(٦)
التواجد بالحياة في الحياة
بالدخول في قيوم إنسان الحق، بقائم كلمته بإنسان الخلق
عَلم إنسان الله لجماع العبد والرب
للإنسان الأعلى في عَلميته على الوجود المطلق اللانهائي
حديث الجمعة
١٦ رجب ١٣٨٤ هـ - ٢٦ نوفمبر ١٩٦٤ م
تصحيح التاريخ الهجري: ٢٢ رجب ١٣٨٤ هـ
لا إلـه إلا الله، شـعارنا… لا إلـه إلا الله، حقيقتنا… لا إلـه إلا الله، قيومنا في قيامنا بخلقيتنا لحقيتنا.
بشـهادتنا بنا، أنه لا إلـه إلا الله، نأخذ كتابنا بأيماننا، ونقرأه لعالمنا، ونقومه لعَلمِنا، ونعتلي به المنابر، خطاب الحق منا بنا إلينا، لبشـرى صلاحنا وسـعادتنا، في إدراكنا لوجودنا، في وجوده، بموجودنا، في موجوده، بشـهودنا لنا، بمشـهوده بنا، في شـهوده منا، شـهودا لنا، فينا بنا، فطرة بدايتنا، لكمال نهايتنا، في اسـتقامة قيامنا، لقيومنا بنا، في قيامتنا.
محمد رسـول الله، طريقنا لكفايتنا، وقيومنا لقيامنا بسـعادتنا في قيامتنا به، به نشـهدنا الله أكبر وجـوها له، شـهداء على الناس، الرسـول علينا ولنا الشـهيد، والناس لنا بنا نفوسـنا بالحق للذكر الجديد، والفيض المديد.
حول لا إلـه إلا الله، تدور عقولنا، وتطوف نفوسـنا، وتسـتضيء منها بها لها هياكلنا، وتتقدس بها عندنا معانينا، وتتجـدد بها لنا فينا مبانينا، وتنطلق بها في الواسـع العليم لطائفنا، سـابحةً بها وراء حقائقنا، لمراقينا.
كيف لا؟ ونحن متابعون لقدوة الفطرة، وإنسـان الله، وعبد الله، وحق الله، الرجل الرشـيد، محل الرأي السـديد، العقل الكلي لمرتضيه، والنفس الكلي لمن دخل فيه، والمخَلِّص لمن وفَىَّ معه بعهده، والمــُسـعِد لمن دخل في وعـده، والمعلم لمن حَصل من رشـده، والمــُحيي لمن تحقق في حـقه، والمبقي لمن دخل في سـاحة خلقه، كسـبا لمعناه لمعاني عبده، وسـعيا فيه إليه لقائم حقه، لقيوم ربه، مفتقرا لإلهه في عظمة غيبه، قائما بإلهه في رحمة قربه، وجها لوجه لمن هو بإحاطته قائم على كل نفس من خلقه، هو الشـاهد والمشـهود في كل وجود، به التواجد لمن وجِد، وإليه المنقلب لمن فيه تقلب، فبه سَـعد.
فالإنسـان المتواجِد خلف من تواجد فوجد، يرى بعين الحق من خلال إنسـانه في الخلق، بقائم الحق، ما تواجد من ورائه إلى أزل، في شـهوده لإمامه إلى أبد، في مرآته بما يشـهد، كلما تواجـد فشـهد، شـهد وجه من هو من خلفه لأطواره بأزله، أمامه لعينه لوجهه لأبده، قياما بالقائم على كل نفس بما كسـبت، الأقرب إليها من حبل الوريد، بقيامها به وجه إحاطته.
الحاقة ما الحاقة… كسـبت نفس ما شـهدت، وكسـبت ما به قامت، وكسـبت ما من ورائها أدركت في شـهودها لمن أمامها علمت… كسـبت ما عملت، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره}[١]، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٢]. (ما ظهر الله في شـيء مثل ظهوره بالإنسـان)[٣]، وما ظهر الله لشـيء مثل ظهوره للإنسـان، (كن كيف شـئت فإني كيفما تكون أكون)[٤]، {وما تشـاؤون إلا أن يشـاء الله}[٥].
الله عند موحده، بإدراك وكشـف وحدانيته، هو مصدر الإرادة لكائنه في كل كائن، ومصدر المشـيئة لشـيئه في كل شـيء، تناسـقت به الإرادات المطلقة للكائنات، والمشـيئة المطلقة للأشـياء، باجتماعها فيه في اجتماعها في إنسـانه.
فإذا ما دخلت الكائنات والأشـياء في إنسـان الله، ظهرت متناسـقة، لا تعارض، ولا اختلاف، بين عناوين الرحمة وعناوين الجبروت، وأجهزة البلاء وأجهزة العطاء، أو بين أحواض الوهب ومعايير الجـزاء والكسـب، أو بين سـاحة الرجاء وقبلة الدعاء، أو بين سـكينة الافتقار وقلق الازورار. فكل الأمور في الله متناسـقة، تناسـقت في إنسـان الله، فظهر الإنسـان الكلي الوجود، جمال وجه المطلق، وجلال طلعته، وإحاطة سـعته، وانتظام فعله. كما ظهر الإنسـان بعزلته عن ربه، وإنسـان حقه، بكامل عجزه، أمام ظهور الإنسـان الكامل، بكامل قدرته، {قـدَّر فهدى}[٦]، {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد}[٧]. إنما هو الإنسـان للإنسـان، والإنسـان مع الإنسـان، في الحق الجامع للإنسـان بالإنسـان.
