(١٤)

شمس الوجود وعلميتها
على شمس الحياة لإنسان طلعتها
هو الحي في الساجدين، القيوم بالقيمة بالعارفين

حديث الجمعة

٢٦ جمادى الأولى ١٣٨٤ هـ - ٢ أكتوبر ١٩٦٤ م

أعـوذ بالقيـوم، على قائمي لأناي، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وأسـتعين بالقيوم على قائمـه لأناه، رب العالمين، مالك يوم الدين.

وأومن بالأقرب إليَّ من حبل الوريد، من لا يحاط به وهو المحيط، من لا يقوم عليه قائم، وهو القائم على كل قيوم وقائم، لمعاني الوجه له.

أعرفه وأومنه، لا غيره إليه، فالكل له، ولا عينه منه، فلا بعض ولا تبعيض له. فلا غيره إليه تعاليا فيه، وعرفانا به، وانقيادا إليه، فلا علو ولا سفل له. ولا غيره منه، فلا غير له، لمن قام منه. ولا كلـه لعينٍ لوجهه، لمن كان منه، معرفا عنه، خبيرا به، فلا شريك له، ولا كفء له.

لا غيره بوجود، في موجوده، ولا غيره في شهود، يوم شهوده.

إليه تصير الأمور بلا مشاركة في أمره. وعنه تصدر الأمور بلا تعدد لأمره. لا يُعرف بأمره، إلا لأمره، يوم يكون الإنسان أمره.

لا إله إلا هو، منه التواجد، وإليه المصير. فهو الحياة والوجود، ومنه الحياة ومنه الوجود. ولا شريك له بحياة ولا شريك له بوجود.

في دائرة الروح، وبأمر الروح، وبالروح، يقوم الكائن الحي ظلا لظلال الكائنات حية، كما يتواجد الشيء الحي ظلا لظلال الأشياء حية، كما يبعث الإنسان الحي ظلا لظلال الإنسان حيا، قياما وبدءا من عالم النشأة من أي أرض أو من هذه الأرض، لموالد الفطرة بها، هيكل إنسان هو نبات الأرض لقابل من الحيوان الإنساني، دابة الأرض وبهيمة الأنعام، ومطية الإنسان، هياكل وأقدام الحياة، لكائن الحياة، لإنسان الحياة، هو جماع الأرض وما عليها، وما حولها، من يقوم بجماعنا لأمر يصح أن يدرك لنا، يوم ندرك أننا ظلال لكائن حي، جابه شمس الحياة، وعرف علميته عليه في شمس الوجود، لشمس الحقيقة، يوم سقطت عنه الأوزار، وتحررت منه الأرواح هو لها جماع، فلا وزر بسافر فتق، ولا تعدد في قائم رتق. بعد أن جمع الشمس والقمر قاب قوسين أو أدنى، كما كان في العرجون القديم للقمر مواقيت للناس في سلوكهم وحجهم في مواجهة حقهم بلقائهم لأحسن تقويم جُعلت الشمس عليه دليلا.

فيوم تستيقظ الظلال من نومها في أسرَّة هياكلها إلى معنى الظل لمبناها لمبنى، والظل لمعناها لمعنى لمن هو كائن أكبر عُرف بمعناه لمعناها، وبمبناه لمبناها، يوم عرفتها وقد آواها ظلا لمعناه ومبناه، فارتدت إلى أحضان كائنها لكائنه بها مبنى ومعنى، فشهدت مشهده من شمس الوجود لمبناها، ومن شمس الحياة لمعناها، فبها فيها عنها لها عرفته، وبه عرفت معروفه عن شمس الحياة، وشهدتها شهادته لها، في دلالتها له عليه في مرآة وجوده، حقيقة متبادلة بينهما، فعرفتها معه خليل الرحمن، حبيب الرحمن، وعرفته لأعلى على ما عرفتها له خليل الرحمن، حبيب الرحمن، بدأت من مادي هيكل الحياة لها إلى غيبها بهياكلها لها، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[١].

وبشمس الحياة مشرقة كسبت النفس البشرية الدفء وملكت لها جذوة الحياة مشعلة، فياضة بنورها. وكسبت مضاعفة الحياة ومعارجها، يوم نبض القلب بالحياة، وترنم الحس بالحياة، ففاضت الحياة من نبع حسها، وبيت ذكرها، لاسم تواجدها، وقد اهتز القلب نابضا بالحياة رابيا بها، لفردوس ذاته وساحة قدسه بيت قبلة ومن يذكر فيه، وساحة رحمة لطائفيه ومستقبليه…

فأشرق العقل بنور الحياة من شمسها، وأمحى ظلامه، وقامت قيامته، فطاف بالبيت ودخله، وأحاط بالغيط وحرثه، واستوى إلى أرض مزرعتـه، وأدرك أحاسيس أرباب البيوت بقيام صفاتها لصفاته، فترنم البيت وأهله بالحياة، يوم انعكس البصر في البصيرة، فبعثت البصيرة بالحياة لجوارحه وخلاياه، فأدرك محيطا بأرض الحياة عن قيامة ومعارج الحياة لقلبه، فعبَّر عن بيت حسها، ترنما بقالبه لعقله، بما أدرك عنه، معنى محيطا له، بإحاطته بقلبه المحيط بذاتـه، معلما عنه كتاب معناه، مقدرا له، مُعلما به، حق قيامه، وغيب هياكله، بالمؤمنين من قومه وبيئته، فهو بيئة خلته وجمعه لاجتماعه.

بذلك كان للقلب حديث، هو حديث الحياة، وحديث كائنها، حديثا من أهله لأهلها، جمعهم رباط الحب والعاطفة، فكان حديث القلب هو حديث رسـول الله الدائم، لقائم الحياة وكائنها لمشروعها الأبدي، فهو معنى الحب والرحمة في الله أزلا وأبدا، هي من الخالق للخلق، ما تواجد له بقدرته خلق، وما قام الخلق بفطرتهم في إيمان بالله ورسوله، إنكارا على أنفسهم بصلاح قيام لدوام، رادين قيامهم لله ورسوله للقائم والقيوم، كلما قاموا في معارج الحياة بقائم لها أو بقيوم بها.

