(٦)

الحق من الله
لا أين ولا متى له ولك في كل أين
لا مكان ولا زمان له ومعك في كل زمان ومكان
لا كيف ولا صورة له وكيفما تكون يكون

حديث الجمعة

٧ ربيع الأول ١٣٨٥ هـ - ٢ يوليو ١٩٦٥ م

تصحيح التاريخ الهجري: ٤ ربيع الأول ١٣٨٥ هـ

الله… الله… الله… لا إله إلا اللــــــــــــــــــــــــــــــه.

روح الوجود، وحق الحياة، لا موجود بحق سواه، ولا حياة لغير معناه.

يتساءل الإنسان يوم يصحو منه العقل، ويحيا منه الضمير، ويستقر عنده الوعي عن المعروف، متى الله لي وفي عوني؟ أين الله؟ كيف الله؟ من أنا من الله؟ ما يكون أمري مع اللـه؟ ما يكون شأني في الله؟ هل ألقاه؟ هل يرضاني فأرضاه؟ أنا الذي بقائم فعلي لا أرضاه ولا أرضيه، ولكني أطلب رضاه.

كيف لي ذلك؟ ومتى يكون لي ذلك؟ وأين يكون ذلك؟

إن الذي لا أين له، يقول لك أنا لك في كل أين. إن الذي لا مكان له، يقول لك أنا معك في كل مكان. إن الذي لا كيف له، يقول لك كن كيف شئت، فإني كيفما تكون أكون.

إن الغني عن العالمين يقول لك خلقتك لنفسي ولتصنع على عيني، ويريدك في خلقه لخلقك غنيا عن العالمين، على ما عرَّفك عنه لنفسه، ويريدك عَلم نفسه. إن الغني عن العابدين، إن الغني عن الكائنات وعن الموجودات، وعن الأشياء، يقول لك ما ظهرت في شيء مثل ظهوري في الإنسان، ويريدك على ما هو غني عن العابدين أن لا تتأله على غيرك من الناس.

إن الذي فيه كفاية نفسه لنفسه بنفسه، على ما يريد وكيف يريد، ولا يفتقر إلى غيره، يقول لك ما ظهرت لشيء مثل ظهوري للإنسان ليكون بي إنسانا وعليَّ عنوانا. هو الغني بمعناه عن كل من يقوم في وهم الغيب له، بحياة الوهم فيه، إليه نفتقر، وهو إذ نفتقر إليه، إنما نفتقر إلى الحياة، نفتقر إلى الوجود. وهو فينا بالغ أمره لما يريد بنـا من الحياة بأمانة الحياة لنا، أو من العدم بفقدان أمانة الحياة بنا. خلقنا لنفسه يوم نرضاه لأنفسنا.

إن العلم عن الله… إن المعرفة عن الله… هي الحد الفاصل بين الحياة والعدم، لتواجد الإنسان له، أو لتواجد الشيطان مملوك الزمام للإنسان له.

إن دائرة العدم، ودائرة الوجود، أمران، وشأنان، قائمان في سرمد، عِلم ولا عِلم، وجود ولا وجود، حياة ولا حياة، (كل الناس هلكى إلا العالِمون، والعالِمون هلكَى إلا العاملون، والعاملون هلكَى إلا المخلِصون، والمخلِصون على خطر عظيم)[١].

إن العالم… إن الوجود… الذي يقف على خط الفصل والانفصال بين العدم والحياة، فلا هو في حكم المعدوم ولا هو في دائرة الحياة إنما هو عالمكم هذا، إنما هو البشرية على أرضكم هذه، (والعالمون هلكى إلا العاملون).

إن هذه البشرية هي أول سلم للحياة، أول دار يتم فيها الخروج من العدم إلى الحياة، أول مجتمع يتجمع الناس فيه على أحواض الحياة، لمراكز الحياة، لدوائر الحياة بنقط الحياة، لنصب الحياة، تبعث بالحق بيوتا لله، يذكر فيها اسم الله، بكلمات الله، رسلا من أنفسهم. (والعاملون هلكى إلا المخلصون). {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي}[٢].

