(٩)
طريق الإخلاص وأحواض الحياة
بسفن الخلاص وركب الهداة
لمحمد والمحمدين والمحمديين لرسول الله
أوادم الناس وعمد وقواعد الأساس
لبناء جديد الوجود لحياة ودوام كل موجود
حديث الجمعة
٢١ جمادى الأولى ١٣٨٥ هـ - ١٧ سبتمبر ١٩٦٥ م
الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر… ولا إله إلا الله.
عرفناه، فآمنا. وشهدناه، فأسلمنا. وتحققناه، فنجونا. وما غايرناه، فوحدنا. قاربنا فتقربنا. ووحد نفسه فتوحدنا، علينا قائم وقائمنا، ولنا مقيم، ويقيم بنا. خلقنا، فبخلقه تخلقنا، وخلق بنا، فبه لجديد أنفسنا خلقنا.
دعانا من إمامِنا فأجبنا. وظلالا لإمامِنا قمنا. به حيينا، وبربه أحيينا، بنوره هدانا، نورا لربه فهدينا، لا إله إلا هو، يوم فنينا، وبه بقينا، فبـه سعدنا، وغيره ما نظرنا، ولقائمه بنا ما جحدنا ولا أنكرنا. قامنا بـه مولانا، وأكرمنا به معنانا، فدخلنا في حصن لا إله إلا هو لنا.
يحيطنا بكل ما أحاطنا، وما أحطنا، ولكن بالإحاطة قمنا وجوها له، به أحطنا، فشهدناه لا إله إلا الله، وشهدنانا لهياكلنا عبادا لمن فيها به شهدناه. تواجدنا فوجدنا، وبه تواجدنا فانطلقنا.
بهذا في دوام جاءنا رسول الله كلما جَدد لنفسه من أنفسنا دثارا بجوار، وقد تجاهلناه لنا فينا.
فبمحمد، بنينا أنفسنا… وبمحمد، تواجدنا حقائقنا… ولمحمد أضفنا ذواتنا وقلوبنا، وظاهرنا وباطننا. بمحمد، بنينا بيوتنا، وهياكلنا، لله يذكر فيها اسمه، ثم خلف خلف أضاعوا الصلوات، وأهلكوا الثمرات، وقاموا في السيئات، وأغفلوا الحسنات، فهدموا أنفسهم بلا محمد، ولم يأخذوا لأنفسهم مثالا ونبراسا من آباء بنوا أنفسهم بمحمد.
عادوا إلى آباء من قبل محمد، أنقذ محمد منهم من أنقذ بمحمديته، لمعانيهم ومبانيهم، وبمثاليته لما له يرتضيهم. خاضوا خلفه البحار فعبروها، وشربوا معه الأنهار وارتووها، وخضروا معه القفار وزرعوها. رأوا ما في نفسه، مرضيا عندهم، ومطلوبا لهم، فغيروا ما في أنفسهم، فوجدوا الله وقد أعانهم، أقرب إليهم من حبل الوريد، من ورائهم بإحاطته، اصطفاهم لطلعته وجوها له، ورعاهم قائما على كل نفس، أخذوا بناصيتها إلى الخير، رسلا له.
فعرفوا معنى الإنسان لأنفسهم، وعرفوا معنى الرحمن لأرواحهم. عرفوا الله، اسما لهم به يؤمنون، ولقربه يشهدون، وبحكمته ينطقون، وبقدرته يفعلون، وبإرادته يمشون ويسرون. جعل لهم نورا به ينتشرون، وبعثهم بالحق به يقومون، وبه ينصرون وينتصرون.
الإنسان وربه… الإنسان ورحمانه… الإنسان ووجدانه… الإنسان وديانه… الإنسان وحقيقته… الإنسان وأمره… الإنسان في وحدته وشتاته… الإنسان في علمه وصفاته… الإنسان في جوهره وتخلقاته، هو الدين.
عَرف الإنسان نفسه، خلقا، تحت الزمن، فعرفه نفسا عابدة لا معبودة، أضافتها إلى الحق خالقا، وأنكرتها حقا، ولكن عرفتها لله، أوجدها لنفسه، ودركها لوجوده بها، في حسها لمعاني حسه، عرفتها لله روحا بيتا وهيكلا، وعرفت ربها روحا يقطنه، عرفتها شبحا وعرفت الشبح للروح بيتا، وهيكلا، وذاتا، فطلبت لوجودها بالروح من الروح دواما، فجددتها الروح كوثرا، وجعلت من الكوثر دثارا، للروح لباسا جعلته عالما فوجودا.
