(٢)

النفس بقتلها في الله هي الضحية
وفي بعثها بالحق بين الخلق هي العطية

حديث عيد الأضحى المبارك في الإسكندرية

١٠ ذو الحجة ١٣٨٤ هـ - ١٢ أبريل ١٩٦٥ م

في مثل هذا اليوم من كل عام نحتفل بعيد الأضحى أو نحتفل بعيد الأضحية، وهما أمران مرتبطان، ولنأخذ لنا معنى من هذه المناسـك، وما أحاط بها، وما تشـير إليه.

فإن قلنا عيد الأضحية، أو التضحية والفداء… فإنما يشـير هذا إلى أمر جاء في كتاب الله، وفي قوانين الفطرة {اقتلوا أنفسـكم فتاب عليكم}[١].

ليس المراد بالأضحية أن نذبح كبشـا أو بهيمة، إنما هذه إشـارة إلى أن من قتل نفسـه فقد عرف ربه… من عرف أن نفسـه مخاصمة لروحه، عنيدة في خصامها، لا تتقبل ما يدعو إليه العقل وإنما تسـتجيب لكل ما تدعو إليه الشـهوة، والحس، والجنس، والجاه، والمتعة، والسـلطان، والغلبة، والقوة، والقدرة، والقهر، الخ… (أقسـم القدوس ألا يدخل إلى حضرته أرباب النفوس) [٢]، فمن قتل نفسـه في الله أشـرقت عليه شـمس الدلالة على الله، شـمس الحقيقة، فأصبح في ضحى من أمره، وفي سـكينة مما شـهد من فجره، وفي خلاص مما كان فيه من ظلامه.

فإذا قلنا عيد الأضحى فإنما نشـير إلى من أضحى قلبه مشـرقا بنور الله… إنما نشـير إلى من أضحى قلبـه عامرا بذكر الله. وبوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشـرك بي شـيئا، ولقد نرى تقلب وجهك في السـماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فولِ وجهك شـطر المسـجد الحرام من قلبك، حرمته على غير ربك. قَصَرت عليه حبك، آثرته على كل ما تود بودك، فلا الزوجة ولا الولد، ولا الأب ولا الجد، ولا الصديق، ولا الأخ، ولا المتعة، ولا الجسـد. كان الله ورسـوله أحب عند مُحِبه من مالـه وولده ونفسـه.

{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شـجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسـهم حرجا مما قضيت ويسـلموا تسـليما}[٣].

(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[٤].

(بأبي وأمي أنت يا رسـول الله) [٥].

هكـذا كان الناس يلتفون من حوله محبين، وبينهم بمحبته متحابين ألف بين قلوبهم، ولو أنفق ما في الأرض جميعا في سـبيـل ذلك ما حقق ما في الأرض جميعا شـيئا من ذلك، ولكن الله ألف بينهم فألف بين القلوب، وإنه يوم يؤلف الله بين قلبين بمؤلف لهما، بعروة وثقى بينهما، يظهر الله لهما أمرا، إذ هو من ورائهما بإحاطته بلطيفه يشـهدون وجه طلعته بتشـريفه.

من طلب الله وجده، ومن وجد الله عَرفه، ومن عرف الله عشـقه، ومن عشـق الله قتله، فإنه لا يقبل الشـرك، فبالحق بعثه.

من قدم نفسـه على مذبح أضحيته، فذاك حسـبه، فقد قدم أضحيته. إن أضحية المؤمن إنما هي نفسـه يقتلها في محبة ربه.

اذكر الله قياما وقعودا… اذكر الله حتى يقولوا مجنون، اذكر الله وما أنت بنعمة ربك بمجنون. {ن والقلم وما يسـطرون}[٦].

من أخذ كتابه بيمينه كان رسـالة لله، وقدوة للناس، يوم يأمره الله، يوم ييسـر له الله، يوم يفتح له الله، فيقول {هاؤمُ اقرأوا كتابيه}[٧].

