(٤)
الناس
ما آمنوا بروح الله لهم واتقوا لروح الله معهم
هم كلمات الله وظلال رسول الله
حديث الجمعة
٢٥ محرم ١٣٨٧ هـ - ٥ مايو ١٩٦٧ م
(اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)[١].
اعبد الله، مع من رآه، كأنك تراه، فإن لم تعرف من رآه، لتراه، فاعبد الله كأنه يراك، لأنه يراك بمن رآه.
تخلق بأخلاق الله، يوم أنك تراه، فيمن رآه، وتعامل مع الله في معاملتك مع الناس، عالما بأنه فيهم يراك، وإن كنت فيهم وفيك لا تراه.
طلب الإنسان من الله، في قدمه في قدم الله، أن يرى الله، سائلا الله أن يلبي نداه {رب أرني أنظر إليك}[٢]، مؤمنا أن الله يراه، وإن لم يكن يراه، وعبد معبوده في الله، زلفى إلى الله مفتقرا إلى الله، فقيرا إلى الله في غناه، سائلا الله من عطاه، راجيا نعماءه، مصاحبا رحماءه.
لم يكن يعرف كيف يعمل ليرى الله، أو كيف يحاول، ويجاهد ليشهد الله، حتى جاء رسول الله، حتى جاء عبد الله، حتى جاء حق الله، حتى جاء الحق من الله، حتى جاء اسم الله، حتى جاء طالب الله وأبو طالب الله، فوجده في حجابه، كان حائرا في الله، فكشف الله عنه غطاءه فهداه، فرآه الأعلى له، لمعنى في نفسه يراه ولا يراه.
فجاهد نفسه، حتى أنه لنفسه يرضاه، فسرى وعرج في مولاه، فرضيه لنفسه عبدا له فرآه، فكان عندنا ولدائرة علمنا، أول من لاقاه، عبدا له سماه، وحقا منه تولاه، واسما له أبداه، ووجها لجلاله وجماله تجلَّاه، فتعارف إلى من تعارف إليه بمعناه، بعثا له بمن فيه تولاه، عبدا هو عين مولاه، ومولىً هو عين من تولاه، فعرف وعرَّف ناموس الله، وخُلق الله لعموم خلق الله.
به عُرِف الله، وبه تعارف الله، فكان الأمر الوسط بين أمور الله، وكان العروة الوثقى لمن طلب الله لله، ولمن رضي الله على ما هو الله، رضاء بقضائه حلوه ومره، ورضاء بجزائه بظلامه ونوره.
رأى في المر خيره، ورأى في الحلو اختباره، لم يرفض الاختبار، لأنه ما كان له في الأمر خيار، ولم يجزع للمرار لأنه رأى فيه صلاح أمره وصلاح القرار.
هكذا كان محمد أول العباد، أولية للعباد، أولية للحقائق، أولية للرشاد، أولية للحكمة، أولية للسلم، أولية للسلام، أولية للمسالمة، أولية للمشافهة والمكالمة، أولية للصفح والمصافحة، أولية للقيام في الشهود، أولية للأمر لعالم الوجود، أولية للحق، أولية للخلق، أولية للقاء، أولية للعطاء، أولية للوفاء، أولية لتحقيق الرجاء، أولية لتلبية النداء، أولية للناس، أولية للأمم، أولية للبشر، أولية للإنسان.
وهو في أوليته، جديدا بها، ما كان إلا بعثه بقديمه كائن له بذلك كله، ذكرا محدثا، لذكر قديم، في المذكور أبدا وأزلا، لواجب الوجود سرمدا في قائم الوجود للشهود، وبتكرار نفسه كوثرا كانت رسالته وطريقه.
رسول الله، وصفة الهدي في مولاه، جماع كلماته، وقائم آياته، يجيء بلا غياب، ويظهر بلا احتجاب، يوم يلبي بقائم وعامل حقه نداء مناديه، ويكشف الغطاء لمواليه في نفسه فيلاقيه، يلاقيه حقا لا شريك له منه، يلاقيه لا شريك له من نفسه، ولا شريك له من أمره، ولا شريك له من عقله، ولا شريك له من تدبيره، يوم يعرفه عبدا لرب، لا شريك له من عباده.
حقا يلاقيه ملاقيه، يوم يلاقيه في ملاقاته لبعثه بحقه، وأحدية معانيه بجوارحه لذاته، وأحدية معانيه لمعناه، لظلاله بصفاته.
