(٢)

الحق المتصل في أدناه ذات لروح
والحق المعتقد في أعلاه روح لذات
في الوجود المطلق المقصود في معاملة حقه المرسل
عبد الله وحقيته في الملأين الأعلى والأدنى هو الإنسان.
ورسول الله وحكمته في العالمين الظاهر والباطن هو الإنسان.
وحق الله وعزته وعَلم الله وعلميته في الملكين بالحضرتين هو الإنسان.
ظاهر وجه الله وغيبته في الوجودين في دورات الحياة هو الإنسان.
آدم الآب وآدم الأب وآدم الابن حقائق لحق واحد بإنسان الله الواحد.
آدم الذات وآدم الروح وآدم الحق قيام واحد لإنسان لله واحد.
الإنسان آحاد الله لظاهر الحق بمعناه لأسمائه في الوجود المطلق اللانهائي له.

حديث الجمعة

٢٢ شوال ١٣٨٣ هـ - ٦ مارس ١٩٦٤ م

أراد الله الناس لنفسـه على ما هم، بالغ فيهم أمره. وأراد الرسـول الناس لربه على ما هو بالغ به أمره.

فرض الرسـول إرادة الناس كلا له كانه على مفردات نفسـه لتكونه، وصفا ومثالا لهم كانه ليكونوه بكائنه، ما اسـتقاموا على أمر الله به لهم، بما اتصفه إليهم بحكمته عندهم.

وفرض إرادة الكون كلا له كانه على كونه بمفرداته بدءا له لتكونه، على ما كانه، ما تكشـفت حكمة الكون فيه لكونهم به.

وفرض إرادة الوجود على مفردات وجوده لموجوده، إدراكا لرحمة الموجد، وتسـليما لعدل الوجود، وإيمانا بحكمة الموجود، وإسـلاما لعظمته، وتفويضا لتدبيره، وتخلقا بخلقه، بدءا لوجوده متجددا لعين وجود موجده لنفسـه، متأزلا متأبدا.

قام الرسـول للإنسـان عَلمًا على الوجود، وكتابا عن الموجد، فلم يفرض له إرادة على الناس، مفروضة عليهم مثاليته، بافتقارهم لمعناه ومبناه، ولم يفرض له إرادة على الكون، مبشـرة به الأكوان إلى كينونته، ولم يفرض له إرادة على الوجود موعودة الموجودات بمثاليته بوجود. لم ينتقد الناس لأنه لم يُدخِلهم في دائرة إحاطته اِرتدادا بأمرهم إلى مَن تواجدهم لنفسـه، وقد فرضت عليهم طاعته. ولم يتعارض مع الكون لأنه لم يدخله في دائرة ملكيته مملوكا بكونه لمن كونه، وإن دخلت السـماوات والأرض في دائرة كينونته. ولم يتنافر مع الوجود لأنه لم يدخله في دائرة سـلطته ودخل بوجـوده في رحابته. بل رد الناس والكون والوجود إلى الأعلى ملتزما حدوده في دائرة عبوديته للأعلى من رحمة ربوبيته.

رآه في أدناه عبدا مسـودا، وتجاهله في أعلاه سـيدا، مقاما، ففرض الأعلى له على الناس مثاليته حقا أدنى لهم، وعلى الكون طاعته، نورا له وكونا أكبر، وعلى الوجود طلعة إشـراق حقه ورسـول الأقدس، وجعله داني الحق ذاتا وصفاتا، وعالي الحق روحا وسـلطانا وعروجا.

فكان بعالي الحق له لا يعلوه، إلا رفيق أعلى بقائم أزلي بصفته، لدائمه أمرا وسـطا في المطلق لا يحاط به، وكان بداني الحق له لا يسـفله، إلا رفيق أدنى فيه يقوم، وإليه ينقلب وفيه بالسـجود للأعلى يتقلب. ذكر الله وحـده، ولم يذكر له شـريكا منه أو من أعلى أو من أدنى. فكان تمام كلمته لتمام كلماته وظاهر وخفي آلائه ونعمته بمسـتقيم رسـالته وحقه وحقيقته. وأدرك الحق فيمن يعلوه، ورأى من يعلوه فيمن يسـفله. فكان بين يدي رحمته يد الحق محوطا وبها له محيطا.