إنما أنت منذر ولكل قوم هاد. وما كنا معذبين حتى نبعث رسـولا، هو أنت منظورا منه في أمرك وسـرك وجهرك. هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٨]، هو الذي يراك، ويكفيك أن يراك، فماذا تريد أن يراك غيره؟ أما يرضيك أن يراك حين تقوم ولا زال يراك حين تتقلب في السـاجدين، وهو ما رأى إلا إياك، وما عرف إلا معناك، وما تابع بنظره إلا مسـراك؟ {قل جاء الحق وزهق الباطل}[٩]

إن الذي ضحى بنفسـه على مذبح حبه أضحى وجها لله، الله من ورائه بإحاطته، والله في شـهوده فيما شـاهد بطلعته.

ما عرف الله إلا الله، والله قائم على كل نفس بما كسـبت، وما عرفه في قيامه على كل نفس بما كسـبت إلا من قامه وجها له، وعينـا له، ويدا له، وقدم سـعي له.

نقف في مثل هذا اليوم من كل عام بمنى، كما وقفنا بأمسـه بعرفات، وكما طفنا بأمس أمسـه طواف الحج، ومن قبله طواف العمرة، وطواف القدوم. كل ذلك مناسـك نؤديها في مثل هذه الأيام من كل عام، ولا معنى لها عندنا، ولا حقيقة لها عندنا، ولا تذوق لها عندنا، ولا غاية لها عندنا. إنما هي مناسـك على شـكلها لا تخرج عن رسـومها. الله أعلم بمراده بها!

وإلى متى يبقى الله أعلم بمراده بها، ولا يعلم من شـرعت لهم… ما هي!؟ ما تكون!؟ وما معناها!؟

بوأنا لإبراهيم مكان البيت من هيكله من ذاته مركزا لمعناه، نقطة لدائرة وجوده، موجودا متسـعا، روحا منتشـرا، نورا متزايدا، نفسـا مشـتعلة… ملة أبيكم إبراهيم هو سـماكم المسـلمين من قبل، جعلنا في ذريته الكتاب والنبوة.

اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

فكيف صلى الله على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، لنعرف كيف يصلي على محمد وعلى آل محمد؟

كيف صلى قديما وأزلا على كتاب رسـالته، ونور معرفته، وربوة مأواه، وجبل رحمته، ونُصب أوتاده، ووادي سـاحته لرحمته؟

كيف صلى؟ وكيف يصلي؟ وهل توقفت صلاته؟ وهل انقطعت من الوجود آياته؟ وهل غاب عن الناس ذكره؟ وهل اختفى في يوم وجهه؟

ماذا يفهم الناس عن الله؟

ماذا يفهم الناس عن معاني الرب لهم من الله؟

ماذا يفهم الناس عن معاني الحق إليهم من الله؟

ماذا يفهم الناس عن معانيهم في الله؟

ماذا يفهم النـاس عن معنى الله لهم؟ ومعنى الله لمعيتهم؟ ومعنى الله بهم؟ ومعنى الله من ورائهم؟ ومعنى الله من فوقهم عليهم قائم؟ ومعنى الله لهم قيوم وراحم؟

ماذا يفهم الناس عن معنى اللــــه؟

إنهم يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، بوصفهم حملة أمانة الدين، يُعلِمون العامة… أمَّا هم فهم فقهاء المسـلمين… وهم ومن يعلمون حطب جهنم لو يعلمون، وهم ومن يعلمون يجادلون في الله ويتبعون كل مَرِيـد من شـيطان، ويأتمون بكل جبار من طاغية، يرون الدين فيما يشـهدون من طغيان لا ينكره عقل، ولا يختفي على عاقل.

ولكن… لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة!؟ هذا شـعارهم!؟ أما لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فهذا لا وزن له!

إنما هي آيات مدسـوسـة على رسـول الله، لا قيمة لها، ولا معنى لها، ولا محل لتطبيقها، فنحن في طاعة الله، نحن في طاعة أئمتنا، نحن في طاعة كبرائنا، نحن في طاعة ظالمينا، نحن في طاعة مهينينا، نحن في طاعة معبدينا لأنفسـهم!!!

نعم… إننا نتخذهم أربابا بالله!

ألم يكـرمهم الله؟ ألم يغنهم الله؟ ألم يمنحهم الله القدرة؟ ألم يمنحهم الله ذرابة اللسـان وقوة البيان؟ ومكنة الإحسـان؟ ألم يملكهم المال؟ ألم يملكهم الدنيا؟ ألم يملكهم الجاه؟

فكيف لا نتخذهم أربابا لنا، وقد جعلهم الله أربابا علينا؟

(أخفى الله الولي في الخلق)[١٠]؟

دسـها الداسـون على رسـول الله - هذه إسـرائيليات!!!

