(٦)
يا أهل الكتاب
لستم أهل كتاب فقد تجدد الكتاب لأهل الكتاب
يا أبناء إسرائيل
لستم بني إسرائيل فقد تجدد إسرائيل لبني إسرائيل
حديث الجمعة
٨ ربيع الأول ١٣٨٧ هـ - ١٦ يونيو ١٩٦٧ م
بعثت بالحق كافة للناس مزوية لي الأرض، وتركت كافة للناس كتاب الله تُبينه الفطرة رسالة دائمة متجددة، وتتلوه عترتي في قائم الروح للأرواح ودائم الذات في الأشباح للبشرية في عالميها، لا يفترقان، ولا يختفيان، ولا يختلفان.
(لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى)[١]. هذا ما جاء به الرسول رحمة للعالمين يوما، لتحقيق السلام الدائم للبشرية في قائم وحدتها على أرضها دوما، لتواصل مرتقاها بتعاليها، في طبقات الروح لجنانها قياما وعلما.
{كنتم خير أُمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله}[٢]، كذلك جعلناكم، وبالذكر حفظناكم، وللذكر أبقيناكم، وعلى كلمة الله متوفاة جمعناكم، ومن وصف الخلق لوصف الحق رفعناكم.
اُنظروا ماذا جعلناكم… جعلناكم أُمة وسطًا، خلت من قبلكم أمم، وتلحق منكم من بينكم أمم، أنتم بين سبقكم ولحاقكم أُمة وسط، وأمر وسط، جعلنا لكم من دائم أنفسكم رسولا دائما، أولى بكم من أنفسكم، رحمة لكم، ورحمة للعالمين بكم، متجددا بفرده وجمعه جامع الكلم مع تجددكم.
زويت له الأرض، فربَّها وعبَّدها، ثم حكمها فسادها فسودها، ثم ظهر بها وقد حققها، فرببها، وعبَّد بها فأحكمها، وإلى الأعلى لربه ساقها وقادها، ثم هيأها لربه الأعلى سدرة بداية، صلحت به حقا لها، لتكون سدرة نهاية.
يدانيها وقد تخلى عنها وخرج منها بعد أن ينظر إليها بقائمه لقيومه عليها، وملأ أعلى، هو في سمائه من الأفق الأعلى متخليا عنها لمن خلَّف عليها، ثم يدنو منها حتى قاب قوسين أو أدنى، فيتحدا ويتوحدا من شفع إلى وتر، فعنها به لها يصدر ملأ وليد، بأمر جديد، ثمرة الأمرين، وجديد الحضرتين، أمرا مؤمنا بالقبلتين، قائما بالحضرتين، مصليا إلى الأبوين، هكذا هو كائن على ما كان، وهكذا هو على ما كان يكون. وهكذا ما إليه يكون الناس في متابعته. وهذه هي أقانيم الفطرة بناموسها الدائب، وحقائق الإنسان في بيته لمذكور اسم الله به.
بذلك كان الإسلام دين الفطرة، وبذلك جاء الرسول بكل ما يقرب البشرية كافة، لمعنى قومه إلى الله، وبذلك نهى الرسول عن كل ما يبعد قومه من الله لهم في أنفسهم بأوهام الشرك، وعمل فيهم وبينهم بما هدى وأمر، فكان بذلك الرسول لله حقا، وأمر الله، وحق الله فعلا، واسم الله، ووجه الله، وجودا وشهودا، صلى إلى القبلتين فيه، وصلى الناس معه إليهما فيهم.
وقام للناس حقا لهم بقائم قومه منه من أنفسهم، باسمه اللهم، لمعنى القائم على كل نفس، قائم القبلتين بالقلب والرأس، لبيت الحكمة والحب لواسع هيكله بالكون لكينونة المؤمنين، ليكون رحمة للعالمين، ويكون بكوثره بين الناس نُصبا للحق، قِبلة للصلاة وبيتا متجددا للسكينة، فارغا من كل ما سوى الله، وقائم الحق بالملأ الأعلى وعَلَما عليه، وقيام الحق للملأ الأدنى، وحوضا مورودا فيه.
بذلك كان الرسول، بذاته، وبصفاته، وبمعناه، وبحقه وبحقيقته، وبكائن خلقه، وبدائم خليقته، سدرة قائمة بذاتها ينشدها السبق بقديمه، ليكون من خلالها متواجدا بجديده باقي الحق، جَمع الظاهر على الباطن، وجَمع الباطن على الظاهر في كائن بوجوده لهما، عَلَما على الحق بموجوده بهما، ظاهرا على الدين كله، قائما بالدين كله، فياضا بالدين كله، موحيا للدين كله، أحد من آحاد في قيام بالدين كله.
بذلك رضي ناموس الوجود في مطلق موجوده، ولانهائي وجوده، في قدمه وبقائه، وقائمه، بالإنسان المـحدث، قائما لقديم الإنسان المحدث، قائم قيوم لموجود إنسان، وقيوم قائم لمبعوث الإنسان بقائمه، حتى يعرف الإنسان أنه الحق من منشوده، لمعاني الحق في موجوده.