إن الحياة لا تنشأ، ولا تكسب، ولكنها موجودة في مطلقها، ينالها قائمة، ويحتفظ بها دائمة، من دخل بيوت الحياة، في بيوت أذن الله أن توضع، ويذكر فيها اسمه، رجال ذوي قلوب رحبة، ذواتهم مشهودة، أفئدتهم سافرة موجودة، وقلوبهم عوالمهم لدوائرهم حول هياكلهم من دوائر سلطانهم. إن الأرض لهم مزوية، والسماء لهم مطوية، إنهم بيوت الله… إنهم قبلة الصلاة… إنهم سفن النجاة… إنهم مراقي الوجود للحياة… إنهم أبواب حضرة مطلق الله… إنهم إنسانية الله… إنهم عباد الله… (والمخلصون على خطر عظيم)، {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[٣] من الذين آمنوا بالله ورسوله.

قام الإسلام بالمؤمنين بالله ورسوله، بقيامهم بالله ورسوله، وعرف الإسلام بمعرفتهم، ودخل الإيمان بانتشار أنوارهم، وعرفت ساحة الرحمن بالدخول في قلوبهم، وتجلي الله، لنفسه بنفسه في نفسه، لمن تجلى له، بلطيفه لعينه، من لطيفهم لمعانيهم، لوجوهه بالناس، بوجوهه بهم وجه الله، لوجوه ناضرة، لربها ناظرة (إن لله جنة ليس فيها غير وجه الله يضحك)[٤].

ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان عبدا وربا، شهادة وغيبا، معتقَدا ومعتقِدا، حقا عابدا وحقا معبودا، وحقا آلها وحقا مألوها، ميثاقا آخذا وميثاقا مأخوذا.

فما ظهر الله لشيء مثل ظهوره للإنسان، تجلى قديمه بحقه فيه، لجديده له بوصف خلقه، لعين معناه، بمعنى عبده، فتعارف به إلى معاني الأعلى لحقه، في قائمه لنفسه.

فكان الإنسان بذلك في دين الفطرة، عبد الله وحقه، يراه، ويشهده مع رفيق أعلى، لمعنى عبد الله ورسوله، مؤمن مرآة مؤمن. فكان الإنسان في دين الفطرة قياما لله ورسوله، اسما لله ورسوله، وعَلما على الله ورسوله، يوم يكون إنسانا للحق، هو منشود الحق للناس بحقائقهم، يوم ينشد الناس معنى الإنسان لهم، ما استيقظوا من نومهم، ومن سكرة الموت، في حاضرهم لماضيهم، طالبين لله، مجاهدين فيه، ساعين إليه في دائم أمرهم.

لا يستجاب لهم مطلب، ولا يصلح لهم مسعى، ولا تستقيم لهم طريق، ما لم يؤمنوا أن الله للإنسان، ما كان الإنسان لله، وأن الطريق قصيرة مستقيمة، يوم يلاقونه فيهم وهو بينهم رسولا من أنفسهم، وجها للغيب، من ورائهم بإحاطته، وعَلما عليهم في علميتهم عليه وجها للشهادة هو من ورائه بما هو من ورائهم، ظهورا وسفورا له بهم، هو لهم وللأعلى بابا لا يوصد دونهم، وطريقا مستقيما إليه، وعَلما مقاربا عليه.

يعرفونه يوم يعرفونهم، يوم يرضون الله لأنفسهم، فيرضاهم الله لنفسه، فيعرفونه لا سواهم، ويعرفونهم لا سواه، يعرفونه قيام معناهم (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[٥]، يعرفونه لا كيف له، ويعرفونه تكيفوا فيه على كيف له، في الإعلام عنه، والنطق به إليه، والاستماع منه به في الاستماع لعباده وحقائقه، والحديث منهم عبادا وحقائق له، رفيقا وأعلى، رسولا ومرسِلا، قائم المرسَل إليه، في القيام الواحد، في الشأن الواحد، في العالم الواحد، في الوجود الواحد، في الحق الواحد، في الأحد الواحد.

فيعرفونه بوجودهم لوجودهم في موجوده، أبنية وجوده، ويعرفونهم بحقهم لحقهم، في الحق له، قائم وجوده بحقه لحقهم، بلا زمن لهم، ولا كيف لهم، فـوق الزمن والكيف يكونون، الزمن من صنعهم، بجديد مولد من أمرهم، لوجود من موجودهم فيهم، منهم بهم، بعملهم.