كيف يخفي الله من جعلهم رحمتـه؟ هذا غير معقول، إنما المعقول أن يولي علينا من ولى بجوده وكرمه ورحمته!

(كيفما تكونوا يولّى عليكم)[١١] ؟

نعم، نحن الصالحون، والمولى علينا هم الصالحون منا!

{فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسـك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}[١٢]؟

نعم، نحن نكفر بالطاغوت، بالشـيطان، ونسـتعيذ بالله من الشـيطان الرجيم صباح مسـاء!

اختلط الحابل بالنابل، واختلط الحق بالباطل، واختلط الأمر بالفسـاد مع الأمر بالمعروف، واختلطت القيامة برد الأعمال والعذاب مع القيامة باللقاء والثواب.

إلى هذا انتهت رسـالة محمد، ورسـالة الإسـلام معه، ورسـالة الفطرة في قيامه، إلا لمن رحم، إلا لمن عرف، وقليل ما هم.

إن الرسـالة لا تقوم على الكثرة، وإن قليلا من عباد الله الشـكور، وإن الرسـالة إنما تقوم على القلوب المتحابـة، والنفوس المتراصة، والعقول المتوادة، والذوات المتآلفة، يوم يقوم الناس أو يقوم من الناس لله مثنى يعملون ويتقون، وفرادى يتحابون ويتوحدون، ثم يتفكرون…

فيتكشـف لهم أن الله لا يظهر إلا في الحب، وتبادل المحبة، وأن من أحب الله أحب الناس، وأن من أحب الناس لوجه الله أحب الناس جميعا، وأن محبة الناس جميعا غير طاعة الله في الناس، وأن طاعة الله في الناس إنما هي للأسـماء الحسـنى. {للذين أحسـنوا الحسـنى وزيادة}[١٣]، إنما هي الأسـماء التي قام الله بها ظاهرا بصفاته، إنما هي الأسـماء للمؤمنين. إنما المؤمنون أخوة، والمؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن مرآة أخيه.

إن من احترم نفسـه مضافة إلى الله لا يسـتهين بها، ولا يهـينها، ولا يُسـجِدها لغيره، ولا يطلب منها السـجود إلا له، فيها، عليها أقرب إليها من حبل الوريد.

بوأنا لإبراهيم مكان البيت من نفسـه، ألا تشـرك بي شـيئا، ألا تشـرك بي ذاتك، ومادتك، وقيامك، ونفسـك. إنك في الله فان، وإنك بالله باق، وإنك بخلقك لله عبد، وإنك بحبك لله حـق. فأَسـجِد عبد خلقك لحق حقك في هيكل نفسـك، إلى قبلة الله في عالـم وجودك مـن قلبـك لا تشـرك بـه شـيئا. إن فعلت كان الله فداؤك، يوم ضحيت بنفسـك على مذبح حبك، فتكشـف لك غطاؤك، فإذا أنت وجه لله… وبيت لله… وقبس من نور الله… واسـم لله… وهيكل لله… ووجود لله، لا في عين مشـهودك لوجودك، ولكن لكبير وجودك بموجِدك لموجودك. ولخلـق السـماوات والأرض أكبر من خلق النـاس لو كانوا يعلمون. زويت لي الأرض وتبلغ أمتي ما زوي لي منها.