فإذا وصل كائن الإنسان إلى قائمه بالحق، بدأ تأملاته في أمر نفسه، انعكاسا إلى نفسه لأمره، فتساءل بينه وبينه، ألم أُسبق في نوعي؟ ألا ألحق في نوعي بموجود تواجد أو يتواجد على ما أنا؟ فإن أكبر الحقيقة وجودا، وعرف أن اسم الله له لفظا وعَلما، وهو أحده عطاء ونعمة، في قائم لا إله إلا الله لنفسه كتابا، لقائم حقه حجابا، بمشاهدة وحدانيته بحقه وخلقه جنة، باجتماع باطنه بروحه على محيطه بقيومه لسبوحه، وقد سقطت بينهما أسوار مادته، بتعادل طبيعة ما فيه مع طبيعة ما حوله، فبقي السور معنى، لا مبنى، ورقت فشفت الفخارة من صلصال، فأصبحت زجاجا لا يحجب ما فيه لنظر ما حوله، ولا يحجب ما حوله عن نظر ما فيه.
فعرف بذلك أن ما فيه هو الحق، وأن ما حوله هو الحق، وأن ما هو بينهما من أنانية مبناه لمعناه، زجاجة شفافة، وترابا تصلصل في نار حميته فانطلق عقلا، بنور حقيقته، وتجدد كونا لذات قيامته، واشتعل نفسا بنار قدسيته، وتكوثر وتكاثر عالَما لذوات ذاته، بجماع ذاته لحقيقته، وجمع ذواته لصفاته لعلميته، عَلما على الأعلى داناه، وجودا به لظهوره، فتواجد به متجددا بأدناه، وجودا له بأعلاه.
فأدرك أدناه تواجده بوجوده، فقال هو له لا فرق بيني وبينك، كما قيل له من أعلاه لقائم أدناه به في وحدانيته لا فرق بيني وبينك. فعلم بذلك عن الله، وعلِم الله عنه في علمه عن نفسه، وقام عَلما على معلوم الله بالإنسان، وعَلما على معلومه في الله بالأعلى من الإنسان، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى الذات، فقام أمرا وسطا، وبعث من أعلاه إلى أدناه رسالة. فكان بقادمه وقديمه في قائمه للناس قدوة.
بذلك كان محمد حقيقة صامدة، ورسالة ثابتة متجددة، وحقا دائما متواجدا، متعاليا مدانيا، لا يغيب عن وجوده بكوثر موجوده، شعار لا إله إلا الله، وطريق الله أكبر، رسالة الروح دائمة، وطريق النبوة قائمة.
بذلك كان محمد أبوة الروح لبشرية الأرض، زويت له وأضيفت إليه أول عابدين، علما على أوليات عابدين لا بدء لها، وأول عابدين أصلا لعابدين على الأرض يتواجدون، وإلى سماوات الوجود يتصاعدون، لا ينقطع لهم وجود بين العباد. به تميز معنى العبد عن معنى العابد في قائم المعبود، فعرف الفناء للخلق والبقاء للعابد والعبد، والدوام والذكر والظهور للمعبود.
به كان الأمر الوسط خير الأمور، والعصر الوسط خير العصور، والدهر الوسط خير الدهور، والإنسانية الوسط أشرف الإنسانيات. به الأرض حقت، ومن كل أعلى مدت، وعن كل عليّ انشقت، فبعليّ مقامها جديدا للأعلى وُلِدت، فالحق لنفسها عرفت، وعرَّفت بما حمل إليها رسول الرحمة لرحمتها، وقائم الحق لحقيقتها، فعلّمت ما علمت، الله {قائم على كل نفس بما كسبت}[٣].
بذلك كانت أُمته قائم العابدين والعباد في المعبود، قائم الأوادم لأهل الرشاد في الإنسان، قائم الحقائق لحق الله الجامع، انطوى في كل فرد منها، بشرية كاملة، وإنسانية قائمة عاملة، {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}[٤]، من أهلك نفسه بغفلته فهو آثم في حق نفسه، فقد أَهلك بإهلاك نفسه الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا. من أحيا نفسه بذكر الله، من أحيا نفسه بنور الله، من تعرض في كرته لرحمة الله مع عباد الرحمن يمشون على الأرض هونا، فاستقبل منهم نور الرحمن يسري مع نظراتهم، ويتواجد مع إرادتهم، في العقول والقلوب والنفوس…
يبعث بهم نور الله في أواني محبتهم، فتتجدد الأواني بما بُعث فيها من نور الله، من نظرات عباده عابدين، أبوة الروح، أبوة الحقيقة، أبوة الإحاطة، {خلقا من بعد خلق}[٥]، {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}[٦]، أبوة دبت على الأرض، وضع بيتها، شيد نصبها، قام أمرها، علا شأنها، فقال لها معليها وربها في كل معانيها، (لا ترتدوا بعدي كفارًا يضرب بعضُكم رقابَ بعض)[٧].
قال لهم من كان أولى بهم من أنفسهم الدنيا لكم والآخرة لكم، والله لكم، فلا تؤثروا على الله دنيا ولا آخرة، وأنا منه هدية الحق لكم، أنا عَذب ماء الحياة وأحواضها لكم، أنا نجوم السماء وأمطار الصحراء. أنتم في بحار الحياة وصحاريها متخبطون ضالون، اهتدوا بي في صحاريكم وفي بحاركم.
إن الأعلى لي، لنفسه، يجتبيكم ويرتضيكم، يوم أني لنفسي أرتضيكم، ولنفسي أجتبيكم، وأنا أفعل يوم ترتضوني لقلوبكم وتفتدوني بأنفسكم. (لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه، من ماله وولده، ونفسه التي بين جنبيه)[٨]، (اقبلوا نيري فإن نيري عليكم لطيف)[٩].