أما حديث العقل طليقا عتيقا، ووحدة البداية ووحدة الغاية، ووحدة المرجو للنهاية للقلب والقالب محيطا أو محاطا، فهو حديث الحق من الله، يتحدث باسمه محييا، قيوما بإحاطته بمقيد أرض الحياة هو عليها قائم، وبمعاني الحياة، وبصبغة الحياة عارف معلم مفيض.

فحديث القلب فيض بالحياة والرحمة والحب والحنان من رب الناس ملك الناس إله الناس، وحديث العقل بلاغ وهدى وعلم من فيـض رب العالمين في قائم الوجود، بذات الإنسان لله، بقائمه رسولا له منه إليه، أمرا وسطا لله، في لا نهائي وجوده، ولا نهائي تواجده.

وما اختلف حديث القلب عن حديث العقل، أو اختلف حديث العقل عن حديث القلب، يوم حيا القلب وأشرق العقل بمعاني الحياة. وما انقطع حديث الرسول بقلب حي إلى قلوب حية أو تحيا، وما انقطع حديث حق الله بعقل مشرق لعقول مشرقة، أو متقبلة للإشراق، على هذه الأرض وفي عوالم الروح، يوم ندرك ما في قوله تعالى {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر[٢]، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا[٣]}.

إن الله هو الناطق في العقول المشرقة مواصلا هديه ببلاغه، وإن الرسول هو المتحدث المواصل للبيان في القلوب المترنمة بالحياة، المتذوقة لكلمات الله. فالحب الإلهي من فعل القلوب، ولا يقوم إلا مع إنسان الله الظاهر برسول الله وظلا له من الروح والناس، ولا ترتبط القلوب إلا بتوفيق الله وتيسيره وفعله بها {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم}[٤].

فإذا ما اجتمع القلب الحي على العقل المشرق في الإنسان الواحد، فقد اجتمع القيوم على القائم، وتوحد القيام فيمن ليس كمثله شيء، فبعث الهيكل بحق القلب وانطلق وعتق العقل، فكانت قيامة، فظهر الإنسان ظهورا لمن ليس كمثله شيء، (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[٥]، بيتا يرفع أو بيتا يوضع.

سُئل ابن مريم يوما: يا معلم… من يكون الإنسان الذي تعنيه لأبوتك يا كلمة الله؟ فأجاب: الإنسان الذي أعني، هو الله. أما كائنه بآدمه من أرض أديمه، لشجرة نشأته، لدوام ظهوره بتواجده لوجوده، بـدءا من نبات مزرعته، وثمرة حرثه، ونهاية غرسه، فذلك هو جلباب ظهوره لسفوره بوجوده لعيانه وشهوده، وما شُهد إلا لمعانيـه، يوم أنك تعنيه، في قائم معناه لجامع مبناه ببشريته بجماعها لوحدته، حبا لربه وخالقه ومبديه في الاجتماع على حقه بالتواصي بالحـق له وبالحق منه وبالحق فيه، بيتا لله جامعا لأسمائه وصفاتـه ومعانيه، يقام باجتماع لبناته ليحل الحق فيه، بقائم من مبانيه غرفا من قلوب أحفاده وبنيه لذكر الله بها لطالبيه. تتواجد بالحب والغيرية والإيثار بمن يصطفيه، وإلى عَليٍّ يرتضيه، حقيقة تتواضع فتوضع له فيه، وبه تتنزه وتُسعد، وفيه تسرح وتسبح فتشرق به، تداني وتصعد.

بيوت ترفع يذكر فيها اسمه، ثم تتواضع فتوضع يذكر فيها اسمه. ما عُرف حق الله إلا في بيوت مرفوعة، وما تعارف إلا لبيوت موضوعة. وما عُرف في بيوت موضوعة إلا لبيوت مرفوعة، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، عز على المنال إلا بإرادته، وعز على المثال إلا بتجليه بطلعته، وجوه لوجوه، وحقائق لحقائق.

هكذا تتحدث إلينا الروح بكل روح، والرسل بكل رسالة، رفع بعضها فوق بعض درجات، باطنا لظاهر بمرفوع عنونه موضوع، بعضها فوق بعض في دوائرها لعوالمها، درجات مسحت في بعضها البعض، فلا درجات قائمة بواحديتها لأحديتها، قياما به وقياما فيه، وقياما له فيمن لا يفرق بين الدرجات بصلته ومعاملته بصفاته لذاته، ولا يعرف التبعيض لشأنه، ولا يعرف الفوقية في مطلقه لأنه لا يعرف التحتية لمقيده، ولا يعترف إلا بأحده لقيومه، والوحدانية له بقائمه، عند معروف أمره له، يعرفه له عين من عرف وعين من يطلب ليعرف، ويشرفه عين من به شَرف. العلم ساحته… والحقيقة حضرته… والحياة وجوده… والوجود شهوده.

الإنسان في الله نبيء لا نهائيه إلى مقيده يوم يعلم، وإمام لانهائي وجوده إلى لا نهائي تواجده لشهوده يوم يستقيم، استقامة طريقه باستقامته في طلبه له فيه محيطا به لا يتناهى اتساعه في سعته، باستقامة إيمانه به إيمانا بالأعلى، لخلقه وحبه في اعتقاده بمجيئه منه حالا ومآلا، جديدا لإنسان نشأته لآزال الإنسان لا بدء له، إلى تواجد الإنسان لا انتهاء له، في قيام بالإنسان لا انقضاء له، مستقبلا منه وإليه لعطاء لا جز له، فلا نهاية لتعاليه، به فيه، ولا توقف لجديده لتدانيه بمعانيه بجديد لمبانيه.

الإنسان آدم موجوده، وآدم مشهوده، وآدم تواجده، وآدم خلوده، وآدم آزاله لعين وجوده، وآدم آباده لدوام تواجده.

