(٧)
لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله
ضُرب ابن مريم لإنسان أبيه مثلا لكلمة الله للناس
يكونوه يوم يدخلوه فيكونوها لإنسان ربوبيتهم بأبوتهم
لبيوت توضع وبيوت ترفع
حديث الجمعة
٢٩ ربيع الأول ١٣٨٧ هـ - ٧ يوليو ١٩٦٧ م
هو في السماء إله شهادة وغيبا… وهو في الأرض إله شهادة وغيبا… ولكن أآلهة مع الله شهادة وغيبا؟ بل عباد مكرمون شهادة وغيبا… إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا… مالك الملك يؤتي الملك من يشاء من عباده، روادا، سواء في باطن الحياة مزوية لهم الأرض، أو في ظاهر الحياة يفترق على صخرتهم البشر، جزاءً وابتلاءً.
ضرب ابن مريم مثلا لباطن الملك ليجلس برضاء الناس، لظاهره لهم، على عرش الرحمة بهم، فإذا الناس عنه يصدون، قالوا أآلهتنا- ممن اختاروا لسيادتهم- خير أم هو؟ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل، مثلا لما ننعم به على المؤمنين بالله ورسوله في كنف وسيادة الله، ومن قبل فهمناها سليمان، حكمة لله، كان بها اسما لله الرحمن الرحيم، بدائم الناموس على ما خلق وصنع الله موسى لنفسه، وعلى ما خلق آدم، ومن قبله من أوادم على صورته، لإنسان حقه وطلعته، وعلى ما يفعل دائما كلما اصطفى من البشر آدما، بناموس {ما ننسخ من آية أو ننسها، نأتِ بخير منها أو مثلها}[١].
وها قد اقتضت رحمة الله لشمولها، وعنايته بوجوده لها، أن تنزل بالحق إنسانها كافة للناس. جعلته العناية مثالا للناس بالحق وبالدراية، قدوة بالبداية، وبشرى بالنهاية، في أي صورة ما شاء ركبه، فكان جماع صور الخلائق، ومعنى لجميع وجماع الحقائق، عبدا لله، وحقا لله، عبدا لله أول عباد وكوثر عابدين، وأول حقيقة لحقائق وحقا لله، وظلالا لمتحققين أسماءً لله، ووجوها لله، يَشهدون وجها لله، ويُشهَدون وجها لله. عبد هو أُمة في ذاته ومعناه، تتابعه أُمم، كل أُمة منها فرد في ذاتها ومعناها. نبي الأُمم، ونبي الأبوة، ونبي الأُمومة، ونبي البنوة.
على أساس من هذا قامت رسالة الفطرة، وقامت رسالة رسول الله، وقامت رسالة محمد البشرية، وقامت رسالة حق الإنسانية، وقام المعلم ورسالة المعرفة بدائم قيام لأزلي سبق وأبدي لحاق.
الولد الذي صار والده، والوالد الذي صار والده له ولدًا في ناموس الفطرة، الأمر الوسط، والحق الوسط، والأُمة الوسط. بهذا جاءكم من تتذكرونه، ولا تذكرونه، من تسمونه ولا تتسمونه، من تزعمون حبه بعيدا عن ذواتكم، ولا ترتضونه لتحيونه فيكم قلبا لقلوبكم، نور الله للصدور، نور السماوات والأرض لنهاياتكم، ونور المشكاة لصدوركم لبداياتكم، وشعلة المصباح لشموس قلوبكم… إشراق العقول بفجركم لرؤوسكم، ونور الجمال والجلال لوجوهكم… روح الحياة لهياكلكم وذواتكم… صباح الضحى والإشراق لنهاركم وانقضاء ليلكم… سكينة الإطلاق لوصلتكم في مقيداتكم… حق الوجود لقبلتكم… قائم الحياة في كل موجود لدوامكم… إنسان الله لقدسكم… رسول الله لكتابكم… عبد الله لعلمكم… كائن الله لإيمانكم… ماذا منه أفدتم؟؟؟ وماذا من رسالته تزودتم؟؟؟ إذا أنتم لأنفسكم أدركتم، وللأمر أنصفتم، فلا شيء من الحق كسبتم!!
