(٤)
ناموس الرحمة وقائم الفطرة
رحمة للعالمين في أزل العالمين، ورحمة بالعالمين في أبد العالمين
فما ظهر الله إلا بالعالمين، وما تحدث إلا بالعالمين
فعل ويفعل بالإنسان في الإنسان للإنسان
الإنسان فيه حق العارفين ومالك يوم الدين
حديث الجمعة
١٨ شوال ١٣٨٤ هـ - ١٩ فبراير ١٩٦٥ م
{والليل إذا يسـر}[١]، (المؤمن مرآة المؤمن)[٢]، (المؤمن مرآة أخيه)[٣]، (المرء على دين خليله، فلينظر أيكم من يخالل)[٤] في اللطيف الجامع لهما، والروح القائم بهما.
{وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[٥] ملكوت الله بين جوانحكم، فهو القائم على كل نفس، يدبر أمرها، ويحفظ لها حيـاتها، إنسـانا بآدم، أو إنسـانا بكون، أو إنسـانا بوجود.
{إن ناشـئة الليل، هي اشد وطئا وأقوم قيلا}[٦]، {إنا أنزلناه في ليلة القدر}[٧]، {إني جاعل في الأرض خليفة}[٨]، {إنا سـنلقي عليك قولا ثقيلا}[٩].
{فاسـتقم كما أمرت}[١٠].
{وما أدراك ما ليلة القدر}[١١]، حتى علمت أن {ليلة القدر خير من ألف شـهر}[١٢]، بما عرفت، وتحقق لك مما يتنزل فيها لقائم نفسـك لك بما أنزلنا فيك عليك. {من يَهدِ الله فهو المهتدي}[١٣]، فناءً في ربك وبقاءً به، فقال مُعلما هاديا (إذا أحب الله عبدا جعل له من نفسه واعظًا يأمره وينهاه)[١٤]، (كان لي شيطان ولكن الله أعانني عليه فأسلم فهو لا يأمرني إلا بخير)[١٥].
{تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}[١٦]، عالما قائما بذاته، هو أنت للأنا لك، لظاهرك بك وغيبك لباطنك لمن كان منك.
أنزل بذلك السـكينة على قلبك، والطمأنينة لأمرك، عبدا مُسـعدا مغفورا، وربا مكلفا، مجازى مسـئولا، وإلها وحقا كبيرا… ظلا لقدس ربك، وكوثرا لكبير حقك.
بذلك عرفت ليلة القدر لك وجودا وشـهودا، حالا ومقاما وكوثرا، وسـجودا، قياما لا قَبل له ومآلا لا بعد له، {سـلام هي حتى مطلع الفجر}[١٧].
إن لك في النهار سـبحا طويلا ينتظرك، وعملا جليلا يسـرك، فوق الزمان وفوق المكان. أما الآن في دورتك الزمنية تحت قيود الزمان والمكان {ما أنزلنا عليك القرآن لتشـقى إلا تذكرة لمن يخشـى}[١٨].
فاذكُر وذَكِّر في الأسـود والأبيض والأحمر، محجوبين عنا لمعيتهم بمشـغوليتهم بأنفسـهم في ألوان أحوالهم، ذكر في حجاب الليل إن نفعت الذكرى، {سـيذكر من يخشـى ويتجنبها الأشـقى}[١٩].
اخفض لهم جناح الذل من الرحمة ليقتدوك، فتكسـبهم فيكسـبوك، وفي حجاب النار المقدسـة يعرفوك، وبنور الله يقوموك، وابدأ بنفسـك أمامهم قدوة عملية لهم، وكن مثلا حسـنا لنفوسـهم وعقولهم في دوام بينهم، ثم واصل قدوتك ومثاليتك بمن تعول مؤدبا بأدبك، عاملا بعملك. بذلك ييسـر الأعلى لك أمرك لتكون لهم أمره، ألسـت اليوم أمره بما عرفت وبه شـرفت؟
{قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٢٠]، فلن تتعطل رسـالتك، ولن تتوقف في دوام أوبتك، بعثا لك، وبعثا لمن تابعك فتبعك فتوبع بك فتبعك متابعه، متابعا لك تابعك، وتابع من تابعك فتبعك، وتابع من تبعك، فكان متابعه عين من تابعك.
فأعلن لأمته (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة)[٢١]، أنا بكم لكم، وأنتم بي لي. {والسـلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيـا}[٢٢]، تنشـق الأرض عني في دورة الحيـاة فيَّ بظهوري لقائمي روح قدس الله.
أُمر أن اُتلُ كتابك على مكث، فأنت فيهم ماكث أبدا، شـانئك الأبتر وأنت الكوثر الأزهر، فما جعل ربك لـبشـر من قبلك على هذه الأرض ما جعل لك، قائم إنسـانه، لقيوم إحسـانه، بربك لك كنت عليها خالدا يقوم ويتقلب بك في السـاجدين وجها للخالد، باقيا بربك وجها للباقي، مذكرا بكتابك لسـانا للهادي، فاعلا بأمره، يدا للقادر، مخلصا بإذنه يدا للرحمن الرحيم.
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله أنت، فوق أيديهم، ووجه الله أنت لرائيهم، وسـفينة الله أنت لناجيهم، وبيت الله أنت لذاكريهم، ونور الله أنت لمشـرقيهم، وروح الله للقلوب أنت لمتقيهم، وطريق الله أنت لمسـتقيمهم.
رحمة للعالمين كنت في أزل العالمين، ورحمة للعالمين تبقى لأبد العالمين، فما ظهر الله إلا في العالمين، وما تحدث إلا بالعالمين، أنت كوثرهم ظاهرهم ومخبرهم، كنت لهم جماع، وكانوا بك في ربك على اجتماع، وما حمل بشـراه للمظلمين، إلا بالمشـرقين المنيرين بنور رب العالمين، لا يُشـهد إلا لمن به يقوم، فهو الذي برسـوله يتقلب بنوره في السـاجدين.