ظهر الله، وهو الظاهر والباطن، بالإنسـان. وبذلك ظهر الغيب للإنسـان، في الإنسـان، بالإنسـان، وقد كُشـف عنه غطاؤه فعرفه اسـم الله، وكلمة الله بالوجود للوجود عند الوجود، وغَاب الإنسـان في سـعته عن الإدراك عند الإنسـان لدوام قيامه لموصوف ومعنى الغيب لله، فكان الوجود ظاهر الموجِد له، وكان الموجِد له في حقيقته، وجودا ظاهرا إنما هو وجود لباطن، موجد له، فكان كل وجود ظاهر موجد، وكل موجد إنما هو في موجوده وجود، في الوجود المطلق اللانهائي لله أو للحقيقة، الذي هو باطن آحاده بإنسـانية الرشـاد أو الحقائق.
بلا إلـه إلا الله، صارت الأشـياء بتطورها كائنات… وبلا إلـه إلا الله، صارت الكائنات في مرتقاها معنويات… وبلا إلـه إلا الله، تجسـدت المعنويات بلطائفها روحانيات… وبلا إلـه إلا الله، امتزجت الروحانيات، إلى موجود حقائق، في قائم من آيات، جمعت فيها، بوحدانيتها، لحقي أحديتها، ما أبرزت، فكانت لله تمـام كلمات لقيوم حضرات، فتواجدت من فعلها الكلمات للبيان، كائنات، وتجمعت الكائنات موجودات، وتجلت الموجودات بالأشـياء، وتعارفت الأشـياء بأعلامها بيوتا، وظاهـر حضرات، بها تواجد خَلقي الإنسـان، من حقي الإنسـان، اسـما لله وعلما عليه في بيوت للحق، بالحق رُفعت، وللبيان والإحسـان بالحق وضعت.
فلما دب بقدميه على الأرض الرجل الرشـيد، مرة ومرة، كلما بدأ من انتهاء، لانتهاء من بدء، ليخضع لله معه، في نفسـه، نفس الرجل العنيد، لقى العون العتيد، والفيض المديد، بجنود لم تروها، يوم اصطفاه لنفسـه إنسـان الله، وقد ظهر بحكمة الله، في سـربال موجود ضال، من إنسـانية خلق الله، هـداه إنسـان الله وآواه، وطوره لمعناه، في عوالم الله، وجودا وشـهودا، وجعل منه على الأرض خليفة له، ورسـولا منه، أسـجدهم لمخلفه، أسـجدهم لله، وأقامهم أسـماء الله، بقائم اسـم الله له.
طلبوا منه المعرفة عن مشـرفه، على ما عرفه معرفه، طلبوا إليه أن يتحدث إليهم عن إنسـان الله، فعرفهم لهم، لإنسـان الله لقَديمهم في أحسـن تقويم، وبشـرهم لهم، بإنسـان الله لقابلهم، يوم يتابعونه، ويؤمنون به، منشـودهم من الحق يعرفونه، به وفيه ومعهم في أنفسـهم يشـهدونه، ليكون لهم من هـو معهم، لمعيتهم بمعارجه يوم يدخلونه، يدخلون في عهده ووعده يوم يتابعونه، ومعه في الله، وفي روح الله لا يرتابونه، ومن روح الله لهم لا ييأسـونه، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القـوم الذين بروح الله بهم يكفرونه، وعن المسـير خلفه رسـولا وروحا لا يتابعونه ولا يواصلونه، وعن اسـتقبال نعمة الله منه، قاسـما، الله معط به، عن حظهم منه بظلاله لا يفرطـونه، وهم كلما تابعوه في معارجه، فمن الله به، يعطونه، كلما يطلبونه، عطاءً غير مجذوذ، هدية من الله يأخذونه، بعد أن يوفيهم أجورهم، جزاء لا يمنونه، وغير منقوص، من رحمة الله، في موجود الله، من وجود الله، يسـتوفونه، لموجود الله في موجودهم، لوجود الله في دائم وجودهم، بتواجدهم لا يجزونه، له المِنة، فما كان العمل المهيئ للجزاء، إلا هو منه عطاء، في صورة الجزاء يأخذونه.
قَدَّر فهدى، قَدَّر كل قادر، أعطاه القدرة، قدره على كسـب الاهتداء بفعله وبقدرته، وقد جعل الاهتداء لحقه نبعا من نفسـه، يوم جعلها محلا للاصطفاء، اهتدى يوم اهتدى، بفعل نفسـه من الأكبر نفسـا له، بإرادته إرادة للأكبر صدرت عنه. أرادت فكان لها ما أرادت، وشـاءت فكان لها ما شـاءت، وانفعلت بالهَدي في طريق الحيـاة فكان في انفعالها الهَدي والحَيـاة، فاهتدت واهتدت فحييت وحييت. وما هـداها يوم اهتدت، إلا هداها، عنها صدر، يوم دخلت في شـعارها لها، بحكم خلقتها ونشـأتها، وسـر وجودها وإيجادها وتواجدها، يوم عرفت لها أكبر تابعته واقتدته، فدخلت في حصن لا إلـه إلا الله، من دخلها وقامها كانها، فقام شـعارا لها ورسـولا بها، فكان لا إلـه إلا الله، وصـار لا إلـه إلا الله، فكانت لا إلـه إلا الله، لنفسـه وعقله شـعار روحه، ومدار سـبوحه، وبيت قبلته، بقائمها، وقيوم قيامها، لدائمها له، وقيامها في قيامتها بقيومها به، {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسـه}[٨]، يهتدي إلى نفسـه، يحقق خيرا لنفسـه، {ومن ضل فإنما يضل عليها}[٩]، يمتطيها إلى الضـلال، فيظلمها ظلمًا لنفسـه لمعنى أناه. فمن قامها قدوة بها، كان رسـولا بصلاحيته للاقتداء، امتداد الرسـول بها.