فجعلت من القلب حياة، برزت بالقوالب صفاتا، فدخل الناس، بمحمد، في محمد، يوم عرفوه وجودا، وآمنوه عالما، وقدروه أمة، وارتضوه أبا، وتابعوه معلما، وارتضوه قدوة، واتخذوه ربا، فبه عرفوهم أربابا، وتوحدوهم قلوبا، وتواصوا به فيه له قوالبا، شاد بها صرحا، وعمر بها مدينة، وكثر في مدينته بيوتا، وعدد المدائن عَالَما، وهيأ للكل في مدائنه مسكنا، فوجد الكل به في الحقيقة سكنا، وفي الوجود مرتقًى، فعرف الناس به أنفسهم، إنسانا، وعاملوا ربهم، حبيبا، وإحسانا.
فعرفوا الإنسان جسدا، وعرفوا الرب روحا، وعرفوا الله في بيته ذاتا، وبأهله أسماءً وصفاتا، فقدروا الله حق قدره، وعرفوا الله حق معرفته.
إن الذين بنوا أنفسهم بمحمد، يوم ارتابوا في أمرهم هدموا أنفسهم بلا محمد.
إن الذين بنوا أنفسهم، ذاكرين ربهم في أنفسهم لا يفترون، هدموا أنفسهم بغفلتهم عن ربهم فيهم، له يتقون.
إن الذين بنوا أنفسهم، بالله لهم قائمهم وقيومهم، هدموا أنفسهم، مباعدين بين الله وبينهم، بعيدا عنهم، غيبا عليهم.
إن الذين بنوا أنفسهم، بغيبهم، لشهادتهم غيب الله لشهادة الله، هدموا أنفسهم، بإبعاد الله عن غيبهم، فغاب بهم عن شهادتهم.
إن الذين بنوا أنفسهم بلا إله إلا الله، هدموا أنفسهم، بابتعادهم عن لا إله إلا الله.
إن الذين فتحت لهم أبواب حضرة الإطلاق لله، اللامتناهي في قربه، كما هو اللامتناهي في بعده بشعاره لهم الله أكبر، فتابعوا لا إله إلا الله، بمحمد، هو الحق من ربهم، إلى اللانهائي، إلى الأكبر فالأكبر، رفيقا أعلى، ورفيقا أعلى، هدموا أنفسهم، وقد أغلقوا أبواب رحمته، أمام أنفسهم، بلا محمد، بلا نبي، بلا معلم، بلا إمام، بلا رشيد، بلا مرشد، بلا خبير، بلا مخبر، بلا عليم، بلا متعلم.
اجتمعوا على أنفسهم مظلمة، لم يغيروا ظلامها، ولم يتحسسوا بالعقل والضمير إمامها، فاجتمع ظلام على ظلام، من الإنس والجان، من الأشباح للأشباح، ومن النفوس للنفوس، ومن النفوس للأشباح، ومـن الأشباح للنفوس، يوحي بعضهم لبعض زخرف القول، وزورا من الأمر، في غرور من الحال، بتحريف في المقال لما تناقلوا، وما عن آبائهم نقلوا، يجادلون في الله بغير علم، متبعين كل شيطان مريد، لتغذية بطونهم، وفروجهم، وشهوات أنفسهم على حساب دينهم، لا محمد لهم، ولا إله لقربهم، ولا رب في وجودهم، غيبوا الله، وغيبوا أمر الله، وغيبوا حكمة الله، وغيبوا قدرة الله، وغيبوا رحمة الله، وغيبوا جنة الله، وغيبوا نار الله، وغيبوا حساب الله، وغيبوا جزاء الله.
غيبوا كل شعار في دينهم، غيبوا الإيمان، غيبوا اليقين، غيبوا الإسلام إلى إسلام ابتدعوه، وإيمان زعموه، ويقين تخيلوه، يعبدون الله ظنا، يظنون الله، لا يذكرونه لهم في أنفسهم، رغبا ورهبا، لا يتقونه قيوم قيامهم، لقائمهم، لا يغيرون ما بأنفسهم من ظلامها وجهلها، إلى نور الله وعلم الله برسول الله وعباد الله.
جعلهم لهم، خلقة المكان، وخلقة الزمان، وعرفهم يوم هم له، يصيرون فوق الزمان، فلا عدم لهم، وفوق المكان، فلا سجين ولا ساجن لهم. فك رقبة، عتق رقبة، طعام في يوم ذي مسغبة، وإطعام من موائـد المساكين، يدخلون بموائدهم على المتارب، يطعمون الطعام على حبـه من كان منهم، من كان لهم مسكينا ويتيما وأسيرا، مسكينا يغنونه، ويتيما يأوونه، وأسيرا يعتقونه… مصابيح الأرض… أوتاد الأرض… رواسي الأرض أن تميد بأهلها.