فرضيه الأعلى والأدنى لعنوانه، رحمة الأعلى، وعزة الأدنى، وجعله الحق يده العليا مظلة، كما جعله يده السـفلى مقلة. فحمل الناس على يد تواضعه حكمة، وحمل الكون على يد طبيعته فطرة. وظهر في الوجود، ناموس قدرته، ممحوا عنه خلقا إلى حق، مزهقا باطله، قيدا وطبيعة وخلقا واسـما ومسـمى، دانى إلى الأعلى مضافا بوصف العبد له ذاتا، دانى لصفاته ووصفه مقاما قياما ورسـالة.

ظهر للعقول، عقلا ونور وعيها، كما ظهر للنفوس نفسـا وجذوة حقها. وظهر للعوالم عالما وعالم احتوائها، وظهر للموجودات وجودا وسـر وجودها، وللأرواح روحا وجماع حيواتها وتواجداتها، في أطوارها ومعارجها.

ظهر بالوجود، للوجود، رفيقا لرفيق، فكان الأعلى لمن عاناه، ولنفسـه به ما ارتضاه، وقام الأدنى لمن والاه وعلى نفسـه أعلاه، فكان له شـهادة أن لا إلـه إلا الله، لمن شـهد محمدا رسـول الله، فتابعه ووالاه، متابعة وموالاة للحق من الله، طلبا لكشـف الحق، لمعناه في مبناه.

أظهره الأعلى على الدين كله، فرآه الدين، يتيما آواه، وضالا هداه، وعائلا أغناه، فكان هو الدين لمن كانه بمعناه، وكشـف له عن معناه في معناه، فرآه عين من طلب ممن رآه قد علاه، وعين من عناه فكشـف له الأعلى عنه فيمن دونه ممن علاهم من وجوهه لحقه لمولاهم بإحاطته في معناه، فأسـفر له من تحته، كما أسـفر له من فوقه لعين عينه، لمعناه، فما رآه سـواه.

وما أسـفر له إلا بمرآته له فيه، بعد أن ارتد إليه بصره، من كرتيه، سـبحا إلى أزلي ذاته ومعانيه، ثم إلى أبدي تواجـده بجديده بمبانيه، فكان في قيامه، بوحدانية قائمه، في قيومه بفطرته مدركا لأمر نفسـه وكونه ووجـوده فيه، فرآه على ما كان وعلى ما يكون هو على ما هو بما يعنيه، أعلى الحق روحا، لا يدرك للناس مداه، ولا ينال لهم مرتقاه، إلا في قيامهم فيه بمعناه، ظلالا له، ووجوها منه، لوجهه، وجها لمن علاه، من أسـماءٍ لربه بعين معناه متخلقا بخلقها فيه، تخلقها بخلقها فيها. فطرة الوجود لمبديه، بالإنسـان له فيه.

لا يُشـهد، لمشـاهد له، إلا بعينه، بلطيفه يمتد ويتخالل من روحه لأعلاه، مع ذوات ذاته لأدناه، فتشـهد به، وذلك لمن شـهده. (من رآني فقد رآني حقا)[١]، وما يُشـهد لمشـاهد له، إلا بعد قيام إيمان به حقا، ولا يقوم منه فيض إيمان به على مؤمن به ورسـولا إليه إلا لمسـلم له، عبدا أسـلم له، مَن وصف بالإسـلام، وآمن به منه، فيه، من وصف بالإيمان، وتلاقى معه على معنى الحق له يلاقيه، بمعنى الحق له فيه، على ما كان لأهل العرفان.

بهذا عرفه كل من عرف من أهل اليقين باليقين، في دائم متجدد بذوات، من كلمات لداني الحـق بها، ذوات لروح بصفات الحق، أزلية من أزل بصفاتها، في آزال لا تدرك، ولا تدرك سـرمدية ذواتها بآباد في الأبد، ولا تتجاوز. هو أزل ورسـول الأزل، وهو أبد ورسـول الأبد.

