(١)

الوجودية

بحث علمي بقلم: علياء رضاه رافع محمد رافع

ليسـت الفلسـفة الوجودية فردية، يمكن أن ننسـبها إلى شـخص بعينه، إنما هي نظرة متطورة عن وجود الإنسـان وجوهره، ولعل موضوعها وهو الإنسـان، يبين لنا مدى تعقدها وتعددها، هذا التعدد الذي جاء نتيجة تطور معرفة الكائن البشـري عن نفسـه، ومرونة العقل الإنسـاني في أن يتخذ زوايا متعددة في بحث حقيقة وجوده.

إذا أرسـلنا البصر عبر آفاق التاريخ، لوجدنا بذورا منها عند السفسطائيين وهم يجادلون في القول بأن معيار الحق والخطأ هو الإنسـان، ومن المؤرخين من اعتبر الأبيقوريين من الفلاسـفة الوجوديين، كذلك نجد سـقراط يبحث في وجود الإنسـان، ولكن بطريقة مثالية، وإنما أهم ما يعنينا في الأمر نشـوء هذه الفلسـفات الحديثـة التي اقترنت كل منها باسـم (فلسـفة وجودية)، وهي التي نقلت البحث من الماهية إلى الوجود الواقعي المشـخص للإنسـان، وقد تعرضت الوجودية لهجوم عنيف من أعدائها، في نفس الوقت الذي كانت تنتشـر فيه، قال أعداؤها إنها فلسـفة غير إنسـانية لأنها تجـعل من التشـاؤم إحسـاسـا دائما يعيشـه الإنسـان في كل لحظة. وقال آخرون إنها فلسـفة لا أخلاقية تهدم كل القيم الإنسـانية، وتشـيع في المجتمع الفوضوية والانحلال. وطائفة ثالثة تعرضت لها من الجانب الديني، خاصة أن وجودية سـارتر تجاهر بإلحادها بالله الذي لا قيمة له، ولا ضرر من فقده.

ولكي نتبين مدى صحة هؤلاء المهاجمين في هجومهم، يجب أن نعرض تطور هذه الفلسـفة، في محاولة انفعال بآرائها، وفي ظل مفهوم عن الحيـاة، ارتبطنا وامتزجنا به. فربما كان هذا مفتاحا صغيرا لفتح الباب المغلق، أو بصيصا من النور ألقي في ظلام الدجى.

والفلاسـفة الوجوديين عندما يتكلمون عن فلسـفتهم فهم يتكلمون عن أنفسـهم في تجربة ذاتية حية، فهم يقومون بالكشـف عن أناهم، وقد اسـتعملوا ألفاظا مجسـمة تبين حقيقة شـعورهم، كاسـتعمال سـارتر للفظ الغثيان.

والآن لنبدأ بهذا الذي اقترن اسـمه بأبي الوجودية، في الوقت الذي كان يهاجم فيه المذهبية، ولم تكن عنده أدنى فكرة عن أن ما قاله هو بداية لفلسـفة جديده تكلم فيها كثير من الفلاسـفة اللاحقين عليه أو المعارضين له، إنه (كيركجارد).

(كيركجارد): كان لنشـأة كيركجارد الدينية أثر كبير في تكوين آرائه الفلسـفية، فقد أمضى طفولته مع والد شـيخ طاعن في السـن، كان يتكلم معه كثيرا عن الله، والخطيئة والقلق والتمزق النفسـي، وتأثر كيركجارد كثيرا بتعاليم أبيه، وقام عنده الإيمان بالله عن طريق الإحسـاس، وليس عن طريق المنطق العقلي، هذا الإحسـاس بالضياع والتمزق والفناء أمام الكائن الأعظم.

إن طريق الإنسـان إلى الله هو التأمل لذاته (أي ذات الإنسـان)، ولكن عليه أن يعرف أنها سـتظل مجهولة عليه بتعقدها وتعددها، حتى أن وسـائل تعبيره عنها لن تكون كاملة، لأنها سـتكون بهذا التعدد، وهذا التعقيد.

ومن تأمله لوجوده سـيدرك أن هذا الوجود هو وجود للخطيئة، لأننا نكون في تماثل مع الله، ونشـعر بفرديتنا بإزائه، وهذا الحضور أمام الله ينشـأ عنه صراع بين أنا الكائن المتناهي، وبين الأبدية وهو الوجود اللامتناهي، وبالرغم من معرفتنا أن الفناء وجود للحقيقة، إلا أن النفس تخشـى السـقوط في الفناء، ولكنها تندفع نحوه بقوة أكبر منها.