أحد آحاده لقائمه، وواحدية أحده لشهوده في قائمه بموجوده، لموجده يعرفه المؤمن يوم يدخل حصن لا إله إلا الله، فيبعث بالحق لشهوده، محمدا رسول الله.
فيعلم أن محمدا هو الحق من الله، ويعلم أن محمدا هو طابع وخاتم المحمدين وقائم النبيين، به مبشرين، وفيه مبعوثين. ويعلم أن المحمدين إنما هم عباد الله، وأن عباد الله ليس بينهم تعدد، فكلهم العبد الواحد للرب القيوم الواحد قاموا عين قائمه لقيومه بهم، وقيومه عليهم، عروجا في لا إله إلا الله، في معراج الإسلام، في معراج الفطرة، في معراج رسول الله، في الله أكبر، والله أكبر، بالله أكبر، بها قامت صلاتهم ومناسكهم، وبها قامت صلاتهم ومعارفهم.
عرفوا أن الناس، بين طالب لله لذاته، وبين طالب لنعمائه، غافل عن شهادته، فلم تشغلهم نعماؤه، ولم يعطلهم اختباره وابتلاؤه عن طلبه لذاته مع رسول الأقدس في ذواته لواسع ذاته.
بذلك كان محمد فيصلا في دين الله، وفي الاعتقاد في الله، وفي العلم عن الله، وفي معرفة الله بين ما قبله من الدين، وبين ما بعده من الدين.
فقام من قبله النبيون بالنداء والدعوة والهداية والإنباء عن الله، في قائم آلائه بالناس لقائمه بالإنسان القديم، وقام من بعده العابدون، العارفون، الملبون، القائمون في بعثهم قائم الحق بين الطالبين، وجوها لله مشاهِدين ومشاهَدين، فكيف يكون معهم قيام لنبيين، إلا أن يكونوا ممن هم لهم مصاحبين ومتابعين، هم لهم حواريين، وحولهم مصلين. في بيوتهم عاكفين، غرفا لله، بمن حولها من الطائفين، عبادا لله لعباد يتابعون.
فإذا عرفنا معرفة اليقين، ففيه بعث من قبله من النبيين لتمام كلمة الله لهم به وبربه مؤمنين، لهما في أنفسهم يشهدون، ومعه ومع ربه يعملون لخدمة الخلق وإقامة هذا الدين. أمر يدرك للمؤمنين، يوم يقوم الروح لهم لرب العالمين. من الروح لأنفسهم لا ييأسون، وللروح يطلبون وينادون وبها يؤمنون، ومعها يعملون، ولها وبها يقومون. وهو ما تقدمه رسالة الروح في عصركم للعالمين، وللناس أجمعين.
قاموا في الناس نُصبا للدين، ومصابيحا لليقين، وكتبا للقارئين، وأئمة للمفتقرين. فإذا كان الناس قد انتهى من بينهم النبيون، فقد قام بينهم لهم العباد العابدون، العاملون الناصبون، المتحققون المحققون، الشرفاء المشرفون، بالنور فياضين، ماء أنهار الحياة، وأحواضها للواردين للعطشى الظمئين، للحق طالبين، ولله مفتقرين.
فما كان محمد ختاما للنبيين، ولكن كان خاتما وبدءا للعابدين، يطوف حولهم النبيون، في كوثر بمشهود الحق يتواجدون، روح القدس وجماع كلمات اليقين.
ما قدر الناس الله حق قدره، وما عرفوا الله على ما يليق بمعرفته، إن محمدا وآله، أول بيت وضع ويوضع للناس، وليس آخر بيت وضع أو يوضع للناس، وهو أول بيت وضع للناس على كوكبكم، على هذا الكوكب الحزين، على هذه الأرض التعسة بأهلها، السعيدة المشرقة بربها، جماع إنسان يوم ينشق عنها، وتنشق السماء عنه، في كل وقت وحين. وهو أول بيت يوضع للناس في كل زمان بيقين، وهو أول بيت يوضع في كل عالم يفتقر ويتهيأ لطلب المعرفة والدين.