بذلك أثنت النفوس على من عَلَّمها، يوم عَلمته عين قيامها لها فيها به لأمرها، وحمدت تواجدها يوم تواجدته، فحمدت إليه حمدا إلى الأكبر، هي حقه منه بقائمها وقيومها يوم صلت عليها، قبلةً لها اتجاها إليه وقياما به فيه، فيمن عرفته أصل وجودها، يوم عرفتها بلا إلـه إلا الله للا إلـه إلا الله. وعرفت أصلها بها قبلة الصلاة، هي ظل له لظلال من أزل نوعها لا بدء له، ظلال هي أوادم بدايـاته لظهوره بخلقه لإنسـان رشـاده بحقه، بهما ظهر الغيب وملؤه لمعاني الله وملائكته، كلما قام اسـم الله وكلماته بإنسـان آدم وبنيه، ظاهرًا لباطـن وباطنًا لظاهر، يتجهون في ظهورهم وبطونهم برحمته إلى قبلة الصـلاة، إلى مشـهود حقه برسـوله وعبده جماع بينهما والعروة الوثقى لهما.
فباسـم الله وملائكته لمشـروع الحيـاة الأبدي، قام خلق الله إلى قبلة الصلاة لكسـب الحيـاة أبدية، فاتصلت برحمة الله آزال الإنسـان بحقائقه بآباده بخلائقه في رسـول الله، يوم قامت الخلائق بحق الله بدين القيمة، وتجمع الحجيج من العالمين، للقلوب وللأشـباح من النفوس والأرواح، على من به قامت قبلة الصلاة في العالمين فصلى بشـبحيته إلى القبلتين للإنسـان للقديم والقادم، وبه بعثت ووضعت، وبعثت فرفعت بيوت ذكـر الله، بنفس ومن يلوذ بها من النفوس بألوانها، إمام جمعها.
نفس للحق يدعو بها الحق بحقها من الأعلى… يا أيها الإنسـان… يا أيها الناس… هلموا إلىَّ مؤذنًا بالحج لقبلة صلاته فيه، ليشـهدوه فيهم لقبلتهم بهم في قيامهم به، يوم تدعو نفسـه نفسـا للأعلى جمعها منها، لقائم وصلتها وحيـاتها بالأعلى لهم فرد جمعها متواصيا بالحق بدائم الصلاة والحج، فقامت بذلك الصلاة أبدا، على ما هي قائمة أزلا، بالصلاة على المصلى عليه سـرمدا، العروة الوثقى للحيـاة وللوجود والتواجد في الله ذي المعارج، لمعاني الأمر الوسـط في سـرمد قيامه بين أزلي الأمر وأبدى الأمر، دوام رسـالة الله ودائم هديه.
فصلَّت بذلك على النبي معنىً ووجودا في الإنسـان آزال الإنسـان، بدائم قيامها بحقيتها، كما صلت عليه آباد الإنسـان بدائم جديدها بخلقيتها، فمن خلاله عروة وثقى صلى القديم على الجـديد، كما صلى الجديد على القديم، فتجـدد القديم، وتقادم الجديد، فاجتمع به العالمان، وقام هو في العالمين طريق الله.
بذلك صلى عليه الله وملائكته، في قديم أزلي بإنسـانية رشـاده صلاةً منه عليه، ومن خلاله على عباده، لتمام إرادته في آباد الإنسـان لبعثه بحقه اسـمًا لله بالصلاة عليه والصلة به، بهم تجددت لهم إنسـانية رشـاده لتُعرف لفعلها بحقها في معرفتها عنها بها، بلا إلـه إلا الله، ثم عرفتها في معراجها بجديدها لها، الله أكبر، في الله أكبر، يوم جددت شـعارها الله أكبر برسـول الله، لمعارج لا إلـه إلا الله، لقيامها وقيومها، فَصلَّت الإنسـانية بآبادها على العروة الوثقى لآزالها.
فقامتها اسـم الله، في ظاهره ذكرًا محدثًا بدائم خلقه، لظاهر الله لحقه، كما هي له بسـبقها في غيبه وباطنه، لباطن الله، بقديم ذكره، فكانت في صلاتها ومن صلى معها مسـتقبلا قبلتها، في معاني بيته ونُصبه ومعناه لمطلقه تواجدًا، ولرحمته جودًا ووجودًا، أمرًا رأته في شـعار لا إلـه إلا الله، لحقه وخلقه، وحدةً للإنسـان، شـهدته وأيقنته في صلاة الله وملائكته بقديم الإنسـانية وجديدها، على رسـول الله الدائـم لها، وقائم الإنسـان لقديمها وجديدها، معنىً دائما قائمًا، يكسـب للإنسـان، ولكل إنسـان في دائرة خلقه وحقه.
فعرفته مصليا وملائكته، عليه أبدًا، بمن صلى عليه من الخلق في قائمه الأبدي، على ما صلى عليه ظاهر الحق بالإنسـان قديمًا بقائمه الأزلي، فعرفت المصلى عليه من القدم، بقائم المصلي عليه بحاضر ظلاله إلى الأبد، بدءًا من حاضر قيام الحق له به، تشـهد قائم رسـالة الله ودائم هديه، {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسـطى}[١٠].