وأما المعرفة عنده فهي تجربة حية تعيشـها الذات، فهي ليسـت موضوعا خارجيا يبحث فيه العقل، وإنما هي حيـاة وعمل يعيشـه الوجود، بل إن الوجود ينعكس فينا، وبذا لا نسـتطيع أن نعرف عنه إلا عن طريق معرفتنا لأنفسـنا.

وعلى هذا فإن الموضوع لا يكتسـب حقيقة إلا من علاقتي أنا به، فلو اعتقدت في حجر اعتقادا راسـخا، وخلعت عليه صفات الآلهـة، لأصبحت علاقتي مع هذه الصفات، وليس مع الحجر كحجر.

وإذا كان كيركجارد قد نظر في الوجود أمام الله، نجد أن جبريل مارسـيل (١٨٨٩) ينظر إلى الوصول إلى الالتحام بالله، وخير طريق إلى هذا هو الأمل، الذي اعتبره نسـيج الروح التي منه صنعت… هذا الأمل هو الذي يجعلنا دائما نحاول أن نصل إلى أعلى، فنتعالى عن وجودنا لنرتبط به، ولكن الشـرط الأسـاسـي للوصـول إلى الأعلى هو تجسـيمه وتشـخيصه في زعيم أو مفكر أو فيلسـوف، أي في إنسـان، وهذا الارتباط ليس خارجيا، إنما هو ارتباط به في أنفسـنا، أي أننا نسـير نحوه في تكوين ما نحبه فيه فينا، وهذا الارتباط لا بد أن ينشـأ من دعوة الآخر لنا، لأنه هو تجسـيم آمالنا.

ولكي أصل إلى ما أبغي، ينبغي أن أعرف أو أبدأ من وجودي لأصل إلى ما أريد أن يكون عليه هذا الوجود، ولكن هل من الممكن أن ندرك هذا الوجود؟، إن جبريل مارسـيل يطلق عليه (السـر)، هذا السـر الذي أدرك أنه موجـود فيَّ عندما أتسـاءل عن الوجود، إذ أنني أعرف أنني موجود لأنني قد وضعت تسـاؤلا أتسـاءل فيه عن الوجود، وبذا يصبح الوجود ليس شـيئا أمَامي وإنما هو فيَّ، إنه السـر الذي ما ألبث أن أنقب بذاتي عنه إلى ما وراءه… إلى اللانهائي.

وعلى هذا فما وراء الطبيعة أو الميتافيزيقا، ما هي إلا عبارة عن سـلسـلة من أسـرار، تفضي بعضها إلى البعض الآخـر، وتعود الواحدة إلى الأخرى لأنها جميعها تشـترك في سـر واحد، هو سـر الوجود.

وأول شـعور لي بوجودي، هو شـعوري بجسـمي، هذا الشـعور يوجد العالم في نفس اللحظة معي، فوجود العالم لا ينفصل عن الشـعور بوجودي.

فأنا جسـمي، ولكن هل هذا هو كل ما في الأمر؟، كلا فإن في هذا قضاء عليَّ، لأنني سـأصبح جثة. ولما لم تكن الجثة كلِّي، فهناك شـيء آخر وهذا هو موطن السـر، ألا وهو أن أتعالى عن هذا الوجود، فالوجود الحق إذن هو أن يصنع الإنسـان نفسـه، صاعدا نحو المتعالي، وتجربة الوفاء هي مفتاح الطريق إليه، والوفاء يقتضي الحرية لأنه لا معنى لوعد ألتزم به بإجبار عليه، والله هو الكائن الذي يبادلنا الوفاء المطلق، وبهذا الوفاء المتبادل أي هذه العلاقة أشـارك في اتحاد لا يبلغ مداه التعبير، وأكون بهذا مهيأ لتلقي الوحي، ومتأهبا للاتحاد مع الله، وإدراك الله ليس إدراك الغائب (هو)، ولكن إدراك الحاضر الذي أنزع إليه (أنت) الذي أكون في طريقي للاندماج فيه دائما.