قبضة نور الله للوجود، تظهر للشـهود، يوم يؤمن مؤمن بالله معه له، بمعيته لك، مؤمنا بالله ورسـوله معه ومعك، متقيا لله في إيمانه، بإيمانه بك إيمانا برحمته، أنت ظاهر حضرته لباطن حظوته، غلبت رحمته عدله بك، وقومت في الوجود أمره لك.
بذلك كان رسـولُ الله رسـولَ الله، وكان ما ظهر به لمعناه بمحمد مناط الآمال، ومعقد الرجاء للرجال، وكتاب المعرفة للرواسـي الثقال، ويد المبايعة من أهل الوصال، وإنسـان الصحبة للسـالكين، وآدم الأوبة للمتحققين، وإنسـان الله للواصلين، وعلم الحقيقة للعارفين، وإنسـان الإنسـان للمعلمين، وبيت القبلة للمتعلمين.
تسـربل بحجب النور، كما تسـربل بحجب الظلام، واختفى عن الإدراك بظهوره بالوجود للأعلام. فهو روح الحيـاة للوجود، وسـر القدس في الشـهود، ودورة الزمان بالأيام في السـجود.
بذلك كان رسـول الله بمحمده وكوثره بالآل معارج الإنسـان بآدم وبنيه، كشـفا لما في أزلي الإنسـان، وكان برحمة الله له به لقاصده مقصود الإنسـان، في أبدي الإنسـان.
فكان إنسـانا في قيامه بذاته لإنسـان ما دونه لنفسـه يرجوه، وإنسـانا لإنسـان ما يعلوه عند من شـهدوه، فكان روح القدس لمن يعلوه من أمر الروح مدانيا، وكان الحق لروح القدس منه، عنده، يعلوها ويسـفلها، منه به فيه، معها متحدا لأعلى عليه هو منه، فكان أمرا وسـطا، وروح قدس جامع لأوله وآخره له فيه، قائم أحد من آحاد لله في الله مسـيحا لأعلى في مطلقه للانهائيه.
ربه قديم إنسـانه، وقادم إنسـانه، لقائم إنسـانه بالعبودية له، موحدا له، متحدا به، قائما بجماعه فيه، باطنا لظاهر إنسـانه به، وظاهرا لإنسـان باطنه له.
هو الإنسـان القائم لنفسـه، في نفسـه، بنفسـه، عين قيومه بقديمه، وعين قائمه لجديده بقادمه، في ناموس الله لحقه بإنسـانه، وفي رحمة الله لخلقه بإنسـانيته، وصبغة حقه لخلقه، فطرة الفاطر للوجود على فطرته، وصبغة الله، القديم الباقي، الصمدي السـرمدي على قائم صبغته بالإنسـان لإنسـانية الرشـاد له.
الإنسـان فيه له هو الظاهر بقائمه، عَلما على أزلي قيومه في قيامه، وهو المتجلي بقادمه في أبد وجوده لشـهوده. أمر يشـهده الإنسـان يوم يكون إنسـانا، يشـهده بقائمه ليشـهد وجه القيوم عليه، وليعلم بقائمه عين قيومه لقادمه، من فعله وصنعه فعل قيومه وقديمه به، ليُعرف له عين وجوده لعين موجده.
يسـوي الأعلى بناموس الفطرة للوجود بينه وبين فعله، ليعلم فيعلِّم عن قيوم القيوم على قائمه إلى أزل، وعن قيوم معناه بقائـمه على قائم به إلى أبد، فيكون إنسـان الوجود لمعرفته وعلمه أمرا وسـطا بين قديم أمر الله، وقادم أمر الله، وبذلك يعَرِف الإنسـان عن الله في معرفته عنه، يَعرفه كتاب وجوده، ووجه شـهوده، ويد قدرته، ورسـول رحمته، وسـاحة جنته، ووجه طلعته، (من رآني فقد رآني حقا)[٢٣] ، (من رآني فقد رآه)[٢٤].
بهذا جاء الإسـلام، وبهذا جاء رسـول الله، وبهذا قام عبد الله ومسـيح الله، وبهذا بشـر مسـيح الإنسـان وكلمة الله، وبهذا أقام الله العباد فيما هو فيه به قائم.
بهذا جاء رسـول الله، فظهر المرسـل بظهور الرسـول بمعاني قيومه، بأعلاه على قائمه بمشـهوده، لكل قائم عليه بإيمانه به، بقائم الأعلى على كل نفس بما كسـبت.
فاجأ الناس بالنبأ العظيم من أن الله مع كل نفس أينما وجدت، وأنه أقرب إليها من حبل الوريد، تشـهده لها يوم هي غيرت ما بنفسـها من قائمها بالشـيطان يجري منها مجرى الدم إلى عين صفاته لقائمها بالرحمن مع رسـول رحمته، يوم هي تخلقت لصفاتها بصفاته لتقوم وجها لذاته، وتظهر قبسـا من نوره، وروحا لمطلق روحه، ووجودا للانهائي وجوده، في معنى موجوده، بموجود عرفته لشـهوده، من سـر وفطرة وجود الإنسـان بعينه بوجوده وجها وظهورا لموجِده.
إن الله خلق الإنسـان، واصطفى الإنسـان، وحقق الإنسـان، وكرم الإنسـان، وحرر الإنسـان، في إطلاقه، وأقامه بإطلاقه، غيب وجوده لشـهوده، فما عَرف الإنسـان عن نفسـه إلا بما أراد الأعلى أن يحيط به من العلم عنه، في العلم عنه. (كن كيف شـئت فإني كيفما تكون أكون)[٢٥].
