(٣)
هل نحن على ما نحن الإنسان؟ إن الدار الآخرة لهي الحيوان
إنسان الله
هو العروة الوثقى بين أزل الحياة وأبد الحياة
وهو الله-هم للأمر الوسط لقائم الحياة
حديث الجمعة
١٦ رمضان ١٣٨٣ هـ - ٣١ يناير ١٩٦٤ م
بسـم الله… وباسـم رسـول الله… وبالأسـماء الحسـنى لله… ندعو الله، ونتوسـل إلى الله، ونسـتعين بالله من رجيم أنفسـنا إلى كريم أنفسـنا، وجوها لله وظلالا لرسـول الله وحقائق الله، باسـمه الله-هم، لقيامه اللهم.
بالله ورسـوله نوحد الله لأنفسـنا، ونعبدنا لله ورسـوله حتى نشـهدنا لا إلـه إلا الله، ونعلمنا لا إلـه إلا هو، أسـماءً وعبادا له، فنشـهدنا ظلال رسـول الله، يوم نشـهده الحق مبعوثا، فنقومنا العبد منادى، وإليه مرسَـلا، وبالحق رسـولا، فيجتمع العبد لنا لمعانينا على الرسـول إلينا ربا فينا في معيتنا ينادينا ليلاقينا.
وفي الاجتماع للعبد على الرب في معيته لنا اجتماع على الرسـول وطلعته فينا، والاجتماع على الرب فينا هو اجتماع على ربه لنا، والاجتماع على الرسـول اجتماع على المرسِـل، ولا اجتماع على رسـول الله إلا في الاجتماع على رسـول له.
وفي قيام العقل راشـدا بمراد الرب مرشـدا يقوم العقل رسـولا إلى نفسـه، عبدا، وإلى قومه نبيئا، وإلى أهل بيته حقا وأبا رحيما هم أبناؤه فظلاله ووجوهه له منه، لمن كان منهم منه.
فيجتمع الأمر الأعلى حقا وربا، والأمر الأدنى حقا وعبدا في الأمر الوسـط حقا هاديا وعبدا راشـدا بصلة القديم والقادم بالقائم، وقد أشـرقت الأرض، مضغة مخلقة، هي قلب لقلوب في أكنتها من هياكلهَا مضغا تتخلق لهياكلها يوم يمسـك العقل مشـرقا بنور الله بناصيتها، مسـتويا على عرشـه لهياكلها في اسـتوائه على نفسـه وذاته لمعنى عالَمه، وقد سـرت قبضة نور الله له في عوالم وجوده لنفسـه، في موصوف جوارحها وخلاياها، قائم نور الله للسـماوات والأرض لمعنى ذاته وهيكله، إنسـانا كبيرا راشـدا، ووجودا كبيرا منطلقا، يسـري بالحيـاة فيحيي لهياكل الفطرة من الناس يدخلونه، هم أصول عوالمهم فيه ونواة وجودهم به لأفئدة لسـمواتها وأراضيها، لإنسـانية الرشـاد لا حد ولا حصر لها فيها.
الله للإنسـان قائم على كل نفس بما كسـبت، وكسـبها في انشـغالها بذكرها له، وإنكارها لموجودها لغيره، إلى مذكورها به، بإنكارها على وجودها لها، عرفته هو له، إليه ردته، وخالقا لها انتسـبته، وفي أعماقها عرفته، يوم أرجعت البصر كرتين، فارتد إليها، فلقيته ملَكوت السـماوات لها، بين جوانحها عرفته، والطريق إليها فيها طرقته، والبيت تحتويه ويحتويها قلبا لها وجدته.
فالحيـاة منها، وإليها وفيها، باسـم الله لها شـرفته، يشـغلها ويعنيها قامته، وعلم الله بالأقدس والأعلى رفعته، مرادها لشـهودها وحيـاتها لقيامها وقيومها نشـرته، يطويها ويحييها، ويظهرها لفعلها فيعليها، ووجها له يسـميها، قدمته وأعلمته وعلمته.
إن الطريق تحلق بنا في آفاق سـماواتها، بحديثها، ومراميها، فإذا ما تابعناها في علوها وتسـاميها، تابعناها إلى يوم ترتد إلى أرضها، تعنيها، وتشـرق بها منها عليها ربا فتحييها، وقد قامتها عَبدا لترضيها، وما كان العبد إلا ربا في مغانيها وإلها في تعاليها.