هذه هي فلسـفة جبريل مارسـيل الرائعة، ذات البناء المتماسـك العميق، وأما التوأم الحقيقي لجبريل مارسـيل فهو كارل ياسـبرز (١٨٨٧) ويكاد المرء أن يقول إنه لا بد أن كلاهما قد أخذ من الآخر.

فهو يتكلم أيضا عن التعالي والمفارقة إلى المطلق المتعالي، ولكي نصل إلى الانفصال عن الوجود الموجـود يجب أن نفهمه، فالحرية هي أسـاسـه، حتى يمكنني أن أقول (أنا أختار إذن أنا موجود)، هذه الحرية ليسـت موضوعا أفسـره بل هي فعل أقوم به يجعل وجودي حقا، والشـرطين الأسـاسـيين للحرية هما المعرفة والشـعور بالقانون.

هذه الحرية هي التي توجدني على ما أريد أن أوجد، ولكن هذا التحقيق الذاتي لا يتم إلا بالاتصال بالآخرين، لأنني لا أسـتطيع أن أصبح عين ذاتي إلا بهم، واتصالي بهم يتخطى دائرة العلاقات المألوفة الاقتصادية والاجتماعية، إلى اتصال أعمق فهو يربط بين الموجودات في جانبها الشـخصي الباطني العميق، هذا الاتصال يتم على الحرية في كلا الطرفين المتعاملين بحيث أن تحافظ الذات على نفسـها، لأن وجودها هو شـرط اتصالها إذ كيف يتصل اللاموجود بالموجود؟ ومن كلا الحـريتين ينشـأ صراع وانفصال، ولكن هذا الصراع ليس صراع عداء، وإنما يجب أن يدخل فيه عنصر الصحبة، فهو الطريق الذي يسـاعدنا على أن نخلق أنفسـنا، مع الآخرين في أشـياء نرتضيها فيهم لأنفسـنا، ونكون في هذا ضد أنفسـنا في نفس الوقت.

وللاتصال طابع السـر أو المعجزة لأننا نعجز عن تفسـيره بواسـطة العقل الموضوعي، وذلك لأنه يتم في داخل نطاق التعالي… ويقول يسـبرز (أنا وأنت منفصلان في الوجود التجريبي، لكننا شـيئا واحدا في التعالي).

وقد أعطانا الله الحرية لنتحدى الحيـاة وما بها من مظالم سـعيا إليه، ولا نسـتطيع أن نقول إننا نعبد الله ما لم تكن لدينا حرية في الكفر به.

وينتقل يسـبرز إلى شـرح شـيء آخر، وهي المواقف، فهناك مواقف نسـتطيع أن نتخذها إزاء الأشـياء، وهناك أخرى هي حدود تمنعنا من أن نتخطاها، كالموت والألم والصراع، فالموت مثلا لا بد أن نتقبله باعتبـاره الغاية القصوى لكل وجود تجريبي، أو باعتبار أن حيـاتنا الزمنية الموقوتة لا يمكن أن تدوم إلى ما لا نهاية. وإذا كنا نشـعر بضرب من القلق إزاء الموت فإنما يرجع ذلك إلى أننا لم نسـتطع أن نحيـا بعد، وأما موت الآخرين الأحباء إلينا، فإن في الاتصال العميق بهم انتصـار على هذا الانفصال الوقتي، واتصالنا بالمتعالي يتم بثلاث لغات يتحدث بها إلينا هي التجـربة التي نحيـاها، والناس الذين نعاشـرهم والتأمل الذي هو تفسـير لكل شـيء، وقراءة هذه اللغات تسـاعدنا على أن نطل منها على أغوار أعماق لا نهاية لها.

وهناك طريق آخر إلى المتعالي هو الفشـل، وهذا الفشـل الذي يدعونني إلى الإيجابية فهو يقول: اعمل مرة أخرى، وبالعمل والاندماج نصل إلى المتعالي.