لسـت من أمتك… لسـت من أمة محمد… ولسـت محمديا… ولسـت محمدا إلا إذا كنت حيوان الحيـاة… الأرض بيضتك ترقد عليها، ودحيتك تخرج معاني الحيـاة بجديدها لك. إن الله يضرب الأمثال للناس بمشـهودهم من الوجـود. والأرض دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها يوم أن إنسـانه لها طواها فأحيـاها، وأخرج منها بروحه ماءها ومرعاها يوم تلد الأرض ربها، فتنشـق عن وليدها وسـيدها. إن رسـول الله وهو يقول لك زويت لي الأرض، وأول من تنشـق عنه الأرض أنا، إنما يعني أنه سـر الحيـاة لهذه الأرض… إنه روح الحيـاة لهذه الأرض… إنه معنى الحيـاة لهـذه الأرض… إن هذه الأرض تؤتي ثمارها، وتؤتي أكلها للآكلين، وتؤتي كباشـها للذابحين، وتؤتي حبها للحامدين، وتؤتي أنهارها للشـاربين، وتؤتي بحارها للسـابحين، في دوام على حق ويقين، وإلا لما قال الصادق في كل ما قال إني جاعل في الأرض خليفة. ولو لم تكن كذلك ما قال صِدِّيق ربه وصادق حديثه ووعده، (ما أعطيتـه فلأمتي)[١٤]، ولما قال (تخلقوا بأخلاق الله تخلقا بخلقه)[١٥]. ولما قال (فاطمة ابنتي روحي فمن أغضبها أغضبني)[١٦].

إنه لا يتجاوز حقه، ولا ينكر على الناس وضعه، {فاتبعوني يحببكم الله}[١٧]، (من رآني فقد رآني حقا، فإن الشـيطان لا يتمثل بي)[١٨]، ولكن الناس لا يرونه إلا شـيئا، لا يرونه إلا مادة، لا يرونه إلا دما ولحمـا، لا يرونه إلا شـبحا، لا يرونه إلا قبرا، لا يرونه إلا لفظا. أما أنهم يرونه الحياة في معاني حيـاتهم، والوجود في معاني موجودهم، والحق في معاني حقهم وصدقهم، فهذا أمر بعيد على المنال.

أليس هو خاتم النبيين؟ هل نحن أنبياء؟

أما أنه أول العابدين، والخاتم لما سـبق، والفاتح لما أغلق، والعبد المشـاهد لربه، من فتح باب العبودية حقية للربوبية، مشـهودة عينيـة؟ (إني أبيت عند ربي يطعمني ويسـقيني)[١٩].

من سـار في الناس على ما يصلح له الناس وعلى ما يقدر عليه الناس، ما عرض عليه أمران إلا اختار أيسـرهما، سَـنَّ أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، يَسَّـرَ لم يُعسِّـر، بَشَّـرَ لَم يُنفِّر، أكبر الله وأكبر الناس يوم أضافهم إلى الله، وهانوا عنده يوم غفلوا عن الله ونسـوا الله فأنسـاهم أنفسـهم.

هذا هو الدين، إن أردنا أن يكون لنا دين. وهذه هي الطريق، إن أردنا أن نسـلك إلى الله في أنفسـنا طريق. وهذا هو الدليل، إن أردنا أن نشـق إلى الدليل في قلوبنا مكانا نراه حقا وإحسـانا، لا نشـهده حيوانا، ولا نعرفه بهتانا، ولا نراه شـبحا، ولكن نعرفه إنسـانا، نعرفه حقا، أقرب إلينا من حبل الوريد.

أي نعم نعرفه الله، ولكن أين هو الله؟ في أنفسـنا، في معيتنا، في قلوبنا، في عقولنا، في نفوسـنا، روح وحيـاة هياكلنـا، قدس معانينا، قيوم مبانينا. فكيف لا نذكره فينا، ثم نذكره في وثن يعنينا، وشـبح يرضينا، وخيال يسـتهوينا؟

تعالى الله عما يصفون، لا إلـه إلا هو، ما خلقهم إلا ليعبدوا أنفسـهم له، ولكن لغيره أنفسـهم يعبدون.

إن الله في الناس… نعم إن الله في الناس، ولكن الله في الناس إنما هو جميع الناس، في وحدانية الناس، في وحدانية أبوتهم الأزلية، أبوة شـملتهم وشـرفتهم، وإلى ربها لأزلي معناها أضافتهم، ولا فرق بينها وبينهم عرفتهم، أبناء لجديد معناها وصفتهم، فقالت لهم أنتم الآباء وأنا منكم الأبناء في دورة الحيـاة بالظهور، يوم نعرف الله لجماعنا بأحديته، لا أنا ولا أنتم، ولكنه هو من ورائنا ومن ورائكم بإحاطته، فهو من وراء الآباء كما هو من وراء الأبناء، فهو لا يقبل الشـرك ولا الشـريك، ولا المغايرة حتى بمعنى المحب أو معنى الصديق. إنه بوحدانيته لا يقبل التعدد أو التبعيض، ولا يقبل المشـاركة في معنى وجوده. فإذا عرفناه كذلك وأكبرناه بذلك على ما أكبر نفسـه عندنا، ثم أكبر نفسـه بنا بقربنا، من ورائنا بإحاطته وعلى كل نفسـن قائم، فقد قدرنا الله حق قدره.