الإنسان… وما أدراك ما الإنسان! كيف عرفه العنوان للرحمن؟ عرفه يوم وجده يوما لله لأيام لله، يوم صار إنسانا وعنوانا لإنسان، وعنونه منه إنسان، عند من يطلب ويرجو أن يكون إنسانا، بشرا تخلص من نفسـه من دواب الأرض، فعنون الرحمة، وعنون الرحمن، حقية العبد، لعبودية الرب، لألوهية الإنسان، في لا نهائي معنـاه، للانهائي وجوده، بلانهائي تواجده، بمبناه وبمعناه، في الوجود اللانهائي حقا وخلقا.

هكذا تقوم الروح اليوم معارفها في عصر رسالتها، سافرة بمقامها الإنساني وبإنسانية ملائكته له، من إرادته بكلماته منه، مزوية لها الأرض والسماوات، مجددة ما سبق أن قدمت برسالات النبوة والحكمة، على تعاقب في أزمان، وعلى افتراق في بلدان، وعلى اتحاد في حديث من عنوان عن عنوان، بإنسان عن إنسان لإنسان.

أمر تجدده رسالة الروح اليوم، فتجدد رسالة الفطرة، وتجدد رسالة الإسلام، وتجدد رسالة رسول الله، بذاته وروحه، وظلاله بأوادمه لمعنى أمة قيامه ودوامه…

فتجدد برسالتها رسالة الله لرسل الله على اجتماع وعلى اتصال بلا انقطاع، فتجدد بذلك رسالة محمد الله، وآدم أوادم الله، وإنسان إنسانية الله، ويد قدرة الله، وكلمة الله لكلمات الله، وروح قدس الله لأرواح قدس الله، وقبس نور الله لأقباس نور الله. الذين يبايعونه إنما يبايعون الله، والذين يتعرضون لرميته مجاهدا، إنما يتعرضون لرمية لله وغضبة الله. والذين يتعرضون لرحمة الله به تحت سماء وجودهم فيـه، مستظلين بإنسانه عرش إنسان ربوبيتهم، يعلمون أنه الحـق من ربهم، الحق من القيوم على قائمه، بعين قائمه إنسانا عاليـا، وربا راعيا، ورحمة للعالمين مدانيا، كفر عنهم سيئاتهم شفيعا، وأصلح بالهم حصنا منيعا. الروح قيامه ومعناه… والروح ربه ومولاه… والروح أمته ومن ولاه.

يقوم ويتقلب في الساجدين، قياما بالعارفين، تدانيا للمخلصين، كلمات لله، وبيوتا توضع لكوثر مبناه بمسيحي الإنسان لمعناه، كتبا للـه بأوادم خلق الله، صديقا في الصادقين، فارقا في الفارقين المفرقين بين الحق والباطل غير مفرطين، وبأمرهم أمرا لأمر لله قائمين، ولأمر الله لأمرهم مستجيبين، ولكسب أمرهم أمرا منه، ربا لهم عاملين، مجاهدين، ساعين، متقين، خاشعين، خائفين، قائمين، راكعين، ساجديـن، عن ذكر الله أقرب إليهم من حبل الوريد غير غافلين، معه متعاملين، غير وانين، أو مستهترين، في أنفسهم وفي الناس أجمعيـن، مؤمنين بأن الله قائم على كل نفس كما جاء في كل دين، وكما قام عند كل صاحب يقين.

فمن تحقق له ذلك بدا به للمحبين، الموفقين، العاشقين، الذين هم معه للحقيقة على ما عرف وعرفوا لقائمها متبادلين، وفي وحدانية الله متوحدين غير مكذبين، ولا هم من روح الله يائسين، ولا لقبلة الله بالإنسان مظاهرين، ولا لأهل بيت الله حقائق الله قائمة عاملة مخاصمين، ولا هم عليهم وجوها له منكرين، بل وجوها لوجوه لله هم لهم مشاهدين، ومنهم مشهودين، ومن أنوار الله بهم من ورائهم بإحاطته نورا على نور مستقبلين، ونورا على نور مستمدين، أحواض الحياة هم، وهم لها واردين، ولحظهم منها كاسبين، ولهبات الله متفتحين غير كاندين ولا نكدين، ومثاليتهم لأنفسهم بالمؤمنين بين طالبين ومحققين.

تعالى الله عندهم عما يصف الجهلاء من الواصفين، إنما هو موصوف قيامهم كتابا عنه، عبادا ساجدين. حقية العبد لهم، هم لها، وبها قائمين، وبقيامها فرحين، وعن فردوس أنفسهم لمعاني أناهم، حـولا عنها وعبادا له، لا يبغون، ولا يتحولون. وعن ذكر الله معهم لا يفترون، وهم عندهم دوام قيام لقائم ذكره كما يعلمون، فإذا ذكروه فإنما هم به معيتهم يذكرون، ولأنفسهم ذاكرين ومذكرين، يذكرون الله وحده عابدين، ويذكِرون بالله وحده مؤمنين.

هم على الناس الأعلون، ولا يتعالون، وبالله لله يتواضعون، ومعه يتعاملون، ولوجوه الله بالناس يشهدون، وبالله من وراء الكل يؤمنون، به لا يحيطون، ومنه هم المحاطون، وبعينه يشهدون، وبفضله يصبرون، وبحكمته يحكمون، وبإرادته يفعلون، ومن عزته يعتزون، وبعزتهم منه يتسامحون ويتسعون، وبالحلم والسعة يتحلون.

أطفال الحياة يقومون ويقتدون، ورجال الله يعلمون ويعلّمون، وحكماء الله بحكمته يتبعون ويتبعون. إنهم جميعا في الله لا يفترقـون. وبما نسميه الأوطان تفرق بين الخلق هم الواحد المعنوي لا يفترقون. فتولستوي، وحاتم (طي)، وغاندي، والإيادي (قس ابن ساعدة) وطنطاوي، وبيكون، ولنكولن، وخالد (بن الوليد)، ونهرو، وراسل، لا يفترقون ولا يختلفون، ولا يفترون.

إنهم جميعا بلسان الحق ينطقون، ولمرضاته يعملون، وفي حضرته لحضرة أنفسهم من حضرته يَشهَدون ويُشهِدون، وبوحدانيته يقومـون، فبوحدانيتهم يعملون، ومن كتاب علمه عنه، بعلمهم عنهم، يتكلمون. وبعلمهم عنهم يقومون ويظهرون، ويمتدون وينتشرون. فهم ظلال الكائن، كانوه به فيه، بهم لهم، يتكونون ويتجددون، وظلالا له يتكاثرون.

