(٧)

إنسان القيام
بين إنسان قديمه وإنسان قادمه
لإنسانية قبل الأزل وبعد الأبد

حديث الجمعة

٩ رجب ١٣٨٤ هـ - ١٣ نوفمبر ١٩٦٤ م

الحمـد للـه، لا شـريك له ممـا خلق

الحمد لله، أعطى كل شـيء خلقه وخلقه حتى حققه

الحمد لله، قدر فهدى

الحمد لله، هدى فأحيا

الحمد لله، أحيا فأوجد

الحمد لله، أوجد فأبقى

الحمد لله، أبقى، فتكاثر الباقي بوجوهٍ فتعدد

الحمد لله، تعدد الباقي بأسمائه، فتكامل فكمل غيبا، وظهر ربا وعبـدا، ظهر عند عبده بعبده رسولا ومرسِلا.

الحمد لله، تكامل إنسـانه إنسـانيةً فكمل فتوحد فتم، علما على أقدس، لمعلوم له بكماله وتمامه وقدسـه.

الحمد لله، الأحد جعل من الفرد أمة

الحمد لله، الواحد جعل من الأمة فردا

الحمد لله، تعددت آحـاده في أحده، وواحدياته في واحديته، وموجوده في وجوده، بأعلامه.

الحمد لله، جعل الإنسـان عليه علما، وجعل الإنسـان منه هديا وكلما.

الحمد لله، حقق الإنسـان فأزله، وجدده، فأبده. أبقى الإنسـان بموصوف حقه، وجدده بوصف خلقه، فنشره في الوجود للوجود بأمره، فظهره بالوجود عليه العنوان، يوم أظهره، وبطن به الغيب والمعنى، يوم غيبه عنه، ظاهَرَه، فكنزه، فأعلم به أنه لا إله إلا هو، غيب الغيوب.

أظهرته لا إله إلا الله قامها الإنسـان عن الإنسـان أزلا وأبدا بسـرمده. حققها لنفسـه باستقامته مع الله أكبر، قامها الإنسـان رفيقا أعلى كلمة لله ورسـولا له. ذلك يوم عرفه الإنسـان في نفسـه، وعرفه الإنسـان لنفسـه، وعرفه الإنسـان على نفسـه، فعرفه الإنسـان فيه ومن حوله، وعرفه بالإنسـان من قبله ومن بعده، فشهد الله أكبر بقيامه بلا إله إلا الله، لعينه وحسـه.

وهو يوم قَدَّر الله حق قدره، واتقاه حق تقاته، فآمن برسـول الله حقا بحق رآه، رآه محمد الله وجماع النبيين وجماع مثلهم، عرفه له قدوة مرتضاة منه ومن الله له مرتضاة، فعرفه لنفسـه بنفسـه محمدا رسـول الله وظلا له، فشهد محمدا رسـول الله حقا لنفسـه، هو لها بقائم أمره، وعليها بقيوم حقه وهديه.

قامت الفطرة في أزلها، وأبدها، وقائمها، وقيومها بالله ورسـوله. فكان الدين في اجتماع رب بعبده أو عبد بربه، لمعـنى الله ورسـوله، أو لمعنى الرسـول وصاحبه وأمته، أو مخاللـه وأخلائه، في اجتماع إنسـان بإنسـان وإنسـانية إلى سـبق أو لحاق، وهو ما يعني من معنى عندما نقول الله وملائكته.

قد أظهر الله عبده ورسـوله على الدين كله في إظهاره على نفسـه بالمعروف عنه، فكانت المعرفة عنه إلى سـبقه وإلى لحاقه فيها المعرفة عن الله بلانهائيته حقا وخلقا، وكان فيها المعرفة عن النفس بموصوف الأزل والأبد فيه لمعنى الزمن له، وبموصوف الكثيف واللطيف فيه لمعنى الخلق والحق له، كما كانت معرفته عنه بالتقييد والإطلاق، للقيام بأناه لمعنى الحيز والصورة، والتحرر والسـعة.