أول بيت وضع للناس، أول أسرة مباركة تمت حقائقها أبرزها الله من الناس في الناس، أول أب سماوي رضي أن يكون أبا أرضيا، أول آب، أول إنسان آب وعاد لقومه من الناس، أول حق، أول اسم لله، في ناموس الله تواجد، وبناموس الله بعث بالحق، وفي ناموس الله توفاه الله، يوم طلب الوفاء في بنوته لمقام أبوته فتوفاه الله، آبا، وبالحق أنزله أبا وولدا ذاتا وروحا، لم يجزع من البلاء، ولم يسيء الظن في حال أرض الشقاء، ولم تطغه النفس في قيام النعماء، فتوفاه الله لمعناه بمبناه كلمة لله تمت بالله، اسما لله، وحقا لله، قيوم قائمه بها.
أول عابدين ببيت رفع، وإلى اللانهائي طلبا اندفع، لم يعقه عائق، ولم يسقه سائق، حتى أحب أن يعرف، بحكم الناموس له عرف، فأحب أن يجدد نفسه، وأحب أن يستخلص جنسه، فبالحق نزل، يوم هو بالناموس أُنزل، فكان أول بيت وضع للناس، لأول بيت رُفع من الناس.
فرغ في مُحدَثه مما سوى الله، على ما صار بعثا بما كان في قديمه، فانتصب في غنائه من افتقاره نصبا لله بنور الله، نُصبا يبعث في نفس كل من لنفسه وقلبه ارتضاه، فأشار بموجوده إلى قائم وجوده، ليرى فيه لطالبيه، علما له بالحق، من بالحق تولاه، ووجَّهه لمعناه، عَلم مولاه، ووجه من أنشأه، وحق من أبداه، فكان حِلَّا بالبلد ووالد وما ولد على ما أبداه، إعلاما عن حلول الأدنى في الأعلى بالوجود، وبكل ما فيه تواجد للشهود.
فكان حقا رحمة للعالمين، وإماما للقيمة من الأولياء الصالحين، وشهيدا على الشهداء العاملين، لله مشهدين، وبالله في المتقين متواجدين، مصابيح نوره للسماء الدنيا وكتب الدين، بنور الله في الناس يمشون، جُعل نور الله لهم به في الناس يقومون، ولهم يجددون، وبالسجود للأعلى يتقلبون، وإليهم ينقلبون، بعثا بالحق بهم فيهم يتواجدون، فباطل النفوس يزهقون، وظلامها يمحون، ونورها يتواجدون، وبنور الله بين الناس يعرفون، فيُعبد الله في شهود، يوم هم وجوها له يشهدون، الله من ورائهم محيط، كما هو من وراء الرائين المشاهدين.
فبماذا عرفنا الإسلام؟ وبماذا كنا المسلمين؟ أبما نتبادل بيننا من جدال عقيم لمعاني ألفاظ لا قيام لها، ولا هي من الدين، بجدل حول منسك للشافعيين، والحنفيين، والحنبليين، لموصوف الأئمة؟ وما كانوا أئمة بدين، ولكنهم كانوا فقهاء، وكانوا لله غير فاقهين. ما عبدوا الله مشاهِدين، ولكن ظنوه مرجحين، وطلبوا رضاءه مجتهدين.
وعلى من كان بينهم من آل محمد وجوها للحق منكرين، لا موالين، ولا مصدقين، ولا متابعين. جاءوا بدين بعيدا عما جاء به محمد الدين. ويل للمصلين، أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، كيف رأيت أنه بذلك أمر بالدين، ولم يبتعد عن السلامة واليقين؟
إن الذين هم بدينهم يتاجرون، اشتروا الضلالة بالهدى، والدنيا بالدين. فهم لحساب بطونهم وملئها يعملون… ولحساب كسائهم به يتزينون ويفاخرون يجتهدون، ولحساب دنياهم بها يستمتعون ويتواجهون ينافقون. إنهم الضالون المضلون لو تتنبهون.
وها أنتم في صلاتكم في كل ركعة بالله تستنجدون وتسألون أن يهديكم الصراط المستقيم، لا صراط الضالين، ولا صراط المضلين، ولكن فريقا منكم عن الله في أنفسهم يعمهون، فالمضلين والضالون يتابعون فيضلون ويضلون… والمهتدون من بينهم لهم لا يأبهون.
وليتهم بذلك يكتفون، بل هم معهم قوم جدلون، وأعداء مخاصمون، هم في أمرهم شاكون، وفي قولهم مرتابون، يريدون وينتظرون أن يروا الله في يوم للدين، وهو فيكم لو تكشفون، وهو معكم لو تصدقون، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد لو تتقون، وهو من ورائكم بإحاطته لو تعلمون، وهو في مواجهتكم أينما تولوا لو تبصرون.