والكائن بشمسه كان شمس الحياة، لموجودكم تعمهون، أنتم له تعمهون. هـوى إلى أرضكم رسول من أنفسكم بشرا خالدا بينكم، وما تشعرون. حمـل اليكم البلاغ على ما بلغتم لتعلموا، وعلى ما علم منكم عالمون بـه، بهم تتعلَّمون، فما لبلاغ استقبلتم، ولا لبيان تفتحتم، ولا لمثل بينكم قبلتم، ووراء كل مَريد من طاغية تابعتم وخنعتم، وعـن كل مجاهد صادق تخليتم. أنفسكم ظلمتم، ولها ما أحسنتم، بل حيوانا عرفتم، وحيوانا أطعتم، وحيوانا نفقتم.

فما كان الحق جاءكم هو وأهله، إلا شموس سماء العلا، وأنتم تجهلون وتتجاهلون ولا تقبلون، وتردون أحواضهم ولا تغترفون، وهم نور الله لحياتكم مشعلا، إطفاءه تحاولون. وهم شمس الحياة في سمتها تعمهون. تغذيكم بالحياة وأنتم عليها تتطاولون. إن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس لو تعلمون. فما الناس إلا نواة لوجود واحد كبير لحق هم فيه حروف عاليات، في كتاب وجوده لوجودهم، لو تدركون أو تعلمون، هم لمن زويت له الأرض، فكانت بيتا يذكر فيه اسم العلي العظيم.

فما كان محمد وآله إلا قديم الحق وجديد الناس لقادم لهم في أحسن تقويم، شموسا بباطنهم، وأوادم ونصبا وقبلة للمصلين، وبيوتا للعاكفيـن، أما الناس فهم ظلال لمعوج من أمر، أو ظلال لمستقيم من أمـر لولدي آدم بالحق على ما تقومون وعلى ما تشهدون، ومحمد وآله هم لكم نور الحياة الذي في أنفسكم تطفئون. وكيف يستقيم الظـل والعود أعوج، على ما تصنعون وتقيمون وتتابعون على ما كان آباؤكم وإن كانوا من الجاهلين، والجاهلون منهم من تتبعون، والصالحون من تغفلون؟

والشمس وراء العود الأعوج، كما هي من وراء العود المستقيم، والناس معـادن خيرهم في الجاهلية خيرهم في الإسلام. والمرء على دين خليله كما بلغكم وهداكم الأمين، فلينظر أيكم من يخالل يوم تخاللـون. والمؤمن مرآة أخيه يوم تؤاخون، فالناس أزواج من ظلال لظل لعود أعوج يؤاخون، أو ظلال لظل لعود مستقيم معه يتحابون، وله يوالون.

والكل أعواد أو ظلال هم لمن يواليهم بمعانيه قائم الحق وقيومه لمبانيه، آدم الناس ورحمة رب العالمين… وأديم الإنسان وكتاب العلم المبين… وإنسان الرحمة وحوض الحياة لأهل اليقين… وظهور الرحمن للمرحومين… وإنسان الله للعارفين… وعبد الديان للعابدين… وباب الإطلاق للعتقى المتحررين المنطلقين… وحق الوجود للخالدين… وكتاب العلم للنبيين…

وجه المعبود ويد مبايعته للشهود، وقدم سعيه، وبيت ذكره لكل مسعود… قبلة صلاتهم، ومحط رحالهم، ومعقد آمالهم. هذا من هم إليه من أنفسهم بشرا رسولا يضافون، وإليه إنسانا ينتسبون، وبه حقا يعتقدون، وفيه إليه من أنفسهم يبعثون ويتخلقون، وإلى الحق يضافـون، في كل أمة وفي كل دين بمن به يعتقدون من رسول أمين، قائم بيقين، لكوثر الحق يعرفون، وللحق به في أنفسهم ينشدون.

بعين الحق لعبوديته حقية وحقيقة، قام عليهم قيوم حقه بعين العبودية لقيومه في معراج من الله وإلى الله، يطول بنا إسناد عنعنة، لأسمائه بأسمائه، حتى إلى ذاته الأقدس، لذاته المقدس، لذاته بحقه، حتى لعين ذاته بخلقه. كما يطول بنا إسناد عنعنة لعظمة روح قدسه إلى الأعظم فالأعظم، للانهائيه لروحه، لمطلق وجوده بلطيفه.

ما خلق الجن والأنس في قائم ذاته وروحه لمعاني خلقه، إلا ليعبدوا أنفسهم وعقولهم لقيوم قائمه بذاته لحقه وروحه، لقائم قدسه بالإنسان، هو له ذاتا وروحا. لله ما في السماوات، ولله ما في الأرض، ولله ما بينهما، من كثيف ولطيف أعلامه بخلقه، لا إلى هو إلا هو، لا إلى الله إلا الله، منه التواجد واليه المصير.

إن رسالة الروح بمعارفها وبمعروفها، وبعينها لأناها معروفا لهـا، في غنية عن كل قديم مما بين أيديكم. فهي يوم تُعرِّف فليس ما بين أيديكم مما تعرفون من كتب السماء والحكمة، إلا حديثها، حديثا متصلا إلى أزل لا بدء له، وحديثا متصلا إلى أبد لا انتهاء له، بحديث قائم، دائم، منتشر، عامل، ظاهر، باطن، لا حد له، ولا حصر لألوانٍ له، ولا حصر لكسب له، ولا حصر لطريق له، ولا حصر لأوطان له، ولا حصر لأُمم له.