فكان العلم، بالعلم، في العلم، عن العلم عنده… وكان العَلم، عن العالِم، في العلَم بذات علَمه، وكان العلم عن المعلـوم، في العِلم بما عُلم من معلومه، فكان للموجود، ولكل موجود، كتاب وجوده، وكتاب الوجود الموجد لوجوده، كما كان مرآة المشـاهد، ووجه الشـهود لجمال الحق، في كل موجود، كما كان في حركته بذاته، إرادة القدرة… وبذواته في تعدده أقلام الألواح، وكتب الأشـباح، لإحصاء الأحوال والأعمال.

كان وحدة المؤثر والمتأثر والأثر… كان وحدة المـُخبر والمخبَر والخبر، كان أحدية المنبئ، والمنبأ، والنبأ… كان حقية العابد والمعبود، والعبادة، والعبد، لأحدية حق في المطلق اللانهائي حقا يحمل كفايته لمعرفته عنه… كان كل شـيء، لأي شـيء، وبكل شـيء… كان الأشـياء، لمن شـاء، فكان شـيئا… كان الكينونة، لمن كان، فكان كائنـا… كان الآدمية، لمن دخل في أديمه بآدمه، ودخل في أي آدم له من جمع لأوادم به، لمعنى الحق له، فكان بظلاله آدما منه، وآدما له.

كان أدنى الحق ذاتا متجددة، ورسـولا من أنفسـهم، لدوام وبقاء الحق به، باقيا في بقائهم… وكان أعلى الحق روحا واسـعا منطلقا، وروح قدس للأعلى، تنزيها للمطلق، وتقديرا للموجـود، وتعريفا للمعروف، وإشـهادا للمشـهود، وفيضا بالحياة، للحي القيوم، في قيامها، بالحي القيوم واجب الوجود، إكبارا للأكبر في الواسـع العليم.

تواجد بين الناس داني الحق، ذاتا لروح، حقية الذات بروحها، وحق الروح بذاتها، فتخلت النفس بأناها عصرا، إلى حقها ودوامها دهرا لروحها، ربا، هو للأعلى عبدا، وعرفتها في داني ذاتها كونا، ترفعت بأناها عن مبناها لمعناها دوما، حتى تهيئ لأعلى الحق لها عليها ربوبيته، وللأعلى عليه عبوديتها، بتنزيهها للأعلى في عظمته عن الظهور، بذاته وصفاته، في أدنى الحق بحضرة السـماء الدنيا، لصفاته في جمعها، بذوات مفرداتها، مِن عالم الروح الأول بأحياء الأرض، فيسـجد من يسـجد للحق في أدناه، مشـهودا لأناه، بذات معناه، طلبا للحق لمعناه، في مبناه، موعودا مثاله للمؤمنين ما اتبعوه، موعودا قومه بنصرتهم بمحموده ما تواصوه.

وها نحن اليوم مع محمد… عِيد غريبا… وقام قريبا… وبُعث مجيبا… وظهر عجيبا… بُعث في الناس، هم أهل قليب، وقد تواجـده الناس في المـلأ الأعلى لأنفسـهم خير مجيب، وغاب عنه الناس في الملأ الأدنى لمعنى كوثره الحق القريب، واليوم يبرز الناس به فيهم لله جميعا، يوم يؤمنوه فيقوموه روحـا رسـولا عرفوه، وكم من قبل رأوه قام فيهم لمعانيهم حقا وصدقا من الله لهم معهم ما ارتضوه، وشـفيعا لمعانيهم، مقيما مجددا لمبانيهم ما تابعوه، آيات وكلمات لله قلوه، ومقابر ذكروه وطافوه.