ها هي دنياكم، مشدودة، على قضية موعودة، نفوس قلقة مكدودة، ترجوها أماني، بأوهام مقبورة، عليها تتصارعون وتبدون بها وإياهم كلابا مسعورة، تتزاحم على أرض مهجورة، لا دعاء ولا دعوة، ولكنها الادعاء والدعوى، ثم هي القضاء والبلوى. فلا قضية مقامة، ولا قاضي حكيم علامة، فيها يسمع الناس حكمه وكلامه، هو سيد الوجود، هو الإنسان الحي للمشاهد والمشهود، يوم تلجأون بكم جميعا إليه.
ولكنكم إلى أمثالكم من الجيف تجأرون، وإلى وصف العدم تلجأون، وبهم تستنصرون، ونصركم في أيديكم لو تعلمون. قاضيكم بين جوانحكم لو تدركون… لو استيقظت ضمائركم فهذه محكمة العدل، إليها تجأرون، وأمركم عليها تعرضون، فرسالة الروح تستقبلون، وفيما عُرض لكم وغمض عليكم تسألون، ولما يشار به عليكم تحترمون، وتتبعون.
ها هم على مسجد لله أقيم، هيكلا لسليمان يقيمون أو يحاولون، هيكلا من التراب على معبد من التراب يشيدون، فأين سيد التراب الذي تذكرون؟ أين أبو تراب؟ أين آدم بينكم؟ أين العلي العظيم لعلمكم؟ أين عليّ يوم الدين لمعركتكم؟ أين الظل المحمدي لرحمتكم؟ أين البيت الولي لنجدتكم؟ أين الكوثر الرضي لسلامكم؟ أين الفضل الدني لجنتكم؟ أين الحق الوفي لسلمكم؟ أين العلم القدسي لكتابكم؟ أين الكتاب السرمدي لطريقكم؟ أين الحجاب العلوي للباس سكينتكم؟ أين المدينة لمأواكم؟ أين السفينة لمسعاكم؟ أين الإنسان ترتضونه؟ أين العنوان تقتدونه؟ أين البيت تدخلونه؟ أين العترة تلحقونه؟ أين الغيط تحرثونه؟ أين الزرع تتعهدونه؟
لا شيء من ذلك كله… ولكن أوثان تهيم في أوثان… وبهتان يطوف ببيوت لبهتان… ويرفع أعلاما وشعارات عن الطغيان… والنسيان… نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
الحكمة أصبحت الفجور، والفسق أصبح عنوان البيوت والدور، معاهد ومعابد يتردد فيها لفظ الله، وتعالى الله، وتنزه الله عن الطغيان له ذكر، وتنزه الإنسان عن الكفر له أمر، يوم يكون الإنسان بإنسانه ظلا للرحمن، وقائم الرسول بالإحسان.
يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هو من عند الله. يتبعون ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا. مالك المــُلك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء فتنة وابتلاء. الـمُلك عندك من ملكته نفسه، نعمة وعطاءً، فطهر رجسه، وتخلص من بهتانه، وتبرأ من ظلمه، ومن ظلامه، وطغيانه لعنوانه، فنار بنورك في مشكاة صدره، وسراج قلبه، وعلم وجهه. فكان وجها لك، وعلما عليك، واسما لقدسك.
لك الملك، بكل ملك، ومالك الملك، في كل مالك، ما ملكت، وما مكنت. جعلت من السماوات والأرض دارا لمالكها، لقائم حقك، باسم عبدك، وإنسان علمك، وأُم كتبك، وكتاب مشاهدتك، ووجه مطالعتك.