إذا سجدتم لله عند قدمي فإني رافعكم لله فوق رأسي، (من كان مني كنت منه)[١٠] ، إني أحملكم لا تحملوني، إنكم لا تطيقون وطأتي، ولكن وطأتكم عليّ إنما هي مداعبة عندي. إني لا أؤاخذكم، ولا أسألكم، فإني غافر لكم قبل أن تسيئوا، مقدر لكم إحسانكم قبل أن ترجعوا، أعلم مراد الله بكم، بي لكم، وأعلم مراد ربي برحمته لسيئاتكم، ومغفرته لذنوبكم وزلاتكم.
وإني تخلقًا بأخلاق ربي لخلتي، ولمثالية الأعلى عندي تشهدونها في مثاليتي، لا أسألكم ولا أرتضي لكم إلا علم الرحمة، ولا أرتضي لكم إلا الكمال، ولا أرتضي لكم إلا أن يتوفاكم الله، فيحققكم بحقي، ويرفعكم فيه إلى وضعي، فأعاملكم خليل لخليل، كما هو معاملي خليل لخليل، ورفيق لرفيق بما هو مرافقي في دائمي لدائمه، رفيق لرفيق في اللانهائي، في الحق اللانهائي، في الناموس الذي لا يختل، ولا يغفل ولا يقهر، ولا يغلب ولا يخالف ولا يكسر.
عرفت الحق يوم عرفت ربي، وعرفت ربي يوم عرفت ربه. عرفت الأعلى والأعلى، يوم عرفت الأعلى لي فيمن هو دوني، ومن هو دونه، فعرفتني بين الأعلى والأدنى، بين يدي الله، بين يدي رحمته.
أمسكت يداه بي، فلا إرادة ولا قدرة لي، ولكنها إرادته وقدرته، أمور لا أنسبها إلى نفسي، ولكن إن بدت مني فإني أردها إليه، لا قدرة لي ولكنها قُدرته، إن ظهرت للناس مني فإني أردها إليه، ولا أعزوها إلى الفناء لي دائما، والبقاء له دائما، فأنا دائم الفناء لمن هو دائم البقاء، {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[١١].
به عليه الصلوات وله السلام ظهرت على الأرض للبشرية أبوة الدم، وأبوة الروح لشجرة الجنس متجددة، فكان بمبناه أول العباد آدما، وكان بمعناه أول العابدين محمدا، ذاتا ودما، روحا متجسدا متجسما، ولحق الله وجها وعَلما، وكان بذلك بيته وذريته وآله وصحبه هم بنو إسرائيل عترة، عِلما وحكمة، فكان هو الآدم الباقي، والإسرائيل الساري، كان الأب المشاهد الرائي، وأبرام أو إبراهيم، أو برهما المشهود المرئي.
كان الإنسان نُفخ فيه من روح الله، كان هو الإنسان ألقي عليه الروح من أمر الله، كان هو الإنسان سوى الأعلى بينه وبين الأعلى عليه، قائم الأعلى عليهما، سقطت أسواره وحقت بالله داره.
وكان من حيث الروح أبوة السماء، دانت[١٢] أبوة الأرض. أبوتان اتحدتا في الوصف، فقامتا في البيت أبوان، ووعدتا بثالث للعيان، يجمع المعنيين، ويظهر بالحقيقتين، ويصلي إلى القبلتين، من أبوة الأرض وأبوة السماء، مسيح الوجود للقيام في الشهود، ظل المعبود من الحق المقصود، يعرفونه يوم يدعون إلى السجود، فلا يستطيعون، حق لا يظهر حبه للناس إلا أعداؤه يوم يتبعون الداعي لا عوج له، وليد الحضرتين، ثمرة السماوين، وليد السماء الدنيا، وإشراق السماء العليا، جديد الأراضين، ثمرة الشجرة القديمة بملئها، وحق الشجرة الجديدة بإنسانها، جديد ملأ لهما، وكتاب عِلم بهما.
هو جديد وجود، وجديد أمر، وجديد شهود، وسفور لقاء، وقائم جزاء، وبروز عطاء، وعلم بقاء، وحوض رضاء، جنة مأوى، وسدرة منتهى، بقية الله، لجديد أمر الله، بقديم أمر الله برسول الله، من قائم ودائم رسالة الله. الآدم، المحمد، المهدي، الكلمة، المسيح، الإنسان.
بذلك كان الرسول إنسان الله، وعبد الله، وأبوة السماء، كما كان أبوة الأرض، فعرفناه في أبوة الأرض عابدا، ولاقيناه في أبوة السماء عبدا، وقام فينا بحقي عبوديته ربا لقوالبنا، وبربوبيته لقلوبنا في رضوان حبه عرفنا ربه لعقولنا بحكمته. بذلك تحررت في المطلق عقولنا، ونفوسنا، وإرادتنا، فقمنا به، ما كنا له خير أُمة أُخرجت للناس. لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، كافة للناس.
قمنا أمرا وسطا بين أولئك الذين ينادون آباءهم في السماء، وأولئك الذين يجهلون تواجدهم من خلالهم على الأرض، في قائم الأبناء، انعكاسا للزمان والمكان. فبقائم الفطرة كلفنا أن نرعاهم ونعلمهم وندعوهم إلى ما نحن فيه، مما هو أحسن مما عرفوا في مجهولهم عنهم، ندعوهم إلى كلمة تامة، في الله متوفاه، ندعوهم إلى كلمة لله بيننا وبينهم سواء، وهي لنا ولهم من الله جزاء وعطاء، يوم نقدر الله حق قدره، ويوم نكبر الله على ما يليق بالله.