أما قومه ممن صدوا عن سـبيله بمثله من أهل البصائر، فقد أرجعتهم السـماء إلى دائم داني الحق به، مجددة جلودهم بلطيف من أثير الوجود، وكثيف من دائم الموجود، جاؤوه فاسـتغفروه، فاسـتغفر لهم، فوجدوا الله غفورا رحيما، وعلموا الله، عادلا كريما، ردَّ إليهم أعمالهم في إفاقة بيقظة من سـكرة بالموت، وقد زلزلت نفوسـهم بما لهم من وهم مكاسـبهم بأعمالهم، فلما تخلوا عن أحوالهم، بَدّل الله ما بهم، من جفوة مع الحق عرفوه، وأظهر الرسـول، بمعاني الحق معهم، حقا يأويهم ويجمعهم.

لا يسـألهم رزقا، وهو يد رزقه. ولا يسـألهم عملا، وهو وجه مغفرته. ولا يرضيه لهم، كَرَبْ[٢]، وهو بسـطة رحمته. ولا يضيق بهم صدره، وهو حضرة حلمه. ولا يمنع عنهم معرفة، وهو كتاب علمه. عرفـوا القيامة في يقظتهم من سـكرة الموت، والبعث في بعثهم أرواحا عاملة في حيـاة الوجود، والجنة في حريتهم في الكون، معتقة عقولهم من قيود المادة. يقومون بالحق ويشـهدون الحق ويسـبحون في الحق.

عرفوه، فعرفوا الحق به لهم. عرفوه، فوجودهم برحمته اتصفوه، رحمة الرحيم مهداة، ويد الرحمن لمن طلبه فلاقاه، إنسـان الوجود لكل معنى للإنسـان موجود، وإنسـان العنوان لكل إنسـان قام به القرآن. فكان قبلة السـجود، وبيت الذكر الودود، وروح الحياة والجود، ونُصب الطواف ووجه الشـهود، وأركان بيت الحيـاة لطالبي الحياة، وعين زمزم الحياة لوارد أحواض الحياة ولكاسـب الحياة، ولقائم الحياة، ولعاشـق الحياة.

هو إنسـان الـهو، وأناه… هو الأنا للحق وهواه… هو إنسـان ذات الوجود، لمن طلب الوجود لذاته وأناه لروحه ومعناه، فمن الموجد رسـولا إليه اسـتقبله وعناه، ودخله بسـكينة طلبا لله، بيتا لله، ومرضاة لله، ورضاءً عن الله، ورضوانا من الله، وأخلى قلبه له عرشـا لمعناه بنور الله.

إن لأهل اليقين بديهيات، هي معرفة للمؤمنين، وعلم للمسـلمين. إن الله وجودًا، وذاتا، هو ما تشـهدون من الوجود بعينه لشـهودكم، وبوجهه لمشـهودكم، داني ذات الحق لكم، في دلالتها على الأعلى والأقدس، في الله ذي المعارج، إلى صمدي قدسـه لذاته وجودا، عبر عنه قائم وجودكم، قياما لجديد الوجود بكم، على ما هو الوجود لكم، وفي الشـهود.

هو الصمد، الأحد، لم يَحدُث، ولم يُحدَث، من حيث ذاته وصفاته، وهو في الوقت نفسـه روح الحيـاة، لموجود الأحياء، من حيث روحه. وليس في الوجود، مما يشـهد، إلا حي… جمادا كان، أو نباتـا كان، أو حيوانا كان، أو إنسـانا كان، أو روحـا كان، أو نارا كان، أو نورا كان، أو حقا كان، أو كائنا كان، أو شـيئا كان، صغيرا كان، أو كبيرا كان… رتقا أو فتقا كان.

هذا أمر بديهي قدمه أهل اليقين، عن ذات الله، موجودة، معلومة، معروفة، مشـهودة، ظاهرا لباطن متحـد. من طلبها غيبا، غاب عنها إلى العدم. (كم من مصلٍ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا)[٣]، (كم من تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه)[٤].