إنها يوم ترتد إلى الأرض رسـولا، فتعالج في ظاهر من الأمر مبانيها ومراعيها، بعوالم الحق عليها، لعوالم الخلق فيها، تصطحب ممن صحبها، في مراقيها، ومعاليها، وسـماوات معانيها، ليوم الفصل ما زالت قائمة به نفوس المتخلفين فيها.
إن الطريق في هذا العصر تظهر جديدة بكل معانيها، وبكل مبانيها، وبكل مراعيها، وبكل حقائقها، وبكل من تأوي، وبكل من يأويها ظاهرة في جديدها لقديم بمغانيها، وجامعة لقديم معارجها في جديد معارج لها فيها، في جمع لفرد، باسـم بيتها، وكلمات الله فيها.
الطريق إلى الله… الطريق من الله… الطريق في الله… الطريق بالله… إنها الطريق بمعانيها، فما كانت الطريق إلا معنى الله عند من يعنيها، وما ظهر الله إلا الطريق لسـالكيها، وما كانت الطريق إلا الإنسـان ومعارجه في مراقيها، وما شـرف الإنسـان إلا بالطريق ومعانيها ومغانيها.
(إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه)[١] أيها الملأ الأدنى، إن الذي جعل بين الملأ الأعلى والملأ الأدنَى علائق وأوشـاجا وروابط، هو الأمر الوسـط للإنسـان، وهو ما أدنى الأعلى من الإنسـان، وما أعلى الأدنى من الإنسـان، ومكن وحقق الأعلى إلى أعلى في أمره بجديد قيام في الأدنى، وحقق الأدنى ومكنه من جديده لقيام في الأعلى.
فما خلق الخالق للأعلى والأدنى، إلا في أحد لهما لاسـمه (اللهم)، لإنسـان وجودهما، يقوم في دنياهما، ويجدد الأمر بينهما بالأمر الوسـط للحق الموجد، والحق المتواجد، لإنسـان أحد الوجود، بكشـف وجه الشـهود، وقبلة السـجود، وبيت الطواف والقعود، وغرفة الاعتكاف والسـعود لإنسـان الله.
إن مدينة المعارف وصادق الإنباء، وسـديد الآراء، وربوة الصفاء، وسـاحة الارتواء، وعين الري والماء، ونعمة وفضيلة الحيـاء، وطريق الثناء، ووسـيلة الرجاء، وإنسـانية البقاء، إنما هي رسـول الحق لطالبيه، للقائمين بالحق فيه… إنه الحيـاة، ومصدر الحيـاة، وقاسـم الحيـاة من واهب الحيـاة، والمنعم بالحيـاة، رسـولا للحيـاة، وعبدا للحيـاة، ومرسـَلا من الحيـاة، إنه لا إلـه إلا الله، إنه رسـول الله، إنه إنسـان الله.
إن الطريق، إن السـماء، إن الغيب، إن أحدية الشـهادة للوجود تقدم لنا في هذا العصر من الحق جديدا من الخلق، وجها وليدا، للحق من الحق مشـهودا، شـاهدا وشـهيدا، مظهرا على الدين كله، يتجدد به الدين كله على أرضنا، ويقوم به اليقين في ديننا، يفيض بالإيمان، ونقومه بالإسـلام، وندخله بالسـلام، يوم ندخل في السـلم مع منشـودنا، مع معبودنا، مع موجودنا، مع ربنا، مع رسـولنا، مع أنفسـنا، مع حيـاتنا، مع معنى الحيـاة لنا. به تتحقق لعوالم الروح والجن والإنس والملك ما تصبو إليه النفوس من مطالعة الحقيقة ومعرفة الطريقة.
لقد ظلت هذه البشـرية على هذه الأرض تقول بأن أرضها مركز الوجود، مئات القرون وآلاف السـنين، وأن حولها تدور الشـمس والكواكب والفلك. لقد ظلت هذه البشـرية قرونا لا عد ولا حصر لها ترى أرضها ورقة منبسـطة ذات أطراف من مشـرق ومغرب وشـمال وجنوب، فما عرفتها دحية شـبه مكورة إلا من قرون تعد على أصابع اليد أو اليدين. لقد ظلت هذه البشـرية على هذه الأرض تثبت كوكبها في الوجود مركزا له لا يتحرك، وترى الفلك من حولها هو المحيط المتحرك بشمسـه المنفردة بمعناها ووجودها في نظرها، وبكواكبه منتثرة من حولها في عرفها.