{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٦]، {ربِ إن ابني مـن أهلي}[٧]، {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}[٨]، إن كانوا بالله قياما، فلهم القيوم، وإن قاموا على عملهم قيمة، كان لهم بعملهم، في وجودهم قائم. تعارفوا إلى قائمهم من صنعهم، كما تعارفوا إلى قيومهم، بتعارفه إليهم هـم من صنعه، فتعارف إليهم عملهم، قيمة على ما عملوا، فعرفوهم والأعلى لهم وعملهم والأدنى منهم كتابا لله، يقرأونـه في قراءة أنفسهم، وينشرونه بانتشار وعيهم، ويستقيمونه في استقامتهم عليه، قدوة به، في استقامته معهم، واستقامته لهم بجمعهم.

يعرفون واجب الوجود لوجودهم، مدركا لهم بوجودهم في مطلقـه، ينشدونه تقاربا إليه بمراقيهم فيه، معراجا إليه، في أطوارهم به، عطاء منه غير مجذوذ، ورحمة بهم لا يفارقهم تدانيها، ولا يحرمهم منهم بها تعاليها.

تعالى الله عندهم عن كل وصف، في قيامهم بموصوفه، أسماءً له، تخلقوا بخُلق الأعلى من الحق، لما جاءهم، ذِكرا محدثا عرفوه، لذكر قديم فيه لاقوه، وبه شهدوه، وفي أنفسهم وصلوه، فوصلهم فأدركوه، وبعملهم جددوه، وعلى جديدهم اجتمعوه.

بهذا جاء الإسلام، وها هو يبدو غريبا على ما تدركون، لأنكم غير الإسلام بينكم تتواصون، وتتناجون، وغير الإسلام من آبائكم ما تتلقون، فعاد الإسلام غريبا كما أنبئتم، وها أنتم له تستغربون، وبقائم بكم بعيدا عنه له تزعمون وبه تدعون.

إن الإسلام وهو دين الفطرة، لا يعرف لله غيابا أو احتجابا، ولا يعرف للحق بدءا أو اغترابا، ولا يعرف للرسالة جيئة ولا إيابا. إن الإسـلام الذي وصف الله بالصمد، وبالأحد، وبالموجود قبل الأزل وبعد الأبد، لا يُغيِّب الله عن طَالب الله، على ما جاء في كتابه، وعلى ما أبان ويبين الرسول، كلما تجدد بجلبابه، بين جلابيب الخلق، بين جلابيب الناس، رسولا من أنفسهم، ورحمة للعالمين.

جعله الله رحمة لهم أجمعين، رحمة للبشرية كافة، كافة للناس قدوة، وكافة للناس أسوة، وكافة للناس نور معرفة وبيان كتاب، وكافة للناس من وراء حجب أنفسهم حقا للحقائق، ووجها للوجوه، في أحدية للـه من آحاد، في كل وقت وحين، في كل أُمة وفي كل مكان وبكل دين.

أُمة في معناه، لأُمم لله على مثال من أمته في معناهم، فهو للفرد وللأمة، كما هو للجنس وللأمم وللعالمين رحمة مهداة بكل اسم، ونعمة مسجاة بكل رسم، وحقيقة إلى الناس مزدلفة بكل وسم[٩]، إليها الصادقـون يزدلفون، ولها يطلبون، وعليها يجتمعون، فيجتمعون على أنفسهم بالحق بعثت، ومن الباطل طُهرت.

{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}[١٠]. وكيف يكون منهم البعيد عنه، وبعباده وصفهم، وبعباده نعتهم! فكيف يكونون عباده، وهو ليس عليهم قائم! إن الله {قائم على كل نفس بما كسبت}[١١]، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[١٢]، {والله من ورائهم محيط}[١٣]، {وهو معكم أين ما كنتم}[١٤]، (وهو أقرب إليكم من حبل الوريد)[١٥].

