مربوطا على قلوبهم ليكونوا من المؤمنين، وهو بهم وراء المجاهدين، وهو بهم هادي المتقين، وهو بهم شمس العارفين، ونور الواصلين، وحكمة العاقلين، وهمة العاملين، وإحاطة المحيطين، ووجه المشرقين، وقدم أهل النجدة المسارعين.

إن الله مع المنكسرين، ولا يكون إلا مع المنكسرين، بهم يجبر كسر المستضعفين، ويمنح العزة للمجاهدين والمحاربين، وبهم يدافع عن المؤمنين، بما أودع فيهم من قدرته وجعل منهم أربابا للعالمين، وجعلهم مالكي يوم الدين، آحاد حقيقته، لقائم حقائقه، اسم ذاته، وجماع صفاته، ووجه طلعته لوجوه وجوده لقائم شهوده. {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[٣].

فماذا كان من أمر من خلفوا الأولين، يوم خرجوا بقلوبهم من الذاكرين، واهتزوا بسلطان الدنيا، للدنيا عابدين، باسم الدين، وبالدين ثرثارين، باسم اليقين، وعن معيتهم غافلين، ولوجودهم عن وجود الله فارقين، بوصف المستقيمين المتشرعين، فأضاعوا أنفسهم، وأضاعوا المسلمين، فقبع الإسلام في قلوب العارفين، وتجمع الناس على الطغاة الفاسقين؟

فلا أهل البصائر بينهم يعلون، ولا البصيرة لقلوبهم يطلبون، ولا أسماء الله لسبقهم يذكرون، ولفعلهم يتابعون، إلا كما يستجيب لمحركه القرد ميمون، في غيهم يعمهون، والمعاني السامية بحركات آلية يجسمون، ولتعبيرها عن مرادٍ بها يغفلون أو يتغافلون، وعن معيـة الحق يعمهون، وعن عبادٍ بينهم إذا ذكر الله يذكرون، وإذا شكر الله يعبدون، وجوها لله يقومون، وإذا صوحبوا في الله فأسماءً للـه بين الجوانح يشرقون، هم فيهم يزهدون ولهم يخاصمون، وعليهم إنكارا لله ينكرون.

هم بنور الله يقومون، وبالنور في الناس يمشون، نورا لله يدركون، يوم تشعل مصابيح القلوب، بذكر الله، يعشقه المؤمنون، يوم أنهم في الله لهم يخاللون، ويصاحبون، وربهم معهم وفيهم ينظرون ولـه يتقون، وقدسهم لأنفسهم يطلبون، وجوها لله ينشدون، من وجوه لله يعرفون ويلاقون.

الله من ورائهم بإحاطته، لا يجحدون، ولا ينكرون، وأقرب إليهم من حبل الوريد يعتقدون، وكشف الغطاء يسألون، وله في معيتهم يتقون، يسألون ضمائرهم فيه، فيجابون، فبما به يجابون، يتابعون ويعملون، غير كنودين، وغير وانين حتى يشهدوه لهم في مرآة صحبتهم يعرفون.

يعرفون في ذلك أمر الدين، هو أمر أنفسهم كتابا يقرأون، وبعقولهم يتصفحون، ونفوسهم بمجاهدتهم يقومون، يعرفون قلوبهم أرضا، بذكر الله يحيون، ويعرفون من قوالبهم، عَالَما، به لا يستهترون، وله يطورون، والمقامات له والأحوال لهم بذكر الله يقطعون.

ذكر الله يرددون، ذكرا يصاحب أنفاسهم التي يتنفسون، عن ذكر الله لا يفترون، وعن معيته لهم لا يغفلون، وعن استقبال رحمته لا يتخلفون، وعن تقواه في عملهم لا ينحرفون، وعن معاملته بذواتهم ومعانيهم لا ينقطعون، لا تلهيهم عنه تجارة أو بيع فيه يقومون وله يزاولون.

ربهم معهم، بمعيته يأنسون ويفرحون، وكلما حدثهم يسمعون، وإذا ذُكر اسمه لآذانهم، بقلوبهم بالوجيب يستقبلون، وبعقولهم لعظمته يخشعون، وبقربه يوقنون، وعن قربه يتحدثون بما يعرفون، ولنعمة الله على الناس يذكرون ويرددون، ومعهم بها يتواصون، والفضل إلى الناس ينسبون، وبالخير يبشرون، وعن الناس، أمرهم يكتمون، ودون الجهر من القول يشيرون، وعليهم به لا يستكبرون، وعلى أنفسهم للناس له يعلون.