وها هي اليوم تَعلم خطأها فيما كان عليه الآباء. وهو ما خلفوه لعقبهم بوصف العلم جيلا بعد جيل، حتى تكشـف للأجيال الجديدة فسـاده بما أصبح من بديهيات الأبناء الآن في إدراكهم لأرضهم وما حولها، وفي إدراكهم لطبيعتها وشـكلها لهيكلها وحركتها في قيامها بين أترابها من مجموعتها الشمسـية، وبين الكثير من مثال وحدتها بشمسـها لمثلها في سـديم من سُـدم لا حصر لها، احتوى كل منها الكثير من مثالها بشمسـها وجماعتها بأعداد من أضعاف الملايين يسـتحيل عليها الإحصاء له، حتى ليكل العقل، ويعجز عن تتبع حركات الكائنات بموجودها في وجودها، فيسـجد لعظمة مبدعها فيقول (الله الله)، اسـما يلوكه باللسـان، وهو الذي طلب إليه بالأديان أن يكون لهذا الاسـم بقيامه عَلما عليه، ووجها له، وكتابا منه والعنوان.
إن اسـم الله… إن كلمة الله، إنما هو أمر لكم، إنما هو للإنسـان وجوها له بالإحسـان، يوم تكسـبون اسـم الله لمعانيكم، وتحيون باسـم الله هياكلكم لأطوار مبانيكم لعوالمكم، ملكوت الله بين جوانحكم، بين يتيم ذي مقربة، ومسـكين ذي متربة، وبين نفوس مطمئنة، تدخل في عباد قيامها، لمعنى أوطانها، لتتواجد في أرحام وجودها، بعباد ربها ورسـل رحمته، ومدن عرفانه، ومدارس ومعاهد رعايته وإحسـانه.
يصطفون من غيب الإنسـان ملائكيا، للتطور في بيئته من شـهادة الإنسـان في جلبابه من المادة شـيئا شـيطانيا، يظهرون ويبعثون رسـلا من أنفسـهم، أسـماءً لله، وعبادا لله، وحقائق في الله، وأربابا معلمين للناس، وآباء بادئين لأول عابدين، ليقوِّموا أمر الناس بحكمتهم، ولينادوا الناس إلى سـاحة الحق، حول بيوتهم، لعلَمهم، بإمامتهم، أعلام رحمته، يحنون على الناس برحمة ربهم من الرفيق الأعلى لمعانيهم، وجوها له، وأيدي له، وقدم سـعي له، إلى الخلق، خلقهم لنفسـه، وليصنعوا على عينه، فما خلق الجن والإنس والمــَلَك إلا ليكونوا عبادا له، وأسـماءً له، وظلالا له، ورحمة منه، وخص الإنسـان بقيامه جماعهم ومكان اجتماعهم، وعصر وبقاء زمنهم، ومصدر ودوام الحيـاة لهم.
يُعلَم إليهم في معلومهم عنهم، فما يحيطون بشـيء من علمه فيما علَّمهم عنهم، مما هو بين أيديهم ومن خلفهم وما في أنفسـهم إلا بما شـاء أن يحيطوا به من أمر أنفسـهم، تعالى الله على أن يحاط به، وتعالى عن أن يجهل عند عبده، عند خلقه، عند أسـمائه، عند حقائقه، عند وجوهه، عند جوارحه، عند ذواته، عند معانيه، عند أنواره، عند أسـراره، عند قدس ناره، عند سـكينته بسـاحته من بيوت ذكره لهياكله، عند معالمه بمظاهره، عند عوالمه بمعانيه وحقائقه، في عِلمهم عنهم منه أو من فعله، أو من فعلهم به.