تسـمعون الآن لهذا الحديث، غير خفية حكمته على فطن، وإن عز على العقل المقيد إدراكه، إذ يزعم أيكم معنى الإنسـان لنفسـه، ولكن المراد أن يعرف الإنسـان عن نفسـه، فإن صدق مع نفسـه حدد ما أراد لنفسـه، ولكن إن توهمه الإنسـان، على ما يعرِّف عن الإنسـان وهو مجرد نواة في مشـروع إنسـان، مجرد علقة في إنسـان، فلو أنه قدره الإنسـان بحاله فهو واهم، فحقيقة هو علقة في الإنسـان الكبير حُكما، ولكن مصير هذه العلقة ما زال مجهولا في إنسـانها، هل هو إلى وقود فيه أم إلى جنين له، أو عضو فيه أو خلية حية فيه، أو غدة صماء فيه، فأي إنسـان هو؟ إنه الإنسـان لمجرد المعنى يوحيه قائم السـمت للمبنى في الوجود الإنسـاني، فما زال هو لمعناه بالحق بعيدا عن الكيان وبعيدا عن مقام الإحسـان.
فإن عرفه على ما هو في حقية أمره فاقدا لمعناه كإنسـان، ظالما لنفسـه كبنيان، فحاول أن يغير ما ببنيانه كشـيطان، من خلق الشـيطان له، إلى خلق الرحمن برسـول الله عنده، فقدر الله حق قدره، فعرف عنده الرحمن له لوعيه، بنقيض قيامه ببنيانه له، وعرف أنه لنفس الرحمن، ولمراده به لنفسـه وجد، فلروحه له به تواجد، فبه وبكتابه لأمر نفسـه شـهد، وبالتخلق بخلقه تواجد، إن فعل فقد طرق الباب، وامتدت يده لنزع الحجاب.
فإن فارق البخل إلى الكرم، والمعصية إلى الندم، ووهم القدرة إلى قائم الافتقار، ووهم الإرادة إلى مطلوب الإدكار، ووهم الوصلة إلى إدراك القطيعة في الحجاب، فقد تهيأ ليلج الباب، باقتحام نفسـه إلى الوصلة بربه، لتنمحي عنه قطيعته، وتحل به من ربه وصلته، للقاء معه في قلبه لمعنى بيته.
بذلك يسـتقيم الموصول في قائم العلم له، بإدراك قسـطه من قائم الجهل به، في معلومه عنه، إلى عالمه له، فيتقي الله حق تقاته، في أمر وحدانيته، فيعلمه اسـم الله فناءً فيه لا إفناء له، وبقاء به لا إبقاء له، فيحيط بعلم من الله عن علم الله به، بعلم عنه، فيعرفه معلوم الله لعالَمه، وكتاب الله لوجوده، ما خلَّقه موجده بأمانة وجوده إلا لإشـهاده بوجوده على وجوده، عَلما على موجده.
ولا يعرفه بذلك، ولا يشـهده كذلك، إلا يوم يشـهده في الأعلى لعين وجوده وشـهوده بعقيدته، على ما عَلمه معلمه، بذلك يشـهده ويُشـهِده لعينه مع الأدنى، وهو فعل يده صنعا، وفعل إرادته قدرة، وفعل عقله هديا، وفعل نوره انتشـارا، وفعل روحه إحاطة وسـريانا، وفعل يده إقامة وبنيانا. بذلك يعلم، وبذلك يعرف عن الأعلى له والأكبر عنده وفعلهما معه، على ما رأى من فعلهما به له، في جديده ووليده.
إن الأرض التي تعمرونها، وبكم تعمر، إنما تعمر وتتزين بمن ربت، ورببها، وعلى نفسـه عرفها وتوحدها، فكان زينة لها، به تزينت، ولنفسـها به زينت، وله أخضعت، أما من ربب الأعلى لجنسـه، على عين مبناه لمعناه، ولعقله قَدر، ونفسـه له أخضع وقهر، فنفسـها له عبَّدت، وبخروجه منها إلى من آواه، نفسـها إليه نسـبت، وبانتسـابها إليه شـرفت، وله ذكرت، وبه افتخرت، وعلى قيامه عليها حرصت، وإن فارقها وباعدها، عليه حزنت، وبكت وولولت، وللسـماء غبطت، كيف هي له أخذت، ذلكم هو الإنسـان.
فأنتم على هذه الأرض، علقات هذا الرحم للأُم الطبيعية، للأم الكبرى، علقات هذه البويضة، هذه الدحية لمعنى الأرض، لرحم الكَون الكبير، لرحم الوجود للفطرة… (أنا ابن الأرض)[٢٦]… (تنشـق عني الأرض)[٢٧]…
{اقرأ باسـم ربك الذي خلق، خلق الإنسـان من علق}[٢٨]، ها نحن جمع العلق، ها هي علقة تتحدث إلى جمعها من علقات، رسـولا من أنفسـهم عن كيانها، لكيان أخواتها، يوم تتجمع وتتوحد لتتواجد خلايا وأنسـجة، لبنيانٍ لآدم، لبنيانٍ من آدم، ببيت يرفع، ويذكر فيه اسـم الله، يوم يسـويه الأعلى لإنسـان إيجاده وتواجده فينفخ فيه من روحه، ليبقى بالحيـاة، ولينمو بالحيـاة بيتا رفع، أو بيتا بعد رفع وضع، رسـولا عرف، وحقا وصف.