إن حكمتها تقوم في كل حكمة برزت من حكيم، وعلمها يقوم في كل علم عرف من عليم، وتدبيرها يقوم في كل تدبير قام به مدبر مستقيم، وأمرها يقوم في كل أمر قام به آمر عليم محلا لأمر كريم، وحقها يقوم في كل متحقق بحق، هي له الباطن وهو لها الظاهر، وهي له الظاهر وهو لها الباطن، وخلقها يظهر ويبدو في كل متخلق بخلق الأعلى ورسوله، خُلقا لخلق عن خلق لله الخالق. ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، ظاهرا لباطن، في معراج الله ذي المعارج تعاليا وتدانيا. فمعراج الوساطة عندها لها إلى أعلى لا يتناهى، ومعراج الوساطة بها لها في تدانيها إلى أدنى لا يتناهى.

إنها الحق يوم يُعرف الحق… إنها الصدق يوم ينشد الصدق، فيصدق الصادق… إنها الأمر لله يوم يُعرف الأمر لله. ولا يعرف الأمر لله إلا يوم يقوم الأمر لله، ولا يقوم الأمر لله لا شريك له إلا يوم يتجاهل الإنسان نفسه، ويذكر في قائمه ربه، يذكره معيته ممسوحا فيهـا، مسيحا لها بأناه لمعناه، بالغدو والآصال لا يفتر ولا يغفل، ولا يكن من الجاحدين، للقائم على كل نفس بما كسبت.

فذاكر الله على ما يليق بذكره، يذكره في دوام، ما كان قائما بوجود، عاطرة أنفاسه بذكره في يقظة أو في منام، ينام فيه على ذكـره، ويستيقظ به بذكره، مذكور وجوده لا شريك له، لذكر موجوده لا تعدد معه بموجود حقه، ولا وجود لغيره زاهق خلقه لمسيحي هياكلـهم، لقائم الحق بهم وجها لكله، باسمه لقيومه عند حقي عبده بقائم روحه لقدسه، وقائم أمره لشهوده برسوله.

وذلك برؤيتهم لفناء الباطل عنهم لمعدومهم وموقوتهم من دثرهم، برؤية الهو لمعانيهم أقرب الى الكل من حبل الوريد بحيه وقيومـه، معهم أينما كانوا في سبحهم بسبوحه، قائما على كل نفس لعينه لقائمها بأمانة الحياة لها، ظلا له عين قيومها بروحه لها، من ورائها بإحاطته، لإرادتها إرادة له، بوحدانيته هي له وجه، لا يشهد بعارفه وعبده في الوجود بجوهره إلا وجها له، ولا في الظلام بمخبره إلا اختبارا منه، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٦]، سواء إلى الداخل من النفس أو إلى الخارج من الكون، هاديا ومعطيا، أو سالبا ومختبرا، لقائم نفسه تتكاثـر لصانعها منه، بما تصنع فتصبغ.

لا إله إلا الله… شعار من هو لك وأنت له. وهي شعار لك يوم تشهدها محمدا رسول اللـه، يقوم ويتقلب في الساجدين، يتواجد بالنور جُعل له، يمشى به في الناس ماحيا ظلامهم، ناحرا بهيمة الإنعام لقيامهم، تطويرا لهم إلى هيكل الإنسان لمعانيهم، نفسا بنفس يتبادل ليقوم، يقتل نفسا زاهقة بفطرتها بنفسه باقية بصبغتها، بحقي فطرتها، لتبعث فتحيا، لتكون بين ظلال أناه وحق معناه. هو {الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين}[٧]، {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٨]، {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم}[٩]، {فصلِ لربك وانحر}[١٠].

فهل آمن أهل الأرض برسالة أهل السماء، يوم داناهم من السماء فريق من أهلها بين روح متجسد بشرا سويا، وبشرا منطلقا روحا علويا، عملوا متساندين، وقاموا متزاوجين، وظهروا متحدين، وما غابوا يوما عن العالمين؟ ضحوا بالنعيم، وبادلوا عليه بالشقاء بعثا وقياما بين المختبرين رحمة للعالمين، يوم دبوا بأقدامهم على أرض الاختبار والبلاء، يُذكِّرون بالله، فتنفع الذكرى من أراده الله بخير، وتغيب عمن أراده الله بضر، {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم}[١١].

وما أراد الله بضر إلا من أراد نفسه بالضر، يستعجل بالسيئة قبل الحسنة، محاجا يريد حجة على قائم الحق به بالحياة له من الحي القيوم به عليه. وما أراد الله بخير إلا من أراد نفسه بالخير، يتعظ بالمثلات تواجدت على الأرض منظورة مدركة، فاتعظ بها دون التعرض للقيام فيها مشقية، وتابعها مسعدة، بمتابعة السعداء بها، (والعاقل من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه)[١٢].

فمن استعجل بالخير لنفسه عجل الله له بالخير، فزحزح عن النار، واقتطف من الجنان قطوفها دانية بمعارج الحياة في أطوار ذاته، مطورا لها بالقيام في قانون فطرتها، بالاستقامة فيما أمر به وهُدي إليه. أُعطي خلقه، كما أُعطي هديه، فاهتدى، فتخلق، وتخلق فاهتدى، (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[١٣].

ومن هُدي السبيل سار في ركب الحياة وراء قائد ركب الحياة، إمام الناس الدائم بظلاله لظلاله، هو بها الحق القائم، وقائد العوالم، وشمس الشموس، وشموس الكواكب، وكواكب الخلق وأقمارهم، لفالحي أراضي القلوب، مزرعة الحياة، للحياة الخالدة، في مشروعها الأبدي، لمعرفة قيامها الأزلي، {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}[١٤] وراء كل مهتدي، بأي مهتدي للهادي، في أي زمان، وفي أي مكان، ومن أي أُمة. (من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك)[١٥].

بهذا قامت الفطرة، ودين الفطرة، ورسالة الفطرة، بكلمات الفطرة من الناس، وبكلمات الفطرة من الروح، وبأوادم الفطرة، بدايات الخلائق، بقائمهم من الروح لدوامه، وظاهرهم من الذات لسلامه، لتكاثره بأسمائه لظلاله، وجديد قيامه، بإنسان الرشاد، من إنسانية الرشاد، لحقي بطونه وظهوره بدوامه، لليله ونهاره، لأيام الله برحمته وسلامه، وبنعمائه وسكينته وقيامه.