بذلك كانت استقامة الدين في الفقه عنه إنسـانا، وفي الفقه عما قبله من إنسـان، وفي الفقه عما بعده من إنسـان، فكان الرسـول بخلقه وحقه، بعبده وربه لقديمه وقائمه، وبربه وعبده بقائمه وقادمه، هو العلم الكامل والكتاب الشامل لطالب الحقيقة، ولطالب المعرفة، ولطالب العلم.

قام لشهادة ولعلم الناس نهاية القديم وعلما عليه، وبداية القادم وعلما عليه، وأحسـن تقويم في قائـم وعلما عليه. آمن بالماضي رفيقا قارب، وآمن بالمسـتقبل رفيقا يقارب، وعرف أن إحاطته بالمعرفـة عنه من قديمـه أيَّا ما تكون، لا تكون له إلا في إحاطتَه بما يدنو إليه من قادمه دنوا لا يتناهى لكشفٍ عن القديم لا يتناهى.

علم أن هذا الذي هو له، كان لمن قبله، ويكون لمن بعده، وكائن لمن يكون معه، وأنه في هذا ليس بدعا فيه، ولا مسـتقلا به، ما أعطيه يناله متابعوه من أمته يوم يصدقون في متابعته، ويناله عارفوه يوم يعرفوه أنفسـهم، ومجتمعهم، وآباءهم، وأبناءهم، آدم وجود، وإنسـان شهود. لا يؤمن أحدهم به في إيمانه بنفسـه له إلا يوم يكون أحب إليه من ماله وولده ونفسـه التي بين جنبيه، معلوما عنده، مشهودا له، يراه في الناس روح قيامهم من روح الله، كما يراه قائما في مجتمعه فردا بين مفرداته، خفيا فيه، سـاهرا عليه بجديد بدء له، في كوثر تواجده لخالد بشريته لموجوده، عبدا للرحمن وعبادا له، يمشى ويمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبه أو خاطبهم الجاهلون قال وقالوا سـلاما.

إنسـان الكمال والاسـتكمال… لا يعرف الخصـام… لا يعرف العناد… لا يعرف الكبرياء… لا يعرف الاسـتعلاء… لا يعرف الطغيان… لا يعرف البطش… لا يسـفك الدماء إلا بحقها… لا يقطع من الله للناس الرجاء… يبشر لا ينفر… وييسـر لا يعسـر… ويَخدم لا يُخدم… ويعين لا يسـتعين… يقبل لا يرفض… ويسـعى لا ينفر… باخع نفسـه على آثارهم، صابرا نفسـه معهم، خافضا جناح الذل رحمة لهم، واسـعا بعزته، حليما بشمول قدرته… معينا بغالب رحمته… منعما من فيض نعمته بواسـع منته.

على أسـاس من الفهم فيه قامت المعرفة في الحقيقة، فكان علم الحق بحقي عبوديته، لم ينفر من نسـبة النقص إلى نفسـه بالنسـبة لربه هو في معيته، أو رفيقه الأعلى، ورب ربوبيته. لا يسـتحي أن يتصف بالضعف مع القادر… وبالعجز مع القاهر… وبالجهل مع العالم… وبالضيق مع الواسـع… وبالمسـكنة مع الكبير المتعال… وبالمتربـة مع اللطيف السـاري… ولم يجحد أو ينكر أن مقام المطلق اللانهائي في إطلاقه لا يبلغ مهما أطلق الإنسـان في دائرة مطلقه، أو أوسـع له بوجوده في وجوده، أو جدد له به في خلقه، أو ملأ الأعلى فراغ الحياة به حيا قيوما في حياة الحي القيوم.