وجعلت لمن عرفك من مثال هذه الدار دورا، ومن الدور مدنا، ومن المدن وجودا، ومن الوجود للوجود مثالا، يوم تقدَّرت عند مقدرك، قياما وحالا ومآلا، لأمره فيك، بدءا وانتهاءً، خلقا وحقا ورجاءً. {ما قدروا الله حق قدره}[٢]… (لم تسعه أرضه وسماؤه ووسعه قلب عبده المؤمن)[٣]، {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}[٤].
يتصارع من يتسمون عند أنفسهم أبناء يعرب مع من يتسمون عند أنفسهم أبناء يعقوب… يتصارع من يزعمون الإسلام مع من يزعمون الهدي والعرفان، ولا هؤلاء بمسلمين ولا أولئك بعارفين أو مهتدين، ولكنهم على جيفة من دنيا يتصارعون، وعلى بقعة من التراب يتحاربون، ويتزاحمون، وبكلام أجوف يتنابذون، وأبناء يعقوب لما عند أبناء يعرب لأنفسهم يزعمون! وأبناء يعرب بما عندهم يجهلون، وبما يجهلون لأنفسهم هم لأنفسهم يكذبون، فكيف هم مع أبناء يعقوب يتحاجون، أو يتجادلون؟
ولو عرف أدعياء الإسلام ما الإسلام، ما هزموا في حرب ولا في سلام… ما هزموا في معركة سلاح، ولا في معركة كلام، بل جادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، فأساءوا وجوههم، وإلى الحق هدوهم، وعلى أنفسهم نصروهم، ومن زلتهم أخرجوهم.
كلاهم يطلبون مدينة، يصفونها بيت القدس، وبيت المقدس، وبيت الأقداس، والأرض جميعا مزوية لمحمد، أصبحت بيتا للقدس، ومحلا للأقداس، مسجدا وطهورا. يتصارعون على تراب اللاهوت، على مقابر النبيين من موتاهم، ويقتلون الحياة في الأحياء في مبناهم، يقتلون الأنبياء بينهم، لقدوة مبناهم لمعناهم، بُعثوا من أنفسهم وفي صورة مبناهم، رحمة لهم في قائمهم وفي دناهم، وينكرون عليهم أرواحا، صلت خلف إمامها تجسد، وبها تعدد، هي منه للحياة الدنيا بأقدام لها تتجدد.
لقد ظهرت أقداس النبيين، في مشارق الأرض ومغاربها، بعد محمد، لم تُحرم منها أُمة، ولم تُحرم منها في الأرض بقعة بالحكماء… بالأتقياء… بالفضلاء… بالآيات… بالعارفين… بالمؤمنين… بالداعين إلى الحرية والدين… بالداعين إلى الديموقراطية واليقين… بالداعين للمحبة والألفة والسلام… بالقائمين فيما دعوا إليه، بالفعل لا بالكلام.
مُلئت الأرض بالأقداس، ولكن تزاحمت على الأرض من فعل أهلها الأرجاس، فطغى الرجس على القدس، وعم البؤس والنحس، حتى غلب اليأس، وها هي يد السماء تمتد إلى الأرض برحمة الجزاء، وبموعود الوفاء، فتتداول الأيام، بين الحرب والسلام أحداث تعم الأرض ويشترك فيها سائر الأنام في القيام والعرض، حربان عالميتان، متقاربتان متصلتان، وثالثة قريبة من الوجدان، مطلة للعيان، تقضي على الحرث والنسل لو ترك لأهل الأرض الزمام، ولم تمتد لها يد رحمة الرحمن في العيان لتحفظ أهلها من المصير المحتوم، بخطر الحطمة باليوم المعلوم.