ينمو الكيان البشـري إلى سـماوات وأراضين، إنسـانا وعبدا، لأكبر من وجود في أكبر من موجود، لأكبر من إنسـان في أكبر من إنسـان، فتمسـكه يد الإطلاق، بظاهر يد لها، جماع السـماوات والأرض، تمسـكه أن يزول {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[٢٩]، ولو انفكت قبضتها عنه، لزال، لفني، لما عرف البقاء، لما عرف الوجود، لما عرف التواجد، لما عرف الحيـاة، لما ذكر المعرفة، {إن الله يمسـك السـماوات والأرض أن تزولا}[٣٠]، وبصفة السـرمدية لفعله لن تزولا.
{أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشـي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٣١]، (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشـد بعضه بعضا)[٣٢]، (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٣٣]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٣٤]، {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال}[٣٥]، (والذي نفس محمد بيده)[٣٦].
العلم عن اللـــــــــــــــــــــــــــــــه.
العلم باللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه.
العلم، بمعلوم يُعلم، وبعالم يَعلَــــــــــــــــــــــــــــم.
العلم عند عليم محيط، أحاط بمعلوم محـــــــــــــــــــــــــــــــــــاط…
علم هو كتاب وجود يبرز لعالم يقرأُه، يوم هو بيمينه يأخذه، ومن صنعه وعمله يملكه، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره}[٣٧]، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٣٨]، {وأن ليس للإنسـان إلا ما سـعى}[٣٩].
فيوم يتم للإنسـان إنسـان مبناه، يحب أن يُعرف له إنسـان نشـأته بإنسـان معناه. هو بينهما بين يدي مولاه. فيـحب أن يعرف وأن يتعارف إلى أدناه وأعلاه، فينزل بالحق، وعلى النزول يعان فينزل مع رفيق، هو بالحق، قيومه وقائمه، معلومه وعالمه، فيتحدث عن تجربته صعودا وهبوطا، فيقول {هاؤم اقرءوا كتابيه}[٤٠] لقد كنت على حالكم، وبعين أحوالكم، فظننت أني ملاقٍ حسـابي، ما أنا إلا بشـر مثلكم، ويقول معه الأعلى {إنه لقول رسـول كريم}[٤١]… (منك وإليك يا رسـول الله)[٤٢]… {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}[٤٣] ويقول الناموس {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}[٤٤].
عَرفت ربي، وآمنت به بالغيب، ما شـهدته، وما لاقيته، ولكن بالعقل عرفته، وبالحكمة وصفته، وبالقدرة عنيته، وبالقرب قدرته، وبالبعد أكبرته، فلحقني برحمته من لطيف وجوده لاحق، فتخللني لبنيان وجودي، فأحيـا بنيان موجودي، فشـهدت بعيني، وسـمعت بأذني، ولمسـت بيدي، فعرفته، عرفته في وجودي وقد عرفت ربي عين معبودي، فعرفت الله، عرفته معي، وأقرب إلى من حبل الوريد، عرفته في معرفتي لي، عين معلمي وربي، وعرفت معلمي وربي ليس غيره، وبه لسـت غيره، محيطا بنا ولا إحاطة لنا به، قائما علينا ولا قيام لنا عليه.
عرفته في وجودي، مرآة وجود الأعلى له عليّ، فذكرته لكتاب وجودي، على ما عرفته، في ظاهر وجوده بوجودي، لباطن وجودي لكتاب وجوده، ونزهته لباطن وجوده عن معلومي وموجودي ومشـهودي، فعرفت الظاهر مرآة الباطن، فاسـتكفيت بالظاهر على ما ظهر لي، عين الباطن فيما خفي علي، فآمنت بالله لا شـريك له.
عرفت أنه لا إلـه إلا الله، يوم دخلت حصن وجودها، ورحمة يقينها وشـهودها، فكنت المرسـل إليه، الذي عرفه عين الرسـول إليه، فكنت بذلك الرسـول إليَّ، الذي عرفه عين المرسـل إليه، رسـولا ومرسِـلا ومرسَـلا إليه ممن تنزه عنده عن الشـريك له، فآمنت بالغيب في إيماني بالشـهادة.
فبلا إلـه إلا الله أنا بينكم مرسـلا إليه، ورسـولا من المرسـل إليّ، ومرسـله إليّ، ومع ذلك يغان على قلبي حتى أسـتغفر الله في اليوم سـبعين مرة، ولكنها أغيان أنوار، وليسـت أغيان أغيار.
فلا تزعجكم الحيرة في أمركم منه أو في أمره بكم، وها أنا رسـول الله بينكم، ولا آمن مكر الله، أنا أقربكم إليه وأخوفكم منه. {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسـرون}[٤٥]، ألم يشـرع لكم في معاملته لي أمامكم وهو يقول لي {ولئن شـئنا لذهبنا بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا}[٤٦]، ولكنه وقد جعلني رحمة لكم وللعالمين حَمَّلني أن أحمل لكم مقالته، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يسـتغفرون}[٤٧].
أشـهدني من آياته الكبرى، وبي يشـهدكم لها، يوم تعرفوني لقيامكم به.
أدبني فأحسـن تأديبي، وأمرني أن أكون لكم مؤدِّبا ولكم مُعلما، وأن أتخلق في هذا بخلقه التي عرفت، ومعكم بها لها مارسـت (أُمة مذنبة ورب غفور)[٤٨].