جاءت بذلك رسـالة الملأ الأعلى جماع عوالمه وواحدية معالمه بأحدية علمه برسـوله باسـم رسـالته بمعارف الملأ الأعلى، عن الملأ الأدنى ومصيره لعينه من شـأن ملئكم به، لتعريفكم عنكم، في قبلكم وبعدكم، لاسـتقامة أمركم لقائمكم، رسـالة متصلة بتواصل قيامكم، على مكث فيكم تقوم، وعلى تباعد، وعلى تلاحق، ببلاغ وبيان تتجدد بأبعاض من المعرفة، على مسـتويات من العرفان في تناسـب مع أطواركم وبيئتكم وأزمانكم وأعماركم.
فمرت البشـرية بذلك في عصورها وفي أطوارها في دورة الحيـاة الخالدة، ينقص الله الأرض من أطرافها من الناس بمعالمهم لذواتهم لأنانيتهم سـعيا إلى الملأ الأعلى في تخلٍ عن التثاقل بأوزارهم من الأرض إلى معانيهم من الله، ويفيض على الأرض برحماته، تنشـق عنها سـحبا مثقلات، إلى أرض قيامه بخلافته بإنسـانها يسـتقبلها أعلامه وظلاله بأوادمه فيها يَحيون ويُحيون[٢]، وبها يتواجدون ويوجدون، وبها على الأرض يخلَدون ويبقون ويخلِدون ويبقون ولأهلها يسـعدون، وبأهلها يشـقون إذ هم عنهم شـقاءهم يحملون، فما لشـقائهم بهم لهم يذكرون، وأمرهم من الشـقاء بهم يكتمون، وبرحمة ربهم يفيضون، ونعمة الله عليهم من الناس يذكرون، ونعمة الله عليهم وعلى الناس يذكِّرون، وإلى نعمته لا حَد لها يشـيرون ويبشـرون، ومما يرون فيه الناس يَحذَرون ويحذِّرون، ومن رحمة الله لهم ولأنفسـهم لا ييأسـون، وهم أمرهم لأمرهم على ما يشـهدون كنودين، وعلى ربهم منكرين، وبأنفسـهم من موجود به جاحدين، وعن الآخرة لقائمهم غافلين، وبالأولى لا قرار لها مشـدوهين، وعلى خير منها لبقائهم منكرين، وبفتنتها لاختبارهم مغرمين.
إن المؤمنين للدين والدنيا يمزجون، ومناسـكهم من مصالحهم يتخذون معاملة مع الله على كسـب الحيـاة، مع الناس يتعاملون، فإلى الإصلاح يدعون، ومن الفسـاد يحذرون، ومن الغفلة وأهلها يشـفقون.
ولكن ماذا هم من الناس يلاقون؟ وبماذا منهم يقابلون؟، فريقا يكذبون، وفريقا يقتلون، وللذكر المحدث بينهم يدفنون، وفي أعماق الأرض يخفون، فإذا صار ترابا يعبدون، فمن تراب اللاهوت قبلة يتخذون، وسـاحة يدخلون، ثم أوثانا باسـمه يذكرون ولها يسـجدون، ولهياكلها أنفسـهم يعبدون، فما في أنفسـهم حيـاة يعرفون، ولا رسـولا من أنفسـهم بينهم يشـهدون أو يقيمون…
ولا هو ربا لخدمتهم يقوم عليهم من ربهم، أخفاه بينهم من أنفسـهم سـعيا إليه يجاهدون، يقوم أمرا لله لصلاح أمرهم به يعتقدون، وبه يقومون، وإليه في أنفسـهم يتجهون، وخبيرا به، ورسـولا منه من أنفسـهم ينشـدون، فقياما به يوقنون، فبلقاء يسـعدون، وبموت عنهم يحيون، ومن بيوتهم بهياكلهم زائلة يخرجون، ويتحررون، ويعتقدون…
فبالحق يبعثون، وعن العدم، بجلباب الاسـتهلاك، وهياكل الدثر يبعدون، ولأنانية أنفسـهم عنها يتنزهون، وجديدا من الثياب يتكاثرون، ولا يلهيهم التكاثر عمن يعرفون فيعبدون وله أنفسـهم في تكاثرهم يعبِّدون، وعمن يعرفون لا يغفلون، ووجوها له يقومون ويشـهدون بكوثرهم فهم يتواجدون…
ففي حصن لا إلـه إلا الله يدخلون متكاثرين، وزيارة المقابر بدنيا فترة من الزمان لا يرهبون، وحوض رسـول الله في دوام وثبات يردون.