ها هي أنظار الدنيا تشد إلى أرض فلسطين حسب الوعد، لينظر الناس، ويتأمل الناس ما قضى الله في الكتاب إلى بني إسرائيل من ناموس الفطرة، وفي الكتاب إلى عباد له من محمد وأمة محمد، ليقرأ الناس في أحداث الحياة، كتاب الفطرة مع محمد، وليحكم كتاب الفطرة لمحمد، بيانا لما جاء في الكتاب إلى إسرائيل، وبني إسرائيل، وليعلم الناس أن ما جاء بكتاب محمد، ومــا جاء بمحمد، وما يقوم بمحمد، وما يقوم بقائم كتاب محمد، كلما تجددت على الأرض أمة لمحمد، بجديد لمحمد، في قائم لمحمد، بقديم لمحمد. تجدد إسرائيل، وتجدد بنو إسرائيل، وتجددت أمة إسرائيل، وتجدد الكتاب إلى إسرائيل وإلى بني إسرائيل، وتجدد آدم، كما تجدد نوح ومن حمل الله مع نوح.
وإنه كلما فسدت أُمة لمحمد فتبرت ما علت، فخابت أُمة محمد، للدنيا عبدت فأمحت وزالت أُمة محمد، أمحي معها إسرائيل، وبنو إسرائيل، ومعنى إسرائيل. ولكن محمدًا رحمة للعالمين جاء بالناموس، جاء بالقانون، جاء بالفطرة، جاء بالحقيقة، فعلم وأعلم {ما ننسخ من آية أو ننسها، نأتِ بخير منها أو مثلها}[٥]، وأن الآية تقوم بمن عرف، وأن الأمة تقوم بمن صدق فصدق فاعترف، أعطي الكوثر فردا وأمة، وشانئه الأبتر فردا وأمة.
ما نُسخ إسرائيل وبنو إسرائيل، إلا جاء الناموس بإسرائيل وبني إسرائيل مرة أخرى. أمر للروح، لا للجسد. إن كان الأمر للجسد، فكلكم لآدم وآدم من تراب، وما دلهم على موته، إلا دابة الأرض تأكل منسأته.
إن الله جدد آدم بآدم، أسماه نوحا، وجدد آدم نوح بآدم أسماه إبراهيم، وجدد آدم إبراهيم بآدم أسماه عمرانا، وجدد آدم عمران بآدم أسماه محمدا، وجمع فيه بيتا لله يذكر فيه اسمه، جمع آدم مجددا بأوادم معددا، ووعده في قادم بعثه منه به مضاعفا، وقد قال له عرشا لربه ليوم أن يضاعفه {ويحمل عرش ربك فوقهم، يومئذ ثمانية}[٦]، وقد جدد الله آدم بمحمد، حقا لله، واسما لله كوثرا بحقه واسمه، شانئه الأبتر، لموصوف عرش الله وهيكل الله، لا هيكل سليمان، ولا عرش سليمان، قام واتصف بالنفس والذات، القابلة للانقضاء والعدم. جعله بشرا خالدا لقائم ودائم اسم الله الرحمن الرحيم، كافة للناس به، فقال الرسول بصدقه وعلمه (خلفت الله عليكم)[٧]، قائما على كل نفس بما كسبت، فهلا كسبتم الله… نزلت البسملة معي لي ولأمتي.
قام بيته بأركان أربع، بأوادم، هم نقط الزوايا لأضلاع الزمان والمكان، ويتجدد بجديد أمر بأربع، لجديد قديمه بقادم قائمه، أمرا متحدا وقياما واحدا لأحد سرمدا، على ما في سابق كان، وفي لاحق يكون، أمرا وسطا، جديد كل قديم، وقديم كل قادم بجديد، في قائم ودائم بالحق. لا يتكنز ولا يحدث ولا يحتجب ولا يغيب، إنسان الله، وحق الله، كافة للناس، في اقتدائه عليه ونشدانه به.