بُعثت بالحق وما ظهرت مما بعثت به إلا معلما، وخيرت بين أن أقوم بينكم متعلما، وأضرب لكم بنفسـي مثلا حيـا متكلما، وأن أبقى أبدا بذاتي وكوثري بينكم دائما، أو أن أتخلى عن ثيابي، بالمتعلم والمعلم بينكم، إلى غيب وجودي، فـــ(ما عرفني غير ربي)[٤٩]، وأن أخلف منكم، وأسـتخلف عليكم، تخلقا بأخلاق من خلفني واسـتخلفني، لتقوموا أنتم في موجودكم بموجودي بين متعلم ومعلم، بين قائم بالله، وقيوم بالله على قائم بالله، دين القيمة، للبشـرية، الله على كل نفس فيها قائم بما كسـبت النفوس بعملها وإرادتها، لأكون بجوار ربي، لأكون بجوار الأعلى، فاخترت جواره لخيركم، (وخَلفت الله عليكم)[٥٠] ليعرِف لكم مع من عرفني له فرضي خلقي، ورضي خليفتي لنفسـه، وواصل تأديبي، للأكبر لعينه، فهو يؤدبني، لعين قيامه في محمود مقامه، يعلمني لأَعلم وأعلم جديدا من سـلامه، في لانهائي قيامه، مرسِـلا لمن كان بي رسَـولا، إلى مرسَـل إليه لمن كان بي حيـا، وطلب من الله بي قياما، وعرفني عليه قيوما.
فقد جئتكم بالفطرة ودينها، مبعوثا بالحق، لأتمم مكارم الأخلاق، ولأكشـف لكم عن الناموس الأزلي وقيامه، والصفات الأبدية للوجود في دوامه، بقائم الحق على موجوده في صمد وجوده. ها أنا أعلمكم، (وقد أُعطيت جوامع الكلم)[٥١]، كتبا ورسـالات، في قليل من كلمات، (فقد أُعطيت جوامع الكلم).
(كان الله ولا شـيء معه، ثم خلق الخلق، وهو الآن على ما عليه كان)[٥٢]، فلا تغيبه عنك ولا تُحدِثُه عندك، ولا تقطعك عنه.
(اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)[٥٣] ، كن على يَقين من أنه يراك، وكن على أمل من أنك تراه، فسـتراه يوم يكشـف لك الغطاء عنك، فينعكس بصرك في بصيرتك، فتراك… تراك من ليس كمثله شـيء ولا شـريك له منك، يوم تكون اسـما له، وبه كلَّ شـيء، فتراه في مرآة الأشـياء شـيئك، فتعرفك فيه كل شـيء، {في أي صورة ما شـاء ركبك}[٥٤].
لا إلـه إلا الله لا شـريكَ له، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نردد اسـم الله بألسـنتنا، فمن يكون الله لعقولنا ولقلوبنا ولنفوسـنا؟ أهو ذات فرد أو ذات مجتمع؟ أم هو معنى مجردا عن الذات والذوات؟ وهل معه مثاله؟، أمعه آلهة دونه؟ هل هناك آلهة آخرون بعيدين عنه؟
{الله لا إلـه إلا هو الحي القيوم}[٥٥]. هذا هو ما يعرف به دين الفطرة له، إجابة لهذا التسـاؤل.
الله هو هو، على ما هو، لم يطرأ ولن يطرأ عليه التغيير، الله الصمد، لا شـريك له من الوجود، ولا شـريك له من موجودك في وجوده، لا يدرك، ولا يحاط به، وهو المدرِك المــُحيط… هو غيب، أولئك الذين يؤمنون بالغيب، إيمانا به، آتاهم رحمة من لدنه، وعلمهم من لدنه علما. عرفوه بذلك واجب الوجود، لموجود وجودهم، وبكشـف الغطاء عنهم، شـهدوه عين وجودهم لقائم وحدانيته. فهم ظاهر لباطن، لواجب الوجود بظاهرهم لظاهره، وبباطنهم لباطنه، فهم بظاهرهم علم باطنهم لهم، هو بواسـعه في غيبه وإحاطته للوجود بموجوده، أحد، لا شـريك له، فيه آحاد، من حقائق، من إنسـانية رشـاد، من كتب وجود، من أعلام للشـهود، لمطلق وجوده بالهو. هم فيه منه له لمعاني أسـمائه ووجوهه.
هو، على ما هو، باطن له ظاهر، فهو الظاهر والباطن، ظاهره الحي، في كل حيـاة، لكل حي. وباطنه القيوم على كل حي بالحيـاة، فالله، لا إلـه إلا هو الحي القيوم، الإنسـان فيه هو العبد والرب، وكذلك هو الرب وربه، والعبد وعبده.
فكيف نعرفه ونحن الكائن الحي، إلا في معرفتنا لنا بالحيـاة؟ نعرفه يوم نعرف مركبا للحيـاة من حيـاة على حيـاة، بقائم حيـاة لمعنى القيوم على قائم حيـاة بقائم بها. خلقناكم أزواجا، يوم نقوم بقيوم حيـاة على حيـاة، بوالد وما ولد، اصطفى الوالد وكرم الولد، وجعل من الوالد علمية للولد ليكونه، فيكون الولد، والدا يوم يلد، ويوم هو ينمو، ومع أبيه يتحد، فيقيم الأعلى بهما بناءً له منهما يحمل صفة الواحد الأحد، من والد وما ولد ويلد، وقد سـوى الأعلى لعليّه الوالد بما ولد، فدُرِّك عند الإنسـان وأدرك الإنسـان عن ربه الذي خلق، وربه الأعلى الذي خلق فسـوى.
بذلك يتحقق الولد بما تحقق به الوالد. فيعرف ربه قديما إلى أزل، فإذا تجدد الوالد من الولد الذي حقق لنفسـه الحيـاة، انعكس الزمن عندهما باتحادهما، وعمل الناموس لهما، وتكرار هذا منهما يتواجد بينهما الأمر الوسـط.
بذلك يعرفان الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسـان ما لم يعلم، والأعلم، لا يحيطون بشـيء من علمه، إلا بما شـاء أن يعلم فيعلِم.
