(٣)
عيد
عاد وعاد معه الإسلام الغريب
على ما سبق من جيئة الفطرة مع محمد مجددة للأمر القائم القريب
وها هو يتجدد اليوم بالوعد والوعيد فتبدأ الرسالة من الروح بأمرها الجديد
ويرتفع صوتها من محمد عيد غريب
في يوم ذي مسغبة، يدعو لمائدة أب سريع مجيب لآب معجز عجيب
صلاة عيد الأضحى
١٠ ذو الحجة ١٣٨٦ هـ - ٢١ مارس ١٩٦٧ م
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله، بكرة وأصيلا.
لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون.
هذه تكبيرات العيد… نرددها في كل عيد. لا تصحبها صلة بصلاة على النبي مشهودا، ولا صلة بصلاة على آل بيته موجودا، ولا صلة بصلاة على أصحابه والتابعين وتابع التابعين بإحسان، أوتادا وأعلاما على ما وعد، لا انقطاع لهم إلى يوم الدين، على ما أوجد.
لا نذكر له أنصارا، ولا نقوم لملته أحبارا، ولا نعرف لذريته بيننا آثارا، ولا لأزواجه من النفوس لنا عندنا أخبارا.
يحل بنا العيد بعد العيد، في دورته من الزمان ولا جديد، ولا تقدم في أمر ملته بعرفان، ولا جديد في أمر اجتماع أمته بإحسان، غفلة في غفلة، وغفلة بعد غفلة، لا تجديد لإسلام، ولا كسب لإيمان أو سلام، ولا قيام في مخلص، ولا تحقيق لخلاص، ولا نشر ليقين بمعرفة، ولا تحقيق لرجاء بعلم، ولا تطور بتقدم في وعي، ولا فهم ولا بيان لما في نفس الإنسان، إلى أن بلغنا هذا الزمان، إلى أن تجددنا هذه الأمة. فإذا بنا نستقبل في يومنا في عيدنا هذا، جديدا يعود بنا في أحداثنا إلى أمرنا، من الجاهلية الأولى.
(لا ترتدوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم برقاب بعض)[١]… وها نحن نحيي هذا العيد، بأن يضرب بعضنا برقاب بعض في الشهر الحرام، وفي أقدس الأيام، في أيام العيد، وفي البيت الحرام، في البلد الحرام، في المكان الحرام.
ها نحن نضحي، بأشباح الإنسان بدلا من الخراف من الحيوان… هذا في بلد من بلاد المسلمين، هذا في بلد الكعبة، هذا في بلد الكعبتين، هذا في بلاد الحرمين، ومِنْ مَنْ وبمَن؟ من أهل بلد منها ينبت قرن الشيطان بأهل بلد جُعلت عنوانا للإيمان، على أرض عليها كعبة الإنسان. فيها تقدست القبلتان، للإنسان في الرحمن وللإنسان في الشيطان.
أما في كنانة الدين، فإنا لا نضحي بالأشباح فقط ولكننا نحاول أن نقتل الأرواح، أما في كنانة الله في أرضه، فإننا نقدم هَدية العيد، محاولة لإطفاء نور الله، لتعطيل أرواح الله العاملة في مجال الإنسان، وهو أحوج ما يكون إليها على الأرض الحزينة. نصفي نشاط الجماعات الروحية، نصفي الدوائر الروحية. ومن الذي يقوم بذلك!!! من يقومون علينا باسم الرعاة، ولا يَقْصرون أمرهم على قيامهم الجباة، من يقومون علينا حكاما، بينما رئيسهم ورأس هذا الشعب يؤدي صلاة الجمعة في ضريح أحد هذه الأرواح العاملة، به متبركا ولاعتقاده به مشهرا. وهم ورئيسهم لا يتركون فرصة إلا ويتكلمون عن القيم الروحية والمعاني الروحية، والحوافز الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والحرية الفردية والجماعية. فما بال هؤلاء!!!، ما بال عقولهم، وبماذا نصفهم؟! ما بالهم لا يكادون يفقهون حديثا!!!