إن الذي يعنينا من أمر الدين، ومن أمر الدنيا، ومن أمر العلم، ومن أمر المعرفة، ليس هو جدل حول لفظ الله ومدلوله، وموجوده، أو أسـماء الله، وقائمها وفعلها. إنما الذي يعنينا، يوم ندرك لنا غاية، إنما هو مكان الإنسـان من الوجـود، إنما هو حياة الإنسـان في قائم وجوده، هل يكسـبها؟ أم هل يفقدها؟

إن الإنسـان بوجوده، وإدراكه لوجوده، أصبح موجده واجب الوجود عنده. إنه لا يعنيه أن يحيط بواجب الوجود، فهو يدرك اسـتحالة ذلك. إن الذي يعنيه إنما هو أن يتكشـف له وجوده، حيا بموجوده لموجده… أن يتكشـف له أنه بواجب الوجود، وجود فيه، ووجه وطلعة له، واسـم وذات بقائمه لقائمه وقيومه، أن التصاقه بالموصوف بالبقاء، يخرجه من العدم.

إن اسـم الوجود من الموجود لموجوداته، في وجوده بالنسـبة للإنسـان، بسـابق عن الإنسـان، إنما هو الإنسـان. فهل نـحن الإنسـان؟ هل نحـن كذلك؟ هل نصير إلى ذلك؟ هل نحيا بذلك؟ هل نسـتقيم مع ذلك؟ هل نقوم بذلك؟ ليس الشـأن أن تعرف الاسـم الأعظم لله، أو أن تصنع اسـما عظيما لله، ولكن الشـأن أن تكون أنت اسـما لله، أن تكون أنت الاسـم الأعظم لله. وأي اسـم لله لم يكن عظيما وأعظم، في ذاته وقيامه، بقائم الأسـماء كلها لصفاته، في موجود الحق، عَلما على وجود المحقق! ومن أعلم بالله من الإنسـان! ومن أعظم بالله من الإنسـان! ومن غير الإنسـان لذلك فيه!

إن الإسـلام فرق بين الحق والباطل، وكشـف عن الحق، في الجمع والتفرقة، بين الله واسـم الله. إن الإنسـان اسـم لله، في الله، في مجتمع من أسـماء لله، متشـاهدة وجوها لله، في وجه أكبر لله، فيه تتعارف وجـوه الله، يعرفونه بيت الله، وعالم الله، وحق الله، وحضرة الله، وسـاحة الله، ووجود الله، وسَـمِ ما شـئت مضافا إلى من تدعوه لافتقارك، {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسـماء الحسـنى}[٥].

إن الله مجردا عن الاسـم له، وعن الذات له، وعن المعنى له، وعن الإدراك له عند عارفيه، هو الله، على ما هو الله.

ولكن الدين قام على القيام في الصلاة بالصلة بذكره. قام على اجتماع أسـماء له فيه، أعلى لأعلى بأعلى وأسـفل لأسـفل بأسـفل، ذاتا لروح تجتمع الذات على روحها، وروحا لذات تجتمع الروح على ذاتها. عوالم بجمعها، تقوم حضرات بحقها، لآحادها، في قيامها في الواسـع اللانهائي، عوالم الرشـاد فيه لعوالم الخلق فيها.

إن الأنا والهو، إنما هو قيام في الإنسـان بأنا لهو، وبهو لأنا، تفصلهما الذات بقديم لها وجـديد منها، وتجمعهما الروح، فالذات أنًا لما يعلوها من الهو بذواته، ولما يسـفلها من الهو لأناها، بهوياته، أو غيبياته لكوثر ذاته. وهذا ما عناه القائل لذاته في موقوتها بسـافله بها:

رح يا أنا يا فاسـد التركيب … يا من تحول بيني وبين حبيبي[٦]

يعني الأعلى ليكون بذلك لأناه لمعنى ذاته، يمسـحها عنها، ليظهر ويتواجد بها، ليظهر بممسـوحه لحاضره بحقه الأعلى مسـيحا له.

إنه الأعلى… إنه الهو… إنه الأنا بالحق، يوم أسـلم له في ذاته إسـلاما لروحه، وأخليت له ذاته من أناه بمعناه، لتكون أناه بروحه وأعلاه، وأسـجدت له أناه بمبناه بين يديه في معناه اسـما لمن عناه، فنادى معلما، (ما كانت صلاتي إلا ليا)[٧].