بهم عمم الله عطاءه، وجعل بالإحسان جزاءه، فلم يؤاخذ أهل الأرض بعملهم عسى أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله، ولـو يؤاخذ الله الناس بظلمهم، ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن له على ظهرها عباد رحمته، يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، أدركوا حكمة الله فيما يشهدون، وارتضوا أمر الله بما فيه يقومون، وكشفوا عن الحكمة عرفوها، وعلموا ما بصدورهم تواجدوه، وقد شرحت لهم صدورهم فرأوهم كتاب الله، وصحائف كتاب الله، أناجيل الله، وبجمعهم جماع أناجيل الله، قرآنا يجمعهم، لم يفرط الله فيه من شيء، أحصى به كل شيء {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}[١].
أقامهم الأشياء، وجمعهم في وحدانية من ليس كمثله شيء، وهو الظاهر بكل شيء، إنسان ظهوره لإنسان بطونه لمعنى وجوده، فجعل منهم ملكوت السماوات والأرض، على ما سبق أن جعل من سبق لهم، وفتح لهم طريق العمل، وطريق الجهاد، وطريق الكسب، وحثهم على المجاهدة ليتواجدوا بوجودهم جديد وجود، على ما تواجد بهم قديم وجود بقائم وجود لوجودهم، وبجديد وجودهم لدائم وجـوده وتواجده، فتعارف القديم إلى الجديد لمعاني عينه، وبشرهم أنهم يعرفون إلى جديدهم، على ما تعارف إليهم قديمهم.
عرفوا الإنسان، دورة الحياة… ودورة الوجود… ودورة الحق… ودورة الحقيقة، فيمن لا بدء له، وفيمن لا انتهاء له، فيمن لا حد ولا حدود له، فيمن لا بعد ولا غيبة له، فيمن يسمونه الله لفظا ولا يعرفونه لأنفسهم جوهرا، ولا يجاهدونهم ليكونوا له اسما، فيحيون به دواما وعلما، ويقومون له وجوها، وينطقون به حكمة، ويفيضون به إلهاما ووعيا.
فيصيرون لمحمد قوما، وبمحمد حقا، ويعرفون محمدا أُمة، تبدأ بهم فردا، وتتكاثر منهم جمعا، وتتوحد بهم، به لهم، حقا، وصدقا، لله حضرة، وملكوتا، وللإنسان غيبا، ولآدم بظاهره جمعا، فيعرفونهم الآدم ظاهر الإنسان، ويعرفونهم الإنسان ظاهر الرحمن، فيعرفونهم بدءا منهم، وانتهاء إليهم، أنه الحق لقائمهم، بوصلتهم لقيومهم.
فيعرفون رسول الله… فيعرفون الحق من الله… فيعرفون معنى العبد في الله… فيعرفون معنى الرب من الله… فيعرفونهم في الله، لا يخرج منه شيء، ولا يعزب عن علمه شيء. يعرفون الإنسان في أحسن تقويم، لهم بداية، ولمجاهدتهم غاية، فيعرفون أن الرجوع إلى أصلهم في أحسن تقويم، إنما هو الرجوع إلى الله، وإنما هو الطريق والعلم والدين.
أما يوم تفزع عن قلوبهم أغطيتهم، فهذا يوم الجزاء برد الأعمال، يوم يكشف عن قلوبهم، لمعناها بالحق، قبلة قوالبهم، وبيت الله يذكر فيه اسمه، فيقومون بعيدا عن ظلال اسم الله الأعظم عرفوه وأنكروه، ملكوته بأسمائه قام بين جوانحهم فقدوه، يعرفونهم كانوا لله جميعا، ما عرفوا الله قريبا، فيعرفون أوهامهم، لشيئهم، إنما هو معنى الشيطان لهم، وقد ذكروا الله بعيدا عنهم، وعبدوا الله على حرف من أمرهم، وعلى شفا جرف هار لهاوية أنفسهم، يومئذ يعرفون أن الخلاص إنما هو في الإخلاص لله ورسوله، إنما هو في الاجتماع على اللـه ورسوله، في معيتهم، في أنفسهم، في قلوبهم، في أرواحهم، في معاني الحياة يقومون بها لهم لأشباحهم. يعرفونهم بأشباحهم نواةً لعوالم في طريقها للوجود، بتطويرهم إليها يتطورون، وهم حتى بصغير قيامهم، بها قائمون، فيعرفون رب العالمين لهم، إنما هو الإمام لهم، يوم يدعون من إمامهم، يوم يؤذن بالحج إليه، فيأتونه رجالا وعلى كل ضامر يوم يتوحدهم، ويستجيبون لتوحيده فيتوحدونه، فأنفسهم بعيدا عن نفسه ينكروهم ليذكروه.