هذه جوانب رائعة ومشـرقة من الفلسـفة الوجودية، يظهر الله فيها جليا واضحا لدي الفلاسـفة، فهم يتعرفون عليه في صميم الوجود الإنسـاني، ويصلون إليه من واقع إحسـاسـهم به، ولكن هناك من وصموا أنفسـهم بالإلحاد. وكانوا في تفسـيرهم مؤمنين أكثر منهم ملحدين، فهم قد أثبتوا القـدرة على الخلق في الإنسـان، مما جعل إلها منفصلا عن هذا الوجود شـيء لا داعي، ولا قيمة له، فهو لا يغير من الأمر شـيئا ما دام منفصلا عن وجودهم، ولم يدروا أنهم إنما يثبتون وجود الله ولا ينفونه، فما دام قد اسـتطاع الإنسـان أن يخلق نفسـه بحريته في الاختيار، فهو في خلقته يسـير نحو ما يريد، وما يريد هو المتعالي عما هو قائم، هذا المتعالي هو الله، وإذا كانت له حرية الاختيار السـابقة على وجودنا لماهية النازع نحوها، فإن هذه الحرية تسـتلزم القدرة على ممارسـتنا لها، هذه القدرة موجودة في الوجود لم أخلقها ولكنني أعطيتها، فهي في حقيقتها قدرة القادر على أن أكون قادرا. هذه القدرة هي الله.

قال سـارتر بصريح العبارة إنه ملحد، وكذلك قال هيدجر… ولكي نسـتطيع الحكم عليهما يلزم أن نعرض فلسـفتهما.

ولنبدأ بهيدجر وهو سـابق زمنيا جان بول سـارتر (١٨٨٩).

يريد هيدجر أن يضع عِلما للوجود الإنسـاني، أي أنه يبحث فيما يسـرى عليه ويسـرى على الآخرين… على الإنسـان بوجه عام.

الإنسـان هو الكائن الذي لا ينفك يسـأل عن سـر وجوده وغايته، ولا يلبث أن يشـعر بالقلق خوفا من العدم، وفي هذا القلق يشـعر بأن الأشـياء جميعها تنزلق وتفر من يديه، وكأن الوجود ينسـكب في ثغرة غير منظورة.

هذا العدم عند هيدجر له معنى إيجابي، لأنه يقوم بفعل إعدام الوجود، ولذا فإنه لا يشـعر بالقلق إلا الموجود، أما الآخـر فيعيش في وهم الوجود، ولا يعنيه من الأمر شـيئا فيبحث عن الآخرين بدافع من التسـلية، وليس حبا لمعرفة جديدة، وتختلط الأمور عليه فلا يدري شـيئا، هذه الحالة نسـتطيع أن نطلق عليها لفظ سـقوط، أي هروب الإنسـان من ذاته وسـقوطه من وجوده.

ولكن الوجود الأصيل هو وجود الفيلسـوف (والفيلسـوف هنا بمعنى الإنسـان، لأننا لا نسـتطيع إطلاق هذا اللفظ (الإنسـان) إلا على من يتسـاءل عن سـر وجوده)، هذا الفيلسـوف الذي يرتبط والعالم بعلاقة المحبـة، فالفلسـفة ليسـت محبة الحكمة إنما هي حكمة المحبة، هذا الاتصال الذي يقوم بين الإنسـان والعالم اتصال وجودي، أي اتصال قوامه الشـعور بالاهتمام والامتزاج مما يجعل الإنسـان يبدو قلقاً لأنه يحاول دائما النزوع نحو الآخر، ومن هنا تبدو أهمية الموضوع الخـارجي في وجـود الذات، فالكائن المنطوي على ذاته، القابع في إنيته موجود وهمي لا حقيقة له. وهكذا نرى أن فلسفة هيدجر بعيدة عن الفلسـفات الانعزالية الفردية لأنها تؤكد علاقتنا بالطبيعة، وارتباطنا الميتافيزيقي بغيرنا من الأفراد.

وفي النهاية نعرف أن القلق هو طريق الوجود، إذ أنه يجعلنا نشـعر بقابليتنا للموت والفناء، هذا القلق قلق عام، لا باعث معين له. بل إننا نجد أنفسـنا إزاء تهديد عام منه في كل مكان، دون أن يكون في مكان.

الإنسـان هو الكائن الموجود الذي يحمل في وجوده بذور الفناء، كما تحمل الأُم جنينها داخل أحشـائها، وليس الموت واقعة تظهر في ختام الحيـاة، بل هو واقعة ماثلة في صميم الحيـاة، أي أنها واقعة لا تكـاد تنفصل عن فعل وجودي نفسـه، وليس الموت بمثابة فكرة النهاية بل هو واقعة الانتهاء نفسـها. وهذا هو السـبب الذي يجعل هيدجر يرى في الموت أعلى إمكانيات الوجود الإنسـاني… لأنه تجـربة ذاتية مميزة. وعندما يبلغ الإنسـان مرتبة الوجود فلا بد أن يعرف (أنه بمجرد ما يظهر الإنسـان إلى عالم الوجود فإنه سـرعان ما تدب فيه الشـيخوخة وكأنه على وشـك الموت)، وعلى هـذا فإن الذات الواعية يجب ألا تكون خديعة للمشـاغل اليومية، وإنما يجـب عليها أن تعطي لكل شـيء قيمته، والقيمة الوحيدة لمشـاغل الحيـاة اليومية، أنه ليسـت لها أي قيمة.