إن الإنسـان، بصالحه، وبطالحه، هو الإنسـان، ولكنه ليس على الله العنوان بمعنى الإنسـان، إلا يوم يجتمع بأعلاه على أسـفله، وبأسـفله على أعلاه، في أمره الوسـط من ذات انتهائه لأطواره من المادية والنباتية والحيوانية، ببدئه لبنة بشـرية للبنيان، لبيت يذكر فيه اسـم الرحمن، يجمع لبناته من عمله بذكر الله، يوم يسـتقيم بأعلاه لا متعاليا، وبأسـفله لا متخاذلا، وبأوسـطه لا منحرفا ولا مفرطا، فيقوم فيما يليق أن يقوم فيه الإنسـان، فيصير إنسـانا.

يومئذ يصبح للرحمن العنوان، ويكون نعم الاسـم للمسـمى الموصوف بالإحسـان، يكون نعم الوجه لمن كان كل شـيء له وجه، يكون نعم القيام للقيوم على كل قائم… يكون العنـوان… يكون المؤمـن اسـما للمؤمن يعلوه، واسـما للمؤمن يعلوه ويعلوه، واسـما للمؤمن لا يبلغ مداه، ولا يدرك إلا بمعناه عند مسـماه…

فيكون اسـما للرحمن، واسـما لله، لا يرتاب في الله، ولا في رسـالة الله، ولا في قيوم رسـول الله، ولا في قائم الحق في معناه، مؤمنا مرآة المؤمن. وقد حذرنا الله من الفسـوق بعد الإيمان يوم قال لنا، {بئس الاسـم الفسـوق بعد الإيمان}[٨]، يوم يبلس المبلسـون بعد إيمان بالله ورسـوله لقيامهم.

بهذا جاء الدين، وعلى هذا قام اليقين، وفي هذا يقوم العلم، وبه تقوم المعرفة، فلا دين بغير علم، ولا علم بغير دين، ولا حق بغير معرفة، ولا معرفة بغير حق، إن الدين لواقع.

فإذا أبعدتم الله عن الواقع، فقد باعدتم الله، وباعدتم بينكم وبين الله. وإذا أبعدتم الله عن العلم، فلا دين، ولا علم… وإذا أبعدتم العلم عن الله، فلا علم، ولا دين، ولكنها الفتنة والجهل.

يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، يتبعون كل شـيطان مريد، داخلين فيه، وفي عهده، وفي قيامه، وفي قيومه لقيامهم، مجادلين في الله بغير علم، يحررون عقولهم لتنطلق، في دائرة الظلام، بوهم دائرة النور، يؤمنون بالطاغوت، ويزعمون الإيمان بالله ورسـوله، ويكفرون بالله ورسـوله باسـم الإيمان بهما، والحديث عنهما.

ينزهون الله عن اتصافهم، ويقومونه بأوصافهم، وتعالى الله عما يصفون، بقائم من صفاتهم، بوهم التخلق بخلقه، بصفاته هي لهم. تعالى الله، وتعالى عباد الله، وتعالت حقائق الله عن كل وصف يتصف به الجاهلون، ويقوم فيه الماردون، ويعمل به الطاغون، وإن اتسـعت للكل رحمته، وتقبلت لكل إسـاءة مغفرته، وقامت بالخير إرادته، لكل طالب للخير، الخير جبلته. (الناس معادن خيرهم في الجاهلية خيرهم في الإسـلام)[٩].

أعطى كل شـيء خلقه بقدرته، وأعطى كل نفس هداها بعزته… أعطى ولم يقهر، ويوم يقهر لا يعطي، وهو القاهر فوق عباده، إنما يقهر عباده بعباده، ابتلاء لعباده، ابتلاء للقاهر والمقهور، وإبرازا لحكمته لعباد في رحمته.