عرَّف الله حقيقةً لا تتسـمى، وهو المسـمى في كل ما تسـمى، ولا يتقيد وهو الظاهر بكل ما تقيد… وعرَّف الإنسـان فيه له الوجه المسـمى، والذات المقيد بالمعنى للمبنى، والمتحرر من القيد بمطلقه للمعنى وبسـعته للذات والمبنى، عرفه المنـادى بالأسـماء الحسـنى، والمترفع بعرفانه عن الأسـماء الحسـنى لعليّ معناه، وقد جعل من الإنسـان اسما أعظم جامعا لأسـماء الله.

المقصود من كل قاصد للحقيقة هو إنسـان الله وعبده… حق الله وقدسـه… وجود الله وواسـعه… اسـم الله وعليمه… علم الله وكليمه… وجه الله وجلاله… رحمة الله وجماله. دل بمثاله على مثاله، وبحاله على حاله، في معراج لا يتناهى فيه رقيه بدانيه، أو دنوه بعاليه، بذات قدس له، لذات أقدس، لذاتٍ أقدس، لذاته في معراجه، حتى إلى رخصة العلمية على مطلقه، أقدس فأقدس، وأوسـع فأوسـع، وأدنى فأدنى، وأقرب فأقرب، وأعلى فأعلى.

فما زال الإنسـان بحقي صفاته لمعانيه هو حق حقيقته، وعبد معبوده، ومُعبِّد نفسـه لذات قدسـه، لعلميته على الأعلى، اسم المؤمـن، وعلما على ذات المؤمن، وعلم الحق من الله باسـم الله الرحمن الرحيم ما كانها وكانته، عَلمَا على الأكبر، وتعالى الله عما يصفون.

الإنسـان… هو كلمة الله لموصوفه، وهو وجه الله لمعروفه، فما قبل محمد وما بعد محمد، إنما هما أمران لله، أزل الإنسـان لما قبله حقا للقديم الأزلي، وأبد الإنسـان لما بعده بحقيقة الخلق، علمية على الخالق في مشروع الحياة الأبدي، لا يتعطل فيه الخلق، ولا تتعطل فيه عنونة الخلق على الخالق بقائم الإنسـان، ولا تتعطل علمية الخالق على الأعلى، خلقه وما خلق، أوجده وما أوجد.

إذا دارت معرفة الإنسـان حول هذه الحقيقة، لرسـول الله شهيدا على الشهداء، هم شهداء على الأُمم، هو عليهم شهيد، عبر الزمان وعبر المكان في دورة دائبة، مشهودا من الأزل هو له المشاهد لذاته ومعناه، ولامتداده فيه بظلاله لذواته ومعانيه، يقوم ويتقلب في السـاجدين ليكونوا قيِّمة بالدين لا عوج لهم ولا اعوجاج فيهم، ليبين للناس ما أنزل إليه من نور الله كتابا قامه، وسـلاما أوجده وعلَّمه، فوجده السـلام لنفسـه مع الأعلى، والسـلام لمن سـالمه ممن خالل، فكان عليه من الله السـلام، ومنه للناس السـلام، وله من الناس ما سـلموا السـلام.

هو للمؤمنين بالله ورسـوله إنسـان الله… وإنسـان الخلق… وإنسـان الوجود… وإنسـان الأزل… وإنسـان الأبد، في كل هذه الصور رَكَّبه، ولكل هذه المعاني عَلَّمه، وعلى كل هذه الحقائـق أظهره، وبها أشهده، فعلَّمه كل العلم ووعده بالمزيد، وأظهره على الدين كله ووعده في أمره بالجديد، فكان هو الدين كله، وكان من كانه الدين كله.

فكان هو القرآن… وكان القرآن كتابٌ صَدَر منه، وصدر عنه حقا، وتلقاه عبدا، وحمله منه إليه رسـولا وروحـا، وتجدد به عترة، قامه وتلاه، ونشره وأوحاه، حَمله كلاما، وقامه فعلا وعملا، وتواجده بيانا، فعرفه عارفه قيامه ومعناه، كتاب يمينه… كتاب كسـبه لقديمه… كتاب بعثه لقائمه… كتاب بشراه لقادمه.