{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إنا علينا بيانه}[١١]، {سـنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسـهم حتى يتبين لهم أنه الحـق}[١٢]، وما عبر بقولـه سـنريهم إلا تعريفا عن الماضي، لا بدء له، يتواجد في القابل، لا انفضاض له، يُدرك في القائم، ولا غيبة له، يوم يقوم القائم من الناس ومن الأشـياء، ومن الكائنات، بقيوم الحي على كل قائم حي، من شـيء أو كائن، لطيف أو كثيف، بلا إلـه إلا الله، شـعار الفطرة، وشـعار الإسـلام، وشـعار رسـول الله في دوام، {ويوم القيامة يكفرون بشـرككم}[١٣] يوم يعرفون لمن عقبى الدار. وقد جاءهم الحق بكم، وانتهى الأمر كله إليكم، بعثا بالمقام المحمود للأعلى عليه أثنيتم، ومنه وبمقامه خلفكم فعلى الناس له خلفتم، لا يشـركون بالحق لكم بهم وعليهم في إحاطتكم بهم وجوها لكم. {لا نسـألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}[١٤].
إن الرسـول لا ينقطع له تواجد في أبد، ليشـهد قائم الأبد به قائم الأزل له، تعريفًا عمن لا أزل ولا أبد له، القائم لا غيبة له، الواسـع لا إحـاطة به، القريب لا إنكار عليه، البعيد لا نوال له، في شـعار الإسـلام بلا إلـه إلا الله، وبالله أكبر، بقائم محـمد رسـول الله، في كل من حمدت صفاته، وفي كل من حمـد الله فعله، وفي كل من حمده الناس في معرفتهم لمعارفه، فطلبوا قيامه لقيامهم بدوام المثل الأعلى لكوثر رسـول الله به بينهم، {فلا وربك لا يؤمنون، حتى يحكموك فيما شـجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسـهم حرجًا مما قضيت ويسـلموا تسـليما}[١٥]، (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه)[١٦]،{من يطع الرسول فقد أطاع الله}[١٧]، فكيف يتحقق لطالب الإسـلام، وهذا شـرطه، والرسـول شـعاره وطلبه، إذا غاب الرسـول عن الشـهود وعن الوجود بين الناس كلما تجددوا ولم يتجدد بينهم بهم لهم، قرنا بعد قرن؟ (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[١٨]، (علماء أُمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[١٩]
من كان الرسـول له كل كله، مؤمنًا برب الرسـول للرسـول كل كله، مؤمنا بالله لربه كل كله، دخل في معارج الله، ودخل في السِّـلم مع الله، ودخل في معراج الشـفع والوتر، طلبًا للشـفع والوتر بالله ورسـوله، في الوتر بالله، بشـهادة لا إلـه إلا الله، وقيامه بها، وفي الشـفع بقائم رسـول الله وشـهوده لقيامه به، بشـهادة محمد رسـول الله علمًا على الله بلانهائيه، وجودًا مطلقًا، إيمانًا بالغيب، يعرفه ويراه وجه شـهادته، وجمال طلعته، وجلال قدرته، ويد قربه، وقدم سـعيه، وعين شـهوده، وأُذن سـمعه.
بهذا قام الإسـلام… وبهذا قامت رسـالة الفطرة… وبهذا قام الحق من الله في الوجود، فقام الوجود بما تواجد فيه من الحق لموجوداته. وكان الإنسـان في الأشـياء أشـرف الأشـياء، وفي الكائنات أبقى الكائنـات وفي لطيف الحيـاة ألطف ما في الحيـاة، فكان في عوالم النور أشـرق الأنوار، وكان في عوالم النار أعز نار، وأقدس نار، وأقدَر نار، وكان في عوالم الليل أظلم ما في عوالم الظلام، ليل الحيـاة وسـباتها وسـكينتها، {والليل إذا يسر}[٢٠] سـاريا في كل كائن في ليل حجابه، بظلامه لجـلابيب الإنسـان بأوادمه لأطوار عوالمه، وهو في ظلامه، متخلفًا به عن ركب الحيـاة بنور إنسـان الحيـاة، كلما تخلف كان ظالمًا لنفسـه، ولا ظالم له، منظرا في جديده أمره لمعلوم يومه، {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسـهم يظلمون}[٢١].
جاء إنسـان الرشـاد… إنسـان الحكمة… إنسـان العقل… إنسـان الاسـتقامة. جاء من أعماق الوجود، جاء من ظلمات الوجود، متصاعدًا، متواجدًا، مسـتقيمًا، على ما يجب أن يكون عليه إنسـان الظـلام، في اسـتقامته في حجاب الظلام، حتى بلغ السـماء الدنيا، ولم تنقطع بحثًا عن الحق حيرته، إذْ لم تقم له فيه قبلته، ولم يتوفر له منشـوده من الحق لسـكينته.
فإذا هو ناشـئة الليل على كمالها، وهو على شـدته في وطأته على ما هي نشـأة الليل، وعلى اسـتقامته لكماله في مقامه من الليل بنسـبة الاسـتقامة لقائمها وفق أهليته بطبيعته لناموس عالم هذه الطبيعة، لم يحقق حجاب الظلام بعوالمه له بُغيته، ولم يهدئ انطلاقه الفكري فيه نفسـيته، حتى تداركته رحمة الله من عنايته، فإذا هو يسـتقبل قبضة انشـقاق السـماء عن قديم له، بروح الله، قبس نور الله، قائم عوالم النور في قديم تواجـده وتطوره، فيلتقي قديم ظلامه بقديم نوره، في قائم أمره بهيكله لهيكله، من قلب وقالب {وخلقناكم أزواجا}[٢٢].