ما تخلق بخلقه عباده، إلا ابتعدوا عن القهر، وابتعدوا عن عزة السـلطان، وابتعدوا عن العزة للنفس، وأعملوا ما أودع الله فيهم من عزة، لحرية الكائنات، ولحرية الخلائق، وما أودع فيهم من سـلطان، إلا لإقامة الحرية بالعدل، وتوفير كسـب الرحمة، بالهبة والهمة.

وهكذا كان، من كان عنوانا لكل متخلق بأخلاق الله، هكذا كان رسـول الله لم يقهر إنسـانا، ولم يقهر كونا، ولم يظلم وجودا، وجعل ما أودع الله فيه من عزته، ومن سـلطانه، ومن قدرته، ومن قهره، جعلها في خـدمة الناس، ولحرية الناس، ولكرامة الناس، ولسـعي الناس، ولاهتـداء الناس، ولإعطاء الفرصة للناس، ولإنذار الناس منظرين، وعونهم مسـتعينين، ومدهم طالبين مفتقرين للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه. {اتقـوا الله وآمنوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته}[١٠].

إنه النعمة المضاعفة للحق في أعلاه، وللحق في أدناه، يوم ينعم من هو أعلاه، فيسـتجيب من هو أدناه، فينعم من هو أدناه، فيتفضل ويضاعف من هو أعلاه.

إن من دخل في رسـول الله، وهو هدية الله… وهو رحمة الله… وهو بيت الله… وهو نصب الله… وهو هيكل الله… وهو سـاحة الله… وهو عـالم الله… وهو جماع عوالم الله… وهو مع ذلك كله أحد من آحـاد الله، ووجود من وجـود لوجود الله، الذي لم يبدأ، ولا يبدأ له وجود، وهو الذي لا ينتهي منه به تواجد، فقد كسـب وملك الحيـاة، في قائمها وقابلها، مظهرا وظهورا للحيـاة بقديمها وأزليها، لقائمها وأبديها.

إنه الأمر الوسـط… إنه الحق الوسـط… إنه الدين الوسـط… إنه الأمة الوسـط… إنه المؤمن بقديمه ربا لا بدء له، باقيا به جديدا متجددا لا انتهاء له. إنه العبد في قائمه لقديم حقه لمولاه، وأعلاه، لمعنى ربه الذي يرعاه، في معبوده اللانهائي، في قيامه ومرتقاه. إنه من أظهره الأعلى على الدين كله، فافتقر إلى المطلق افتقار أعلاه سـعيا إلى من لا يدرك منتهاه، فجأر بشـكواه خشـيته من مقام السـيادة لمعناه بعيدا عن مولاه، (اللهم أحيني مسـكينا، وأمتني مسـكينا، واحشـرني في زمرة المسـاكين)[١١].

اللهم بمن عرفناه وما عرفناه… اللهم بمن عرفنا أنَّا ما عرفناه، ومن أضافنا لنفسـه وما اتصفناه، على ما قبلنا في معنانا لمعناه، وسـعادتنا يوم نتصف بمعناه، عبدا لمولاه هو عندنا عين مولاه… يوم نرانا عبادا له، كلما هو بنا لنفسـه ارتضانا، لاسـمه ومسـماه… من جهلناه بظلمنا وظلامنا، وبرحمته ما فقدناه… من جهلناه، وما جهلنا عنده لمولاه، فبالجهل بوهمنا أكبرناه فباعدناه، وهو بالقرب وبالعلم واليقين لم ينسـنا بل قامنا فقمناه.

اللهم به فارحمنا… اللهم به فاغفر لنا… اللهم به فتولَنا… اللهم به فعلى أنفسـنا ولّنا… اللهم به فأعلِ كلمة الحق علينا… وأعلِ كلمة الحق فينا، وأعلِ كلمة الحق بنا.

اللهم به فأحسـن خواتيمنا، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها في مرضاته مرضاة لك، وفي لقائه لقاء بك، وفي قيامه قياما فيك، لا إلـه غيرك، موجودا وغيبا، ظاهرا وباطنا، خلقا وخالقا.