بذلك كان الإنسـان الكامل أو الإنسـان الرشـيد، أو الأمر الوسـط علما في الشـهادة حيثما تواجد وكلما ظهر، على معلوم له في الغيب في اتجاه الأزل والأبد. وهو ما حققه الرسـول لنفسـه وقَدَّمه لقومه، وبذلك جمع الرسـول المعرفة في كلمات، (الظاهر مرآة الباطن)[٥٦]، (كان الله ولا شـيء معه ثم خلق الخلق وهو الآن على ما عليه كان)[٥٧]، (قبل آدم مائة ألف آدم)[٥٨] ، (ما ظهر الله في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان)[٥٩].
وأشـار الكتاب له معه إلى أن الإنسـان هو جماع الأشـياء، {لا أقسـم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد، ووالد وما ولد}[٦٠]، فقال الرسـول أنا البلد (أنا مدينة العلم وعَلىٌّ بابها)[٦١]، أنا بغيبي، ما عرفني غير غيبي، ما عرفني غير ربي، وأنا بمشـهودي لوجودي لقدوتي باقتدائي لاقتدائي في عَليِّ قيامي، وقد جعل الله قدوتي لاقتدائكم بعَليّ، فهو بكوثره آدم تواجدي، لدائم وجودي بينكم، جعل الأعلى ذريتي في ظهره، لقدوتي ومثاليتي في خلقيتي لمعنى عبده لاقتدائكم، فمن كنت مولاه - ورضيني لذلك له - فعَليٌّ مولاه.
فهو وصيي على أبنائي من فاطمة هي روح قدس، وهم كلمات الله إليكم، فإني وقد تخلقت بأخلاق إنسـان ربي، يوم خَلّف عنه آدما، فها أنا أُخلف عني، مصطفىً، ويختاره لنفسـه مني (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)[٦٢]، (خلفت الله عليكم)[٦٣]، يوم رأيت فيه وجه ربي لقائم نفسـي، مرآة الله لي لمعرفة حقي ومعارج حقيقتي.
وبذلك بدأت رسـالة رسـول الله بغيبته، لمعنى الحق، برسـول الله لقائم الشـهادة بوصيه، فقامت بذلك رسـالة رسـول الله حقا قائما من وراء حجابه لشـهادة أمته، بمشـاهدة عليّ، لكوثر قائمه بعينه، بدء دائمه ظاهرا لباطن، من وجود حقي علم، بموجود حقي به بعث.
{وما كان لبشـر أن يكلمه الله إلا وحيـا أو من وراء حجاب}[٦٤]، فكان عَليّ هو حجاب الرسـول لموصوف الحق من الله. وقد غابت ذات محمد، بوصفها الكائن المحمد الخلقي، لدائمها الحقي، إلى بعث لها بالكائن العليّ، لمقام الأبوة الإنسـانية، لتظهر له بمقام الأعلى في معراج الرقي في مطلق الله، تظهر له بمعاني روح القدس في خلته، لقائم الأمومة العامة ماثلة في ابنته، لحقيقة الرسـول من الأعلى، روحا لروح أعظم، في الروح الأعظم اللانهائي.
هكذا قال، وهكذا كان، وكان عليه أن يبين ويثبت قوله (أنا روح القدس)[٦٥] على ما عرفه الأعلى، لمعناه. كشـف عن ذلك يوم تخلى عن معاني روح القدس، لابنته فاطمة ولعليّ لجديد جلبابه من الروح والذات، ليكشـف لهما فيهما عن مقام قدسـه، وليكون لهما معهما في المقام الأعلى، لمعنى الرفيق الأعلى، لها ولآدمه بها، نفسـا عذراء في ذاتها لذاتها.
لقد تخلى، وهو المتدثر بناموس الفطرة بكل ثوب لمعنى الإنسـان، تخلى عن معناه بمعنى الآدم، ظهورا لأمته، لعليّ، وعن معناه بحقي روح القدس، لفاطمة، واختفى عنا بمعناه، لمعاني الحق المجرد، غيبا لظاهره من القيام، بناموس احتجاب الحق عن البشـر من الخلق، بحجاب من أنفسـهم، من الشـهادة للعَلَم عليه، والمعلوم به.
بذلك كان الرسـول أحدية حق لقائم معناه، هو المرسِـل والرسـول، والمرسَـل إليه، وهذه هي أقانيم الإسـلام دينا للفطرة، كان بذلك الرسـول، بظاهره لنا شـهادة وغيبا، كلما ظهر وعرف، معنى المرسَـل إليه ومعنى المرسِـل والرسـول، حق واحد، لقيام واحد، لقائم واحد، لإنسـان واحد في مطلق الوجود، عَلَما على الله، واسـما له، (من أغضبني فقد أغضب الله)[٦٦].
ظهر الرسـول بيننا، في تواجده منا، وتواجده فينا، وتواجده بيننا لتواجدنا، وتواجده معنا، بهذه المعاني في أطوار الوجود له، في أطوار الوجود لنا، بدءا من أسـفل الإنسـان، اتجاها إلى أعلى الإنسـان، في الرسـالات السـابقة برسـلها، وعلمائها، وحكمائها، حتى جاء مبعوثا بمكارم الأخلاق بالأمر الوسـط، وبكتاب جامع لكتاب نفسـه، هو أُم الكتاب، لا يمسـه إلا القلوب للقيمة من الناس لدائم أمته.
