(١٢)

أُمة محمد
قوم حرصوا على أمر الله لمعناهم
ولم يفرطوا في وصف العبد عندهم لأناهم
استقامت تواجداتهم بواحديتهم لحقي أحديتهم
في كل حاضر لهم لمعنى قديمهم وقادمهم
ظل قبلتهم برائدهم لكوثر معلمهم
حول نصبه من عترته لشهودهم

حديث الجمعة

١٣ رمضان ١٣٨٤ هـ - ١٥ يناير ١٩٦٥ م

أعـوذ باللـه، حيـاة روحي، من الشيطان الرجيم سجين سبوحي.

وأستعين باسم اللـه الرحمن الرحيم لأمري وطريقي.

وأحمـد اللـه على ما قدر فهدى، وعلى ما أنعم فعلم، وعلى ما بشر فيسر، وعلى ما هدى فوفق، وعلى ما وفق فقوم، وعلى ما أعان فطور وغير. لا إله غيره، وهو الخير، وإليه المصير.

عبــاد اللـــه:

احرصوا على أمره لكم، ولا تفرطوا في وصف العبودية له عندكـم، فتفرطوا في أمر الحياة، هو لكم، وفي أمر الوجود بموجودكم، يوم تعرفون كيف تتواجدون، متكاثرين بأحدية حقكم، في واحدية مظاهر خلقكم، في متابعة من ظهر لكم خلقا، وقام وبعث بينكم حقا، وتكاثر فيكم، بخلقه تواجدا، وتجمع بكم على حقه وجودا.

فكان لكم طيب الحياة، وبقاءها وجودا وشهودا، وكان لكم الحق، ظهورا وبطونا، كشف عن المعنى الحق، للخلق بالخلق، يوم تكشف عنهم أغطيتهم، فيشهدوهم، من هو أقرب إليهم من حبل الوريد. به عرفوهم فناء إليه، واسما له وعلما عليه، وجدوهم يوم تواجدوهم، فعرفوهم وجوها لمن هو من ورائهم بأعلام إحاطته، فسعدوهم بوحدانيته قيام القائم على كل نفس، قيوم وجودهم بأعلام وجوده.

بذكرهم له وذكره لهم، به يعرفوهم قائم تواجدهم لقائمه لقيومه، وفي بعثهم به، يدخلون في حصنه لا إله إلا الله، ويقومون شعارهم لا إله إلا هو، فيعرجون في طريق رحمته، الله أكبر، الله أكبر، منصورين على أنفسهم، حيوانهم ومطيتهم، مُسلِمةً أوانيهم، لربها لعينهم لحقائقهم ومعانيهم.

لهم الأسماء الحسنى وجوها يجمعها الاسم الجامع، أو الاسم الأعظم، وجودا كاملا شاملا لمعاني أحديتهم عند واحديتهم. تسجد لهم قبلة لها أعمالهم، وتواجداتهم، عبدا وحقا واحدا متحدًا، وأُمة واحدة في أحدٍ قائمة، فردا تواجدت، لأحد وجدت، فطرة الحياة، وفطرة الوجود لإنسانية الرشاد، صبغة الله، مقاربا مدانيا، بإنسانية الحق، من رحمة الله، قائمة موالية، غالبة بنصرة رسوله، وإقامة ونشر رسالته.

ترعى مرحوما، وتظهر راحما، وتخلِّص مصطفىً، وتخلُص أبا، وتعود آبا، والدا وما ولد، وموجودا وما تواجد، وشاهدا وما شهد، في حصن لا إله إلا الله، في حضرة لا إله إلا الله، في ركب لا إله إلا الله، في سفين لا إله إلا الله، في بيت لا إله إلا الله، في مدينة لا إله إلا الله، في عالم لا إله إلا الله، في وجود لا إله إلا الله، بموجود لا إله إلا الله، لأنفسهـم في دورتها من لا إله إلا الله، إلى لا إله إلا اللـه، بلا إله إلا اللــه.

بذلك كانت لا إله إلا الله باطن قيامهم لظاهرهم بها، بها يبعثون محمدا رسول الله، حقا وجد، وفردا تكاثر، وكثرة تجمعت، أُمة توحدت، وواحدا انتشر فأُمة تواجد في قيام أحد، بحق واحد، عنون الحق من الله، وقام الحق في قائم الله، وبعث بالحق من الحـق في دائـم الخلق. {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير…}[١]

هذا ما جاء به رسول الله، وعبد الله، وحق الله، في يوم من الأيام، وفي عصر من العصور. تجددت به الأيام والعصور، وتعددت به الخلائق، والحقائق، في الخلق الواحد، والحق الأحد.