إن لله عبادا إذا ذكروا ذكر الله، يوم تدعو الفطرة كل أناس من إمامهم يوم يقع القول عليهم، وتظهر صبغة الله لأمرهم، فتدعو كل أناس بإمامهم، (من رآني فقد رآني حقا)[٢]، (أقربكم مني منازل في القيامة أحاسنكم أخلاقا …)[٣].
لله يسجد من في السماوات ومن في الأرض وظلالهم، فهل قبلنا محمـدا كوثرا ولنا جوهرا بيننا قياما ومخبرا، فإليه حججنا زرافات ووحدانا، وإليـه سعينا رجالا، وعلى كل ضامر، ركبنا مطايانا إليه، في رفق وهوادة، غير منبتين، ولكنا في تؤدة دائبين، للطريق قاطعين، ولمطايانا راعين، وعليها حافظين، إن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى، إن لبدنك عليك حق، إنه مطيتك إلى حقيقتك.
إنك يوم تسير من قلبك إلى رأسك وعقلك، بعاطفتك إلى وعيك وحكمتك، إنما تسير في الطريق إلى الله. وإنك يوم تسير من رأسك، بعلمك ومعرفتك وادكارك ووعيك، متأملا فيما يحمل إليك سمعك، وما تحمل إليك عينك، وما تذيقك أنفك، اتجاها إلى القلب، تذكر فيه الله، رغبا ورهبا، حبا واتقاء، إنما تسير في الطريق إلى الله، فإن بدأت من أحد القبلتين، من أحد البيتين، وقصدت بأحدهما إلى الأخرى في صحبة معلمك، تلاقى كل منهما في منتصف الطريق، وامتزج كل منهما في وحدة الحق لك بك، فعرفت الحق بالرفيق والصديق، (يوم تختار الرفيق قبل الطريق)[٤]، يـوم تؤمن بأن الذي تطلب وإليه تسعى لسابق من أهلك من جنسك تحقق إيمانا بقديم ودائم رسول الله به تتعظ، ومنه تستمد، لا مستعليا على الله باستعلاءٍ على جنسك، ولا مستعليا على جنسك بالعزوف عن قـدوة لك من جنسك وأهلك، تشهد فيها وجه الله، لاقتدائك وغايتك، والذي تؤمن أنه مشهودٌ بك، وجها له مستعينا به، مؤمنا بأنه القائم على نفسك، ومن ورائك بإحاطته، وأقرب إليك من حبل الوريد، ومعك أينما كنت، وهكذا هو مع كل من تعرف أو تلاقي من جنسك وقومك.
فلا تغيبه مشهودا، ولا تجحده موجودا، ولا تكن معه نكدا بسوء معاملة مع قومك وأهلك من بيتك، حريصا على المعاملة معه بالمعاملة مع نفسك، هي لـه، غير قانط منه فهو لك، إنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الخاسرون، وإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
هذه هي شهادة لا إله إلا الله، وشهادتها محمدا رسول الله، كما هي شهادة محمد رسول الله في شهادته حقائق الله بلا إله إلا الله، هو حياة الطريق للانهائي له إلى اللانهائي لك من موجوده بالبدائي، هو بدء وجودك لبدء وجوده، لبدء الوجود لذاته، فيمن لا بدء له، بعين موجودك لموجوده، فقبل آدم مائة ألف آدم، وبعد آدم مئات الآلاف من الأوادم، (كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٥].
إنك لن تعرف الحق لآدم، إلا يوم تكون آدما، وما عرف آدم له حقا إلا بإنسان سبقه، كان آدما وتوفى إنسانا، فكان لله كلمة وكلاما وكتابا وقرآنا، حقا وعيانا، واسما وبيانا، (خلق الله آدم على صورته)[٦]، وما كان الذي خلق آدم إلا من أحب أن يُعرَف، بما صار له، بما توفى به، بما تحقق به، من الله، من اللانهائي، فأذن له منه به فيه فتجلى آدما، بموصوف خلق، وما جدَّ فيه جديد بتجليه له، وما كان بظاهره في باطنه إلا إنسان حق.