ولكنهم باسـم الحقائق بينهم - هم لها برحمة الله لهم هدية منه هم لها مالكون - أنفسـهم وعقولهم لا يشـغلون، ولا يأخذون، ولا يقبلون، وعليها لا يُقبلون، وباسـمها يختارون الطغاة عليهم، لهم يتابعون، وبخشـيتهم لهم بهم يؤمنون، وأنفسـهم لهم يعبدون ولهم يتقون، وأربابا بعيدين عن ربهم عليهم يقيمون.
محمد عبد الله، لقي رسـول الله، روحا وإنسـانا، إليه مرسـَلا، هدية الله، ورحمة الله، منه إليه فيه معه.
بعثه إليه الرفيق الأعلى، إنسـان أزله، وربوبية معناه لحقي عبوديته هو به من الملأ الأعلى قائم وقيوم الملأ الأدنى. (إن روح القدس نفث في روعي)[٣].
فكانت بذلك نفثة روح القدس من قبضة نور الله، منه به إليه، امتد بها إليه الأعلى ذاتا وروحا لله، بها كان هو اسـما له وروحا منه، وبهما منه في الناس، قامه حقا لهم بحقه منه، فكان لهم روح القدس بدوره.
سَـبح الأعلى الذي خلق فسـوى، فأفاض عليه من روح القدس للرسـل بروح القدس إليه بروح القدس الأعلى، الذي كان منه من خلق فسـوى في ذي المعارج، فجعله قيوم قائمه لروح القدس عليه بروح قدس له.
فأخرجه روح قدس لمن يطلب رسـولا من ربه يهديه إلى من هو أقرب إليه من حبل الوريد، (إن للـه كنوزا مفاتيحها الرجال)[٤]، يهديه إليه يوم ينفث فيه من روحه. (الفتح على المريد نفس من أنفاس الشـيخ)[٥]، {فأرسـلنا إليها روحنا فتمثل لها بشـرا سـويا}[٦]، فكانت البشـرية هي المشـار إليها بالمرسَـل إليه، وكان الرسـول هو الروح المتجسـد لها من أنفسـهم بينهم. {إن يدعون من دونه إلا إناثا}[٧]، {ثم سـواك رجلا}[٨].
أمره الأعلى أن يصبر نفسـه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي، يريدونه وجها لمعبودهم جهلوه، ما عرفوه، وهو في منظورهم ما نظروه.
أمره أن لا تعدو عيناه عنهم، يريد مخاصميهم وقاليهم من عباد الدنيا وعبَّادها ممن وهبها الله إياهم، فأبوا إلا أن يكونوا زينة لها، وفتنة منها، ورسـل اختبار للمؤمنين بالله ورسـوله، الرجاعين إلى الله ورسـوله، الراجعين إلى أنفسـهم في الله ورسـوله، ليشـهدوا فيها منشـودهم من الله ورسـوله، أقرب إليهم من حبل الوريد، معهم أينما كانوا، على ما عَرفه عبده ورسـوله.
أُمروا أن يتابعوه ليعرفوه معرفته يوم يكبِروه، ويقدروه إكبارا وتقديرا لأنفسـهم منه، فيعرفوا روح قدسـه رسـولا من أنفسـهم، يجتمعون عليه في أنفسـهم، هو ما هو أقرب إليهم من حبل الوريد، وهو ما هو على كل نفس قائم وشـهيد.
هؤلاء آمنوا بالرسـول، إيمانا بمرسـله، فآمنوا بأنفسـهم، فقدروا الله حق قدره، وقدروا الرسـول حق قدره، وقد عرفوهم محل حضرتين، وثالث حقيقتين في أحدية حقه لحقائقه على ما أدركوا في تقديره، الواسـع العليم اللانهائي لا يحاط به ولا يُبلغ مداه في تعاليه بمقيده للذات له.
فعرفوا أنه لا يعرف إلا في آحاد حقائقه من إنسـانية رشـاده، بالذات الأقدس، لإنسـان ذاته آدما وعبدا قائما بأحسـن تقويم على أبنائه، أولى بالمؤمنين من أنفسـهم، حفيظا على المارقين في جميع مسـتوياتهم فيه، إلى أسـفل سـافلين، قيوم الأعلى عليهم برحمته.