جاء به البشرية على هذه الأرض جاهلة، في جاهلية من أمرها، فزحزحها به من الجهل إلى الإسلام، فقامت به أُمة مبعوثة بالسلام، به ومن حوله هو فردها حقيقة وجمعها خليقة، فما لبثت أن ارتدت إلى جاهليتها ارتدادا عـن أمره وعودا لقديم أمرها، فتجدد لها، وتجدد بهـا، لمواصلة رسالته، بتجديدها على ما بدأها، دافعا لها، لتخرج من جاهليتها مرة، ومرة. على رؤوس القرون بظلاله من عترته ظهـرت كلما عادت البشرية إلى جاهليتها، فأشرق في لمحات الزمان، بأيام المعرفة، وشموس العرفان، على رأس كل قرن تجددت رسالته، وفي كل تجدد توحد، وبكل تجدد وتوحد تكاثر فللنور نشر، ولأسماء الله جمع، وبالله ذكر، وعلى المؤمنين اجتمع، وقلوبهم دخل وشغل، وبجمعه رحل بعد أن خلَّف، يوم ارتحل، لم تغب رحمة الله به عن الأرض، ولم ينقطع به المعلم عن الناس.

وها نحن مرة بعد مرات بعد الألف ونصفها من السنين، ما زلنا نحن إلى الإسلام فنتحرك فنعود إلى صدر الإسلام، خروجا من جاهلية، في حالنا من ارتداد إليها، ككرة الأيام، بالليل والنهار، وهذا حال بشـرية الأرض لا نتجاوز البدء، ولا نصعد السُلم، ولا نواصل المسير، ولا نتجاوز الوقوف أمام الباب، نطرق فيفتح لنا فنرتد قبل تمام نشر أو كمال رقي، ونعود، فنصرخ من البلاء بنا يشتد، ونحن للرحمة عرفناها وفقدناها نطلب وننشد، وللسلام تذوقنا نذكر ونفتقد.

الأبواب بيننا تتجدد، وتفتح، والطريق أمام ناظرنا، تُعرف، وتمنح، ولأفراد منا تولج وتُسلك، ولكنها للأسف النكد للقليل منا تُنشد وللأغلب الأعم تنكر، وتجحد.

وها نحن، قد عدنا إلى ما كنا عليه قبل صدر الإسلام، في مخاصمة دائمة مع شموس العرفان كلما أشرقت، على ما كان الناس في صدر الإسلام، مع عَلَم الإسلام، وباب السلام، وطريق الحياة والبعث والقيام، وحضرة الحق للخلق في تمام، ما سالمناه، وما سالموه، إلا كلاما، وما كانوا له، بإيمان به، حقا لهم… قياما وإعلاما، ولكن كنا وكانوا محرفين للكلم عن مواضعه، ولقيامه، في أنفسهم عن مضاجعه. أرادهم لنفسه بالحق، وأرادهم لقلوبهم بالحياة فما بقلوب نظروه، ولا بعقول دعوه، وقالبه لقوالبهم بظلم لأنفسهم زعموه، وقالبهم بـه قالبا لأنفسهم به تحيا ما جددوه، وما بعثوه، وما قتلوا أنفسهم به ليكونوه، وهو الحق من ربهم ينشدوه، ليشهدوه، والقيام الدائـم الأبدي للأزلي وعدوه، فما كسبوه ولا ربحوه، وفي دوام أنكروه، ثم انتظروه.

بالشيطان لوهم الرحمن دعوه، ولأنفسهم ولروادهم زعموه، وكلمات للشيطان باسم الرحمن قاموه، وللمادة نسبوه، وللرحمة دَعُّوه، وبالله وبكتاب الله ولعلم الله ما عرفوه، فأي المنادين لبوه، وأي قيام لهم تواجدوه!!!

قام رسول الله بينهم، متقلبا في الساجدين، مبعوثا بالحق لهم، مشتتا في حقائق فيهم وبينهم، نفسا لله أسلمت، وعقلا لله عرف، وروحا بالله قامت، وقلبا باسم الله حيا، وللحق نشر وبنور الله انتشر.

فكان الرسول بنفسه المسلمة، عنوانا للمسلمين، وبمعناه مخاطب موسى لمن هدوا إلى صراط العزيز الحكيم.

وكان بعقله إماما وسبيلا، للمجاهدين، الذين هم لطريق الله يسلكون، ولقبلة الله يتجهون، وفي أنفسهم ينعكسون، فيصبرون، وحول بيت الله من أنفسهم يطوفون، وفي العلم عنهم من الله يحارون، لا ضالين، ولكن على أنفسهم مشفقين ولله مكبرين إنسان إبراهيم حنيفا، وعلم الإسلام والمسلمين.