يذهبون بعيدا عن مجال الوعي، وعن مجال الإدراك باسم الوعي والإدراك. أما كان الأولى، ورئيس هذا البلد لا ينكر على مقامات أصحاب هذه الأضرحة، ويتبرك بالصلاة فيها من وقت لآخر، أن تجهز هذه المساجد بغرفة أو بغرف للاتصال الروحي، يُخصص لها وللعمل بها من يصلح للوساطة والريادة، ومن يَصلح للاستفادة والإفادة منها…
حتى يمكن لأصحاب هذه الأضرحة، أو من ينتسب إليهم من المنتقلين ممن يحومون حول هذه الشخصيات، أن يقدموا خدمة روحية منتظمة لمن يحومون حول هذه الأبنية، من أبنائهم من هذه الأُمة!!
أما كان الواجب أن يعمل رجال الحكم ورجال الأمر، في جو من الاسترشاد بكبيرهم، في إيمانه بالروحية والاتصال بالأرواح! أما كان الأجدر بهم أن يُعمِلوا أجهزة التوعية في حكومتهم لنشر التوعية عن مواصلة الحياة بعد ظاهرة الموت، على ما تعرِّف تعاليم الدين حتى يتوفر عند الناس صحو الضمير، ورقابة الضمير، الأمر الذي يشكو من فقدانه هذا المجتمع مُر الشكوى، الأمر الذي يَعيي جهاز الحكومة كل الإعياء عن تحقيقه مع عمالها، فضلا عن مجتمع رعايتها!!
تفاجئنا الصحافة في كل يوم، أو من يوم ليوم، بأخبار المنحرفين عن الجادة، المنحرفين عن رعاية الأمانة، المنحرفين عن كرامة العمل، المنحرفين عن صفة الصدق، المنحرفين عن صدق المواطن، المنحرفين عن تعاليم دينهم، المنحرفين عن تعاليم الإسلام، المنحرفين عن صفات الصادقين من آبائهم، المنحرفين عن إعطاء المثَل الحسن لأبنائهم.
ألا يليق بنا أن ندرس أسباب ذلك؟ وهل كان لذلك من أسباب غير ضعف الوعي العقائدي، والخُلق الديني، وفقدان الضمير العامل، والاستهتار بالشرف الإنساني، والالتواء عن تعاليم التبليغ النبوي من الحكماء والمعلمين، والجرأة على ما هدى به إليه التبليغ الإلهي، والمفارقة لركب العالم السماوي، يظهر برجاله في كل وقت وحين، غير مفارق بالوسطاء بيننا وبينه، من الوليين، ومن المنبئين، ومن النبيين، ومن المؤمنين، ومن الفطريين، ومن الحكماء المحكمين، والعلماء العاملين، لا تنقطع بهم صلة الله بنا، ولا تتوقف رعايته بهم لنا؟
ولكن ما يكون حالنا اليوم؟ إنا لنرانا نضع أصابعنا في آذاننا حذر الموت! والله محيط بالكافرين! إحاطة إفناء، لا إحاطة مظاهرة لإبقاء، فالله بوجهه من وراء العارفين، وبهديه من وراء العالمين، وبقدرته من وراء المجاهدين، وبقربه من وراء الراحمين، وبحكمته من وراء الناس أجمعين.
يأويهم إلى حظيرة رسله، وجاءً لهم من إحاطته بقضائه. فلا نحن عرفنا الدين، ولا نحن عرفنا العلم، ولا نحن آمنا بالفطرة، ولا نحن جاهدنا في الله حتى تستقيم فطرتنا، وتصلح لله جبلتنا، على ما هُدينا، هديا لا يختلف فيه هاد عن هاد، ولا رسول عن رسول، ولا نبي عن نبي.
هدي لو قبلناه، وأدركناه، لكنا الآن أهل الأرض جميعا أمة واحدة، وبشرية متحدة، وإنسانية موحدة لله، في نفسها ساجدة، ولبيوت قبلته في قلوبها مشيدة ومعلية مجددة، ولقوالبها بروحها محررة مسعدة.