هذه هي رسالة السماء لأهل الأرض… ورسالة الغيب للشهادة من السماء والأرض، من جميع مستويات الغيب إلى ما دونها من مستويات للشهادة، رسالة أزلية، قائمة أبدية، يقوم فيها، ويقوم بهـا، ويصدر عنها، من آمن بالله ورسوله، وقد عرف الرسول واجب الوجود على ما عرف ربه، وعرف نفسه، فكان نعم المؤمن عَلما على المؤمن، ونعم المؤمن مرآة لكل مؤمن، نِعم الاسم لله والروح منه، عيسى {كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه}[١٦]. فهَّمناها سليمان {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم}[١٧]. يا محمد {قل جاء الحق وزهق الباطل}[١٨]. يا أيهـا الناس لا تكونوا ممن {كفروا للحق لما جاءهم}[١٩]. {يا حسرة على العباد}[٢٠] {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم}[٢١]، {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة}[٢٢].

نزلت البسملة على كل نبي ورفعت معه، إلا محمد فقد أُعطيها له ولأُمته، فبعنونتها وقيامه بها ودوامها به لأهلها كان طابع النبيين والعلماء العاملين والحكماء الموهوبين، فقامها بنفسه كوثرا بها، وقامت بكوثره متكاثرا بها أُمته به بها قياما، وصحبة دائمة، ومتابعة قائمة إلى أبد، كما كان الأمر في أزل، ذكر محدث لذكر قديم، رسالة دائمـة بالقيمة من عترته، متجددة بدوام بيته ودوام أهله، على ما كان لآدم بكلمات الله فيه، منه إليه، وعلى ما كان لإبراهيم جعل في ذريته الكتاب والنبوة، وجعلت إقامته للصلاة أمة دائمة ومن ذريته، وبوئ مكان البيت فأذن للحج داعيا إليه به، مصليا إليه قبلة له.

من قام بالذكر، محدثا لقديم، وقائما لقادم، فهو كتاب الله الذي أحاط بكل شيء وقد أظهره الله على الدين كله، وهو سفينة الحياة أخذ فيها من كل زوجين اثنين وأهله، وهو إمام الناس متابعين، وروح الحياة لجماعهم، مسلمين وكنودين، وهو الإمام الذي أودع الله فيه المعرفة عن كل شيء، وعلمه الأسماء كلها، آدم وجوده وإحاطة موجوده. فما كان القرآن في حقيقته إلا الإنسان أو كتاب الإنسان لحياته عنه له، وما كان الإنسان إلا القرآن بقائم فطرته، وهذا عناه الكتاب بقولـه {الرحمن علم القرآن}[٢٣]، وما أراده رسول الرحمة ورسول الإحسان، يوم قال (تركت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[٢٤].

فإن أهملتم في أمركم لأحدهما، فقد فرطتم في أمركم من أمر الله، وضل سعيكم، وعز واختفى سبيلكم، وخاب رجاؤكم، وانحرفت الطريق بكم، وغاب المعراج من تحت أقدامكم إلى هاوية سحيقة، {فأمه هاوية}[٢٥] أو أمه نفس عالية، النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم يوم يكون الإيمان لهم غاية، فيقومون بالإسلام له مجاهدة لأنفسهم مستعلية عليه. {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان}[٢٦]، فالإسلام متجدد بظلاله من المسلمين له، وبسلامه للمسلمين لهم، إيمانا به حقا لهم من ربهم من الله.

فما كان باب الإيمان إلا الإسلام لرسول الله، وما كان الإسلام إلا في الإسلام لرسول الله، ولو غاب من يُسلم الناس له، لغاب الإسلام عن الوجود بـه، ولتعطلت نواميس الفطرة، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}[٢٧]، {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}[٢٨].

وما كان محمد في معاني الرسول إلا بمعناه روح القدس، بما أودع الله فيه، وأنزل معه من نوره، يمشى به في الناس، نورا بقي ولم يرفع بغيبة أول أشباحه لأوادمه، لروح قدسه لإنسانه.

أما بمعناه آدم الناس، مشهود قيام لقيامهم بسلام، فكان حقية العبد المرسل إليه، جُعل له الخلد بتكاثره من كوثره أُعطيه قديما وأزلا، لرسالته في القيام بمعناه كوثرا في الناس، دائما بالناس، متكاثرا قائما وأبدا، رحمة مهداة، وطريقا وسبيلا من الله مرتضاة، هي مـن الله لمن والاه وتابعه وارتضاه، فبعثه حقا بمعناه، {ما جُعل لبشر من قبله الخلد}[٢٩]، وله بتكاثره الفطري جُعل بتكاثره بالمؤمنين حقا يبعث في دوام، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٣٠]، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت…}[٣١] (سلمان منا أهل البيت)[٣٢]، فما عرفه الناس بعد، بمعاني الرسول إليهم، أو بمعاني الرسول منهم…

فما كان محمد إلا روح القدس السارية في الناس بالحياة، وفي وعيهم بالحكمة، وفي حكمتهم بالسداد، وفي عقولهم بالعلم، وفي علمهم بالحقيقـة، وفي عواطفهم بالاستقامة، {واعلموا أن فيكم رسول الله}[٣٣].

فما عَلموا رسول الله في قيامهم، لا قائما بينهم قيام معلميهم وعلمائهم وحكمائهم بعباد للرحمن بينهم، ولا قائما فيهم قائم روح قدس سارية بهم، لأوادمهم لوجودهم لذواتهم.

{إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[٣٤]، وقد يأسوا من روح الله، معية قيام لها بهم شهودا، كما يئسوا من روح رسول الله، روحا لقدس الله، في محدثهم، وفي معيتهم، وعين عترته، مواصلا موجودا، هو للعارفين شهودا ووجودا.

ولجوا فيما يتناقلون ويتوارثون من تحريف لكلمات الله عن مواضعها، بوصف المتفقهين تارة، وبوصف المتحققين أخرى، وذلك بما يسرون ويتناجون مـن أوهام، صادرة عن ظلام نفوسهم، في غفلة عن الله، في قائم قيامهم، إلى الله ينسبونها، وعن الله يرددونها، وباسم اللـه ينشرونها، وما هم إلا فتنة من الله يقومونها، (فقهاء أُمتي في الدرك الأسفل من النار)[٣٥]. فهم فقهاء الطاغوت.