وكان روحا عاملا قائما قيوما للعارفين بالعارفين، فكان روح القدس للطالبين، وكان قائم الحق للمصلين، وكان قيوم الحق على الخلـق للمتقين، وكان نور الله ينتشر، للعاكفين المشاهدين، الصادقين الصافين، الصديقين الفارقين، المؤمنين. فكان كلمة الله للأئمة الهادين، وحق عيسى والمتابعين.

كان قلبا لكل من حيا قلبه، فكان بيت الله للمفتقرين، العاشقين المحبين، العطشين الصاوين، فكان ماء الحياة للراوين، وكتاب العلم للقارئين المتعلمين، ومعراج العرفان للمرتقين، بيتا موضوعا للحاجين، وعلما على بيت مرفوع للمتوفين، آدم أوادم لأهل الفرق من العالين، ونور الله المنتشر من قلوب العباد العابدين المعبدين.

فكيف يذكره الناس بينهم؟ وكيف يتواصون على أمره لهم؟ إنهم عن الحق فيه، في قيامهم، بما لهم، من قسط من الحق، حياة قيامهم، وقيوم أنفسهم، عنه غافلين. ونور الله لعقولهم، به تنير الطريق لهم، وتستنير العقول منهم، فيمحى ظلام جاهليتهم، ويقوم نور إيمانهم، يوم يتابعونه عقلا لعقولهم، وحكيما لأمرهم، ولكنهم لنوره بينهم متجددا قائما، منتشرا، كوثرا متكاثرا، لا يتابعون، وله يخاصمون، وعن الله معه يحاجون، وبظلامهم يجادلون.

وهو رسول الله إليهم ولا يعلمون، عبادا للرحمن على أرضهم يدبون، بهم يكفرون، فمعية الله لهم يفقدون فيهلكون، ولا يعرفونها به بينهـم، فبها يؤمنون فيحيون، والله معهم بقائم الحياة لا يوحدون، وهم لا يوحدون إلا يوم يتابعون معلما رشيدا، وحقا وليدا، وبيتا جديدا، ونبيا مُجددا، وحقا مشاهدا، وذكرا لقديم ذكر محدثا.

فهم بغفلتهم عن هذا لطريق الخير يفقدون، لا يتحسسونها، فإلى أنفسهم يرجعون، وضمائرهم يستفتون، ولكن أنفسهم على ظلامها يتابعون فتضلهم، وعن طريق الحياة يضلون، وهم لظلام أنفسهم لا يقتلون، وبالنور لها لا يبعثون، وهى الحريصة على أن تبقى بظلامها لأناها، فتزعم كلمة الله لقيامها ومعناها، في جهل من حالها وظن بمقالها، منكرة على ظلال الحق مستقيمين، وبكلمة الشيطان في قيامها ومبناها من أنفسهم وبينهم تستعين، فتضل السبيل، وتفقد الدليـل، وتحرص على قيامها العليل، بوهم الصحة لنفسها، والأصحاء لجمعها، وهى في طريق الفناء في حالها بأحديتها وواحديتها، لا بقاء لكوثرها مهما تكاثرت، كلمة خبيثة تجتث من فوق سطح الأرض فما لها من قرار.

هكذا نحن عدنا وما زلنا ندور حول أنفسنا فيما قبل صدر الإسلام، ونذكر صدر الإسلام مشفقين بأهله ونحن بعد صدر الإسلام أهله بمن قبله، لا نتخلص من جاهليته، ولا ندخل بعلم بالإسلام في سلام. نفوس متصارعة، وقلوب متفرقة، وعقول متأكسدة، وذوات مترنحة، إلا من رحم وقليل ما هم. لا نعرف لنا أمانا أو سلاما، ولا نعرف لنا طريقا أو قرارا.

لا نتحقق بمثال، ولا يتكشف عنا حق في حال، ولا نمقت حجاب الظلام، يحيطنا، ويلفنا، ويضمنا، ويتخللنا، باسم الإنسان… باسم الإحسان… باسم الرحمن… باسم العرفان… باسم الحياة… ولا حياة لنا، ولا عرفان بنا، ولا طريق لسلوكنا.