لمَِ لا تجادلون بني إسرائيل بما عندكم عن إسرائيل وبني إسرائيل؟ أتجادلونهم على أرض ترون فيها دنيا من زرع وضرع، ودارا من طعام ونفع؟ فلا على بيت لله تنازعونهم، ولا على معنى البيت لأنفسهم تجادلونهم، ولا على حقيقة من الله عندكم تعرفونهم، وهم على الدنيا باسم الحق والمعرفة يجادلون، وقضيتهم بدنيا فقدوها ظالمين مفسدين باسم الدين يعرضون، في مشارق الأرض ومغاربها ينشرون، وعلى ظلم وقع عليهم يولولون ويستنجدون… هم رجال الله ورجال الدين!!! أليسوا هم شعب الله المختار في العالمين، وبنو إسرائيل!!! يا أيها الناس إن تنصروا الله ينصركم، فانصروا بني إسرائيل!!! انصروا المستضعفين في الأرض ينصركم العزيز في السماء يوم العرض.
يعلو الحق بينكم في هذا الجيل، بالروح يقوم لرب العالمين، وما قام بينكم وما جاء كتابكم وسائر كتبكم إلا بالروح… ولكنكم لا وجوههم تسيئون، ولا باطلهم تكشفون، ولا بحق معكم تستنصرون، ولا بروح الله تؤمنون، فكيف أنتم بالله تُنصرون!!!
إن الهزيمة التي شاهدتم، إنما هي جزاء من الله لأنكم عن الله في أنفسكم غفلتم وهو معيتكم لا تذكرون، ولا تراقبون، ولا تخشعون، ولا تتقون، وللمادة تعبدون، والطين على رؤوسكم ترفعون فتتطينون، وتبلسون، وتتشيطنون، وتجرمون… فكيف ينصر الله المجرمين! وكيف يُعلي على الروح الطين؟!
ما جعل الله لامرئ من قلبين في جوف، وما جعل الدين إلا في القلوب، لم يجعله ما تملك الأيدي وما تحوي الجيوب، وما جعل علم الغيوب إلا في الصدور، ما جعله للموتى ولا في القبور. جعل السماوات بطون وجودكم، قائما على كل نفس بما كسبت. فهلا فتحتم نوافذ القلوب، فشهدتم عجائب الوجود، وما وراء الجلود؟
جاء محمد، فوجه القلوب والعقول والنفوس إلى قبلة الأبوة لا بدء لها، وجعل قبلة النبوة بالبنوة لا غياب لها. جعل النبوة في البنوة، وجعل الحقيقة في الأبوة. فكان الناس فيه أبناء لآباء، وهم بدورهم الآباء للأبناء، فكان الأنبياء هم لأبنائهم حقيقة الآباء، فكشف عن قدسية الفطرة، وعن دوام النعمة، وعن دائم الحقيقة، وعن مستقيم الطريقة.
فكان محمد بيننا في جمعنا لجمعنا جديد الآباء، وقائم الأبناء، صلى عليه الآباء ووصلوه، لأمر عرفوه، ولجديد وجود لهم من خلاله نشدوه، بالأبناء لمعنى الأنبياء حققوه. وطلبوا للأبناء أخوة لهم وأبناء وآباء بهم أن يقتدوه في اقتدائه بقديمهم بالآباء في الصلاة عليه يصلوه، وبذلك يصلي عليه الأبناء، كما يصلي عليه بالآباء، في دوام بينهم يعرفوه، عروة وثقى للوسيلة والشفاعة والالتجاء، قائم وفاء، ونُصب ولاء، وبيت رجاء، وسفينة خلاص والتجاء، ووجودا بين وجودين، وأمرا بين أمرين، وحقا بين حقين، وإنسانا بين إنسانين في الواسع العليم في العزيز الحكيم.
فكان رحمة للعالمين حقا، ومغفرة للمذنبين يوم أن الناس حوله يطوفون، ولحقه في أنفسهم يطلبون، ومن عترته يتعلمون، وإلى أُمته ينتسبون، وبها لحاقا به يلتحقون. {محمد رسول الله والذين معه}[٨]، لا يغيب ولا يغيبون، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[٩]، وتؤمن بالله.
صفوة بحار الحياة، بسحب تصاعدها، وميازيب السماء، بعذب مائها لأنهار شرايينها، ماءً عذبا زلالا سائغا للشاربين، يحيا به الزرع والضرع. بناموس قدرة الله أخرجه خالصا من الملح الأجاج، على ما تشهدون، وتعرفون.