فماذا أدرك الناس؟ وماذا قال الناس؟ أسـرفوا في الثناء عليه على ما تمنوا لأنفسـهم بجهلهم، وتخيلوا لأنفسـهم بوهمهم، طامعين في انفرادهم بكرم الله، وبقدرة الله، لسـلطانهم وعلوهم على غيرهم، طغيانا يعمهون، وزعما لمعرفة به يَدَّعُون، في مظهر من أشكال الصلاة مناسـكا يقومون، وهم بفعلهم وبقيامهم، أحبـال الصلة بينهم وبين ربهم يقطعون، يسـرفون بالثناء إلى نقيضه من تعطيل الرحمة وعملها، فهم بموصوف أوهامهم لمرجوهم، بوهم الثناء عليه له يصفون، (أَوَحْي بعد رسـول الله)[١]؟ هو ختـام وآخر النبيين، أما أنه خاتما للعارفين، وطابعا للنبيين، فلا يدركون ولا يقبلون.

هكذا قالوا خاتم النبيين، بمعنى ختام النبيين، بمعنى آخر النبيين، كما قال قوم يوسـف من الفراعنـة من قبلهم، لن يرسـل الله بعد يوسـف! وما كان محمد مبرزا إلا بعثا لآدم، وأبًا للنبيين، هو آدم قائم الناس، (بين أنـا نائم أطـوف بالكعبة…)[٢] والناس نيام، هم معناي، لا أنفر من معناهم لمعناي، ولا أنكر على مولاهم لعين مولاي، رضيهم الأعلى لنفسـه، وهم نفسـي فكيف لأنـاي لا أرتضيهم؟ كيف عن نفسـي لا أترضَّاهم لأفتديهم؟ كيف لا أشهد فيهم مولاي ومولاهم؟ كيف لا أجل الحفيظ عليهم، ظاهرا لي في حفظهم وقيامه بهم، وحكمته في فعلهم، في إيمانهم أو كفرهم، في اهتدائهم وضلالهم، في قربهم وبعدهم، في حبهم ونفورهم، في ظلامهم ونورهم، لحجب ظلامه ونوره؟

أشهدني الله بهم، وشهدني منهم، وعلمني بهم أقلام قدرته، وصحائف كتابه، وجماع أُم الكتاب له لمشاهدتي. أقرأني فقرأتهم لمطالعتي لنشداني لعلمي عني، ولافتقاري لي معلوم معلمي وعالمي.

أشهدني في كرتي هذه بما شهدت من أمر الناس، ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وما هو كائن في صمد القيام، لقائم الله وقيومه، لا يعزب عن علمه شيء، ولا يجد في وجوده جديد.

قديمه قادمه، وقائمه أطرافٌ لعين قديمه، وقادمه لمن حصحص عنده الحق، لمن عرف الحق، لمن طلب الحق، فشهد الحق، فكان الحق، فشهد أنه لا إله إلا الله، قياما بعترة رسـول الله، سـفن الخلاص والنجـاة، فعرف المودة لرسـول الله، فتواد مع رسـول الله مودة لظلاله. الخير فيه وفي أمته إلى أن تقوم السـاعة مرة أخرى، علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل، نزلت البسـملة عليه وبقيت لأمته.

من عرف ذلك عرف الحق إليه من الله، فشهد محمدا رسـول الله، لنفسـه، ولقيامه، ولقيومـه، ولقائمه، ولقادمه، فعرف أنه من رسـول الله، وأن رسـول الله منه، وعرفه قائم رسـول الله في قيوم رسـول الله، فتلقى كفلين من رحمة الله به، الذي {أنعم الله عليه وأنعمت عليه}[٣]، {يا أيها الذين آمنوا (بالله) (اتقوا الله)}[٤] (قدروا اللـه حـق قدره)[٥]، {وآمنوا برسـوله}[٦] {واعلموا أن فيكم رسـول الله}[٧].