كلنا الأعلى… كلنا الرب الأعلى… كلنا القيام الأعلى، ونحن سافلين، تحت سافلين، نحن منهم أسفل، ونحن فيهم أحط، وهم لنا الأعلى، بنا إلى أسفل يسفلون، فنتوهمنا إلى الأعلى سارين… لِمَ لا ونحـن بأوهامنا العارفين!!! يسفر لنا فينا الشيطان متخللا يجرى منا مجرى الدم فينا، فنتوهمنا السالكين، ونزعمنا وجوه الرحامين، هم أقرب إلينا من حبل الوريد! ونقول إننا الخلق لله! وأننا نعرف الخالق لنا! إنه هو فوق الخلق! وبعيدا عن الخلق! فهو لا يتصف بصفات الخلق! فالخلق أنَّى يكون لهم صفاته! وكيف تقوم بهم كلماته! وكيف تظهرهم آياته!

وما نحن إلا من خلق أنفسنا! وما نحن إلا من عملنا لأنفسنا! لم ينفخ فينا الأعلى بعد من روحه مصطفين منه لنفسه لمعنى الإنسان عنده، ولكنا نقوم بعارية الروح لا نلبث أن نفقدها إلى عملنا بها لمعاني أنانيتنا.

المطلق اللانهائي هو من ليس كمثله شيء لا يُجتمع عليه فالكل في قيامه، لا يدركه إلا من وضع عنه وزره، فبعملنا نباعد ما بيننا وبينه، لنبتعد عن الله، وهو القريب، ونعزل أنفسنا عن الله، وهو بنا أقرب إلينا من حبل الوريد، علينا قائم ومن ورائنا محيط، يمسكنا أن نزول، ونحن نحاول أن نفلت من قبضته لنتحرر من ربوبيته، ونبتعد عن مشاهـدة طلعته، بطلعته، يوم ننعكس ببصائرنا إلى بصيرتنا، في بصيرته بنا، مجيبا دعوة من دعاه، يلحق الأبصار بلطيفه، فبه تبصره، ولا تلحقه الأبصار في عزلتها عن إدراك به، وهو اللطيف الخبير، إنه للإنسان باطنه، والإنسان له فيه ظاهره.

في النفس يعرف، وفي القلب على العقل يجتمع، وفي الإنسان حقا يقوم، بقائم، كلمة الله له، يوم يكشف عنا الغطاء، فيصدقه الفؤاد، ولا يكذبه الرشاد، ولا ينحرف، عن أحدية الله علمه، ولا يبتعد، عن موجود الله وجوده، بعرفانه، قيام إحسانه، واسم عنوانه، ووجه طلعته، ويـد قدرته، وقدم سعيه، وعين بصيرته، وكتاب علمه، وإرادة حكمتـه، وأنف اسمه، وأُذن سمعه، ولسان بيانه، وفيض نوره، ووحي سره، وقيام أمره.

ذلك كله للإنسان يوم يدخل مسلم في لا إله إلا الله، والله أكبر، فيقوم اسما لله، واسما لرسول الله، يُسلم لله وجهه، ويُسلم للرسول أمـره، ويظهر بالإسلام عنوانا، فيقوم الإسلام، من حوله، يحب للناس ما يحب لنفسه، ويؤمن بالناس ما يؤمن به في نفسه لأمره، عاليا لا مستعليا، ومدانيا لا معلوا ولا مستخزيا، ومنتشرا بأمره بنور الله جعل له، لا ينتشر به ظلام، ولا يبقى فيمن وصله من أمر نفسه بظلامها ظلام. فالظلام أمر غيره، وهو بظاهره حجاب سره، فهو نُصب الله، وقبلة الله، وبيت الله، يوم يُطلب الله لطالب ويُشاهد الله لمشاهد، بلطيف الله يلحق قيامه، ويلحق سلامه، ويلحق بصره وبصيرته.

لا إله إلا الله، لا شريك له، إليه المصير، لا تعدد معه، له الوجود، لا موجود غيره، يعرفه حقه، يوم يقوم عبده، بقيام رسوله، إيمانا بالله، وبرسول الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم يا من جعلت من رسولك، حق حقك لحقنا، ورحمة رحمتك لرحمتنـا، وكتاب علمك لعلمنا، وعنوان قربك لقربنا، اللهم به فحققنا، وبه فارحمنا، وبه فعلمنا… اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تـولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، لا إله غيرك ولا معبود سواك.

أضواء على الطريق

(أفضل علوم الإنسان… علم الإنسان عن نفسه بقائمه لقديمه وقادمه، وأفضل مكاسب الإنسان كسب الإنسان لنفسه بحقه، وخلاصه من نفسه بخلقه.

من رضي بالله في الله أن يكون عبدا لعبد لله، رضيه الله عبدا له ورضيه عبد الله خليلا له، ورضيه الكون سيدا له، ورضيه الحق اسما له).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