فهل تفرطون في أمركم من أمره؟ أم أنكم تحرصون على أمركم لأمره، فلا تروكم وتروه، فلا تعرفوكم وتعرفوه، فلا تتواجدوكم وتتواجدوه، لا تتعددون به، ولا تتعددون معه؟

ولكنكم لا تتوحدوه، فتعرفوه وتشهدوه، إلا يوم تقوموه، وأسماء له تبعثوه، وكلمات منه ترسلوه، وكتبا له تقرأوه، ونورا منه تنتشروه، فحقـا تقوموه، وحقا تشهدوه، فتفنوكم وتبقوه، فتدخلون في حصن لا إله إلا الله فتأمنوه، وبمعرفتكم تنزهوه وتكبروه، فتعرفون وترفعون عَلم اللـه أكبر، يوم أنكم تقوموه، وأعلاما عليه، وأسماء له، ووجوها له تشهَدوه، وتشهِدوه، تُعرِّفوه وتُعرَفوه وتَعرِفوه.

هذه هي أُمة الفطرة… هذه هي أُمة الإسلام… هذه هي أُمة محمد… هذا هو محمد أمة… هذا هو محمد حقا… هذا هو محمد إنسانية… هذا هو محمد رسول الله والذين معه، أشداء على الكفار بحجتهم… بإشراقهم… بأنوارهم… بمعرفتهم… ببيانهم… بأحاديثهم… بجدلهم… وليسوا أشداء على الكفار بعصيهم وسيوفهم، ولكن بما أودع الله بهم من قدرة قرين حكمة، ومن عزة، قرين مسكنة.

إنهم المؤيدون بجند من الله، لا ترى للناس في أمرهم وفي شأنهم، لم يجعل الله سبيلا لغيرهم عليهم، يوم يكونون كما أرادهم، وكما هداهم، وكما علمهم، وكما أخرجهم للناس.

أين هي أمة محمد؟ أين هم المسلمون؟ أين هي الحقيقة بهم؟ إنها بحكمة الفطرة، أمة لا ينقطع لها وجود، ولا يغيب عنها الرسول… أُمة لا شرف لعربي على أعجمي فيها إلا بالتقوى… أمة ليس من شرطها العروبة ولا العربية.

أمة يقيمها النور، وتجمعها المعرفة، وتتسلح بالعلم…

تتواجـد في كل مكان، وفي أي زمان، وفي كل آن وبأي عنوان، ما جُعلت هذه الملة بالإسلام دينا للفطرة، السبيل لغير المسلمين على المسلمين إلا بالإسلام، فالإسلام بالعلم في غير المسلمين وجد، وبالجهل في أهله فقد، فقام الإسلام فيمن كانوا قد غلبوهم صراعا على إعلاء كلمة الله، فبالإسلام لهم وجد، رجعوا عليهم مفقودا عندهم فقهروهم، فبالإسلام عليهم انتصروا، وردا لأعمالهم أذلوهم واستعمروهم.

فما تغلب الغرب على الشرق، إلا بالحكمة… إلا بالعلم… إلا بالمعرفـة… إلا بالحق، يوم فارقت الحكمة أهل الشرق، وجانبهم العلم، وعاشوا في خزعبلات أنفسهم وطغيان حكامهم، ونفاق فقهائهم باسم الأديان بعـد أن توفر قسط النعمة للغرب بشيء من دين الإسلام، بجوهـره، نورا سرى في عقول أهله، وقلوب أقوامه، بفطرته لصبغته، فاستقام بينهم أمرهم بما عرفوا منه وانتظم لهم جمعهم بما أخذوا عنه إلى حد ما.

ولكنهم لم يكملوا الشوط، ولم يحرثوا الغيط، ولم يجددوا أمرهم لهم، فاستكبروا عليه ليعتنقوه ظاهرا، وفعلوا كما فعل الشرق من قبلهم في جاهليته على ظاهرهم الموروث، بمسميات لم يدركوها، حتى اختلت موازينهم العقلية والفكرية.

وها هم هؤلاء الغربيون، في عصركم هذا، يعانون محنة الانحدار، كما انحدر الشرق من قبلهم، بعد إيمان بالله ورسوله، إلى عنت من القول، وخزعبلات من الفعل، فأصبحوا جميعا بعيدين عن الكلمة السواء بينهم.