فوقف في حجة الوداع، وقد قارب الاحتجاب بذات، ليبعث تشـتيتا لها بذوات، فقال للناس، بيانا لما سـبق أن قال بحديث له (إن عبـدا من عباد الله، خيره الله، بين أن يعيش أبدا، وبين جواره، فاختار جوار الله)[٦٧]، فوقف ليشـير إلى كوثره بأهل السـرادق لدوام قيامه، لدائم أمره، مشـيرا إلى أهل الخيمة، إلى أهل البيت، إلى أهل الحقيقة، إلى أعلام الحق، إلى أسـماء الله، إلى الأسـماء الحسـنى، إلى الحق بين الناس بروح متجسـد، ومن أنفسـهم لهم ظاهر أمرهم، لأمره بهم (هؤلاء أهل الخيمة)[٦٨]، الحسـين والحسـن وعليّ وفاطمة.
ثم نزل إلى مسـتوى النفوس فقال من عليائه (أنا حرب لمن حاربهم، أنا سِـلم لمن سَـالمهم)[٦٩]، مجندا نفسـه بوصف العبد لله، لأعلام الله من أهل بيته، لا حصر لهم، لا بدء لهم، ولا انتهاء لهم، بدوام قيامهم، بدائمهم به على ما عرف لدائمه بربه، مُعلنا في حزم (خَلفت الله عليكم)[٧٠].
عرف الله، عرف الله لنفسـه قيومه بمعناه لمبناه، حقا وربا، وعرفه لمعاني العبد لربه بآدمه لذاته، أَعلمه وعَلمه الله {إن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسـنون}[٧١]، وفتح الله بيته، بيتا لله، للمؤمنين، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم}[٧٢]، وجعل رسـالته إليهم ووصلته بهم هي في عمومه كافة للناس {وأْمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}[٧٣]، {واصبر نفسـك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه}[٧٤]، {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٧٥]، (سَـلمان منا أهل البيت)[٧٦]، وأعلن الله إرادته بأهل هذا البيت، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[٧٧]، وميزهم عن سـائر الناس الذين جعلهم أحرارا في أمرهم من الكفر والإيمان، وقد سـلبهم حريتهم، وجعلهم محل أمره، {وأوْمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسـألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}[٧٨]، فلا خيار لهم بين الكفر والإيمان.
يا أيها الناس، إني بلغتكم رسـالة ربي إليكم. يا إلهي، اللهم فاشـهَد أني قد بَلّغت، يا أيها الناس فليعلم الحاضر منكم الغائب، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
بذلك كان الرسـول، مرسِـلا من قومه إلى قومه، هو بينهم مرسَـل إليه من ربه وربهم، مؤاخيا لهم، فهو عليهم رسـول الله، قيوما، وهو لهم حق الله، مرسِـلا منهم إليهم فيهم، فهو بظاهره على ما هو، مرسِـلا ورسـولا ومرسَـلا إليه، بقومه وفي قومه، باطن أمرهم، فكان هو بأهل بيته، ظاهر أمر ربه، ومرآة نفسـه بحقه، يَرى فيهم، ويشـهد من ورائهم محيطا، فمن كان منهم كان له من الله ما لهم، فما هَدى ولا هَدوا إلا بما علم، وما علموا، فعلموا ما علموا، وما هدوا وعلموا إلا مما عُلم لهم علم اليقين.
بذلك جاء دين الفطرة ليعرف عن الله ويشـهره قائما على كل نفس ومعها أينما كانت، ليبشـر الناس أنه لا إلـه إلا هو، الحي في حيـاتهم، والقيوم في قيامهم على بعضهم البعض بالله لهم جميعا، رحماء بينهم أشـداء على الكفار، ممن يعتدون على أمنهم وحريتهم. هذا هو الدين الذي جاء به محمد رسـول الله، على كمال فيه وتمام له، بما يوائم الزمان والمكان، بماء للحيـاة غير راكد أو آسـن أو منقطع، وغير ذلك لا يكون، معنى للدين ولا قياما له.
فخذوا كتابكم بأيمانكم، واحرصوا على أمر الله لكم، وتواضعوا أرضا أرضا، ترفعوا سـماءً سـماءً، وكونوا لبعضكم البعض إخوانا، منزوعي الغل من صدوركم، إخوانا على سـرر متقابلين في جنة قيامكم بقائمكم، عبادا لله، وأسـماءً لله، وأعلاما عليه، مسـتوين على كراسـي سـلطانه لذواتكم.
كونوا مرايا للمؤمنين، يوم يؤمنون بما آمنتهم به، أُمة وسـطا تُعرفون، وأُمة وسَـطا تقومون، وأُمة وسَـطا تشـهدون بالأمر الوسـط فيكم يقوم، وبكم قام، وعلَّمكم في قيام، كونوا به ربانيين تقولون للشـئ كن فيكون، بلا إلـه إلا الله، حقا وصدقا، محمد رسـول الله به تتكاثرون، قياما وفعلا، وأمرا ورحمة.
نسـأل الله به أن يجمع قلوبنا، وأن يزكي نفوسـنا، وأن يحرر عقولنا، وأن ينيرَ طريقنا، وأن يعتق رقابنا من سـجن أوزارنا، وأن يطلق أرواحنا، في دار قيامنا، عرضها السـماوات والأرض، أنشـئَت لنا، للمتقين منا.
ونسـأل الله به أن يمسـك نفوسـنا أن تزول، وأن يضاعف الحيـاة لأرواحنا، لبنياننا، حتى يتواجد ويتطور به، لخير نفسـه، ولخير معناه، إيمانا وشـهودا، وقياما لرب العالمين، لا شـريك له، محمد عبده وحقه ورسـوله، ولحق قيامه لقائم خلقه، بلا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله.
نسـأل الله به أن يولي أمورنا خيارنا، وألا يولي بنا أمورنا شـرارنا، برد أعمالنا إلينا، سـبحانك اللهم تعاليت وتنزهت عما يصفون.