وأمرنا أن لا ندخل في جدل ونحن بعيدين عن المعرفة، بعيدين عن الرحمة، فإن هذا الدين إنما هو دين القيمة دين (من آتيناهم من لدنا رحمة وعلمناهم من لدنا علما)[١٣]، دين الخبراء بالله، دين القيمة بالله، دين من خبروا الحياة، من خبروا الوجود، من أصبحوا خبراء بالسماء قبل الأرض، وبالأرض قبل السماء، دين من أصبحوا خبراء بأنفسهم، قاموا بالله فوق السماوات وبعد ودون الأراضين، تعاملوا معه في أنفسهم طاعة وامتثالا وحبا، إنسانا لرب العالمين، عرفوه كافة للناس عِلما وعَلما.
عرفوا أنهم لو قَذفوا فوق السماوات بأنفسهم لتلقفتهم يد الله، وما هي إلا إنسان، وأنهم لو قذفوا بأنفسهم تحت الأراضين وأسفلها لاستقبلتهم يد الله، وما كانت إلا إنسان، عرفوه في قائمهم عباده، تمسك بهم يد الله بداخلهم ومن حولهم أن يزولوا، وأن يد الله إن أمسكت ما أفلتت، وأن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، يوم يقوم بالإنسان من الإنسان على الإنسان في دورات الزمان بالقائم على كل نفس، الأرض جميعا قبضته، يوم تزوي الأرض للمؤمن وتطوى له السماوات بيمينه كلتا يديه يمين، يوم يؤتيه ما خلق له، وهو ما يحققه الإنسان لنفسه يوم لا يعبث بأمره من الله. {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[١٤].
هذه هي القيامة الكبرى لهذه النفس، زويت أرضها لها في قائمها بالله ورسوله، فردوس السماوات في قائمها بعباد لله لأمره بها، بقائم حقائقه، وقائم حجبه لنوره، بقائمها للوجود لمعنى عرشه. كان الله به للعيان كلتا يديه يمين، فكانت حقائقه بالإنسان بين يدي رحمته، بحقائق الإنسان للرحمن، {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}[١٥]، (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن)[١٦].
(لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)[١٧]. وآخرها قائم في كل وقت وحين، وأولها يقوم كلما قام آخرها بما قام به أولها، (يبعث الله في هذه الأمة، على رأس كل قرن، من يجدد لها أمور دينها)[١٨]، أُمة من قائم بحق ومستجيب له، أمة من رجلين لقائم السماء والأرض.
وكم أهلكنا قبلهم من قرن! وكم أهلكنا قبلهم من القرون! إن الإنسان لموجود الزمان إنما هو القرن والعصر والدهر، وإن الإنسان لموجود المكان إنما هو الجماد والنبات والحيوان، هو الكواكب والأجرام وأفلاكها وسكانها. هو القمر والأرض والشمس، هو السماء، والوجود في العيان، بدءا من قائمه بذات وهيكل إنسان.
قام محمد لأهل السماوات والأرض عبدا لله، وقائم الحق منه اسما ووجها له، عَلم رحمته، وكتاب عِلمه، ووجه طلعته، وكوثر حقيقته، فماذا أفدنا منه؟ {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}[١٩].
(مُروا أبا بَكر فيلصلِ بالناس)[٢٠]، فمن كان الآمر؟ ومن كان المأمور؟ وهل كان المأمور آمرا؟ وكيف أمر المأمور لبلاغ أمره! وكيف استقبل الأمر من آمره، مَن أمر به؟ وما كان ظاهر الأمر من الآمر، لمطلق الأمر لله؟ وهل استجاب للأمر من أمر؟ وهل وفَّى بما به أمر، وبه تأَمر؟!
ما كان أمر رسول الله أمرا منفصلا عن أمر الله، وما كان المأمور من رسول الله قياما منفصلا عن قائم رسول الله، وما كان الأمر يصدر من نفس رسول الله مأمورة إلا أمرا من قيوم رسول الله وآمره، لقائم أمر الله مطلقا في أمره، فما كان هذا الأمر ممن كان محلا للأمر، إلا أمرا سرى في الناس قائم مُلك الآمر بحقيقته ممن له الأمر، قضاء منه لإبراز حكمة له.
ما كان الناس وُجه إليهم الأمر غير فاطمة وعلى، آدما وحواء لهم، وما كانت أبوة عليّ للناس، لقائم آدم، (أبا تراب لهم)[٢١]، إلا قائم رسول الله بآدمه لآدميته، وما كان روح الله له، إلا نفسه في قديمه، وما كانت إلا فاطمة.
(جعل الله ذرية كل نبي في ظهره وجعل ذريتي في ظهرك يا عَلِيّ)[٢٢]، (كل بني امرئ يدعون إلى أبيهم إلا بنو فاطمة فأنا وليهم وأنا أبوهم)[٢٣]. بذلك كان عليّ إسرائيل هذه الأُمة. وما كانت فاطمة له إلا حقي نفسه. (فاطمة ابنتي روحي فمن أغضبها أغضبني[٢٤]، ومن أغضبني أغضب الله[٢٥])، (سيدة نساء هذه الأمة)[٢٦]، هي أم لكل أم.