فأعلنها الله به بكتابه معه داويةً في الخافقين، ظهور الرجل الرشـيد، والأمر الجديد للأمر القديم فيه، والذكر المحدث للذكر القديم له، خليفة الأعلى لذوات الله لأحديته، فيقول مُشـهرًا به أمرًا له، {أتى أمر الله فلا تسـتعجلوه}[٢٣]، أتى أمر الله ولن يغيب، نزلت البسـمَلة عليه على ما نزلت على كل نبي من قبله ثم رفعت معه تمهيدا لظهوره، أما هو فقد جاء الحق بمجيئه رجلها وإنسـانها، فقد أُعطيت له ولأُمته.
الخير فيه وفي أُمته إلى أن يقوم أمرٌ جديد لله، وما هو إلا جديد أمره، على ما هو جديد أمر الله لقديم أمره به في دائم ناموس الفطرة، لظهور الإنسـان بالصبغة، بعث والسـاعة صنوان، لأمرين لأمر لأمور في الله بالرحمة والقدرة والإحسـان، وما سـبقها إلا كما سـبقت إصبعه السـبابة إصبعه الوسـطى، من حيث الزمان، وما هو وإياها في يد الله، إلا إصبعان، (وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشـاء)[٢٤]، أتى أمـر الله به، فلا تَسـتعجلوه، حتى يتكشـف لكم لمن عقبى الدار.
{ومن آياته خلق السـماوات والأرض، وما بث فيهما من دابة، وأنه على جمعهم إذا يشـاء قدير}[٢٥]، وها هو في الرجل الرشـيد، جمعهم في أمر جديد، انشـقت الأرض عنه، وانشـقت السـماء عنه، فاجتمع فيه غيب الله وظاهر الله في العالمين، بعالم له لقديم خلق الله، وقادم خلق الله، ولقائم خلق الله، جعل خاتم المنبئين وطابعا بحاله للعالمين، وإمامًا للعابدين.
أول العابدين لا آخر لهم، أول العابدين من بعده، عَلمًا وعينا لأول العابدين من قبله مظهرًا لمخبر، فكان بذلك أول العابدين قبلا وبعدا، وأول العابدين قيامًا في شـفع ووتر، بوتره لشـفعه مع الأعلى والأدنى، فكان خـاتم النبيين وقدوتهم وإمامهم، وما كان ختامًا لهم (عُلماء أُمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٢٦]، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٢٧].
يقوم ويتقلب في السـاجدين، روح القدس للمحبين، وقيامة الحق بالسـاجدين، بالحق قامـوا، قيمةً على العالمين، من ربهم مشـهودين، نُصبًا في قبلة المصلين، ووجوها للعاشـقين، أقامهم لقيامه بمُثله، ونُصبهم لبيوته لنُصبه، وقد أمر وأذن له في كوثره لتعدده وتكاثره {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}[٢٨]، إماما وربا للعالمين، {فصلِ لربك وانحر}[٢٩]، حقا للمتحققين، سـاريا فيهم بنوره. فما قام رسـول الله، قيوما على قائم، بقيمة من الناس، إلا مصطفيا من السـاجدين، لقبلة متجهين، وبسـجود لله متقين، بيتا لله من الناس مسـتقبلين، في شـهادة لهم، على ما كان من أمـرهم إلى يوم الدين، وعلى ما يكون من أمرهم، كلما تجدد بينهم أمر بدين. {فَانتظروا إني معكم منتظرون}[٣٠]، أو سـارعوا إلى مغفرة من ربكم ورحمة، تجدوني معكم، ولكم معين.
وعهدنا إلى موسـى وهارون أن اتخذوا من بيوتكم قبلة للمصلين، لمن يطلب من الناس أن يدخلوا في عهد الله، دخولا في عهدكم مؤمنين، لبيت ذكر الله فيهم بكم مسـتقبلين ولكم مسـلمين، ولاسـم الله نصبا منكم متخذين، وجوها له بكم ناظرين، ولها بمعانيكم وجها له سـاجدين، فهذا هو ما كان في فطـرة الأولين يوم سـجد الملائكة لآدم أجمعين، وأبى إبليس فكان معنى المسـتكبرين.
هذا ما جدده الأمين رسـولًا به دائم وجه الله متجددا بين الناس بعلم عن عَلم بدين في كل وقت وحين، ولكنه خاطبهم على قدر اسـتعدادهم لما يعقلون، وقد جاءهم بالذي هو أحسـن مما عَرَّف آباؤهم الأولـون، يوم عَرَّفهم أن نصب السـجود لأوادم الله، وأن بيوت الذكر لاسـم الله، وأن أعلام الله بإنسـان الله، وأن أسـماء الله بإنسـانية الرشـاد لله إنما هي أمور أولية في الدين، وإنها أمـر لا يمتنع كسـبه، وقيامه وظهوره، على مؤمن بالله ورسـوله أو مسـيح إنسـانه، طالبا له مع قـدوة اقتدائه في حاضره بأصل أو ظله لإنسـان معرفته، جعل منه الأعلى عينه ومعناه وبه سـواه، فقامه نفسـه وجها لله، على ما أمره الله، قُدوة وأسـوة بما هداه، فاسـتقام بسـنته عين سـنته، وجدد شـرعته على ما هي شـرعته، وعرف الله على ما هو الله.