الناس في هذا سواسية كأسنان المشط، الناس في هذا إخوة لا شرف لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى. الناس في هذا أبناء بيت واحد، تسقط من بينهم حواجز الدول بخطوط وهمية باسم الحدود، وهي حواجز غير عملية، وغير طبيعية لوهم السدود. فبالإيمان بالإنسانية لهم جميعا تسقط من بينهم الفرقة، ويفشل بينهم التفريق، سواء بألوانهم، أو بأموالهم، أو بجاههم، أو بعلومهم.
دينهم أن يكونوا لأنفسهم بينهم اشتراكيون بأنفسهم، متحررون من أوهام فرقتهم، اقتصاديون بوحدة جمعهم، مجاهدين لإسعاد إخوانهم، عاملون لإحياء أنفسهم، متوادون لإقامة أمنهم، عادلون لحفظ سلامهم، ومع الله في إقامة كل ذلك يتعاملون، بدين القيمة، بالدين الجامع، بدين الفطرة، بدين الإسلام، بدين الروح الأمين، بدين الروحية الإسلامية، به يؤمنون، وبه يقومون، وبه يعملون.
ها نحن نؤمن بنور الحق، وقد ظهر لنا مُشرقا من الغرب، لندرك حالنا من قيام غروب في المشرق، بما بقي لنا من بصيص من النور، من شجرة جنسنا، لا شرقية ولا غربية، {ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر…}[٢] وعمل عملا صالحا.
وهل هناك إيمان باليوم الآخر أقوى من محادثة الموتى! فهل هذا الذي تأتيه الحكومة اليوم مع الجمعيات الروحية هو العمل الصالح، يقدمه الصالحون لأمتهم التي شرفتهم، فوضعتهم على رأس جماعتها! هل هذا ما يقدمونه هدية منهم بمناسبة عيد الأضحية، فيضحون بجماعاتهم العاملة اليقظة، بقلوبها الحية، وعيونها المبصرة، وآذانها السامعة، حماية لعمال الجهل والعمى منهم!
عيد الأضحى… عيد الضحى… عيد النور والشروق!! وعلى أي صورة أضحت هذه الأُمة، من غفلة حكامها قبل محكوميها، ومن فساد روادها قبل فساد مريديها!
هل يساق القطيع إلى المرعى، والراعي أعمى؟ ممن يسمع القطيع والراعي أبكم؟ كيف يسمع القطيع شكايته والراعي أصم؟
لقد انقلبت الأوضاع في مجتمعنا انقلابا فسد به الأمر. ولا يصلح أمرنا إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا، فغلبنا العقول، وأخضعنا النفوس، وأطلقنا الأرواح، وأحيينا الأشباح، وقومنا الجوارح، وغرسنا أرض القلوب، وأنرنا العقول، وأزكينا النفوس، وسرنا خلف مصابيح الله في مشكاة الصدور. فتابعنا الضمائر، فتحررت الأرواح، ونارت العقول، وأشعلت النفوس، واستقامت الأمور، استقامت بنا منا، ومنا علينا فينا.
هذا ما يصلح به أمرنا، وبغيره وبعيدا عنه لا يصلح لنا أمر، بل يتضاعف الفساد، بمضاعفة عوامله، ومقوماته، وحوافزه.
فنسأل الله أن يصلحنا، حكاما ومحكومين، وأن يغير ما بنا، حكاما ومحكومين، وأن يمحو ظلام نفوسنا، حكاما ومحكومين، وأن ينير عقولنا، حكاما ومحكومين، وأن يحرر من سلطان الظلام رقابنا، حكاما ومحكومين، وأن يطلق من حولنا، ليحيط بنا أرواحنا، حكاما ومحكومين، وأن يتجلى الله لنا، حيثما ولينا، وحيثما نظرنا، حكاما ومحكومين، حتى يرعوي الحاكم، وحتى لا يخشى في الله، ولا يرهب في الله، المحكوم.