(إذا أحب الله امرءا جعل له من نفسه واعظًا، يأمره وينهاه)[٢٧]، ألم يحب الله عبده ورسوله محمدا؟ ألم يجعل له من نفسه واعظا يأمره وينهاه؟ ألم يجعل له منه من يقتديه؟ ألم يجعل منه قدوة اقتداها ولده القديم عليّ؟ ألم يقل لكم إنه وعليّ قديمان في آدم؟ ألم يقل رسول الله أنا روح القدس، ما كان روح القدس إليّ إلا نفسي مني، وما جمعتني جديد ذكر إلا على قديم ذكر لمطلق المذكور بي عندي لا شريك له؟ ألم يجعل جبريل أحد أفراد أسرته في حديث العباءة وأهلها؟
فهل أدركنا ما أمر به رسول الله آل بيته (مُروا أبا بكر فليصل بالناس)[٢٨]؟ وما كانت قبلة أبي بكر، لو أن أبا بكر بالناس صلى. ما كانت القبلة إلا آل محمد، عنها التوى ولها ظاهر.
(ارقبوا محمدا في أهل بيته)[٢٩]، بهذا تحدث أبو بكر إلى فريق من الناس مكتفيا بهذا وفاءً منه لصاحبه، ولم يستقم هو عليه ولم يأمر به. {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما}[٣٠]، غلبه على أمره أديمه، بقضاء الله، لإبراز حكمته لأُمة محمد. حكمة لم يعمل الناس عقولهم فيها بعد.
ولكن أهل القبلة قدروا نقصه، وغفروا ضعفه، وجبروا كسره، ولم يؤاخذوه على جاهليته، يوم صلى بالناس إلى لا قبلة، صلى بالناس إلى قبلة خالية من أهلها، فجلسوا للناس في قبلتهم، والناس لا يدرون، وأمدوا الناس بنور الله، والناس لا يعون، أخذوا بنواصيهم إلى الخير وإن جحدوهم، وإن أنكروهم، وإن ظاهروهم، وإن قلوهم، بل وإن قتلوهم فما كانوا إلا رحمة للعالمين، وما كانوا إلا البيت للصلاة، لا يذكر فيه إلا اسم الله.
بعليّ لمحمد قام ظاهر محمد لآدم بعليّ، فكان أبناؤه بني إسرائيل بعثوا من قديمهم في أهل بيته، وكانوا عمد قومه لأُمته، قيام قيامه، وحق سلامه، بعث منه، ومن خلاله، بنو إسرائيل وبنو عمران، وبنو إبراهيم وبنو نوح وبنو آدم، رجالا في قومه على مثاله، في عترته وآله، ليكونوا معه في حقه ومآله، لوحدانية الجنس البشري وسلامة وانقضاء الفرقة بين أهله باختلاف مستويات المعرفة عن الحق للوجود.
فهل أدركت أُمته هذا الشرف لها به؟! هل حاجت بني إسرائيل أنهم منها وأنهم ليسوا غيرها، وأنهم بآبائهم مبعوثين بين رجالها، فأساءوا وجوههم بالمعرفة وشتتوا جمعهم على الفرقة والمخاصمة، وفرقوا بالحق بينهم ليتميز الخبيث والطيب منهم، كشفوهم لهم، وعرفوهم عنهم؟ فلو عرفوهم قوما بالحق جاهلين، لأعادوهم إلى أنفسهم لنظر عقولهم قوم بلا دين، أُمة في الفطرة غافلين، هم حياة المادة متجمعين متوحدين، في الأرض مفسدين، وبباطلها قائمين، ولها على أنفسهم مسودين، ولترابها عابدين، وببترولها مشعلين، وبماسها متحلين، وبحديدها متسربلين، وعن الحق في أنفسهم غافلين، بين أبالسة وشياطين.
كشفوهم لهم أُمة واحدة هم بينهم لا يختلفون، متخلين عما سبق أن كان لهم بينهم من دين، ولا يتكشف لهم أمرهم بيقين إلا يوم يقع القول عليهم، فيأتيهم الحق المبين بكلمة سواء، {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}[٣١]، {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم}[٣٢] يوم يأتيهم في سفور ويقين من عرفناه الأمين، {كان الناس أُمة واحدة… وما اختلف فيه إلا الذين أتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم}[٣٣]، جاء به الدين.
وأنتم يا من أظهركم الله على الدين كله! لِمَ لا تجعلون من الدين سلاحكم، ومن الحق رماحكم، فتقذفوا العقول، وتشقوا القلوب بأنواركم وبناركم، فتصلصلوا هذه الذوات من التراب، يوم تجابهونهم بحقكم هو معكم وهو لكم؟ ولكنكم لستم المسلمين! وتنكرون على المسلمين بينكم هم نبيكم، عنكم غريبون. أنتم لهم لا تأبهون، وهم لأمر الله مبتليهم بكم صابرون. (بدأ الإسـلام غريبا ويعود غريباكما بدأ)[٣٤].
لا يا بني إسرائيل لستم بني إسرائيل، ولكنكم بنو إسرائيل يوم تشهدون الحق، على ما هو الحق، على ما جاء بالحق، برسول الحق. لا تنتظروا مسيحا، فقد انتظرتموه في يثرب ثم قلوتموه. لا تنتظروا مسيحا فقد برز بينكم من بيت لحم، وقام لكم الناصرة، ففي أورشليم وهمتم أنكم صلبتموه… تنبهوا واستيقظوا أنه لو نزل اليوم، لا ينزل من السماء كما تزعمون، وكما يزعم متابعوكم من الأمم، ولا ينزل بينكم، ولكنه ينزل مبعوثا من الأرض، قائم إنسان، قائم دعوة، قائم رسالة، قائم أمر، على ما سبق أن شهدتم وشهدت الأرض جميعا معكم في الشرق والغرب في الأوسط من الأرض. ينزل من بطن امرأة، وينسب إلى إنسان.