ثم يتكلم هيدجر بعد ذلك عن المفارقة، وهي حركة نحقق بها ذاتنا في اتجاهنا إلى الآخر - وبذا يصبح وجودنا باسـتمرار مشـروعا لوجود قادم، وتحقيقا لمشـروع سـابق، ويصبح الحاضر هو نقطة التقاء الماضي والمسـتقبل.

هذا هو الملحد الأول كما يطلقون عليه، وأما الآخر فهو جان بول سـارتر، ونقطة البدء عند سـارتر هي الكوجيتو الديكارتي، (أنا أفكـر، إذا أنا موجود)، وهي الحقيقة المطلقة للشـعور، فكل نظرية تبنى خـارج مرحلة إدراك الإنسـان لوجوده فهي احتمالية، وكل نظرية تبنى على الاحتمالات ولا تتعلق بحقيقة تهـوي في العدم، لأن تعريف المحتمل يتطلب معرفة الحقيقة، إذ أنه لا وجود لحقيقة ما، إلا بوجود حقيقة مطلقة.

والحقيقة التي لا تقبل الجدل هي وجودي، فأنا أوجد وأعرف وأختار، أنا الموجود لذاته، أي الموجود الذي لا ينزع نحو تكوين نفسـه بالحرية، بعكس هذا الموجود في ذاته الذي يتصف بالثبات الدائم، الذي لا يطرأ عليه التغيير، بإرادته، وهو المادة.

هذا الكائن الموجود لذاته، حريته هي صميم وجوده، وتثبيت إنسـانيته، وهذه الحرية تضع على عاتقه كل المسـئولية، إذ أن الإنسـان يشـعر أن مصيره كله أصبح بين يديه، وهذه المسـئولية لا تشـمل وجوده الفردي بل هي تشـمل وجود الإنسـان، إذ أن الإنسـان عندما ينشـد الحرية، فهو ينشـدها لذاتها، ولا يمكن أن تكون حرية إلا بحرية الآخرين وفي هذا فهو يشـعر بمسـئوليته نحوهم.

ويجب أن يقوم اختياري لنفسـي على أسـاس إشـراك الإنسـانية جمعاء في هذا الاختيار، بمعنى أن ما أختاره يجب أن يكون صالحا لكل الناس، وبهذا لا تبدو الوجودية ضربا من الفوضوية.

ولكن تلك المسـئولية التي يشـعر بها الإنسـان تقودنا إلى القلق، هذا القلق يؤدي بنا إلى وثبـات كبرى نحو العمل، فهو ليس يأسـا، إذ أن اليأس هو ترك العمل والاتكال على المكنات، بيد أن هذه المكنـات عندما تكون غير متعلقة بإمكانيـاتي وعملي فيجب عليَّ ألا أهتم بها، إذ أنه لا يوجد أي إلـه يسـتطيع تكييف العالم وممكناته بحسـب إرادتي، كما أن الاتكال على طبيعة بشـرية ثابتة وفق هـواي هو ضرب من الوقوع في الخطأ، لأن الوقائع تكون كما يقررها الوجود الإنسـاني الحر المتغير.

ولكن الحرية يجب أن تناقش في حدود، وهنا يفرق سـارتر بين كلمتين وهما الوضعية الإنسـانية ويعنى بها الظروف الخارجية والتكوينات الطبيعية التي لا دخل للإنسـان فيها كالبيئة والشـكل الجسـماني… ثم الماهية الكونية التي يتحكم فيها الإنسـان بحريته، فيقف حرا في مواجهة أوضاعه الخارجية التي لم يسـتعمل في وجودنا حريته، ويخلق من ذاته ما يريد لها أن تكون عليه، وبذا يصبح الإنسـان مشـروع وجود ومجموع أفعال هي حيـاته نفسـها، فهو بعبارة أخرى سـلسـلة مشـاريع هو مجموعها ومنظمها ومجموع العلاقات التي تكونها، وبذا تصبح الوجودية فلسـفة عمل وأمل لأنها تعرف الإنسـان بالعمل وتضـع بين يديه مصيره ليتصرف به ويسـمو على نفسـه فيه.