وإنه قائم بعبده ورسوله بينكم من أنفسكم، رسولا عليه تنكرون، وأنتم له تشهدون، فلا عبدا لله تقبلون، ولا رسولا من الله تسمعون، ولا حقا لله حوله تطوفون، وعند قديمه لله نُصبا له تسجدون، لو أنكم حقا لباب الله تطلبون وتنشدون.
لو رأيتم وعرفتم، لوقفتم عند الباب ملحين، في الكون متأملين وللباب طارقين، ولوجه الحق بكم لكم أمامكم وفيكم قانتين عابدين مفتقرين، حتى أنكم يوما للباب تلجون، يوم يفتح لكم فتدخلون وفي بيت الله تقيمون، فوجوها لله تتلاقون. أتنتظرونه ليوم لا ينفع فيه عمل ولا مال ولا بنون، وأنتم أمام أنفسكم فقدتموها يومئذ تحاسبون؟
الرسول يقول لكم كتاب الله وعترتي… كتاب الله وسنتي… كتاب الله ودائم جلدتي… كتاب الله ما كان من حقيقتي إلا كلامي، وما كان بي لكم إلا سلامي، وما توقفت يوما عن كلامي، ولا عن سلامي، ولن أتوقف، فما كنت بظلالي، إلا كلام وكلمات الله، يوم أني بينكم أتكلم، وما كنت لكم يوم تسالموني إلا سلام الله، يوم أني لكم بسلامكم أسالم.
وما كنت في الحقيقة، إلا قضاء الله يوم أعاتب. وما كنت إلا محنة الله يوم أجانب، وما كنت إلا نعمة الله يوم أقارب، وما كنت إلا رحمة الله لمن يطلب رحمة الله، لمن يسترحم الله فأرحمه بما يرحمه به الله.
لا فرق بيني وبين ربي، في الله لربوبيتكم، ولا فرق بيني وبينكم في الله لوحدانيتكم، ربا راعيا، رحيما لكم، ووجه ربي لشهودكم، ويده لنجدتكم، ولا فرق بينكم وبيني، عبادا له يوم أنكم تؤمنون بربي ربا لكم، بي تشهدوه، ووجها لله وحقا له تلاقوه فتقوموكم فتقوموه، فبوجه الله تقوموني، فلأنفسكم تعرفوني، فلا يكون لكم حجاب عن الحق بأنفسكم دوني، هي عني وعنه بغفلتكم معزولة، وهي به وبي بإيمانكم لكم مكفولة.
أعطوني أنفسكم في كنودها وعمائها، وخذوا مني نفسي في علمها وصفائها، أصلح نفوسكم جاهلة عمياء، وأردها إليكم في حال من المعرفة والصفاء، وأسترد أمانتي لأعمل بها في دائم رسالتي، لكوثر تواجدي في الخلق لقائم وجودي، أُبعث فيهم بالحق في الحق، حتى تبلغ أُمتي ما زوي لي، وقد زويت لي الأرض، وجعل أهلها أُمة لي وعبادا لربي، بنور الله أشرقت، جُعل لي أمشي به في الناس، نور نزل معي، ولم يرفع من بعدي، قائم اسم الله الرحمن الرحيم، به أقوم وأتقلب في الساجدين، دوام رسالتي، لدائم جديد لي بجلدتي، لكوثر قيامي بعترتي.
فبماذا انتفعنا من هذا النور لله؟ وبماذا عاملنا هذا الحق؟ حقا جاء ولم يغب، حقا ظهر ولم يحتجب، شانئه الأبتر فما كان أبترا، وقائمه الكوثر فما كان مفردا، ولكن كان بيتا، وما كان بيتا، بل بيوتا، فكان أُمة… ما كان أُمة، بل أُمما.
نبي الأمم… روح الكلم… ذات العلم… اسم الله الأعظم… حق الله الأزهر… وجه الله الجامع لوجوه الله. الله أكبر، للا إله إلا الله، ولكلمات الله، ولأسماء الله، ولصفات الله، بالإنسان لله، بالبشرية للإنسان، بالحياة للعنوان، بالوجود للعيان.