اعلموا أن رسـول الله يقوم فيكم بروحه لأرواحكم، كما يقوم فيكم بينكم بعباد للرحمن، منهم الأشعث الأغبر، ومنهم المشرق الأزهر، ومنهم الخبير العليم، ومنهم الكريم الرحيم، ومنهم من جاء ليدين لا ليرحم، ومنهم من جعله الله فتنة للناس، واختبارا للناس، وامتحانا للناس، من المعوجين بأمر الله لهم فيهم من أدعياء الاسـتقامة، وحُمر الكتب والمزامير أو المشعوذين، والمتاجرين بدين الله، المسـترزقين به دون علم عنه أو قيام فيه به.

إن قائم الحق للحقيقة ليس هو معنى الحق كما تسـمونه أنتم على ما ترضون، وعلى ما تشـتهون، بما تصورون لمعاني الخير، بعيدا عما تكرهون لقائمكم بأنفسـكم، بما تزعمونه لمعاني الشر والضر لوعيكم. إن من رأى الله على حقيقته، ورأى الوجود معبرا عن موجوده بحكمته عَلما عليه، لم يرَ إلا خيرا. ومن غابت عنه رؤية الله في شامل وجوده، وواسـع موجوده، وبالغ أمره، ما رأى فيما رأى إلا شرا.

إن الذي يرى شهوات الدنيا من المال والولد، والأنعام والحرث، والدور والقصور، والأثاث والرياش، والمأكل والملبس حقائق، إنما يصف ما هو فتنة باسـم النعمة، وهو تافه النعمة لسـد الفاقة، لطبيعة القيام في صورة قيامه بقصوره الذاتي، (حسب ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه)[٨]، (أقلـكم مالا أقلكم حسـابا)[٩]، {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون}[١٠]، {زين للناس [اختبارا لهم وابتلاءً في أمرهم] حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث}[١١]، { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه [فيهوى في اختباره، ويسـقط في طريقه] فيقول ربي أكرمن}[١٢]. {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه [فيسـقط في اختباره، وينزلق إلى هاويته] فيقول ربي أهانن}[١٣]. {إنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا}[١٤].

إنها دار الاختبار… إنها دار الابتلاء… إنها دار البدء… إنها دار الزرع… إنها دار الكسـب… وهي في الوقت نفسـه دار الرجع، ودار الصدع لكرات البدء الخاسـرة عليها… إنها باب الطريق… إنها باب المسـير… إنها السـماء الدنيا لما يعلوها من سـماوات الروح وسـماوات الحقيقة… إنها سـدرة المنتهى للخلاص من العدم وللقيام في معنى الوجود.

زينت بمصابيح من أهلها من عباد للرحمن، أشرقت مشكاة صدورهم بنور سـرج قلوبهم مشعلة موقدة، من شجرة جنسـهم لا بدء لها بشروق، ولا انتهاء لها بغروب، لكفايتها الذاتية حضرة حقية لعالم الأرض وسـماواته، رجـال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، بيوتا موضوعة لبيوت مرفوعة، ترفع منها بيوت للحياة الأبدية أعلاما على بيوت الحياة الأزلية.

هم في فردوس أنفسـهم، يوم يكونون رجالا لله ظاهرا لباطن، لرجال لله غيب شهودهم، وصفهم من خلق فسـوى وقدر فهدى عبادا له وأسـماءً حسـنى منه، وعلم بهم أن الله يتوفى الأنفس حين موتها عنها إلى قيومها عليها، فيمسـك التي قضى عليها الموت، ويرسـل الأخرى ليتم لها نورهـا بكسـبها، بقائم حقها بقيومه على قائمها، كلمات لله، وعبادا لله، يسـألونه أن يتم لهم نورهم، وهو متمه لهم بحكمة خلقهم، وعلة إيجادهم، يتعجلون أو لا يتعجلون فهو متم نوره لهم، فما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوا أنفسـهم له، فان صدقوا في تعبيد أنفسـهم له وفاهم ما وعدهـم، فجعل منهم بيوتـا له بقلوبهم، وعوالم له بهياكلهم، ورسـالة له بعقولهم ووعيهم، ونورا له بأرواحـهم، نور ينتشر في الناس هو نور الله، وهو وحي الله، وهو علم الله، وهو روح الله، وهو حق الله بحقائقهم لمعنى وجه الله لمعانيهم.