بذلك كان محمد الرسـول بمقامه المحمود للكافة، إنسـان البيت وأهله، وإنسـان الله ووجهه، واسـم الله لمظهره بإنسـانه، وهيكله ببنيانه، عرفناه لمعاني العبد والرب والإله، وجها واسـما، آمنا به عبده وكتابه وخبره، وآمنا به حقه ورسـوله، وقيامه في قديمه وقائمه، ومعناه لقائمه، بأمره لمقامه بإنسـانه، ذاتا بذوات، وروحا بأرواح.
ولكن الرسـول أفلت منا، أفلت منا، لم نَعرفه، وغاب عنا، وهو بيننا، لم نشـرفه، المرة بعد المرة، هكذا كان من قبل أن يتعنون عندنا بذاته المحمد، يوم كان قبل أن كان على ما عرفنا، وعلى ما ذكرنا في أمم خلت منها الأرض، عَمرت الأرض من قبلنا.
وهكذا هو كائن في ناموس دائب على ما كان، وعلى ما عرفت وعاملت أُمم من سـبقنا من قَبلنا، على ما نعرف عاملوه على ما عاملناه، وأفلت منهم على ما أفلت منا، وقام بينهم على ما قام بيننا هم به وهو ليس بهم، مَنكور عندهم وجوده، تغمض العيون عن شـهوده، ويلتوي القول والفعل عن إدراك دوام وجوده في دائم تواجده بموجوده، إلا من رحم الله. أبوا إلا أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، وهو بالله قائم الرب بينهم وجها له أغفلوه، وبأقفيتهم واجهوه.
فلا بالبيت له آمنا، إلا قوالب من طين، ومن حجر، رصت وصفت، ورفعت، غرفة لا تختلف عما نشـيد في كل مكان، وفي كل زمان، وما جُعلت لوصفها إلا معنى وإشـارة إلى ما يفعل الله بالإنسـان للإنسـان بفعل الإنسـان، يوم يتخلون بتجمعهم على ذكر ربهم رسـولا من أنفسـهم، في دوام أنفسـهم فيحيون بالله لهم جميعا، فيعلمون أن الإنسـان يفنى بتفرقه عن جمعه، حول نصب اجتماعه من آدم له في مجتمعه.
فلا البيت دخلنا، ولا بآل البيت اجتمعنا، وقد خرجوا من البيت إلين، في كل زمان وفي كل مكان، بموالد الفطرة كلمات في مهدها عترة رسـوله، فرددناهم إلى بيتهم من باطن الأرض أم الأمهات، وأنكرنا عليهم أعلام البيت وأحواض البدء.
وإذا ما دخل بعضنا البيت ليكون في سـكينة أهله، أثار في البيت مناحه، ومعركة بصراحه، مخاصما آل محمد، يوم رضينا محمدا في بيته، لنكون من أهله، فدخلنا على أهله بالمِدى والخناجر والسـيوف باسـم لا إلـه إلا الله، نقتلهم في قلوبنا وقلوب الناس، بيوتا لهم هم أهلها يوم هي لله.
وباسـم رسـول الله لوهمنا بنا نحاول أن نمحوهم من صحفنا ومن صحف الناس. يا حسـرة على العباد، ما يأتيهم من ذكر محدث إلا كانوا به يسـتهزئون.
{أهذا الذي بعث الله رسـولا}[٩]؟ شـعار آبائنا في جاهليتهم، نجدده ونرفعه، ونقاتل دونه في دوام. {وقالوا لولا نُزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}[١٠]، شـعارا نرفعه حرصا على الذل نقوم فيه في خدمة الطغاة بيننا، لا نشـعر بل نرتضي وطأة أقدامهم على رؤوسـنا، {الله أعلم حيث يجعل رسـالته}[١١]، (رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)[١٢]، {وعباد الرحمن [هم] الذين يمشـون على الأرض هونا}[١٣]، (احملوا نيري عليكم، وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب)[١٤]، وما كان له عليهم نير. فلم يقبلوا نيره، ولما فرضه عليهم بالرسـول إليهم أفلتوا منه مجاهدين، ولطغاتهم مناصرين.
إن الإنسـان لربه لكنود، يدعون العزة من عزة الرحمن، وهم يحرصون على بقايا عزة الشـيطان فيهم، وينمونها لمعانيهم حتى انطفأت جذوة الحيـاة لهم من قلوبهم، وقلوب آبائهم من قبلهم.