ها هو الشرق يستيقظ قليلا قليلا، وها هو الشرق يفيق قليلا قليلا من سباته، ولكنه يبدأ كما يبدأ كل بدء من العناد بين أهله، في حالة من الصراع بين القديم والجديد، وما كان الجديد المتقدم إلا بعث قديم القديم الفطري، بمظهر من الصراع بين الحكام المقلدين ومحكوميهم المتطورين، وبين حكام وحكام على الغنائم يتنافسون، لتمزيق وحدة الأمة، ووحدة الإنسان لها، ولكن الحكام لو سرت فيهم روح السلام وعرفوا هدي الإسلام، فلن يختلف جمع للمسالمين المسلمين عن جمع من المسلمين المسالمين، في الشوق إلى وحدانية المسالمين بوحدانية المسلمين لواحدية الإنسان، رغبة في رتق يقوم، وإسلام يتجدد، وسلام يدوم، بإنسانية تُبعث، ورحمة بالبشرية تعم، فكلمة الله بينهم تظهر وتعلو، ودين الله ينتشر. والجميع يرعوي ويرعى ويرعى.

ولكنا في المرحلة الحاضرة نخطئ الأعلام، وننحرف في الإعلام، بضلال الولاة والطغاة في جماعات الأمم من الحكام، فربا لهم لا يرعون، وبما صادفهم من السلطان في طريق الحياة يفرحون.

والله معهم وفي أنفسهم يعمهونه ولا يخشونه، وفي أممهم لا يحذرونه ولا يرقبونه، وفي مجتمعهم لو تأملوهم لوجدوهم أنهم وهما منهم يحكمونه بهوى أنفسهم، فللشعوب بهواها يخادعون، وللناس بنزواتهم، ومن معين مشاركتهم فيها بوهم العزة يخادعون ويوجهون، روادا لهم على ما تريد شهوات أنفسهم، فلا كتابا لله يقرأونه، ولا نورا يلمسون، ولا خشية لله يقومون أو له يتقون، ولا بآياتـه تترى يتعظون، ويقولون ما لا يفعلون، طغاة ومقلدون، وقطيعا خلف طغاتهم يسيرون.

ولكن الله بالغ أمره، ولكن نور الله يسطع في القلوب، وتشرق به العقول، فيمن يفتح قلبه وصدره وعقله له من كل أمم الأرض، من الشرق والغرب.

إن الصافين من الناس إلى الحق يحنون، وللسلام في أرضهم يطلبون ويأملون، ولكن الذي يعطله عليهم، أنهم في أمرهم وشأنهم على كلمات لله بينهم لا يجتمعون، وكلمة جامعة لكلمات الله قيوم قائمها لقيامهم بها لا يؤمنون، وهي الأقرب إليهم من حبل الوريد لو يطلبون. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله}[١٦]، {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}[١٧]، إلا قليلا منهم، وقليل ما هم، على ما تعلمون.

ولو أنهم ذكروا الله في أمرهم، لنصرهم الله في أمرهم، ولو أنهم ذكروا الله لسلامهم، لحقق الله لهم سلامهم، وهو الذي يقول لهم ادخلوا في السلم كافة، ولكنهم للسلم معه لا يريدون أن يدخلوا، ولكنهم في مسالمة شهوات أنفسهم يدخلون، والسلم مع الله لكبح شهواتهم لا يرتضون.

نفوس متمردة عن ساحة الحق لها، كلما أقام لهم الله بالحق ساحة، عنها يحجمون، وعلى النصب الرباني المقام لهم لا يجتمعون، وقبلة لهم من بيوت الله، متجددة بينهم موضوعة لا يستقبلون، ومرفوعة لا يلاحقون، ولله في استقبالها لصلاتهم قائمة لذكره لا يقيمون، ويمنعون عن نور الله بها معها الماعون، ولهدية الله بينهم رحمة بهم لا يتعرضون، وأيديهم عنها يمسكون، وإليها بعطاء الله لهم يدا لله مبسوطة كل البسط، بأيديهم عنها يزورون، وإليها أيديهم لا يمدون، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

إن الله بالغ أمره، فلينتظروا، إنا معهم منتظرون، وإن عقبى الدار لله ولعباده الصالحين، يوم يتبعون الداعي لا عوج له، في يوم لا بيع فيه ولا خلال، كأنهم إلى نصب يوفضون، خشعا أبصارهم، ترهقهم ذِلة. أما المسلمون وهم لأمره مؤمنون، ولوعده مصدقون، وهو القادر على أن يوفي ما وعد، وأن يبرز ما أوعد، ولكن الصادق الأمين ورحمة العالمين يمهلهم كلما مكن منهم، وهم كلما أطلق لهم السراح، عليه يعتدون وله يهينون، وبه يهزأون، ولكنه باخع نفسه على آثارهـم، طامعا بربه أنهم لا بد يوما بالله يؤمنون، متعثرا بعبئه من رحمة اللـه لهم، عن استقبالها يحجمون، وبرحمته يجهلون، وعلى النار يصطبرون، وبعذابها يغرمون، والسلام مفقود بينهم، ولكنهم بنبي السلام لا يتوسلون.