إنسان من إنسان… إنسان لإنسان… حق لحق، ابن لأب، وأب لابن، أمرا وسطا على ما ظهره الأمر الوسط. هو يوم يبعث لقومه جديد الأمر الوسط الذي عرفتم ذاتا وروحا، ذاتا من ذاته وروحا من روحه بذات وروح، يظهر من بيته ويولد من صلبه.
يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، وإمامكم منكم، فيؤمكم منكم، وأنتم عن الحق وعني، وعن بيتي وآلي، وعن عترتي ومثالي، غافلون، ولنا قالون. إذا وسد الأمر إلى غير أهله، من بعدي، كما ستفعلون، والأمم قبلكم تتابعون، فانتظروا الساعة التي تنتظرون، فإنكم في الفتنة تواصلون، وإلى قديم الفتنة من قبلي ترجعون، حتى يظهر الله رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، به يأتي ملكوت الله على الأرض، كما هو في السماء.
كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم، فأمكم منكم، إمامكم منكم، فهل أنا تارككم؟ إني على مكث فيكم، الخير فيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة، أنا نور الله المنتشر، في كل عقل متفكر، وفي كل قلب متذكر، وفي كل إنسان متطور، وفي كل قيام شاكر، وفي كل قلب ذاكر، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[٣٥]، {واتبعوا النور الذي أُنزل معه}[٣٦]، نورا للعالمين.
إن هذا الذي قال رسول الله، قولا قائما، متكررا، متبينا، متجددا في قائم هذه الأُمة، قام ولم يغب، حتى في البيوت الجاحدة، انظروا بيت أُمَيَّة الجاحد المعاند، كيف أخرج منه رسول الله إماما عادلا، محصلة عدل، جمعه من فتات عدل في قائم ظلم، فأخرج بهديه عمر بن عبد العزيز من الأمويين. كما أخرج من العباسيين في أواخر حكمهم من قال لا… لا يا عباسيين يجب أن يرجع الأمر إلى آل محمد، فليكن عليّ الرضا ولي عهدي وخليفتي. كما أخرج ممن أدرك الحق من المتابعين يوم جاء الأيوبيون الحكم فلم يزاحموا الفاطميين، ولم ينكروا على العباسيين قياما بأنفسهم في العابدين، فأخرج منهم ثمرة صالحة من عرفناه صلاح الدين.
نعم يجب أن يكون ذلك، وهذا الذي يجب أن يكون. ألم يكن محمد رحمة للعالمين! أليس هو القائل في حق الكافرين (عسى أن يخرج من ظهورهم من يعبد اللَّه)[٣٧] ؟ فكيف يكون نقمة على المؤمنين؟
تأملوا كيف أنه يوم استيقظ الغرب، وأعمل العقل، واستقام مع الفطرة في عصر النهضة، أدخلهم رسول الله في دينه بالفطرة، فأبرز منهم الحكماء والعلماء، ورد لهم كرامتهم على من يريدون قصر الإسلام على العرب بوهم شرف عروبتهم، رد لهم عليهم الكرة، وبهم من غفلة أيقظنا، وبهم من ظلم أنفسنا يوم استعمرونا رحمنا، وعلمنا وتولانا، وأقرأهم في الوقت نفسه كتابنا، وكشف به لهم عن معنانا حتى يقيم عليهم حجة الله بالإسلام، وحتى لا يأخذهم للإسلام عنوة، دون جوهر، كما كان في عصر الفتح أدخلهم فيه فطرة، وأرادهم إليه كتابا وذكرا وأمرا، فالتووا عليه كتابا، وإن دخلوه للرحمة حجابا، بما أدخلوا من إصلاحات على أديانهم من دينه، ولكنه ما زال معهم حتى يبلغ مراده بهم، بلا فضل منا عليهم، لأنا لم نطلب من الله أن يكون معنا برسوله على ما هدينا، بنا دعاهم للإسلام غالبين قاهرين، وبنا دعاهم للإسلام مغلوبين مقهورين، ومعهم دعانا للإيمان متأملين متبصرين.
ولكنا نطلب غيره ليكون معنا، إنا نطلب أنفسنا أن تكون معنا، إنا لا نطلب الله ليكون لنا، ولا رسوله ليظهر بيننا، نصلي إلى غير قبلة. إن لغة الله أعجمية علينا لأننا غيره، لأننا لا نرانا لسنا غيره، ونصمم على أنه غيرنا، تمسكا بأشباحنا لأنانا، دون أرواحنا لمعنانا. فكيف يكون لنا؟ أهو في افتقار إلينا، أم أنا في افتقار إليه؟ يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد.
من كان يريد العزة، فإن العزة لله جميعا، فكيف يتشتت الله عندكم، ثم هو بجلباب الكرامة يعزكم، أو تكون لكم منه عزة في أمركم؟ إن العزة لله في قائمه لا شريك له، ولرسوله قائما به، ليس غيرا له، {قل جاء الحق}[٣٨] وهو الحق، (من رآني فقد رآني حقا)[٣٩]، والمؤمنون ليسوا غير رسول الله، ولو كانوا غيره ما وصفوا بالمؤمنين، (لو غاب عني رسول الله طرفة عين، ما عددت نفسي من المؤمنين)[٤٠]، لا ولا من المسلمين، هو الذي يقوم ويتقلب في الساجدين، فيشهدون ويشهدون، فلا يشهد الساجدون وجها للأعلى ولرب العالمين، إلا في قيام به بقائم رسوله من أنفسكم.