اُنظروا إلى حيوانكم لكم مِنَّة من الله إليكم، حيوان إخوتكم لقائمكم بهيمة الأنعام لأرواحكم إذ يخرج لكم منه من بين فرثٍ ودمٍ لبنا خالصا سائغا للشاربين.
هكذا من وحْدة جمعكم، أئمتكم رسلا من أنفسكم بينكم يخرجون، بقديم الآباء وأرواح السماء يبعثون، حقائق لوجه الحق فيهم يشهدون، يوم أنكم بكتاب محمد تتدارسون، وحول ذكرى محمد تطوفون، ولجديد ذكره بينكم بعترته تعرفون، ولذريته توقرون وتحترمون، ولآل بيته تقصدون، وإن خرجوا من حجراتهم تستقبلون، وإن اعتكفوا فعلى أبوابهم تنتظرون، حتى أنهم إليكم برسول الله يخرجون، فللحق بينكم وجها لوجه تشهدون وتعرفون.
فبالله لأنفسكم تؤمنون، وبرسول الله لحقيقتكم تستقبلون، فربكم في أنفسكم تعرفون وتنشدون، وبنور الله لكم فيكم تكشفون، وتسترشدون، بضمائر حية لعظتها تستقبلون، وبعقول مشرقة بنور الله تنتشرون، فأمة إليه حقيقة تنتسبون، وعَلَم الله على الأرض ترفعون، مزوية لكم الأرض بدين، وليست مزوية لكم بسيف وخنجر وسفين، مزوية لأرواحكم قائم أشباحكم، الله لكم في أنفسكم تكتشفون وتكشفون وبه تنتشرون.
(لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى)[١٠]، ولا شرف لـمُختبر بنعمة، على مُنعَم عليه ببلوى. إن الشرف إنما هو في التقوى، لا في النعمة ولا في البلوى.
ليست الدنيا لكم من الله دار جزاء، ولكن الدنيا كانت لكم دار اختبار وابتلاء، بقائم ليل لاصطبار، وقائم نهار لادكار. إنها ستنتهي إلى أمر وعدتموه، يوم تصبح جنة بسلام تنشدوه، يوم تعلو عليها كلمة الحق، باعتلاء عروشها، لعباد ربها، عبادٌ مكرمون، عباد صالحون، للأرض يرثون. أما هي فلله في يومها وغدها، وهي لله في يومها وأمسها، هي لله دائما، ويوم نقول إنها لله، والله هو الغني عن العالمين، فإنما نعني أنها لعباده الصالحين، {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}[١١].
لن تكون لكم جنة قبل أن تكون لكم أرض، ولن تكون لكم أرض قبل أن يكون لكم قلب، ولن يكون لكم قلب قبل أن يكون لكم رب. هذه الأرض على ما هي ستبقى على ما هي، وستحويها القلوب على ما هي، وستملكها وتجددها لنفسها بما هي على ما هي، بين عصور للسلام وعصور للخصام {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}[١٢]، والحق هو الحق على ما هو.
هذا دين الفطرة، فهل حاججتم بني إسرائيل، حرفوا الكَلِم عن مواضعه، وزحزحوا إنسان الحق عن مضاجعه، وحرفوا الكتاب عن مجال إعماله، كتبوه بأيديهم، ثم قالوا هو من عند الله؟ وهكذا أنتم تفعلون، تكتبون بأيديكم كتبا، ثم أنتم إلى الحق تنسبون، وباسم الحق تنتشرون، في غير خجل، في غير حياء، وفي غير وجل.
من يكون الله تلبونه؟ هل هو الشيطان تعبدونه؟ الحساب ليوم الحساب، والعقاب ليوم العقاب، أحيني اليوم وأَمتني غدا، ومن لم يحيا في يومه لحياة غده، فلا حياة له. ومن مات في أمسه فلا حياة ليومه في بعثه، ما لم يغير برسول الله إلى رسول الله ما في نفسه من الشيطان يجري منه مجرى الدم.