ماذا أفدنا من رسول الله؟ نعم… أفاد منا مستفيد، وولد بعثا به وجود جديد وحق جديد، وإنسان جديد، آيات من الله ما انقطع لها بيننا ورود، ولا انقطع لها بنا وجود، ولا غابت من بيننا لطالبها عن شهود، ولكن قل الطالب، وعز المطلوب، وتكاثر الشيطان بالوجود للعيان وللشهود، عند العابد يفتقد المعبود، وقد غطت حجب الظلام حجب النور في الوجود. فاختفى النور عن الشهود، إلا لصادق كشف عنه الغطاء، فرآه فيه للجزاء بالعطاء.
طغى الظلام على الإنسان من حوله، وتكاثف الظلام فيه من فعله، وتضاءل النور لناظريه، في كائنه قائما بالنور والظلام، لحقيقته وكونه، فغاب النور في الظلام، والتوى الإنسان في الكلام، وانحرف الفصحاء في الإعلام، وأشهر القيمة الحروب باسم السلام، وخرج الناس من السلم باسم التخلص والخلاص من الخصام.
فانقلبت معايير الأمور، وانعكست بيننا بدايات ونهايات الدهور، حتى صرنا لنرانا في عصرنا هذا، وقد رُجَّت العقول، واختلجت النفوس، وبعث اليأس، وانتشر العبوس، وقسا البأس، فلا بشرى ولا ذكرى، ولا بشرية ولا رجاء ولا رجعى، ولا أمل، ولا عمل، ولكنه القضاء، والمحنة والبلاء، والآلات الصماء، مما نصنع من المصانع، ويكبر في صدورنا من المقامع، يعود بنا إلى الحجر والحديد نُبعث به يوما، بموجود دوما مما تقوم وبه تتخلق فتخلق نفوسنا في حاضر بوصف الرجال والنساء والأبناء، نتوهم ونتمشدق. لا فرق بيننا وبين الجماد نؤاخيه ونسترشده ونقتديه، فخورين بما شهدنا من الحياة فيه، وما فينا من موصوف الدماء بالحياة لا نُحييه.
أمسك اللسان حتى عن الدعاء، وأمسك القلب حتى عن الولاء، وأمسك العقل حتى عن النداء، ومسخنا على مكانتنا فكنا المــُسخاء، وادعينانا المسحاء كنا البلهاء وزعمنانا الحكماء، كنا الظالمين، كنا الجاهلين وزعمنانا العارفين، والأولياء الموالين، كنا المخاتلين باسم الأنبياء والمرسلين.
فخورين أنَّا نردد اسم الله، مانِّين عليه بلفظ وكلمة كانت لنا… لو أنّا آمنا به. إنا نقول إن من هو الله موجود! أما يكفيه هذا منا! إنا بذلك عليه مننا! ويوم ذكرناه بهذا اللفظ آمنا! أما يكفيه أنا به آمنا!
من هو الله؟ يا من تلوك ألسنتكم اسمه! ولا ترى له قلوبكم ولا عقولكم في قيامكم واقعا، ولا من حولكم وازعا، ولا من أحداث الحياة تترى بسعادتها وبشقائها أمرا نافعا، فتصلح الحياة بيقظة قلوبكم وتحرر عقولكم لتكون لكم به واقعا، ولكن ما أصبركم على النار! وما أغفلكم عنه، وهو معكم، بأخوتكم في الجوار!
هذه حال الناس في عصركم، قَل من خرج منهم منها، فإذا قيل لكم إن الله دائم برحمته أنكرتم، وإذا قيل لكم إن رسول الله دائم، بهدايته وبطلعته وبجلدته كفرتم واستكبرتم، وإذا قيل لكم إن الإنسان لا يخلو مهما أظلم من شرارة الحياة المقدسة، ولا يخلو من قبس من نور الله أنكرتم! حتى على ضمائركم بأنفسكم، لها خالفتم وخاصمتم، ومعها بالأيدي تشابكتم، ولثيابكم مزقتم، فتساقطتم وتهاويتم، فالسكتة والجلطة والصدمة والقلق وما إليها استجلبتم إذ أنتم من الله يئستم ولأنفسكم أزهقتم.
يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، وكيف أعبد ما تعبدون، وأنتم لا تعبدون ما أعبد، وأنتم لا تشهدون ما أشهد، ولا تعرفون ما أعرف؟ (كل الناس هلكى إلا العالمون…)[٣]، (العقل أصل ديني)[٤].