إنكم غير مشهودين من الله، إنكم لا رب لكم، إنكم لا إله عندكم، إنكم لستم موجودين، إنكم الموتى وإنكم المعدومين، فلا حياة إلا لله، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}[٤١]، ولا قيامة إلا لله، القائم على كل نفس بما كسبت، وأنتم لهذا تنكرون، وبإنكاركم له أنفسكم تفقدونه، (رجل خسر الله وربح الدنيا ماذا ربح؟ ورجل كسب الله وخسر الدنيا ماذا خسر؟)[٤٢]
أين هو التوحيد؟ أين هو حتى أدب التعديد؟ تعديد في وقاحة، وتوحيد في قُحة، شيطانكم الموحد، ورحمانكم المعدد، لا الله لمعناكم، ولا السيادة لمولاكم، ولا الإمامة لرسولكم، ولا الرحمة لبيت الله فيكم، ولا كتاب الله ولا قرآن الله لعقولكم، ولا سنة الرسول لجوارحكم.
إن السنة عَدية ترخونها، أو ذقنا ترسلونها، أو شواربا تقصرونها، أو ثيابا توسعونها وتطيلونها وتزركشونها، لا خُلقا تقومونها تخلقا بمن تخلقها فتخلق بها خلقا للأعلى عرفها، وفي القائم شرفها، ففي الناس أقامها.
فكان به أنبياء بني إسرائيل في أُمته، رعاياه له، وعلماء عنه، وبين أقوام قدمه، كانوا فيه أصغر جيل، فإن فيه الآباء وفيه الأُمهات، وفيه الأجداد والأحفاد. لو عرفنا لوجدنا الإنسان فيه من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقد كانت فيه الحقائق متجردة من أوصاف الخلائق، كان فيه الإنسان عبد الرحمن، وعين الرحمن، واسم الله والله أكبر في الله أو في الرحمن للوجود المطلق اللانهائي.
هذه هي أقانيم الإسلام وحقائق الإسلام وتعديد الإسلام وتوحيد الإسلام يوم يكون هناك إسلام، ويكون بين المسلمين تواجد بحق وتواصي بصبر، فيدفع الله عنهم، ويعلي شأنهم.
الله والرسول والمؤمن حق واحد وأمر واحد وشأن واحد في اللانهائي المطلق. أما ما قدمه بنو إسرائيل باسم الأقانيم فما كان إلا في داخل العبد الواحد أو الإنسان الواحد، دون نظر أو تفكير في الحق المطلق. فهو الإيمان بالإمام يوم يستقيم أمر المتابعة، وهو ما لم يدرك على وجهه الصحيح عندهم، {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم}[٤٣].
إن من يؤمنون بالله، فإن الله يؤمنهم، وينزل السكينة على قلوبهم، الله لهم في دناهم ولهم في أخرياتهم، في عوالم خلقهم وفي عوالم حقهم، في موقوتهم ولا نهائيتهم في مطلقهم وفي تقييدهم، في آحادهم وأشتاتهم، في وحدانيتهم وعدتهم، في قدمهم وجدتهم.
لا إله إلا الله محمد رسول الله، هي قائم المؤمن بالله ورسوله.
اللهم يا من جعلت من القلوب دورك، ومن الرؤوس شموسك، ومن الهياكل نصبك، ومن العاطفة دينك، ومن العقل رسالتك ويقينك… اللهم يا من استويت على عروش ذواتنا بانتشار نورك، وإلقاء روحك، وإقامة أمرك، قائما على كل نفس…
اللهم أنر الطريق أمامنا، وقوِّم فيك سبيلنا، وابعث فينا حقائقك، وجدد بها خلائقك، واجعلنا برسولك كوثرا في كوثره، وأمرا في أمره، ونورا في نوره، وروحا في روحه، ووجودا في وجوده، وسرا في سره، وجهرا في جهره.
اللهم أعلِ بنا على الأرض ذكره، وانشر بنا في الناس أمره، وعلم بنا سره وجهره، ولا تجعل هناك أعداءً لنا، واستلّ العداوة من قلوبنا، حتى لا نرى من وجوهك عدوا لنا، وإن أغبرت الوجوه، وإن قترت الوجوه، وإن أظلمت الوجوه، حتى يفيض عليها من حبك بما فينا من خزائن حبك، وقد شعرنا بحبك، ونطمع أن نشعرك في الناس بودك، فنقهر بحبك، ونذل برضائك وعفوك، يوم نرفع بعطائك، ونكشف لغطائك، فيعلو بالرسول في الناس للناس ذكرك، ويعلو بك في الناس أمره لأمرك.
إن كان هذا عصر سفور كلمتك ساعة وقيامة والأمر لك، وكل عصر هو عصر كلمتك وقائم رحمتك والشأن لك، ما حرص الناس على كلمتك، في كلمتهم بك، ولكن إن كان هذا وقت عمومها، وظهور وسفور دورها، فاللهم بنا فالطف وبرحمتك لنا فافعل وعنا مقتك وغضبك فارفع، لا إله غيرك ولا معبود سواك.
اللهم أصلح أحوالنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، شاردين ومتجمعين.
لا إله غيرك ولا شريك لك ولا معبود لنا فينا سواك، بقائم أمرك وقائم جهرك وسرك، لك الحمد، ولا إله غيرك ولا محمود سواك.
أضواء على الطريق
من هدي السيد الروح المرشد سلفربرش…
(يجب أن يمر أطفال الأرض بكل تجربة سواء في عالمكم أم في عالمي. هناك في كل شيء درس يجب تعلمه، وأنتم لا تصلون أو تخلقون مركبة تمتطونها إلى ذلك الكمال الباطني إلا إذا خرجتم من كل تجربة منتصرين.