هذه هي الفطرة، يوم تعرفون أن الإسلام دين الفطرة، ويوم تعرفون أن الله للفطرة صبغة، وأن الوجود بفطرته، قائم بصبغته، يوم يريهم آياته في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم بلطيفه يلحق أبصارهم أنه الحق وجودا، وموجودا، وأن الوجود لله صبغة، وأنه قام بالله فطرة، ثمرة إرادته، من لانهائي مراده لموصوف حقائقه لعباده، لمعنى عظمته في سعته وإحاطته، بعلمه وقدرته، وأنه عظيم في قربه، عين عظمته في بعده. بل هو بعظمته في قربه، أعظم من عظمتـه في بعده، {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم… يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة في السماوات أو في الأرض يأتِ بها الله}[٧].
يا بني لا تغيب الله، ولا تجحد الله، ولا تنكر الله، ولا تغمض عينك عن النظر إلى اللـه، فأينما تولي فثم وجه الله. هو لك يوم ترجع البصر إلى داخلك، إلى باطنك، إلى نفسك، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٨].
لا إله إلا الله باطن كل نفس. محمد رسول الله مثالية كل نفس تكشف لها الحق فيها. من قال معنا بما نقول فهو منا ونحن منه، ومن أنكر على نفسه وعلى الناس ما نعرف لنا وللناس، فليس منا ولسنا منـه، {يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد}[٩].
اللهم يا من قاربتنا بمحمد، حقا لك، مبعوثا منك، بجلال وجهك، وجمال طلعتك، ورحمة قربك، به علمتنا، قدوة لنا، وأسوة في أمرنا أنك منا القريب على ما أشهدتنا، وأننا منك البعيدين على ما حذرتنا، وأنك لنا تقارب ما قاربنا على ما بشرتنا، ومن المباعدة أنذرتنا وحذرتنا… اللهم بـه فتولَ أمورنا، أولى بنا من أنفسنا على ما بشرت، وعلى ما بلغت، يوم أنا به نؤمن لأنفسنا، فنراه رحمتك مقاربة لنا، ووجودك في موجود وجودنا.
{واعلموا أن فيكم رسول الله}[١٠]، ها نحن علمنا، وبذلك آمنا، ولك استجبنا، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وآمنوا برسوله}[١١]، فما لكم من اللـه مقاربا، إلا حقه، وما لكم منه مشرقا إلا نوره، وما لكم منه محييا إلا روحه.
اللهم إنَّا عرفناه، لنا ربا بيننا، هو لربه قربا ووجودا، وقياما وشهودا.
اللهم إنَّا عرفنا أن النجاة إنما هي أن نكون له ظلالا… فرضيناه لنا جوهرا وحالا، وعرفناه لك علما، وعرفناه لجمعنا نصبا، وعرفناه لصلاتنا قبلة، وعرفناه لحجيجنا إليك لنا فينا بيتا، اللهم به إليـك فاجعل طريقنا مستقيما… اللهم به فأحينا، وكنا له مقيما كوثر الحق، لبدايات الخلق، ومعراج الحق للانهائي الحقيقة… اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا… اللهم به فقوم أمرنا حكاما ومحكومين، وقوم طريقنا حكاما ومحكومين، ووحد جمعنا حكاما ومحكومين، وذلل سبلنا حكاما ومحكومين.
اللهم كن لنا به في الصغير والكبير من شأننا، حكاما ومحكومين… اللهم بـه فأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وألف بيننا، ووحد قلوبنا، وأنر عقولنا، وزكي نفوسنا، وقوم جوارحنا، واجعل أعمالنا في مرضاته، في حاضرها، وفي خواتيم دنانا، برحمتك به يا أرحم الراحمين.
أضواء على الطريق
عن الإمام الرباني والامتداد النبوي والقبس القدسي والظل المحمدي، كلمة الله وروح الله علي أبي الحسن الشاذلي، من حقق بقائمه ما أخـذ عن معلمه وقد هداه: (ليس الشأن أن تسأل عن اسم الله الأعظم ولكن الشأن أن تكون أنت هو اسم الله الأعظم).
إذ يقول… (من لم يزدد بعلمه وعمله افتقارا إلى ربه وتواضعا لخلقه، فهو في الله هالك)، و(من لم يقصد الله بعلمه وعمله ليشهد الله له، وقصد الناس بالشهادة له فهو في الله هالك).
و(من لم يعلم أن علم الروح يحيط به الخاصة العليا من أهل البدء الأعلى فقد وقع في حق الله وحق أوليائه وخاصته).
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة يس - ١٢ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
من حديث شريف: “إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة”. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان. ↩︎
“من وصايا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لولده الحسن رضي الله عنه: قال: يا بني سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار”. ↩︎
من الحديث الشريف: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة لقمان - ١٣ و١٦ ↩︎
سورة الذاريات - ٢١ ↩︎
سورة الكافرون -١-٢ ↩︎
سورة الحجرات - ٧ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