بهذا كله جاء رسـول الله، من دعوناه محمدا وما حمدناه لقيامنا، وأسـميناه أحمدا وما على أنفسـنا أعلينـاه فحمدنا الله إليه، ونعتناه محمودا وما عليه أثنينا في مجده وعلاه لقربه في مداناتنا بصلة وصلاة، ولكنا لا عن ضِعة به علوناه. وفي تواضع منه أقلنا فما أدركناه فحمدناه، ويد الله مقلة رأيناه، فآمناه فأظلنا برحمته، وأمدنا بعزته، وقومنا بحكمته، وهدانا بشرعته. وفعل فما قدرناه، فاسـتزدناه، وبيننا رعيناه. وأغرقَنا بمحبته، وتابعنا بنصرته، وأنقذنا بنجدته، فما أدركناه ولا أدركنا آيات الله به فحمدناه.

فبأي شيء عاملناه؟ وعلى أي صورة عرفناه؟ هل تحرك فينا الشوق فطلبناه؟ وهل تزعزع بين جوانبنا الجحود فافتقدناه، فتأملناه، فتذاكرناه؟ أم أننا بالدنيا تناسـينا فنسـيناه، وبسـربال الظـلام لنا ادعيناه، فباعدناه، وبنور الحق بيننا جهلناه فأنكرناه فقلوناه، فلا وجودا له بيننا لظلال فقهناه فتواصيناه فطلبناه، ولا بشمول نور الله به قامت الحياة، عرفناه، فاجتهدناه، ففي مجاهدتنا سـبيلا لله لاقيناه، في عبد للرحمن عرفناه، فأنفسـنا أسـلمناه، فبالسـلام لاقيناه، وقمناه، وأشهدناه، ونشرناه؟

هذه حالنا على ما قمناه، تبت يدانا، وغاب عنا من الله معنانا، وانزلقت في الهاوية قدمانا، وبوصف قائم الصلاة زعمنانا، وما كانت الصلاة إلا صلة بالله مولانا، بقيامها بين عبد ورب فيه، وجوها لله وجه لوجه من إنسـانية دناه، ظاهرا لباطن لإنسـانية علاه.

فما كان رب الإنسـان أسـفل سـافلين إلا إنسـانه في عليين، فكان أسـفل سـافلين، قَدم عليين، وكلاهما بأشباح على الأرض يسـيرون، وحدة هيكل الإنسـان يقومون، لا تقلهم الأرض كما تشهدون، ولا تظلهم السـماء كما تعجزون، ولكنهم لله إيمانا به يتسـعون، وبيوتا له بنوره يعمرون، ووجوها له يتراءون، وهياكل موجود قدسـه يتواجدون، يوم أنهم في حصن لا إله إلا الله يدخلون، وبشهادة محمد رسـول الله يقومون. فسـبحان الله وتعالى عما تصفون.

اللهم يا من أنزلت نورك، فجعلته عبدك ورسـولك، وجعلت منه عليك لنا علما، وجعلت من حديثه وكوثره كتابا وكلما، وجعلت من قيامه قبلة ونصبا، وجعلت من معنى بيته جنة وسـفينا وخلاصا، وجعلت من صفاته خلقا وتخلقا وإخلاصا… اللهم به فألحقنا، وبه فقمنا، وبه فتواجدنا، وبه فأحينا، عطاءً منك غير مجذوذ، وإعلاما لك عنك، في علم بك غير منقوص.