شـهدناه الناس في قربه، وأكبرناه عن الناس في عظمته وبعــده. وعرفنا هدي الرسـول (الظاهر مرآة الباطن)[٢٠] فتعلمنا الظاهر، وتأملنا الظاهر، وكشـفنا أغطية الظاهر ليظهر لنا ما وراءه من باطن هذا الظاهر، بلا تعدد بين ظاهر وباطن.

إن أدركنا ذلك ما قصرنا الله على هيكل من الناس، وعلى فرد من الناس، ولو كان رسـول الله. إن رسـول الله شـرَفه في ألا يكون فردا، ولكن شـرَفه في أن يكون أُمة وجمعا. {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا}[٢١]. وإن محمدًا يحب ويطمع ويسـأل الله ويسـأل الناس أن يكون أُمة في الله لا فردا، أن يكون عبادا لله لا عبدا منفردا… أن يكون أول العابدين، ولا يكون آخر العابدين… أن يكون جماع نبيين ولا يكون منفردا بمعاني النبوة له. (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٢٢] ، {واتقوا الله ويعلمكم الله}[٢٣].

احملوا ما حملت إليكم، وتعلموا وعلموا ما علمتكم. واذكروا الله على ما ذكرته فيكم لكم، قائما بالحق عليكم وبينكم، غير ميئس لكم من الحق لكم على ما هو الحق لي.

من رآني حقا رآه حقا، فما رأى الحق إلا حق، وما رأى الصدق إلا الصدق، وما رأى الله إلا الله، وما رأى الشـيطان إلا الشـيطان. إن الشـيطان لا يتمثل بي، ولله المثل الأعلى في السـماوات والأرض.

هل ضحيتم بأنفسـكم على مذبح ربكم محبة له وشـوقا إليه ليكشـف لكم أغطيتكم فتصبحون وجوها له، وقد كنتم خصوما له؟ إن الإنسـان لربه لكنود. إن الشـيطان يجري من الإنسـان مجرى الدم. ضيقوا مسـالكه بالجوع والعطش.

لو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسـكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل، ولو فعلوه لكان خيرا لهم.

هذا هو العيد يعود عليكم في مثل هذه الأيام بذكرياته، فهل أعدتم مع هذه الذكريات رسـول الله إليكم؟ فذكرتموه؟ وأثنيتم عليه وحمدتموه؟ وهو الذي لا يسـألكم إلا المودة في القربى، فهل قاربتموه؟

تقولون… أزواجه، ذريته، أصحابه، أنصاره، آله، ولا وجود لشـيء من ذلك بينكم.

نصر عبده… أعز جنده… هزم الأحزاب وحده. إن كان قد فعل ذلك في يوم لمحمد، هل هو عاجز عن أن يفعله لكم اليوم؟

هل عرفتم محمدا بينكم {محمد رسـول الله والذين معه أشـداء على الكفار رحماء بينهم}[٢٤]، {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٢٥]؟

اتبعتم كل ناعق وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير، وسـرتم في مسـرى كل ضال، واسـتخف فرعون قومه وما هدى… اسـتخف عقولهم… اسـتخف عزائمهم فتابعوه، وهو يقومهم ويقودهم في دوام.

فكيفما تكونوا يولَ عليكم، ويوردهم النار بئس الورد المورود، يوردهم الهلاك. إنه مجند فيما هو فيه، إنها رسـالة الهلاك، إنها رسـالة العدم.

فهل طلب الناس رسـالة الحيـاة؟ هل طلبوا الحيـاة؟ هل أحسـوا بسـير خطوهم إلى العدم من فعلهم وأحوالهم وأمورهم، فاسـتيقظت فيهم الحيـاة؟

يعود عليهم العيد، فتقطعهم الأيام لا يقطعونها، ويجددون الضياع والفسـاد، ولا يجددون بلاغا أو علما أو رشـادا. هذه هي حالهم، وهو مآل من قبلهم. إنه مآل من قبلهم لأمورهم، ذرية بعضها من بعض صلاحا وطلاحا. إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتفون، أفلو كان آباؤهم لا يعلمون شـيئا ولا يفقهون؟!!