فإذا عادت القلوب لأصل نشأتها، وحققت لأمرها في دورتها، سيرها لربوبيتها قياما في معيتها، إنسان أحسن تقويم، إنسان الله، الحكيم العليم، حق الله، مظهر الصلوات، وسر كل الصَلاة، فهم بما آتاهم فرحون، لله يذكرون وبه يعرفون ويتعارفون.

الصلاة الوسطى… مصلى وقبلة للمصلين يقومون وينصبون، للعباد لله من الحقائق وللمعبدين، للمعبدين لأنفسهم ليكونوا عبادا لله، ووجوها لرب العالمين. بقبولهم لهم ظاهر العباد الآزلين، يرونهم أسماء الله، من ربهم ترعاهم، وباسم ربهم تتولاهم، ليكونوا أسماء لله في معناهم، وأربابا بدورهم لمن والاهم، يوم يعرفون أن الربوبية ليست سيادة، ولكنها خدمة وقيادة، يوم يعرفون أن الألوهية ليست ولادة لسيادة أو بعث بقيادة، ولكنها كشف وُصلة وبعثٌ بالحق، وقيامة لعِبادة.

يوم يعرفون أن اسم الله لا يعلو إلا على من يحاول بباطل أن يعلوه، وأن نور الله لا يحل مُعينا إلا لمن بحق يرجوه، وأن الله بنوره لا يشرق في قلب يشرك به بدنيا فيه، أو يرى له موجودا غير وجوده بحقائقه ومعانيه، أو شهودا غير شهوده لتجليه في مراقيه.

لا يعرف الله إلا من وحد الله، ولا يوحد الله إلا من توحد مع رسول الله، ولا يتوحد مع رسول الله إلا من أسلم لظلاله، وسلم للظلال بكل أحواله، وعرف أنه منهم، من إنسان الله، لقائم رسول الله، لقائمه بدانيه، وأنه إلى إنسان الله، لحق الله، برسول الله، لنهاية بعاليه. من عرف الله لمطلقه ولانهائيه لا يحاط به، الإنسان نهائيه ومسماه لوجهه لمعناه.

من عَرف أن المقصود من هذا التواجد البشري من الحياة، إنما هو كسب الحياة بقائم أمانة وجه الله له، وأن وجه الله للمؤمن بمعية الله له إنما هو رسول الله، وأن وجه الله لا يغيب، ولا يحتجب، أينما تولوا فثَم وجه الله، فابحث في وجه الله بالناس، ابحث عن مثال لك من بينهم لنفسك ترضاه، به تعرف الله، وترى في مرآته لك وجه اللــه.

فلله المثل الأعلى في السماوات والأرض، والمرء على دين خليله، ممن يختار لمثاليته، ليكون في قابله على عين حاله وملته.

فلا يخدع الإنسان نفسه أن رآه قد أسلم لوجه لله لاقاه، فأسلم له بمعناه ومبناه، أنه قد صار حاله، ومآله. ولكنها البداية. فإذا أشرق في قلبه، لا فرق بينهما، ورآه بوجهه على وجهه ولا تعدد لهمـا، ماحيا وجوده لوجوده، ووجوده لوجوده، مبقيا موجودهما لقائم رسول الله لقيومه، فهذه هي النهاية، وهذه هي الغاية، وهذه هي العناية، وهذه هي الولاية، وهذه هي جنة المثال، وهذا هو صلاح الحــال.

{قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا}[٤]، فتكونون بفكركم الأنبياء، وبحديثكم الحكماء، وبفعلكم الأولياء، تكونون الإنسان، تكونون الظل والعنوان، تكونون مجال الإحسـان.