طُرِدوا من البيت، وعادوا إلى الغيط، قضية أديمهم لنشـأتهم، يكدون ويشـقون، وبنارهم ينعمون، وبها يفتنون، ولها يتعشـقون، غراما بها فيها يقيمون، ما أصبرهم على النار بعزة الله يحترقون، ولعزة الله على عزة الله يعتزون، وملكيتها يزعمون وهم لها الفاقدون.
ولكن رب البيت، وسـيد الغيط، وربان سـفين النجاة، وقليب نبع الحيـاة، وماء أحواض الرحمة… من كان لنا حيـاة الأرض، وروح السـماء، ونور الوجود، روح قدس الله، ورحمة الرحمن الرحيم من الله، ويد قدرة الله، وقدم سـعي الله، وعين الله الناظرة للقلوب، وأذن الله المنصتة للوجيب، بالبعيد والقريب، وهيكل الله للظهور، ووجه الله للبشـر والسـرور، التمس لهم الأعذار عند نفسـه، وشـفع لهم عند ربه قبل أن يعتذروا، وغفر لهم الإسـاءة قبل أن يسـتغفروا، وقبل أن يسـيئوا، وبعد أن أسـاءوا. اتسـع لهم برحمته، اتسـع لهم بمغفرته، اتسـع لهم بحلمه، اتسـع لهم بحكمته، اتسـع لهم بقيامه. (أمة مذنبة ورب غفور)[١٥].
كيف لا وهو رحمة للعالمين، ربا بالرحمة للعالمين، ربا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، مالكا ليوم الدين، حوضا لليقين، حقا للعارفين، قبلة للمصلين، سـيدا للمتقين، حبيبا للعاشـقين، رضوان الراضين، وسـر المسـرين، وجهر المجاهرين، وأمان الخائفين، وإمام الطالبين، وكنوز المفتقرين، وكتاب العالمين، وحيـاة الأحيـاء المحيين!
أليس هو في الأرض خليفته، وعليها شـجرته، وفي السـماء أمره وكلمته؟ إنه رسـول الله… إنه عبد الله… إنه آدم الله… إنه إنسـان الله… إنه حق الله… إنه ظاهر الله… إنه واسـع الله، لغيب الله… به جاء الحق… وبه قام الدين… وبه لقائمه قام العرفان، وقام اليقين… به تنزه الله… وبه قُدِّر الله حق قدره… إنه العبد لله دائما، وفي كل قيام، وفي كل مقام.
إنه للأوادم على ما هو لأبنائها آدمها، بأوادم أوادمها لها، ومنها ومن أبنائها وأبناء أبنائها. إنه دورة الحيـاة في تعاليها، ودورة الحيـاة في تدانيها، ودورة الحيـاة في مراقيها، ودورة الحيـاة في قيامها، ودورة الحيـاة لفقدانها. إنه كل شـيء من الإنسـان، إلى الإنسـان. إنه رسـول الإنسـان للإنسـان من الإنسـان.
إنه الأمر الوسـط للديان، الأمر الوسـط في العرفان، الأمر الوسـط في الوجود لمن به يتواجد بين يدي رحمة الله. إنه قائم وقيوم الحق بين أزليه وأبديه بالإنسان لأزليه وأبديه تواجدا وتجليا بموجود الإنسـان لقائمه في دائم لدوام.
لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله
اللهم برسـول الله في مراقيه فألحقنا وقومنا… اللهم برسول الله في تدانيه فأحينا وأوجدنا وقمنا.
اللهم لرسـول الله، وجوها له، وجها لك عليه فاجمعنا وأشـهدنا.
اللهم إنا قد عرفنا، واسـتيقظنا، وأدركنا، فندمنا على ما فعلنا، وفعل الآباء لنا، وفعل الآباء بنا، فاغفر لنا وارحمنا.
اللهم إنا نجدد إسـلامنا لرسـولك، إسـلاما لك، وإيماننا برسـولك إيمانا بك، فاقبلنا وألحقنا.
اللهم إنا نجدد فيك برسـولك، وفيه ديننا، وإيماننا، ومعارفنا، ومسالكنا، وتقوانا، ومبنانا، ومعنانا… اللهم به فجددنا.