به شـهدناك، لا إلـه إلا أنت، في قيامنا، وفي وجودنا، وفي معانينا، فشـهدنا أنه لا إلـه إلا الله، وبلا إلـه إلا الله شـهدناها، شـهدنانا ما شـهدنا، إلا محمدا رسـول الله، قائم الحق منه، وقائم الحق بنا له، فآمنا بالله، وآمنا برسـول الله، وآمنا بأنفسـنا لهما، فيهما، ومنهما.

اللهم حققنا بذلك إسـلاما وعلما، ويقينا، وقياما، وحقا… أنت مولانا، فادفع عنا شـرور أنفسـنا، وشـرور الأشـرار من خلقك، لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.

اللهم ولِ أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ أمورنا شـرارنا بكسـبنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.

اللهم كن لنا، بمن عرفنا، وبمن له أسـلمنا، وبمن بحقه آمنا وأكبرنا، كن به لنا، علينا، معنا، فينا، حكاما ومحكومين، طغاة وعادلين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنّا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

عن دائرة الجمعية الإسـلامية الروحية للكويت. جلسـة ٦\٩\١٩٦٦ وسـاطة السـيد الحوراني إدارة السـيد أسـامة. الروح المرشـد السيد فزر: (Feather)

(يجب أن تعلموا جيدا أنكم تعيشـون في الأبدية… لا فرق بين أمس واليوم وغد إلا بالكسـب. ها قد انقضى اليوم، وغدا يبزغ فجر جديد. يجب أن نعيش هذا اليوم، وأن لا نعيش في أوهام الغد تاركين حيـاة اليوم دون كسـب أو عمل. إن عمل اليوم يؤهلنا لمسـتوى حياة الغد التي سـتكون أبهى وأسـعد بحصيلة عمل اليوم. كما يجب أن تعلموا أن حيـاة هذا اليوم يجب أن لا تلهيكم، متناسـين معها ما ينتظركم من حيـاة غدٍ المقبل، يجب أن تعيشـوا هذه الحيـاة متكاملة المعاني بشـتى صورها).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف ذات صلة: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  2. تم وضع التشكيل بناء على النسخة المراجعة من السيد رافع. ↩︎

  3. حديث شريف ذات صلة: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا.” أخرجه الطبراني في الجامع الصغير للسيوطي. كما أخرجه البيهقي في “شعب الإيمان.” ↩︎

  4. حديث شريف نسبه الغزالي في (إحياء علوم الدين) لأنس بن مالك: “رب تال للقرآن والقرآن يلعنه.” ↩︎

  5. سورة الإسراء – ١١٠ ↩︎

  6. من قصيدة للشاعر عبد الغني النابلسي، من العصر العثماني: رح يا أنا يا فاسد التركيبِيا حائلاً بيني وبين حبيبييا غيمة سترت ضياء الشمس عنعين الشهود وأبعدت تقريبي ↩︎

  7. مقولة صوفية لم نستدل على مصدرها ولكن المعنى مفهوم في السياق. ↩︎

  8. سورة الحجرات -١١ ↩︎

  9. من حديث شريف: "تَجِدُونَ النَّاسَ مَعادِنَ، فَخِيارُهُمْ في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ في الإسْلامِ إذا فقِهُوا. أخرجه البخاري ومسلم. صحيح ابن حبان. ↩︎

  10. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  11. من الحديث الشريف: " اللَّهمَّ أَحيِني مِسكينًا، وأَمِتْني مِسكينًا، واحشُرني في زُمرةِ المساكينِ يومَ القيامَةِ، فقالَت عائِشةُ: لِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: إنَّهم يَدخُلون الجنَّةَ قبلَ أغنيائِهم بأربعين خريفًا، يا عَائشةُ، لا ترُدِّي المِسكينَ ولو بشِقِّ تَمرةٍ، يا عائشةُ، أحِبِّي المساكينَ، وقَرِّبيهم؛ فإنَّ اللهَ يقرِّبُكِ يومَ القيامَةِ." صحيح الترمذي. ↩︎