بشـر أن الله معطٍ لمتابعيه، كما أعطاه، وجاعل منهم نصبًا على ما جعله، وبيوتا على ما تفضل عليه فأقامه، وحقائق على ما حققه، وأسـماءً له، على ما قامه اسـما أعظَم له، فقال متابعوه على حق، (ليس الشـأن أن تعرف ما هو الاسـم الأعظم، ولكن الشـأن أن تكون أنت الاسـم الأعظم)[٣١].
ولن تكون أنت الاسـم الأعظم، إلا إذا تابعت من قامه، فكنت عَلمَا على من كان عَليه عَلَم، في الله ذي المعارج في الباقي المتجلي بالخلائق. ويوم يتواجد منك عليك عَلَم، على عين ما عرفت وتواجدت من علميتك على علم لله، عرفت كيف كان العلم لله عندك عَلمًا لعَلم، وعرفت أن من كان عَلما عليك، كيف هو عَلم على معلمه بك ومعلمك، وعلى من كنت ومعلمك عليه عَلَم، {سـبح اسـم ربـك الأعلى الذي خلق فسـوى}[٣٢]، {يا أيها الإنسـان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسـواك فعدلك في أي صورة ما شـاء ركبك}[٣٣].
سـبح اسـم ربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسـان ما لم يعلم، اتقوا الله ويعلمكم الله، (وكفى بالعلم في الأُميّ معجزة)[٣٤]… ما زالت قائمة في طريق القوم (عِلمي عن الله آخذه، وغيرنا ما قاله السـلف)[٣٥]، وهي علوم الفيض، أو ما يسـمونه العلم اللدني، أي من نبع الذات (إنجيلي في صـدري)[٣٦]، (قـوم أناجيلهم صدورهم)[٣٧]، وهو ما تقدمه الرسـالة الروحية في هذا العصر في صورة معللة للعقل قابلة للتطبيق والنفاذ والقيـام والعلم والتحقيق والكسـب في أسـاليب عديدة للوسـاطة بين العالمين، بوسـطاء الغيبوبة الكاملة، كنُصب قبلة، يقصد فيها المعلمون، وبوسـطاء الغيبوبة الواعية، لدوام قيام النبوة بالعارفين.
بدين الفطرة، بالإسـلام، عُرف الله، وقُدر الله حق قدره، فكانت أُمة هذا الإعلام وهذا العلم أُمة من الأنبياء أخرجتها شـجرة الجنس تحمل ما حمل، حاملة شـعار لا إلـه إلا الله، والله أكبر، قيامًا بحق رسـول الله في قائمه، وفي كل قائـم بقيامه، قيوما به على قيام له، بدائم قيومه عليه، لدائم قيامه به، {رجلا سَـلما لرجل}[٣٨].
جعله الأعلى شـهيدا على الشـهداء، على ما أَتى الله به شـهيدا عليهم في قَبل لهم، وعلى ما يأتي الله به شـهيدا على الشـهداء في بعد لهم، عين ما شـهد من فعل الله بقائمه به لقائمهم به، وقد أخـذ من كل أُمة بشـهيد، وجاء به شـهيدًا على هؤلاء في دائم خَلقه كلما تجدد الخلق، وفي دائم أمره كلما تجدد به أمر، وفي دائم وجوده كلما تجدد به وجود لوجود.
أظهره الأعلى على الدين كله، على ما عَلَّم آدم الأسـماء كلها، فكان آدم وقد علم الأسـماء كلها، علمًا له وإعلاما عنه، وبشـرًا به، وكان هو يوم أظهره الأعلى على الدين كله، كمالًا لآدم لمعنى ذاته روحا متجسـدا، وظهورا له متجددا بما آل إليه في تمامه وكماله مسـرمدا.
كما كان في الوقت نفسـه بدءا للإنسـان بحقه إلى جديد كمال له، لا يُجَز ولا يتوقف، يوم يُعرِّف عن نفسـه بمعنى الإنسـان لله، لقيامته بحقه في قابل بآدم منه، على عين ما قام من إنسـان آدم له، بموصوف الرفيق الأعلى له، فبذلك عرف الله حق معرفته، وقُدر الله حق قدره، بإنسـان الله وعبده ورسـوله لذاته ومعناه، وقدم معناه قدوة للناس بما علم، يوم آمن الناس بالله، على ما يليق بالإيمان بالله، مع محمد الله رحمة مهداة.
فكان الرسـول أمرًا وسـطًا، وكان به خير الأمور الوسـط، يوم عرف الأمر الوسـط، لقائم الحـي القيوم، أمر الله عَلمًا على آزال الأمر في الله، وأصلًا لآباد الأمر في الله، فكانت أُمته بذلك أمة وسـطا، وبذلك كانت خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وهو قائمها من الله بلا إلـه إلا الله، وتنهى عن المنكر من زعم وجود ما هو غيره، وهو الموجود لا شـريك له، بحكمته في كل ما أوجد. تأمر بالمعروف وهو الله لها، وتنهى عن المنكر وهو زعم القيام لغيره، ووهم القيوم لغير حقه، بقائم خلقه، وتنهى عن المنكر من الشـرك به بموجود المشـرك، وتؤمن بالله بشـعارها لا إلـه إلا الله، وتحمل رسـالته، معرفة به بشـعارها الله أكبر، قياما بشـعار قيامها برسـوله، تشـهدها محمدًا رسـول الله، يوم تشـهد أن محمدًا رسـول الله، فتتم وتعم النبوة الفردية، وتبدأ النبوة الجماعية في إمامة العبودية الحقية، وقد صارت أُمته في وحدتها مع عترته نبوة جماعية للجنس كله، نبوة دائمة، متجددة، وحضرة قدسـية متصلة، لإمامة عبد الله ورسـوله.