وأما عن الأخلاق، فيقول سـارتر، إنها لا يمكن أن تفرض عليَّ من الخارج، بل هو ما ألزم نفسـي به، وفي هذا الالتزام تبدو الحـرية، وحتى قوانين الدين التي نلجأ إليها لا تفيدنا إذا اتخذنا منها موضعا خارجيا، إذ أننا نتخذ موقفا حرا إزاءها أي أن الإنسـان يسـتطيع تأوليها كما يحلو له، أو كما يراها، وما يـراه هو ليس حتما هو ما يراه الآخرون، فالأخلاق إذن في صميم الوجود، ولكن الإنسـان دائما يعيش خارج ذاته، إنه يسـتطيع أن يحقق وجوده بسـعيه وراء غايات متعالية، فهو يتجاوز ذاته وهو في صميم هذا التجاوز.

والعالم القائم بحق في الوجود هو عالم الإنسـان، والنزعة الإنسـانية هي تلك العلاقة المكونة للإنسـان، القائمة بين الذاتية والتعالي، والمسـألة هي أولا وقبل كل شـيء هي مسـألة الإنسـان الذي يجب أن يجد نفسـه.

والآن… لنلقي نظرة سـريعة على الوجودية، وهي نظرة جديدة أثرتها عن نبع ذاتي في مفهوم من منبع المعرفة لي، أحاول فيها أن أوجد شـيئا جديدا ربما أحتاج إلى أضعاف هذا البحث المتواضع. ولكنه على كل حال محاولة بدائية صغيرة ضعيفة أدعو الله أن يمدني بطاقة من عنده لأكون فيها به شـيئا أكثر سـعة من هذا.

إننا نجد ثمة رابطة قوية بين الوجودية والإسـلام، إذ أن محمدا كان أعظم فيلسـوف (العقل أصل ديني)[١] ، فهو قد مثل الإنسـان، وفي نفسـه علم الناس كيف يخلقون أنفسـهم بأنفسـهم، (كن كيف شـئت فإنني كيفما تكون أكون)[٢]، حديث قدسـي.

فقد تكلم الإسـلام عن الإنسـان بأعظم كلام، وقد أعطاه الطريق إلى الوجود بلا إلـه إلا الله، فأصبح الامتزاج بالله في إنسـان، هو غاية الموجود الوهمي، ليكون موجودا حقيا، في الوجود الحقي، (وجودك ذنب لا يقاس به ذنب)[٣].

وقد كان محمد، هو أعظم مثال للإنسـان، فهو الأعلى المنشـود عند جبريل مارسـيل، وكارل ياسـبرز، وهم أقلية اسـتحقوا أن يكونوا طالبين لمقام الإنسـان.

فإذا أراد الكائن البشـري أن يخلق نفسـه، فإن خلقته لنفسـه لا تتم إلا بالله فيه، {والله خلقكم وما تعملون}[٤]، فهو القدرة المطلقة الموجودة في هذا الوجود المقيد، التي تسـطيع أن تفعل ما تشـاء به، وهي قـدرة ليسـت خارجة عنه، بل إنها في صميم وجوده، هي حريته الملتزمة بنفسـها في الآخرين، وهي قبلته التي يريد لها أن تكون موضع اليقين.

فإدراكنا لله في أنفسـنا، هو سـبيلنا وهو غايتنا وهو فهمنا، {وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[٥]، (وتحسـب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر) [٦]، (ما ظهر الله في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان) [٧].

فماذا نعنى بخلق أنفسـنا؟، وماذا نعنى بالحرية في اختيارنا؟، وماذا نعني بالإنسـان؟ {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[٨]، إنه عمله الصالح أو عمله غير الصالح.

أنعني به الكينونة المتناهية الفانية الضئيلة الجامدة؟ هذا الجسـد، إنها مادة وليسـت وجودا فاعلا بذاته، إن الإنسـان هو هذه الطاقة التي تحرك هذا الجسـد، فإذا تكلمنا عنها، فنحن إنما نتكلم عن سـر الحيـاة، هذا السـر الذي يريد أن يأخـذ مكانه إلى المتعالي… إلى الله… فهو منه وإليه.