ولو قاموا بلا إله إلا الله، هاديهم وداعيهم بقيومه بشهادة محمد رسول الله، دائـم قيام بينهم، ودائم قيام فيهم، لحقق لهم قانون الفطرة لله ما بشرهم به من لقاء ربهم، وقد وعدهم الحق بلقياه يوم يجاهدون في الله حق جهاده، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٣٦]. ولو هداهم السبيل لعرفوا إرادته، وعرفوا حكمته فيما هداهم به في قوله {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}[٣٧].

وهو يوم يلاقيه يعرف حكمة الله وناموس قيامه في قوله {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}[٣٨]، ويوم يلاقيه فيعرفه حقية العبد لحقية الرب، يقوم حقيقة في قائمه {فكشفنا عنك غطاءك}[٣٩]، وينتشر بحقه في قديمه، فيعرف الأكبر والأكبر، ويعرف أن حقية العبد له إنما هي من حقية الرب لمعناه، وأن حقية الرب لمعناه إنما هي من حقية الإله لمرتقاه في الله، وأن حقية الإله لوصف غيبه إنما هي من حقية اللانهائي في وجوده اللانهائي في حقيقته، الذي حرر الإنسان من قيده، وأقامه بإطلاقه في إطلاقه، وجعله محيطا بتقيداته، قائمة به فيه، على ما هو في ربه إلى الأعلى، فعرف الإنسان بما قام فيه، وما هُدي إليه، مراد ربه به في قوله له {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٤٠].

فلما دخل وقام، وفي الجنة أقام، عرف أنها جنتان، وعرف أنه {لمـن خاف مقام ربه جنتان}[٤١]، وحضرتان {جنى الجنتين دان}[٤٢]، جنة قيامه، قائما، في جنة قيومه، إلى جنة الفردوس له بقيوم به، على قائم فيه، جنة قادمه. فعرف أن الله خلقكم وما تصنعون، وما تعملون، وعرف حكمة الله ونعمة الله، ورحمة الله، في هديه {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٤٣]، {فكشفنا عنك غطاءك}[٤٤] وعظمة الإنسان وحقيته في قوله {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}[٤٥]، {ما كـذب الفؤاد ما رأى}[٤٦]، {وكان فضل الله عليك عظيما}[٤٧]، {وأما بنعمة ربك فحدث}[٤٨]، (بشر ولا تنفر، يسر ولا تعسر)[٤٩].

فسبح اسم ربه الذي خلق، ثم سبح اسم ربه الأعلى، ثم سبح اسم ربه الأكرم، الذي علم بالقلم، فقام اسما لربه، واسعا لحقه، واسما لمعلمه، فنزه الله وسبحه، وسبح بمطلقه في المطلق للوجود، كلما انطلق، وكلما تحرر، وكلما لرقبته من النار عتق، ومن القيد أطلق، وبالحرية سعد.

يتكاثر ببدء به يتواجد، قيوما على قائم، في جنة عرضها السماوات والأرض، ثم ينطلق من جنته لقيامه بجنان نفسه لنفسه في نفسه، إلى ما فوق السماوات والأرض، فيعرف ربه، ويعرف نفسه، ويعرف داعيه، ويعرف رسوله إليه، ورسوله منه، ويعرف نبيه له ونبيـه منه، ويعرف آدمه له وآدمه منه، ويعرف داره لنفسه، ويعرف وجوده، ويعرف بيته لقلبه، ويعرف قبلته في نفسه، وقبلة نفسه في قبلته لقبلتها، في ذي المعارج، للمطلق اللانهائي.

ذلك كله يوم حيا قلبه لقالبه، فاتجه بقالبه، عالما وعبدا إلى كعبتـه بقلبه، بيتا يذكر فيه اسم الله، فاجتمع بقلبه على قالبه، وبقالبه على قلبه، متوحدا، واجتمع بواحدية قلبه وقالبه على أحدية معنـاه لعقله، ونوره، وحياته، فعرف الله، يوم عرف نفسه، (من عرف نفسه عرف ربه)[٥٠]، {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهـو حسير}[٥١]، {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}[٥٢]، {دنا فتدلـى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفـؤاد ما رأى}[٥٣]، {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى}[٥٤].

وجها لوجه، وحقا لحق، الله من ورائهما بإحاطته، سدرة منتهى بواحديـة في أحدية رجاءً يرتضى، وحقا ينشد، وقائما يطلب في لا إله إلا الله، إليه المصير، محمد منه رسول الله، به تستقيم الأمور، وتتعالى المدارك والعقول، وبه تستقيم وتحيا القلوب، وبه تستقيم وتشتعـل وتشرق النفوس، وبه تقوم القوالب، فتتسع وتتطور وتنتشر خلقا من بعد خلق، وتتحقق حقا من بعد حق، وتحيا حياة من بعد حياة، وتتواجد وجودا من بعد وجود. لا إله إلا الله، هو الحق وإليه المصير، محمد رسول الله، نعم الهادي ونعم الدليل.

اللهم يا من محوت عن محمد محمديته خلقا إلى محمديته منك لك حقا، ووضعت عنه وزره بخلقيته، وبعثته بحقك، ذكرا قديما قامه لنا حديث ذكرك، لعليّ اسمك، لقيامك وحكمتك وشامل رحمتك، وداني هديك، وقريب حقك، اللهم به فألحقنا، اللهم به فابعثنا وحققنا.

أظهرت به أزل الإنسان، لإنسانية الرشاد لك، في حضرة صمديتك، بقائم أحديتك، وكشفت به عن وجوه واحديتك، اللهم لا تتركنا لأنفسنا، وألحقنا بنفسه، ظلالا لـه، وعوالم ربوبيته، وإنسانية إنسانه لإنسان إنسانيته.