فيعلم أن دينه يُعلمه، ويهديه، ويقومه، (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)[٣]، فيسأل الله لنفسه أن يهيئ له أسباب الطاعة لله، محكوما من الله بيد الله بحاكمه، وأن يهيئ لحاكمه أسباب الطاعة لله مسودا من ضميره، حتى يقوم الإنسان بالله حاكما ومحكوما، ويرفع شعاره، شعارا لله، سيدا لسيد، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
لا إله إلا الله، وحده سرمدا، صدق وعده أزلا وأبدا، ونصر عبده دائما وفعلا، وأعز جنده دواما، واقعا وقياما، وهزم الأحزاب وحده، بلا معين عيانا بيانا. بذلك يقوم فينا اليقين، ويتجدد بيننا الدين، فنسلم لله ورسوله كلمات لله وعبادا لرب العالمين.
نسأل الله لكم ولنا، وللبشرية عموما، مؤمنين مسلمين، زويت بهم أرضهم لرسول الله، وجها ويدا لرب العالمين، نسأل الله بالله ورسوله الرعاية والكفاية، في الدين والدنيا والآخرة.
ها هي الطبيعة تعبر بلغتها عن لفتاتها فتثير بيننا الزوابع والأعاصير في يوم عَرفة، تعبيرا متصلا متواصلا ملفتا للنظر، حتى يفيق من تطلب منه أن يفيق إلى أمر الله، ولا ينحرف الحكام والشعوب بسفينة الحياة يمسكون بمفتاح التوجيه لها، عن الجادة وطريق السِلم والمسَالمة والسلام. وهذه هي لغة الله، كم هو بها تحدث. فهل من يسمع للغة الله؟ تعاقبت من قبل، وكم سوف تصل إلينا، حتى نفيق إلى أمر الله. وإن الله بالغ أمره دائما، ومجدد لخلقه دائما، ومانحهم الإيمان والمعرفة دائما، ومختبرهم قبل تحقيقهم به دائما.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
أضواء على الطريق
سُئل السيد الروح المرشد سلفربرش: هل يحتفظ الإنسان في العالم النجمي بأشياء، كالقلب والنبض؟ فأجاب:
(الاحتفاظ بهذه الأشياء يتوقف على حالة الوعي، إذا كانوا يجهلون تماما الحياة الثانية، ولم يفكروا في وجود عالم آخر، فسوف تكون أمامهم نسخة كاملة من كل شيء تركوه في العالم المادي، وسوف يستمرون في كل وظيفة جسمانية بكل تفاصيلها. فإذا كان الشخص عنده معلومات عن العالم الروحي، يذهب الجسم النجمي إلى عملية تطهير. فإذا ما قدر أنه ليس لبعض الأعضاء ضرورة عنده، يجد أنها تصبح مبتورة، ثم تختفي في النهاية. وهذا أمر يتم حسب حالة الوعي، فكلما ارتقى الوعي كانت الحاجة للتكييف أقل.
يجب أن تعرفوا وتتذكروا دائما أن عالمنا هو عالم عقلي، عالم روحي، الوعي فيه ملك، العقل فيه يجلس على عرش متوج. إن العقل فيه يحكم. وما يمليه فهو حقيقة. فمظهر الذين يأتون من المستويات الأكثر علوا، أو من المستويات الداخلية، يوصف من الرائي لهم بأنهم ذوو صور مشرقة مشعة للنور، أكثر من كونهم ذوي أشكال، لأن الشخصية قد ذهبت وأصبح التعبير المادي على درجة أقل. وربما كان اللون أساسا للتعرف إذا ما تركنا الشكل جانبا. وإذا كنتم في عالمكم مقيدون بعدة ألوان بسيطة فنحن لدينا مجالات لونية أخرى وراء إدراككم، نحن يمكننا أن نتعرف على بعض المعلمين العلويين بمظهرهم البراق، بالضوء الذي يقبل مع الرسالة، لأنه لا يوجد لهم غالبا شكل من أي نوع. هناك فكر مصحوب ببريق. إنه الجمال… إنه الحب… إنه الضوء… فما هو شكل الجمال… ما هو شكل الحب… ما هو شكل الضوء).
قرآن كريم…
{يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}[٤]، {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٥]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٦].