إني على ما أنا على يقين. لست في ديني بظنين، فلا أعبد ما تعبدون، ولن يأتي عليّ يوم أعبد ما تعبدون، لأني لن أخرج مما أعبد (فالعالِمون هلكَى إلا العاملون)، والعاملون عن العمل لا يفترون، فأنا لا أعبد ما كان غيري، وما كنت غيره، فكيف أفارق الحياة إلى ما أشهد فيكم من العدم؟ (والعاملون هلكى إلا المخلصون)، وأنتم وما أصبركم على النار، وما أرضاكم بالقطيعة، وما أطيب عندكم من الوجيعة، لن تخرجوا مما ألفتم، أنتم في عبادة العادة، وفي قدسية الجلادة، فلن تتحولوا إلى ما أنا فيه بالإرادة إلا يوم ترتضوني لكم مثلا في الحياة، وبابا للخلاص والنجاة، فتبادلوني على أنفسكم، فبرحمة الله بي لكم أقبل، وبنعمة الله لكم بي أرتضي مبادلتكم، فلا تقيسوني على حالكم، ولا تظنوا مآلي لعين مآلكم، لست كأحدكم، لست على صورتكم.
إنني الحق من ربكم، وأنكم الخلق من صنع يديه، بي يدا له خلقا من بعد خلق، يوم أني بالحق أصنعكم وأجددكم، كوثر نفسي، وظلال ربي، فأنا بينكم في دوام بآدمي، بجلدتي ودمي، مسيح حقيقتي لقيوم ربي، أنا قبس نور الحياة لوجوده، بوجودي له في شهودكم لشهودي، كنت به غيب وجودكم وشهودكم، لقائم وجودكم وشهودكم. أنا بكم النائم يطوف بالكعبة.
أنتم اليوم لستم خلق الله، ولا خلق الرحمن، ولكنكم نبات الأرض وخلقها، نبات التراب وصنعه بروح خالقه، وخالق وما خلق وما تخلق منه، بأمور الله لكم بينكم.
إنكم تُخلقون بالله أو بالرحمن، يوم أنكم بخلقي بينكم تتخلقون، فتتخلقون بأخلاق الله، أنا قائمها، وأنا ظاهرها، وأنا باطنها، اتبعوني يحببكم الله ويكون لكم منه ما لي.
ألست رسول الله إليكم؟ ألست حبيب الله بينكم؟ ألست خليل الرحمن عندكم؟ لا تجعلوا دعائي بينكم كدعاء بعضكم لبعض كما أمرتم، خشية أن تحبط أعمالكم. لا تنادوني وأنتم خارج دوري، وخارج غرفي، نصبا بينكم. لا تنادوني وأنتم بعيدا عن حجراتي، فإما أن تطرقوا الأبواب فيؤذن لكم، أو تصبروا حتى أخرج إليكم. لا تعبثوا بديني، لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنى.
هذا دينكم، يوم يكون لكم دين، وهذا فقهكم يوم يكون لكم في دينكم فقه، فبأي من هذا فقهتم، وبأي مما فقهتم عملتم، وبأي مما عملتم في الناس قمتم، فالناس جددتم، وأُمة لرسول الله تواصلتم، وإلى رسول الله وصلتم فبالحق قمتم، ولربه شهدتم، وله معكم به عملتم، فيهما للناس عبادا لله شهدتم.
هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الشاهدين، وتقلبك في الساجدين، وتقلبك في العارفين، وتقلبك في النبيين، وتقلبك في الصالحين، يوم هم بك يصلحون، فلنا يصلحون، فبك يشهَدون ويشهِدون، وبنا يشهَدون ويشهِدون أن لا إله إلا الله، محمدا رسول الله.
اللهم يا من بمحمد أوجدت أرواحنا، وحققت أشباحنا، وقومت طريقنا، ويسرت سبيلنا، وكشفت أبوابنا… اللهم به فتولَنا واكتب لنا بخاتمة السعادة أجمعين.
اللهم يا من جعلته نور السماوات والأرض للعارفين، وجعلته كوثر الإنسان للمهتدين، وجعلته وجه الرحمن للمرحومين والراحمين، اللهم به فارحمنا في الدنيا والدين.
اللهم يا من هو على ما هو للموقنين، بمن جعلته منك بذلك، اجعلنا به منك كذلك، به صلنا وفيه فابعثنا.