الذين ينجذبون للمستويات السفلية، يذهبون إلى تلك المستويات أثناء النوم، ولكن لن يساعدهم تذكرها على معرفة مكانتهم، فيما بعد الموت، لأن المستويات التي يجدون أنفسهم عليها، ما زالت تشبه العالم المادي.
وكلما زاد الانخفاض في العالم الروحي كان أكثر أرضية في مظهره، لأن الذبذبات تكون أكثر ثقلا. وبالارتفاع في ملكوت الروح تكون الذبذبات أكثر خفة.
ولكن إذا كانت النفس قد تطورت ووصلت إلى دور متقدم في الوعي فأنت إذن منتبه لممالك الروح، ويمكنك بسهولة جدا تمرين المخ عندئذ على التذكر. وإني أتحدث معكم جميعا وغالبا ما أقول “تذكروا هذا عندما تعودون إلى عالمكم”، ولكنكم لا تتذكرونه. لقد كنت مع كل واحد منكم وأخذتكم إلى أماكن مختلفة، ولكن ولو أنكم لا تتذكرونه الآن فلن يفقد شيء منه أبدا.)
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.”. أخرجه أحمد بن حنبل ↩︎
سورة آل عمران - -١١٠ ↩︎
سورة الرعد -٣٣ ↩︎
سورة المائدة – ٣٢ ↩︎
سورة الزمر -٦ ↩︎
سورة الملك - ٣ ↩︎
من الحديث الشريف: “لا ترجِعُوا بعدي كفارًا يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ.” أخرجه الطبراني، والإسماعيلي، والدارقطني. ↩︎
حديث شريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎
استلهاما من آية الإنجيل: (احْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. (."مت ١١: ٢٩) ↩︎
إشارة إلى معنى جاء في عدد من أحاديث أخرى منها: “إن عليا مني وأنا منه.” رواه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى. و" حسين مني وأنا منه". أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد باختلاف يسير. أيضا: في حق جليبيب لما استشهد بعد قتله سبعة من المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: “هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه.” رواه مسلم. ↩︎
سورة الأنفال -١٧ ↩︎
تم تصويب هذه الكلمة بالرجوع للنسخة الأصلية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
استلهاما من الآية {عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} سورة الكهف – ٦٥ ↩︎
سورة غافر-٥٧ ↩︎
سورة الزمر- ٧٤ ↩︎
حديث قدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎
مقولة للإمام مالك. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎
سورة يوسف- ١٠٥ ↩︎
لَمَّا اشْتَدَّ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجَعُهُ، فَقَالَ: مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ. صحيح البخاري. ↩︎
“أبا تراب” اسم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي به الإمام علي، والذي كان يفرح به إذا دعاه به رسول الله." صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف: “إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب.” أخرجه الطبراني، والسيوطي، وغيرهم من المحدثين. ↩︎
حديث شريف: “كل بني آدم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم.” الراوي: السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. المحدث السيوطي. المصدر: الجامع الصغير. خلاصة المحدث: حسن. كما جاء في شرح إحقاق الحق – السيد المرعشي – المكتبة الشيعية. ↩︎
حديث شريف: أخرجه البخاري ومسلم، بصيغ متعددة، " فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي." ↩︎
استلهاما من حديث شريف، جاء بصيغ متعددة: “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” المكتبة الشيعية. بحار الأنوار. ↩︎
إشارة إلى حديث شريف روته أم سلمة: " أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دعا فاطمةَ عَامَ الفَتْحِ فَناجَاها فَبَكَتْ ثُمَّ حَدَّثَها فَضَحِكَتْ قالتْ فلمَّا تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سَأَلْتُها عن بُكَائِها وضَحِكِها قالتْ أَخْبَرَنِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ يموتُ، فَبَكَيْتُ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِساءِ أهلِ الجنةِ إِلَّا مريمَ بنتَ عِمْرَانَ فَضَحِكْتُ. سنن الترمذي. ↩︎
حديث شريف: “إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظًا من نفسه يأمره وينهاه.” أخرجه الديلمي، وجاء في الجامع الصغير للسيوطي. ↩︎
لَمَّا اشْتَدَّ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجَعُهُ، فَقَالَ: مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ. صحيح البخاري. ↩︎
قال أبو بكر: “ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته”. صحيح البخاري. ↩︎
سورة طه -١١٥ ↩︎
سورة النجم - ٣٢ ↩︎
سورة المائدة -٧٧ ↩︎
سورة البقرة - ٢١٣ أيضا: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم من العلم} سورة الشورى – ١٤ ↩︎
حديث شريف: “بدأ الإسـلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة الأنفال -٣٣ ↩︎
سورة الأعراف - ١٥٧ ↩︎
إشارة إلى حديث شريف طويل روته عائشة أم المؤمنين منه "… لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ… فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا. صحيح البخاري. ↩︎
سورة سبأ -٤٩ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
عبارة صوفية يقال إنها للسيد أبي الحسن الشاذلي، كما يقال إنها للسيد أبي العباس المرسي ↩︎
سورة البقرة – ٢٥٥، سورة آل عمران - ٢ ↩︎
استلهاما من قول المسيح عليه السلام: “لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ، أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” (مر ٨: ٣٦، ٣٧) ↩︎
سورة التوبة - ٣١ ↩︎