بذلك من أسفل لسافلين تخرجون، وبذلك إلى أحسن تقويم تعودون، فبالعيد تفرحون، وبالأمر الجديد تظهَرون، فبالحق تبعثون، وبنور الله تقومون، وبعزته تعملون، وبقدرته تحكمون، وبحكمته تنطقون، يومئذ المسلمين تكونون، ويكون هذا هو العيد، فتلبسون الثـوب الجديد، وتبعثون الحق الوليد، كلمات لله بقديم لجديد، فتقولون بحق دخلنا في حصن لا إله إلا الله، وها نحن في طريقها، نكبر ونكبر ونكبر، نحن عباد الله… نحن عباد الرحمن، والله أكبر، والله أكبر، والله أكبر، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

إن الله بالغ أمره، برزوا لله جميعا الواحد القهار. حصدهم فلم يغادر منهم أحدا، الكل له والكل منه، والكل فيه، والكل إليه. (من دخل البيت فهو آمن ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن)[٥]، (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[٦]، {تبين الرشد من الغي}[٧]، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}[٨]، (لكل منكم قيامة)[٩]، (ومن مات فقد قامت قيامته)[١٠]، {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}[١١].

فما كان يوم الفصل إلا جديد رسالة بما أنكر الناس على سابقتها يـوم حادوا عن الحق جاءهم. فما كانت رسالة عيسى إلا يوم فصل في رسالة موسى ومن تبعه ومن اتبعه… وما كانت رسالة محمد إلا يوما للفصل في رسالة عيسى ومن اتبعه ومن تبعه، وها هي الرسالـة الروحية في هذا العصر ما هي إلا يوم فصل في رسالة محمد ومن اتبعه ومن تبعه ومن مَهد له.

إنها الحياة في دورتها بمن ربحها وبمن خسرها. إنها سفن الخلاص والنجاة في رحلتها. إنها الأيام بالليل والنهار في كرتها. إنها رحمة الله في إغاثتها. إنها محنة الاختبار والابتلاء في شدتها وجلوتها، إنه الله، إنه الحياة، إنه رسول الله، إنه النجاة.

فنسأل الله السلامة، والحفظ من الندامة، لنا ولأهل الكرامة.

وكل عام وأنتم بخير جميعا.

أضواء على الطريق

(عن الإمام علي أبي الحسن الشاذلي. يحسم القول فيما اختلف فيه المتحدثون من المسلمين عن قول الله {يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}[١٢]، وهو ما يواصل الناس التساؤل والخلاف فيه حتى عصرنا هذا. فمن الناس من يصرف لفظ روح إلى القرآن، أو إلى جبريل، ومنهم من يصرفه إلى النفس الإنسانية لأنها من أمر الله وهو وحده العالم بها، وينهى عن البحث فيهـا. ولكن أبو الحسن يقول… “ومن ظن أن هذا العلم أي علم الروح وغيره مما ذكر ومما لم يذكر، لم يحط به الخاصة العليا أهل البدء الأعلى فقد وقع في عظيمتين: جهَّلَ أولياء الله إذ وصفهم بالقصور عـن ذلك، وظنّ بربه أنه منعهم. وكيف يجوز أن يظن على مخصوص!”

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة العنكبوت - ٢ ↩︎

  2. من حديث شريف للرسول، وقت فتح مكة: "لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه، صدَقَ وعدَه، ونصَرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه " أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، باختلافات يسيرة. ↩︎

  3. سورة الأنفال - ١٧ ↩︎

  4. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  5. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة: “من دخلَ دارَ أبي سفيانَ فَهوَ آمِنٌ، ومن أغلقَ علَيهِ دارَهُ فَهوَ آمِنٌ، ومن دخلَ المسجدَ فَهوَ آمنٌ قالَ: فتفرَّقَ النَّاسُ إلى دورِهِم وإلى المسجِدِ.”  صحيح أبي داود. ↩︎

  6. من حديث شريف له إسناد ثابت، رواه ابن إسحاق، كما في “سيرة ابن هشام”: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم فتح مكة، قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ …  إلى أن قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟  قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ. ↩︎

  7. سورة البقرة -٢٥٦ ↩︎

  8. سورة الكهف - ٢٩ ↩︎

  9. عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  10. حديث شريف: “إذا مات أحدُكم؛ فقد قامتْ قيامتُه؛ فاعبدوا اللهَ كأنكم ترَوْنَه، واستغفِروه كُلَّ ساعةٍ”. أخرجه الديلمي في الفردوس، ورواه العسكري في الأمثال، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)، وغيرهم. ↩︎

  11. سورة ق - ١٩ ↩︎

  12. سورة الإسراء -٨٥ ↩︎