إن الحياة لكم ما طلبتم الحياة، فبأيديكم وبعملكم أخذتموها. إن ماءها في أحواضها في متناول يدكم، ولكن ماء الحياة لا يكون إلا لوارديها، لا تبتئسوا، ولا تيأسوا، إذا قيل لكم إن الأحواض في يد رسول الله بينكم، وإنه لا حياة لكم إلا يوم تذهبون إليه، يوم تلاقونه، يوم تردون ماءه، وتقدرون نعمة ولائه، فتحسون وتدركون في أنفسكم جزاءه، وتؤمنون بقاءه، وتلبون نداءه، وتجددون دعوته ودعاءه.
يومئذ تكونون أُمة محمد حقا، وسموكم أبناء يَعرب أو أبناء آدم، أو أبناء محمد، أو أبناء إسرائيل، أو أبناء الله، أو أبناء الوجود، أو أبناء الحياة، أو أبناء الحق، تسموا كما شئتم، يوم تكونون لمحمد فتكونون محمدا، فتكونون بقائمه ظلال الحق لقائم وقيوم ربه، أسماءً لله، ووجوها لله.
اللهم بمن جعلته رحمة للعالمين، وقومت به الدنيا، وعلمت به الدين، فاستقام به أمرك أزلا وأبدا في السماوات والأراضين… اللهم به فقوم أمرنا، وأحيِ قلوبنا، وأنر عقولنا، وحرر أرواحنا، وأعلِ في السماوات أمرنا، وجدد للناس بالناس في الناس بالحق ذكرك لذكرنا، فاخفض نفوسنا، وأعلِ أرواحنا، وأوسع لإحاطتك عقولنا، وابعث بحقك قلوبنا، وأشعل بنار قدسك نفوسنا، وصلصل بنارك، لنا ولخيرنا، صلصال ترابنا، ونمِّ زرعنا، وقوم شجرتنا، وأثمر جنتنا، وافتح للناس مزرعتنا، بمن جعلتهم بذلك قدوة لنا، فجعلت من المؤمنين معه بالله ورسوله علماءً فيه، وزراعا له، وحصادا منه، مجددين لأمرك بأمره، معلين لذكرك بذكره، واضعين لذكرهم، معلين لأمرك بأمره، مخفين لأمرهم، مظهرين لأمره بحقك، لدائم أمرك وفعلك.
أخفيته في الناس عن الناس حرصا عليه، وأظهرته من الناس للناس حرصا عليهم، رحمتهم به، واختبرتهم بهم منه، أعليت به شأنهم مختبرا، وجعلته لضعفائهم منخفضا، أسوة لهم مشجعا، وسلوى لأمرهم معوضا، حتى لا ييأسوا من أمرك لأنفسهم. أعليت به من أعليت، وخفضت به من خفضت، خفضت من استعلى مفارقا له، مبتلى به، وخفضت عنه به له متواضعا، لا وضيعا، نعمة منك للمساكين، وللمفتقرين.
فتزاحم الفقراء معه على التواضع فزحمهم، وأعلى شأنهم، وغفر ذنبهم، ونشر ذكرهم، وقوَّم في الناس وضعهم. حماهم منهم، ورعاهم لهم، وباسم الله تولاهم، وأسماءً لله نشرهم، وعرَّفهم، وأوادم عند الناس للناس بما عرفوا قدمهم، وفي ثياب معرفتهم عنهم عظمهم، وما عرفوا إلا من فتات موائده عنده لهم، هو رسول الله إليهم، وعبد الله وحق الله، وموجود الله لمشهوده ومتواجده عندهم، هو للمفتقرين إلى الله، الساعين إلى الله، الطالبين لله، الناجين بذكر الله، القائمين باسم الله، حقا وملكا لهم.