اللهم يا من صلى على محمد من كل المصلين من عليين وسافلين… اللهم يا من جعل من الوصلة بمحمد دين، جعلها به طريقا إلى اليقين باليقين وفي اليقين… اللهم به فأوصلنا، وبركبه فألحقنا، ولأئمته فأتبعنا، ولسفنه فأركبنا، ولأنواره فأشهدنا، وبروحه فابعثنا.
اللهم به فادفع عنا من البلاء ما نعلم، وما لا نعلم، وما أنت به أعلم… اللهم به فاكشف الغُمة عن الأرض وعن بلاد المسلمين، وعن هذا البلد الأمين وعن كل بلد يعلو فيه اسمك وينتشر فيه ذكرك.
اللهم وقد جعلته محيطا بالأرض، يوم أدخلتها في إحاطته، فدب عليها بذاته وحقيقته، فبنوره أشرقت، فامتلأت علما وامتلأت بالعلم كبرا… اللهم بنوره فأشرق على قلوب أهلها برحمتك حتى يعرف الناس أن الأرض به قد أشرقت فعلا بنور ربها ووجها لطلعتك، وأنهم به لله العباد، يوم يلحقهم بك منه الرشاد.
اللهم به فأدخلنا في حصن لا إله إلا الله، وأشهدنانا به محمدا رسول الله، حكاما ومحكوميـــن، روادا أو قوادا ومتابعين، مجاهدين ومجتهدين حتى يعلو على العقول ذكرك، ويخفق في النفوس أمرك، ويبعث في القلوب روحك وسرك، يوم نقوم برسولك لعين قيامه ظلالا له وعبادا لك وحقائق منك، وكلمات منكما للناس، فنشهد أنه لا إله إلا الله وأننا محمدا رسول الله، وأن الناس ما آمنوا واتقوا، كلمات الله.
أضواء على الطريق
سُئل السيد الروح المرشد (برش): هل نتصل ثانية ونحن في حياة الروح مع الذين نحبهم؟ فأجاب:
(حيثما وجد حب بين رجل وامرأة، وقرَّب هذا الحب بينهما وجعلهما شيئا واحدا، وعاشا في نفس المستوى الروحي وهم في عالمكم فلن يفرقهما الموت، سيكون لهما الموت عبارة عن باب يمنح لنفسيهما حرية أوسع كيما تتقاربان أكثر مما كانتا في عالمكم المادي، أما لو كان زواجهما زواج جسمين، لا زواج روحين ولم تسكن روحاهما في نفس المستوى، فالموت سيباعد بينهما أكثر، إذ أنه سيعيدهما إلى طبيعتيهما الروحيتين)…
فسُئل عما يقول عيسى من أنه لا يوجد هناك زواج ولا طلاق، وأننا سنصبح أصغر سنا. فأجاب:
(إذا كان هناك حب فسوف يجدان أنهما لا يصغران ولا يكبران في العالم الروحي، بل سيجري عليهما النمو والتطور والتقدم، فهذه الأمور تخص النفس لا الجسم، وأن ما عناه الناصري بنفي الزواج والطلاق فإنما يعني به زواج الأجسام لا ما هو بين النفوس، لأن ما تسمونه ذكرا وما تسمونه أنثى، كلاهما شريك للآخر. الأنثى ضرورة للذكر والذكر ضرورة للأنثى. ويمزج الروح الأعظم كلا القاعدتين لأجل الاستكمال، وكلما تطورتم في مستويات الروح تضاءل الفرق تدريجيا.)
مصادر التوثيق والتحقيق
من حديث شريف مجمع على صحته جاء به جبريل عليه السلام عن معنى الإحسان. أخرجه البخاري في صحيحه. ↩︎
سورة الأعراف -١٤٣ ↩︎
حديث شريف جاء في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي باب “حقيقة النية ومعناها”، بصيغة: “فالنَّاسُ كلهم هلكَى إلَّا العالِمون، والعالِمون كلهم هلكَى إلَّا العاملون، والعاملون كلهم هلكَى إلَّا المخلِصون، والمخلِصون على خطرٍ عظيم”… وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر: سمعت ذا النون المصري يقول: "الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملون، والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، قال الله عز وجل: “ليسأل الصادقين عن صدقهم.” ↩︎
عن علي ابن أبي طالب قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