أظهرته على الدين كله، فأظهرنا به على الدين كله، وظلالا له تواجدنا، وأعلاما عليه فأوجدنا، حتى نكون أعلاما لك، وعَلَما عليك بعلميتنا به عليك، وعلميتنا عليك بك.

اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم، وما لا نعلم، وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.

اللهم به فقوم جوارحنا، وأحيِ قلوبنا، وأنر عقولنا، وحرر نفوسـنا، وأوجد هياكلنا، وتواجدنا، وأوجدنا، وأوجد بنا، كلمات لك، لا إله غيرك ولا معبود سـواك.

أضواء على الطريق

أجاب السـيد الروح المرشد (سـلفربرش) وقد سـئل: هل تعمل أي اسـتعدادات في الجانب الآخر قبل عقد الجلسـة؟ وكيف نصير مسـتقبلين لتأثير الذين انتقلوا؟

(نعم يجب أن نجعل الطريق خاليا باسـتمرار، وأن نوفق دوائرنا مع دوائركم، علينا أن نمهد السـبيل وأن نمزج بين كل العناصر كيما نحصل على أحسـن النتائج. إنا نعمل في مجموعات منظمة جيدا لهذا الغرض).

(إن الذين تحبونهم ويحبونكم لن تفقدوهم أبدا. هم عن دائرة حبهم لا يتحولون لأنه حيث يوجد الحب فهم يوجدون. إنهم لا يتركونكم، ولكنهم يكونون أحيانا أقرب منهم في أحيان أخرى. فهم في بعض الأوقات يمكنهم إيصال تأثيرهم لكم. وأنتم في بعض الأوقات تكونون أكثر اسـتجابة.

إننا نجاهد لنقترب بقدر إمكاننا، ولكن اقترابنا يتوقف على جوكم ونموكم وتطوركم. لا يمكنا الوصول إلى الذين ماتت نفوسـهم من الناحية الروحية. إذا لم يعد لنا نقطة اتصال)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. عبارة جاءت في الأثر في أكثر من قصة هدفها القول بأنه من الممكن أن تكون للمؤمن فراسة، ولكن وحي السماء توقف بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. ↩︎

  2. من الحديث الشريف: “بيْنَما أنا نائِمٌ رأيتُنِي أطُوفُ بالكعبةِ، فإذا رَجلٌ آدَمٌ سَبْطُ الشَّعْرِ، بيْنَ رجُليْنِ يَنطُفُ رأسُهُ ماءً، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: هذا ابنُ مَرْيَمَ، ثمَّ ذهبتُ ألْتَفِتُ، فإذا رجُلٌ أحمَرٌ جَسيمٌ، جَعْدُ الرأسِ، أعْورُ العيْنِ، كأنَّ عيْنَهُ عِنبةٌ طافِيةٌ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: الدَّجالُ، أقْربُ الناسِ بهِ شبَهًا ابنُ قطَنٍ”. أخرجه البخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  3. سورة الأحزاب-٣٧ ↩︎

  4. سورة الحديد - ٢٨ الأقواس داخل الآية موجودة في النص الأصلي للتركيز على معنى معين يُفهم من السياق. ↩︎

  5. استلهاما من {ما قدروا الله حق قدره} سورة الحج - ٢٢ ↩︎

  6. سورة الحديد -٢٨ ↩︎

  7. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  8. من حديث شريف: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. (رواه الترمذي) ↩︎

  9. حديث الشريف: " اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب." رواه أحمد. ↩︎

  10. سورة الزخرف - ٣٣ ↩︎

  11. سورة آل عمران - ١٤ ↩︎

  12. سورة الفجر - ١٥ ↩︎

  13. سورة الفجر - ١٦ ↩︎

  14. سورة الجن - ١٠ ↩︎