هلا بهذا جادلنا أهل الكتاب فجدلناهم؟ هلا بهذا قاومنا أهل الكتاب فقومناهم؟ هلا بهذا تواصينا بيننا فانتصر الحق لنا، بنصر أهل الحق فينا على أهل الباطل منا؟ أم أننا وراء كل ناعق باسم الله، لا يدريه، ولا يعنيه، ولكنه يذكره ليأكله، وليأكل به، وليأكل فيه، بدنيا معبودة من نفوس بأشباح، لا هي بأرواح موجودة، ولا هي بحق قائمه ولا هي في حقيقة مسالمة؟
هذا الآن حال من تسمونهم أُمة محمد، فإن بقيتم معهم على حالهم وحالكم، فالويل للمصلين، وإن جددتم إيمانكم، وجددتم دينكم، وجددتم معرفتكم، وجددتم يقينكم، مع الليل والنهار وفي كل وقت وحين، مجددين مجاهدين مجتهدين، أن يهديكم الله إلى سبيله طامعين، عليه مجتمعين في أنفسكم به قائمين كان لكم بمحمد دين، وإلا فلا خير بكم ولا خير لكم، ولا خير فيما تزعمون لكم من دين. فأنتم المخاطبون من الرسول {لكم دينكم ولي دين}[١٣]… (أنا بريء ممن أحدث بعدي)[١٤].
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
أضواء على الطريق
من مذكرات السيد الروح المرشد سلفربرش عن الحرب…
(لقد قلت خلال هذا الوسيط منذ سنين كثيرة، وإذا لم تخني الذاكرة فإني لا أظن أنني تناقضت مع التعاليم المبسطة التي تحريتها في طريقتي المتواضعة، في أن أشرح طبقا لما أعطاه لي هؤلاء الذين أرسلوني في مهمتي إلى عالمكم. وما زلت أعلن إلى اليوم كما قلت سابقا أن القتل خطأ وأن الحياة من شأن الروح الأعظم وليس من حق أي إنسان التداخل في طول غربتكم الأرضية. وقلت من قبل أنه إذا نضجت التفاحة فإنها تسقط من الشجرة، وإذا سقطت التفاحة قبل أن تصل إلى نضوجها، فالفاكهة تكون عندئذ فجة ومالحة. وهكذا الحال مع الجسم الروحي إذا طرد من نظيره الفيزيقي قبل أن يستعد، قبل أن يتكيف لمستوى ذي حيوية أعظم فإنه يكون غير ناضج ويبدأ عهده الجديد مغلول اليدين، ولو أن هناك تعويضا نص عليه قانون الإحسان.
إني أكرر تأكيدي لكل ما قلته بخصوص ذلك، أنا لا أغير سابق تعاليمي وأتمسك بكل كلمة سجلت مرارا وتكرارا، ولكني علمت وأكرر أن النية هي العامل الأول في تقدير كل عمل وفي إنتاجه لثمرته. ونحن نرى أن الشخص الذي يأبى المشاركة في الحرب لأنها معكرة للصفو، في سريرته نداء خفي ولن ينقص قدرا عن ذلك الشخص الذي استعد بدافع الخدمة والرغبة فيها لا ليقتل فحسب بل ليقدم أعظم تضحية بحياته الفيزيقية.)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة البقرة -١٠٦ ↩︎
سورة الحج -٧٤ ↩︎
إشارة للحديث القدسي: "(لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن). ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎
سورة الزمر- ٦٧ ↩︎
سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎
سورة الحاقة -١٧ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الفتح - ٢٩ ↩︎
سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎
حديث شريف: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.”. أخرجه أحمد بن حنبل ↩︎
سورة الزمر- ٧٤ ↩︎
سورة الأحقاف -٣ ↩︎
سورة الكافرون -٦ ↩︎
إشارة للحديث الشريف: “أنا فرطكم على الحوض فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا لَيرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي.” أخرجه مسلم، والبخاري في صحيحه. ↩︎