به آمنا حقا منك ورسولا إلينا، ورحمة مهداة منك لنا، وبه آمنا إنسانا لك وإماما لنا، به آمنا، وأنفسنا له ملكنا وعبدنا. اللهم امـحُ ظلام نفوسنا إلى شرف نوراني نفسه، وأدخلنا في قيامه ووجوده وحقه وحسه نفوسا مطمئنة، دخلت في عبدك وجنتك لشهود جمالك وجلال طلعتك، واجعلنا فيه أطفالا وأجنة، به ننمو، وفيه نتطور حتى يتواجدنا ويتكاثر فيتوالدنا.

بذلك أعلمنا وبشرنا وأخبرنا وعَلمنا على ما علَّمتنا بعلمه فعلمنا، وعرَّفنا على ما عَرفتنا بمعرفته فعرفنا.

اللهم به فاهدنا، وبه رحمة منك فتولَنا، وهدية منك مقبولة به فاقبلنـا، وارضنا بهديتك به لنا، قانعين به ظلالا له سيرا إليك ووجودا فيك، ودخولا في وحدانيتك، وشهودا لأحديتك، كتاب علمك، وحق قيامك، وإنسان وجودك، ووجه طلعتك، ويد نجدتك، وقدم سعيك.

ها نحن نشهد أنه لا إله إلا الله، بشهودنا لنا محمدا رسول الله، وها نحن نشهد محمدا رسول الله، بشهودنا له لا إله إلا الله، اللهم بـه فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بكسبنا، اللهم به فادفع عنا من البَلاء ما نعلم وما لا نَعلم، وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعـز الأكرم، اللهم عاملنا منه وعاملنا به برحمتك، وعافنا به من إقامة عدلك، وقنا به شر غضبتك، لا إله إلا أنت سبحانك منك الأمر وإليك المصير.

أضواء على الطريق

من حكمة الروح المرشد (السيد فيزر) لدائرة الجمعية الإسلامية الروحية بالكويت. خدمة السيد المهندس محمود الحوراني والسيد الوسيط منير الأعور:

(أتابع كلامي معكم عن الشر، بأن له عدة وجوه ليظهر فيها، وفي بعض الأحيان لا يظهر سوى قليل منه، والباقي يكمن داخل أنفسكم. وعندما يعاملكم شخص بما ظهر من الشر، فكلكم تعلمون وتعرفون أن هذا العمل شر، ولكن كثيرين من الناس يقبلون الشر الغير المنظور، فالشر الذي يمكث في قلوبكم، هو الذي يسكن أفكاركم، وهو الذي لم يظهر. إن هذا الشر أقوى من الذي يظهر لأن هذا الشر إذا ظهر كان بإمكان الإنسان أن يتعلم منه، وأن يواجهه بشتى الطرق لإصلاحه، أما الشر الداخلي فلا إصلاح له، إلا بالاتجاه إلى الله بفكرة سليمة ليجد الإنسان عند الله الدواء.)

{في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا}[٥٥]، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}[٥٦].

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  2. سورة لقمان - ٢٧ ↩︎

  3. سورة الكهف - ١٠٩ ↩︎

  4. سورة الأنفال - ٦٣ ↩︎

  5. مقولة صوفية تتناغم مع خلق الله للإنسان كخليفة لله. ↩︎

  6. سورة البقرة - ١١٥ ↩︎

  7. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  8. سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎

  9. سورة الرعد - ١٥ ↩︎

  10. سورة الكوثر - ٢. ↩︎

  11. سورة الأنفال - ٢٣ ↩︎

  12. حكمة مشهورة تتوافق مع مقولة للإمام علي كرم الله وجهه “السعيد من وعظ بغيره.” ↩︎

  13. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  14. سورة الإسراء - ١٥ ↩︎

  15. مقولة للشيخ ابن مشيش. ↩︎

  16. سورة النساء - ١٧١ ↩︎

  17. سورة النمل -٣٠ ↩︎

  18. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  19. سورة الاحقاف - ٧ ↩︎

  20. سورة يس - ٣٠ ↩︎

  21. سورة الأنبياء – ٢، ٣ ↩︎

  22. سورة الجمعة - ١١ ↩︎

  23. سورة الرحمن ٢-١ ↩︎

  24. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي: ↩︎

  25. سورة القارعة - ٩ ↩︎

  26. سورة الحجرات - ١٧ ↩︎

  27. سورة الاسراء -١٥ ↩︎

  28. سورة إبراهيم - ٤ ↩︎

  29. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  30. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  31. سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎

  32. حديث شربف. أخرجه الطبراني، والحاكم في “مستدركه”، وأبو نعيم الأصبهاني في “معرفة الصَّحابة”، والبيهقي في “دلائل النبوة”. ↩︎

  33. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  34. سورة يوسف - ٨٧ ↩︎

  35. إشارة إلى حديث شريف ذات صلة: “مررْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي بأقوامٍ تُقرضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ من نارٍ، قُلْتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: خُطَباءُ أمتِكَ الذينَ يقولونَ ما لا يفعلونَ ويقرؤونَ كتابَ اللهِ ولا يعملونَ بِه.” أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلي. ↩︎

  36. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  37. سورة الانشقاق - ٦ ↩︎

  38. سورة مريم - ٩٣ ↩︎

  39. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  40. سورة الفجر - ٢٧-٣٠ ↩︎

  41. سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎

  42. سورة الرحمن -٥٤ ↩︎

  43. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  44. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  45. سورة الملك - ٤ ↩︎

  46. سورة النجم - ١١ ↩︎

  47. سورة النساء - ١١٣ ↩︎

  48. سورة الضحى - ١١ ↩︎

  49. حديث شريف: “بشروا ولا تنفروا يسروا ولا تعسروا”. صحيح أبي داود ↩︎

  50. عبارة اشتهرت بأنها حديث شريف، هي عبارة للإمام عليّ كرم الله وجهه: “من عرف نفسه فقد عرف ربه.” ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٣. المكتبة الشيعية. ↩︎

  51. سورة الملك - ٤ ↩︎

  52. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  53. سورة النجم - ٨ - ١١ ↩︎

  54. سورة النجم - ١٥-١٧ ↩︎

  55. سورة البقرة - ١٠ ↩︎

  56. سورة الرعد - ١١ ↩︎