هذا هو الحق من الله، وهذا هو الحق من رسـول الله، وهذا هو الحق من الفطرة… فبماذا طلبنا الحـق؟ هل طلبناه برسـول الله؟ هل طلبناه بكتاب الله؟ هل طلبناه بنور الله؟ هل طلبناه بروح الله؟ هل طلبناه بوحـدانية الله بنا؟ هل طلبناه بالفطرة أُما وأَبا لنا؟ أم طلبناه بقائم قيامنا معزولا عن الله، وعن رسـول الله، وعن نور الله، وعن فطرة الله، مرددين لفظ (الله) بعيدا عَنا، وعن وجودنا، بموجود متخيل عندنا، هو العدم بعينه؟
ونحن في طلبنا للصلاح، وللإصلاح، والاسـتقامة، وللعدل، وللاشـتراكية، وللديمقراطية، وللحـرية، وللمسـاواة، نبعًا عن أنفسـنا مسـتقلة عن الله ورسـوله، وعن نور الله وروحه، وعن فطرة الله وصبغته، فإنا في فطرة الشـيطان، ولسـنا في فطرة الرحمن، نحن في فطرة الضلال، ولسـنا في فطرة الهدى، نجادل في الله بغير علم، ونتبع كل شـيطان مَريد، بموهوم الاسـتقامة، وموهوم الإصلاح، أو موهوم الضرورة، أو موهوم الأمر الواقع.
نضع نُصبًا لنا في قبلة الصلاة، شـياطين أنفسـنا، وشـياطين الجنة من منشـود غيبه علينا، فلا عرفنا الله في شـهادته، ولا عرفنا الله في سـعته وعظمته، ولا عرفنا الله في غيبه وقدرته، فأدركناه يدبر أمر ذواتنا، ولو ترك ذواتنا لنا ندبر أمرها، لتعطلت دورة الحيـاة فينا، وتعطل دوام قيامنا بمعانينا. اُنظروه كيف يدبر أمـر قلوبكم، وأمر دورة الدم فيكم. اُنظروه كيف يدبركم من علقة إلى رجل سـوي مع من قذفها. اُنظروه كيف يخرج بكم من ظلام أنفسـكم إلى معاني الرجل الحكيم العليم. انظروه كيف يخـرج بكم من معناكم بالرجل العنيد إلى الكريم الحليم، العاقل الرشـيد، صاحب العقل السـديد.
اُنظروه كيف يعلمكم، اُنظروه كيف يأخذ بنواصيكم، اُنظروه كيف يرتقي بمعانيكم، اُنظروه كيف يسـدد الخطى لخيركم، اُنظروه كيف يُضِل السـبيل بسـعيكم بكفركم، بعنادكم، برد أعمالكم إليكم. تأملوه في آياتـه لكم في أنفسـكم وفي الآفاق. اطلبوا اليقظة، اطلبوا الرحمة، اطلبوا الرحمَن، اطلبوا الرحيم، اطلبوا من جعله الله لكم هدية ونعمة، {واعلموا أن فيكم رسـول الله}[٣٩]، بالحكماء والعلماء والأتقياء، ولا تتابعوا بينكم الأغبياء البلهاء، من تعلقوا بالمادة فعبدوها، وشـدهتهم الدنيا فرببوها، فما بحق سـادوها، ولا بعدل قاموها أو قوموها.
اطلبوا من جعله الله لكم أحواض رحمته، لا تنقطع… اطلبوا من جعله الله لكم النعمة متصلة لا تجز، يقوم ويتقلب في السـاجدين، نُصبًا للطالبين، وبيتا للمصلين، وطريقا للسـارين، وحوضا للواردين، وبحرا للسـابحين، ووجها للذاكرين،
{فسبح باسم ربك العظيم}[٤٠]، {سـبح اسـم ربك الأعلى الذي خلق فسـوى}[٤١]، واسـبح في {جنة عرضها السـموات والأرض، أعدت للمتقين}[٤٢]، واقتحم عقبات النفس، وعقبات الوجود، وأعتق رقبتك من التقييد، وانطلق بعقلك فوق السـماوات وتحت الثرى، وتجول في الله الواسـع العليم، اسـما له وعلما عليه، ورسـولا منه، وحقا من حقائقه، قَوِّم الدنيا، وأقم الدين، وأعتق رقاب العبيد من الطغاة المسـتعبدين، يسـتعبدون الناس، لغير الله مسـتعبدين.
أُمِر الرسـول من الأعلى له، أن خُذ من الخلائق، من شـئت، يوم تشـاء، بمشـيئته. وانطلق به إلى عوالم الحقائق، تصطفيه بما علمته به من أمره لعالمها، إذ هي تقبله بوحدانيته معك، تراه منها لها، فتقبله لمجتمعها بين نفوسـها، وقـد طلبها وارتضاها بهمته، فارتضته، يوم تقبله أنت وترتضيه لنفسـك، وقد قبلك وارتضاك لنفسـه كل عَالَم.
فلا الإنسـان في عالم خلقه محلا للقهر، ولا الإنسـان في عالم حقه محلا للقهر، فلن يخرج الإنسـان إلى عوالم حقائقه لخالقه إلا بإرادته، ولن يُقحم الله، على هذه العوالم في عليّ مقامها، من دونها من عوالم البدء الثلاث الأول بدءا من عالم البشـرية الأرضية، إلا من تقبل وترتضي، ممن تختار وتصطفي.