ولكن إذا كان سـارتر قد كفر بالله، فماذا هو هذا الإله الذي كفر به؟ هذا الإله هو حقا لا محل لوجوده، ما دام منفصلا عن هذا الكون، وهذا الوجود، فإذا كان الله ليس موجودا في الوجود، ففي أي شـيء يكون وجوده؟

إن سـارتر آمن بقوة الله في الإنسـان، آمن بالله (وإن لم يكن قد اسـتخدم هذا اللفظ)، فالله هو الموجود في صميم الوجود الإنسـاني، ففي حرية هذا الإنسـان المطلقة كان الله موجودا، وظاهرا {معكم أينما كنتم}[٩].

فالحرية في الإنسـان هي قانون وجوده، ولكن ما طبيعة هذه الحرية؟ فأنا حرة في أن أكون نفسـي فقط على ما أرضى لها أن تكون، ولكن ما أرضَى لنفسـي أن أكونه قد لا يرضي غيري أن يكونه، فما أرضاه هو ما يناسـبني أنا في هذا الوجود الناقص الذي يختلف في درجة نقصه عن الآخـر، ولما كانت الحرية الحقة هي نشـدان التعالي عن هذا الوجود القائم نحو المتعالي النسـبي الذي أرضاه، فإنني سـأصل إلى ما أريد لأنزع نحو الآخر المتعالي بنفس القانون، وعلى هذا فأنا والآخر سـنصل إلى نقطة واحدة ولكن في أزمنة مختلفة متفاوتة، تتناسـب مع درجات تطورنا النوعي في هذا الوجود، إذن فالتطور لا يتم عشـوائيا، وإنما يتم وفقا لخطة مرسـومة أصنعها لنفسـي بحيث تكون إمكانياتي لتحقيقها هي أسـاس وضعها، ومكاني من الوجود هو بدايتها. {قائم على كل نفس بما كسـبت}[١٠].

وإدراكنا لله هو إدراك يتم من كشـفنا له في أنفسـنا، وامتزاجنا به في التعالي عن وجودنا، وهو ما عناه سـارتر بالتجـربة الذاتية والوجود خارج ذاتنا، نزوعا للمتعالي وما قاله جبريل مارسـيل عن الأمل.

فنحن حقا لا نسـتطيع معرفة الله إلا بالإنسـان، ولكن الإنسـان الذي نريد أن نعرف الله به هو هذا الذي ننزع إليه في التعالي، فنحن لا نعرفه إلا عندما نكونه، ويظل الله غيبا علينا في احتجابه بإنسـان وإنسـان وإنسـان، وشـهادة لنا في وصولنا إلى معرفة ماهيتنا منه على ما أردنا أن نكون فكناه بقانون.

إن مرتبة الإنسـان هي في رسـول الله، فقد كان مثالا للناس بلوغا إلى التعالي في الوجود.

وأما ما دون ذلك، فهو أقل من أن يطلق عليه لفظ إنسـان، ولكن المسـتقبل يفتح له الباب ليكون إنسـانا. إن الحيـاة تفتح ذراعيها لتقول له أن بك بذور الإنسـان فأدخلني بها في أعماقك. عش وجرب… اقلق وفكـر. فهذا هو الطريق، ولا بد أن يجيء يوم يسـري فيه بك وجود الإنسـان. فما كان، هو ما سـوف يكون، كما هو كائن.

تم بحمد الله.

بحث: علياء رضاه رافع محمد رافع

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. عن علي ابن أبي طالب قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎

  2. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  3. من أشعار عبد الغني النابلسي من العصر العثماني: رويدك يا من بالتجافي أمتَّني … وأهملتَ فيما بالوصال وعدتني — إذا قلت رفقاً إنني ذبتُ زدتني … وإن قلت ما ذنبي إليك أجبتني … وجودك ذنبٌ لا يقاس به ذنبُ ↩︎

  4. سورة الصافات - ٩٦ ↩︎

  5. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  6. من قصيدة للإمام عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه. ↩︎

  7. مقولة صوفية. ↩︎

  8. سورة النجم - ٣٩ ↩︎

  9. سورة لحديد - ٤ ↩︎

  10. سورة الرعد -٣٣ ↩︎