يتألف نفوسهم بالدنيا، ويتألف عقولهم بالآخرة، ويجمع قلوبهم على الحق بالدين، قائد ركب العالمين، لرب العالمين. جعل من الدنيا جهنم، بالنقمة للمتعجلين، كما جعل منها نارا يصطليها الجاهلون، يشهدها عظة للعاقلين، وجعل من الدين نعمة محسوسة وجنة مزلفة تدركها القلوب للمستقيمين، كما جعل من حكمته قائمة بالعارفين، قهـرا للمعتدين، وعصا قائمة على رؤوس الطاغين، وحبالا معدة لجر العاصين، حتى يصل بهم إلى مراد الله لهم، والله بها بالغ أمره بهم حتى يوم الدين.

به بدلت وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، لفردهم وجمعهم، أمرا يعم يوم تبدل الأرض، غير السماوات والأرض، يوم يبدل أمر الأرض من الباطل إلى الحق، يوم تبدل الأرض من الظلام بالجهل، إلى النور بالعلم، يوم تُبدل الأرض من الخمول إلى الحركة والعمل…

فتسجر البحار للنفوس ما نضجت، وتشعل مصابيح الحياة للقلوب ما حييت، يوم تبدل أرض النفوس من ضيق الوجود إلى وجودها الحقي أرحب من السماء والأرض، يوم يظهر الله شرف الإنسان للإنسان، وقد استخلفه على الأرض لنفسه عالما له.

(لا تقوم الساعة إلا ويظهر على الأرض آدم)[١٨]، لمفردات أهلها بيتا ودارا، يذكر فيها اسم الله. لقلوب الذوات بالهياكل هو لها هيكل وجود، خوطب في دين الفطرة بموصوف السماوات والأرض في قائم سديمـه، {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين}[١٩]، وما كانت السماوات والأرض إلا العقل والقلب لنفس الإنسان تتكون وتتجمع من أنفاسه.

قبل آدم مائة ألف آدم، وبعد آدم مئات الآلاف من آدم، ألا يطمع أيكم أن يكون آدم، يوم يؤمن بالأعلى، الذي خلق فسوى وقدر فهدى؟ وما خلقكم من آدم أبناء إلا لتكونوا أوادم وآباءً، و{ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}[٢٠]، (ومن قتل نفسا مؤمنة بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحيا نفسا مؤمنة بنفس مؤمنة فكأنما أحيا الناس جميعا)[٢١]، (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٢٢]. لقد صرت عبدا وربا، وربا وعبدا، واسما لله بالله، وأمرا وسطا.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم يا من كنت لنا في كل وجود، اللهم يا من كنت لنا بلطيفك في كل شهود… اللهم يا من هو لنا أدرَكنا أو لم ندرك… اللهم يا من هـو لنا أطعنا أم عصينا… اللهم يا من هو لنا على ما يليق به… اللهم يا من هو لنا بعيدا عما يليق بنا، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٢٣]، {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}[٢٤]، {إن الله يغفر الذنوب جميعا}[٢٥]، {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}[٢٦].

اللهم يا من هو ذلك، ويا من نراه كذلك، كن لنا في الصغير والكبير من شأننا، كن لنا في ديننا ودنيانا، كن لنا في أولانا وأخرانا، كن لنا في حكامنا، كن لنا في روادنا، كن لنا في فقهائنا، كن لنا في علمائنا، كن لنا فينا، ولبيوتنا وأهلينا.

اللهم برحمتك، ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا… اللهم كن لنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك.

لا إله غيرك ولا معبود سواك.