أضواء على الطريق
(والآن أحب ان أخبركم شـيئا حول مهمتي، لقد قالوا لي: “عليك أن تذهب داخل عالم المادة، وعندما تجد جهازك عليك أن تأتي له بنفوس حانية، لتسـاعدك على تسـليم رسـالتك.” وبحثت ووجدتكم جميعا، وأحضرتكم سـويا. وهكذا أفعل في أي مكان كلما وجدت لي جهازا، حتى أجد الجهاز الذي هو نفسـي. ولكن الصعوبة الكبرى التي كان عليّ مواجهتها كانت عملية الاختيار، هل أعود لأقدم تلك البراهين التي يحتاج إليها عالمكم ليرضي نفسـه؟ أعني البراهين المادية، لا البراهين الروحية، لأن عالمكم لا يفهمها، أم هل أعود كمعلم وأعلم الصدق؟ واخترت الأصعب.)
برش – لندن
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الفجر - ٤ ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
حديث شريف: “المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليهِ ضَيْعَتَه ويحوطُه مِن ورائِهِ.” أخرجه أبو داود والبخاري. ↩︎
حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة الذاريات- ٢١ ↩︎
سورة المزمل - ٦ ↩︎
سورة القدر - ١ ↩︎
سورة البقرة - ٣٠ ↩︎
سورة المزمل - ٥ ↩︎
سورة هود - ١١٢ ↩︎
سورة القد ر- ٢ ↩︎
سورة القدر - ٣ ↩︎
سورة الأعراف - ١٧٨ ↩︎
حديث شريف: “إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظًا من نفسه يأمره وينهاه.” أخرجه الديلمي، وجاء في الجامع الصغير للسيوطي. ↩︎
من الحديث الشريف: “ما مِن أحد إلَا وقد وُكل به قرينه مِن الجن، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير.” أخرجه مسلم وأحمد. أيضا: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” صحيح الترمذي. ↩︎
سورة القدر - ٤ ↩︎
سورة القدر - ٥ ↩︎
سورة طه - ٢:٣ ↩︎
سورة الأعلى- ١٠:١١ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
حديث شريف تقول معظم كتب الأحاديث إنه لم يثبت عن الرسول ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة مريم - ٣٣ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
إشارة إلى قول المسيح عليه السلام: (اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ.) ( يو ١٤: ٩, ١٠) ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة للحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎
سورة العلق- ١:٢ ↩︎
سورة غافر - ٥٧ ↩︎
سورة فاطر - ٤١ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎
حديث شريف: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بيْنَ أَصَابِعِهِ”. صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة الشعراء ٢١٨، ٢١٩- ↩︎
سورة الرعد- ١٥ ↩︎
قسم للرسول صلى الله عليه وسلم، يبدأ به بعض أحاديثه. ↩︎
سورة الزلزلة - ٧ و٨ ↩︎
من حديث قدسي طويل، جاء فيه: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. أيضا الحديث: " يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه." صحيح مسلم. ↩︎
سورة النجم - ٣٩ ↩︎
سورة الحاقة - ١٩ ↩︎
سورة الحاقة - ٤٠ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النجم ٣:٤- ↩︎
سورة الإسراء - ١٠٥ ↩︎
سورة الأعراف - ٩٩ ↩︎
سورة الإسراء - ٨٦ ↩︎
سورة الأنفال- ٣٣ ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في تاريخه (٣/ ٩١) ، الإمام أبو القاسم في تاريخ قزوين، وابن النجار في تاريخ بغداد عن أنس ابن مالك. ويعتبره المحدثون ضعيف الإسناد. ↩︎
حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
من حديث شريف: "فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وخُتِمَ بي النبيُّونَ). سنن الترمذي، ومسلم باختلاف يسير. كما أخرج البخاري بعضا منه في أحاديث أخرى. ↩︎
حديث شريف: “كان اللهُ ولا شيءَ معه، وهو الآن على ما عليهِ كانَ”. المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى. كما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق بلفظ: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض.” ↩︎
من حديث شريف طويل جاء في صحيح البخاري، ومسلم في معنى الإحسان: " أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ." ↩︎
سورة الانفطار - ٨ ↩︎
سورة آل عمران - ٢، سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎
عبارة تتناغم مع مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه ـ:“…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎
حديث شريف: “كان اللهُ ولا شيءَ معه، وهو الآن على ما عليهِ كانَ”. المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى. كما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق بلفظ: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض.” ↩︎
حديث شريف ذكره ابن العربي الحاتمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: “إن الله خلق مائة ألف آدم”، واستعمال كلمة “آدم” عند السيد رافع لها معان كثيرة تناسب السياق الذي جاءت بها. ↩︎
مقولة صوفية تتناغم مع خلق الله للإنسان كخليفة لله. ↩︎
سورة البلد- ١:٣ ↩︎
حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتهِ منْ بابهِ”. المحدث: السيوطي. المصدر: الجامع الصغير، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم… ↩︎
حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الشورى - ٥١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
استلهاما من الحديث الشريف “فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله.” ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن عبدا خيَّره الله بين أن يؤتيه مِن زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده.” أخرجه البخاري ومسلم وابن حبان. ↩︎
إشارة للخيمة التي أقام فيها أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم عن سيدنا عليّ والسيدة فاطمة، وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين، في حجة الوداع. أخرجه أحمد والترمذي. ↩︎
حديث شريف تردد بصيغ متعددة منها قول الرسول: “أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم.” مسند أحمد، سنن الترمذي، وغيرهم. وعند الطبري: “معشر المسلمين! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء المولد.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النحل - ١٢٨ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة الكهف - ٢٨ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
حديث شربف. أخرجه الطبراني، والحاكم في “مستدركه”، وأبو نعيم الأصبهاني في “معرفة الصَّحابة”، والبيهقي في “دلائل النبوة”. ↩︎
سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