هكذا كان الإنسـان الذي عرفنا وبه شـرفنا، كان عَلمًا على الإحسـان، ورب الإحسـان، وإله الإحسـان، وحقيقة الحيـاة، وحقيقة الكائنات، وحقيقة الوجود، فما ظهر الله في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان، وما ظهر الله بشـيء مثل ظهوره بالإنسـان، وما ظهر الله لشـيء مثل ظهوره للإنسـان. فهل رضيتم أن تكونـوا من الإنسـان، وبالإنسـان، وإلى الإنسـان، فتقبلوا رسـول رحمته وإنسـان حضرته، وقيوم قيامه لطلعته، كوثرا متجددا بينكم في قيام أزهر، شـانئه أبتر؟
لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله
اللهم يا من هو هو على ما هو، لا جديد فيه، ولا موجود بمعاني غيره معه… اللهم ألحقنا بإنسـان قيامك، لإنسـان قيومك بإحسـانك، لإنسـان غيبك، بواسـع عظمته، وجلال قدرتك.
اللهم أشـهدنا محمدًا رسـول الله، وأدخلنا به في حصن لا إلـه إلا الله، وأبقنا به بها فيها، حتى نشـهدك به، الله أكبر، والله أكبر، والله أكبر، في الله ذي المعارج، لا إلـه غيرك، ولا معبود سـواك… اللهم قوم به سـبيلنا فيك، وأمـرنا منك، وطريقنا إليك، ووجهتنا لاسـتقبال قبلتك، في الصلاة عليه، تخلقًا بخلق من تخلق بخلقك من الصلاة عليه، من إنسـانية السـبق واللحاق.
اللهم صلي وسـلم منا عليه، صلاة دائمة بدوامك، قائمة بقيامك، كريمة بكرمك، عزيزة بعزتك، لطيفة بلطيف رحمتك، بقدر عظمة ذاتك في كل وقت وحين.
لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك… اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، وقنا شـر أنفسـنا، وشـر الأشـرار من خلقك، وأنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، وقد جعلتَه رحمة مدانية لنا، ورحمة قريبة منا، ورحمة متدفقة منك علينا. لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.
أضواء على الطريق
(يا من رضي لمعنـاه من رضيت لنفسـي، فاصطفيته منه لنفسـي. ها أنت أنا، وها أنت هو، وهـا أنت هم. يا من دخل فيمن أعلمت لنفسـي فكان منه، فاصطفيته منه لنفسـي فكان مني، فشـهد الله معنا جميعا. يا من عرفني قل عن لسـاني لمن يريد أن يعرف من هو أنا… هو عبد من عباد الله، أي روح من روح الله، أي قبس من نور الله، هو رسـول من رسـل الروح الأعظم اللانهائي).
من عبارات للسـيد الروح المرشـد سـلفربرش بدائرته الإسـلامية الروحية للمشـرق العربي وللعالم من القاهرة.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. أيضا الحديث: " يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه." صحيح مسلم. ↩︎
مقولة صوفية تتناغم مع خلق الله للإنسان كخليفة لله. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإنسان - ٣٠ ↩︎
سورة الأعلى - ٣ ↩︎
سورة فاطر - ١٥ ↩︎
سورة الإسراء - ١٥ ↩︎
سورة الإسراء - ١٥ ↩︎
سورة البقرة - ٢٣٨ ↩︎
سورة القيامة – ١٨، ١٩ ↩︎
سورة فصلت - ٥٣ ↩︎
سورة فاطر - ١٤ ↩︎
سورة طه - ١٣٢ ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎
سورة النساء - ٨٠ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
سورة الفجر - ٤ ↩︎
سورة الأعراف - ١٦٠ ، سورة البقرة - ٥٧ ↩︎
سورة النبأ - ٨ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
الحديث الشريف: " إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِن أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا علَى طَاعَتِكَ." صحيح مسلم. ↩︎
سورة الشورى - ٢٩ ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
حديث شريف تقول معظم كتب الأحاديث إنه لم يثبت عن الرسول ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة الشرح - ٤ ↩︎
سورة الكوثر - ٢ ↩︎
سورة يونس - ١٠٢ ↩︎
مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي. ↩︎
سورة الأعلى - ١:٢ ↩︎
سورة الانفطار – ٦: ٨ ↩︎
من قصيدة البردة للشيخ البوصيري: كَفَاكَ بالعِلْم في الأُمّيّ مُعجِزَةً في الجَاهِلِيّةِ والتّأدِيب في اليُتُمِ ↩︎
معنى تناقله الكثيرون من المتصوفة ومنهم الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية عن قول أبي يزيد البسطامي: “أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟ قالوا: مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
من الحديث الشريف: " ِصفَتي أحمدُ المتوكِّلُ، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، يجزي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يكافئُ بالسيئةِ، مولدُه بمكةَ، ومُهاجرُه طَيبةُ، وأُمَّتُه الحمَّادون، يأتزِرون على أنصافِهم، ويوُضِّؤون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصفّون للصلاةِ كما يصفُّون للقتالِ، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إليَّ دعاؤُهم، رُهبانٌ باللَّيلِ لُيوثٌ بالنَّهارِ." أخرجه الطبراني. ↩︎
سورة الزمر - ٢٩. ↩︎
سورة الحجرات - ٧ ↩︎
سورة الواقعة - ٧٤ ↩︎
سورة الأعلى - ١:٢ ↩︎
سورة آل عمران - ١٣٣ ↩︎