إنها المادة، إنها المتابعة، إنه الميراث من الظلام. وإنه الحق من النور، وإنه الميراث من النور. (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[٢٦].

أين هو احترام عترته؟ أين هو البحث عن عترته؟ أين هو الرباط بين القرآن في ورق ورسـوم، وبين القرآن في فعل واقتداء وحديث يقوم؟ أين عترة الرسـول فيمن يسـمونهم أُمة رسـول الله؟ أين صحبة رسـول الله فيمن يقولون إنهم في متابعة لرسـول الله؟

هكذا هي الحيـاة على ما تشـهدون، بين ضلال يقوم وبين معرفة تصادف صادقا يطلب الله، فيضحي بنفسـه في سـبيل محبته وإيابه وعودته إلى الله الذي هو معه، والذي هو أقرب إليه من حبل الوريد. يبعث بالحق في متابعة من بعث بالحق، أولية للعابدين، وأُمة للعارفين.

في مثل هذا اليوم - من كل عام - نذكر الله، ونرجو أن نكون صادقين في ذكره، ونضحي بأنفسـنا في سـبيل الله، ونرجو أن نكون من المضحين بأنفسـهم على مذبح محبته.

في مثل هذه الأيام من كل عام، يتغير منا متغير، فيضحى نورا بعد ظلام، وإشـراقا بعد خفية، ومعرفة بعد جهل، وحيـاة بعد موت، وبعثا بحيـاة في سـابق من فناء وموت.

نسـأل الله أن يبعث قلوبنا من قبورها بمحبته، وأن يكشـف عنا أغطيتنا حتى نرى معيته لنا، وأن يقومنا على ما هو قائم في كل حي وقائم ممن أحيـا وأقام.

نسـألـه أن يجعل منا عباد رحمته، وعباد أُنسـه، وعباد حبه، وعباد إشـراقه ووحدانيته، وعباد طلعته، وعباد أحديته، وعباد واحديته.

نسـألـه أن يأخذنا منا، وأن يفنينا عنا، وأن يبقينا به له بنا.

لا إليه إلا هو، عليه توكلنا وإليه المصير. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكل عام وأنتم بخير.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة البقرة - ٥٤ ↩︎

  2. مقولة صوفية. كان أبو المواهب الشاذلي يقول: “حكم الملك القدوس أن لا يدخل حضرته أحد من أهل النفوس.” ↩︎

  3. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  4. إشارة إلى حديث شريف في الصحيحين. وكان عمر رضي الله عنه يمشي مع النبي يوما فقال له: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ” صحيح البخاري. ↩︎

  5. عبارة نقلت عن عمر بن الخطاب في أكثر من حدث منها: "كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا كبَّرَ في الصَّلاةِ سكتَ هُنيهَةً قبل القراءةِ قلتُ يا رسولَ اللَّهِ بأبي أنتَ وأمِّي أرأيتَ سكوتَكَ بينَ التَّكبيرِ والقرآنِ ما تقولُ قالَ أقولُ اللَّهمَّ باعِد بيني وبينَ خطايايَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغربِ. أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  6. سورة القلم - ١ ↩︎

  7. سورة الحاقة - ١٩ ↩︎

  8. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  9. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  10. مقولة للإمام عليّ (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  11. حديث شريف: “كما تكونوا يولَّ عليكم.” رواه الديلمي والبيهقي. ↩︎

  12. سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎

  13. سورة يونس - ٢٦ ↩︎

  14. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  15. استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎

  16. حديث شريف: “فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  17. سورة آل عمران - ٣١ ↩︎

  18. حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  19. حديث شريف: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني” أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  20. إشارة إلى مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه: “…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  21. سورة النحل - ١٢٠ ↩︎

  22. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎

  23. سورة البقرة - ٢٨٢ ↩︎

  24. سورة الفتح - ٢٩ ↩︎

  25. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  26. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي. ↩︎