اللهم به فامحُ بفضلك باطلنا، وقوم برحمتك جوارحنا، وأحيِ بقربك قلوبنا، وأنر بشـامل نورك عقولنا، وأشـعل من روحك جذوة الحيـاة في نفوسـنا.
اللهم خذنا منا، وقمنا بك، ولا تجعل لنا في الوجود غيرك، ولا تجعل لنا من وجودنا فتنة عنك، أو شـريكا بك، لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.
اللهم برسـولك فقوم طريقنا… اللهم برسـولك فأنزل السـكينة على قلوبنا… اللهم برسـولك فأنزل السـلم والسـلام على أرضنا… اللهم برسـولك فادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.
اللهم برسـولك فأدخلنا سـاحة رحمتك وسـاحة رضوانك، لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.
أضواء على الطريق
(عندما تتحرر روحك من جسـدك لمعنى ذاتك، فأنت متجدد من مخك لرأسـك وأعلاك، الذي هو حدك في عالم المادة، فيكون لوعيك تجارب على ذبذباتنا نحن، على حسـب درجتك من التطور، وأنت تشـعر بتجاربك هذه أثناء حدوثها. وعندما ترجع إلى جسـمك المادي وتحاول الاحتفاظ بمواصلة تجارب الروح، لا يمكنك ذلك، لأن واحدا أعظم من الآخر، ولا يمكن للأصغر أن يحتوي على الأكبر. فإن لم يحصل لك ذلك الآن وفي هذا الطور فسـوف تكون صدمة المجيء من عالم إلى عالم آخر عظيمة جدا حتى أنكم قد تمضون فترة طويلة في النقاهة منها.
ورسـالتنا باتصالنا بعالمكم قائمة على خدمتكم حتى لا تتعرضوا لذلك عند مجيئكم إلينا، إلى جانب نشـر السـلام بينكم، والسـلم معنا).
(سـلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف ذكره الشعراني في “لطائف المنن” مشيرًا إلى أن الحكيم الترمذي رواه في نوادر الأصول، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي، وكذلك تفسيرات بعض الصوفية للقرآن الكريم بنص: “إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم”. ↩︎
تم تشكيل الكلمتين بناء على الرجوع للنسخة الأصلية المراجعة من السيد رافع. ↩︎
من حديث شريف: “إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّه لن تموت نفسً حتَّى تستكمِلَ رزقها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّكم استبطاءُ الرِّزقِ على أن تطلبوه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ ما عند اللهَ لا يُنالُ إلَّا بِطاعَتِهِ.” أخرجه أبو نعيم في الحلية، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وكذلك ابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، والبزار. ↩︎
حكمة تتناغم مع الحديث الشريف: “إنَّ من الناس مَفاتيح للخير مَغاليق للشَّرِّ، فطُوبَى لِمَن جعَل الله مَفاتيح الخير على يدَيْه، ووَيْلٌ لِمَن جعَل الله مفاتيح الشَّرِّ على يدَيْه.” أخرجه ابن ماجه في سننه، وهكذا صححه ابن حبان. ↩︎
مفهوم عام في الطريق الصوفي، فيقول شهاب الدين السهروردي مثلا: “لابد للمريد من شيخ مرشد إلى الحق يرشده ويلقنه الذكر ويلقي في روعه النور، فإن تلقين الشيخ يلقح باطن المريد، ويسري فيه كأنما يلقح من سراج…” وقال ابن عطاء الله السكندري: “من لم يكن له شيخ يوصله إلى سلسلة المتابعة فهو في الطريق لقيط لا أب له وفي المعرفة دعي لا نسب له.” ↩︎
سورة مريم - ١٧ ↩︎
سورة النساء - ١١٧ ↩︎
سورة الكهف - ٣٧ ↩︎
سورة الفرقان -٤١ ↩︎
سورة الزخرف - ٣١ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٤ ↩︎
من حديث شريف: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ". أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎
سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎
استلهاما من آية الإنجيل “احملوا نيري عليكم، وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب.” (مت ١١: ٢٩) ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في تاريخه (٣/ ٩١) ، الإمام أبو القاسم في تاريخ قزوين، وابن النجار في تاريخ بغداد عن أنس ابن مالك. ويعتبره المحدثون ضعيف الإسناد. ↩︎