أضواء على الطريق

سئل السيد الروح المرشد (سلفربرش): ما هو رأي عالم الروح في تحديد النسل؟ فأجاب:

(لديكم الوعي والإرادة المطلقة كيما تميزوا بين الخطأ والصواب. إن الأمر يتوقف دائما على النية، قولوا ذلك مرة… قولوه مائة مرة… ما هي نيتكم؟ إن هذه هي التي يُعمل لها الحساب ولا شيء سواها).

وسُئل مرة: لماذا يأذن الله بالبراكين والزلازل؟ فأجاب:

(عندما تقول “لماذا يأذن الله؟”، يجب أن تتذكر أنك تحاول الاستجواب عن تنفيذ قانون طبيعي. أنا أجتهد فقط في تعليم القانون والتجارب التي أخذتها من القانون وما تسمونها بالزلازل، ما هي إلا جزء من عملية التطهير في تطور العالم المادي. إن العالم المادي لم يصل بعـد إلى دور مضبوط في التطور. إنهم لا يستطيعون التفكير في الحيـاة بعيدا عن مظاهرها الفيزيقية. إنهم لم ينفذوا إلى ضمائرهم أي تفهم للحياة بعيدا عن الناحية الفيزيقية السجينة. لا يمكنهم رؤية النشاط الروحي حيث الفكر حقيقة واقعة، يشكل كل مظهر من حياته ونشاطه).

فسئل: في هذه الحالة إذن يجب أن يقاسي آلاف من الضحايا الأبرياء بسبب تطور الأرض. هل هذا صحيح؟ فأجاب:

(أنا لا أرى أن الموت مصيبة كما تدعون. إنه في نظري ساعة التحرير الكبرى للنفس. إن هناك موتا كثيرا وميلادا كثيرا. فعندما يشرق فجر الحقيقة الروحية يكونون أمواتا في العالم النجمي، ويبدأون الحياة في عالم الروح).

فسئل عن الزمن، وهل هو حقيقي أم صناعي؟ فأجاب:

(ليس الزمن صناعيا، ولكن له أبعاد كثيرة. وقياسكم له هو الصناعي. الزمن نفسه حقيقة. هو موجود والفضاء موجود. وإنما قياساتكم ليست صحيحة لأنكم ترون الزمن والفضاء من بؤرة محدودة. وعندما تؤتون معرفة العوامل الأخرى يصبح موضع البؤرة أقرب إلى الحقيقة).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف جاء في كناب إحياء علوم الدين للغزالي باب “حقيقة النية ومعناها”. وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر: سمعت ذا النون المصري يقول: "الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملون، والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، قال الله عز وجل: “ليسأل الصادقين عن صدقهم.” ولكنه يصنف في كتب الحديث بأنه موضوع. ↩︎

  2. سورة الفجر – ٢٧،٢٩ . ↩︎

  3. سورة الحجرات -١١ ↩︎

  4. إشارة إلى حديث شريف رواه مسلم في صحيحه، يصف حال عباد الله الصالحين يوم القيامة: “…فيكَشِف الحجاب، فما أُعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزّ وجلّ.” كما في الآية الشريفة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} سورة القيامة - ٢٢، ٢٣. ↩︎

  5. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  6. سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎

  7. سورة هود - ٤٥ ↩︎

  8. سورة هود - ٤٦ ↩︎

  9. تم تصويب هذه الكلمة وفقا للنسخة الأصلية المراجعة من السيد رافع. ومعناها “علامة له ليعرف بها”. ↩︎

  10. سورة البقرة -١٨٦ ↩︎

  11. سورة الرعد - ٣٣ ↩︎

  12. سورة البقرة - ١١٥ ↩︎

  13. سورة البروج - ٢٠ ↩︎

  14. سورة الحديد - ٤ ↩︎

  15. استلهاما من {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} سورة ق - ١٦ ↩︎

  16. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  17. سورة آل عمران- ٦٤ ↩︎

  18. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  19. سورة فصلت - ١١ ↩︎

  20. سورة لقمان - ٢٨ ↩︎

  21. استلهاما من {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} سورة المائدة - ٣٢ ↩︎

  22. حديث شريف: " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  23. سورة النحل - ٦١ ↩︎

  24. سورة الزمر - ٥٣ ↩︎

  25. سورة الزمر - ٥٣ ↩︎

  26. سورة النساء - ٤٨ ↩︎