(١٥)

مشيئته لعفوه بإنسان رحمته
عطلت قضاءه بعدله لإنسان عزته
في قائم الوجود بالحق لإنسان فطرته
شفاعته عنده لإنسان صبغته ورسول حكمته
المعركة الخالدة بين الإنذار والإنظار

حديث الجمعة

٣ جمادى الآخرة ١٣٨٤ هـ - ٩ أكتوبر ١٩٦٤ م

لا إله إلا هو، في الدارين.

له الملك وله الحمد، في العالمين.

الحاكم والمحكوم في الدائرتين.

الأزلي الأبدي لباطنه وظاهره في الدهرين.

الظاهر والباطن، في الحضـرتين.

الملك الحـق المبين، في الإمـامتين.

الحـق الأحـد في الأخـريين.

الموجـود الواحـد في الدنيين.

الظاهر في كل شيء لكل شيء، في الوجـودين.

المعطي لكل شـيء خلقـه وهـديه، في الكتابين.

هو في السماء إله، وهو في الأرض إله، وهو دواما الأقدس للقدسين.

لا إله إلا هو، غيب كل وجود، ووجود كل غيب، منه الحياة وإليه المصير.

(الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه)[١].

هو الخير وهو الأمر. ومنه الخير، ومنه الأمر. ومنه الحق والخلق. وإليه يصير الخلق، وعنه يصدر الأمر. جلت قدرته، وتعالت عن الإدراك عظمته. وتنزهت عن الإحاطة إحاطته. وعزت على النوال لغيره عزته.

ما أشرقت طلعته إلا لعين وجهه وطلعته، ولمن هدى بمن اصطفى من أهل حضرته، وجه ربوبيته لحقي عبوديته.

ظهـر لعباده بعباده، رفاق لأعلى، في حقائق لحقائق، وخلائق لخلائق، توحـد لها فيها بموصوف غيرها، باسم خلقيته… ظاهرا لباطن من حقيقته، بوجه أحديته، لعلمية وحدانيته.

الأولى والآخــرة:

يوم تبدل الأرض غير الأرض تصبح الأرض بما تكون آخرة لأولاها بما كانت، {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}[٢]، {وأشرقت الأرض بنور ربها}[٣]، وكذلك يوم تُبدل السماوات غير السماوات لتصبح أخرى بما تكون لأولاها بما كانت.

فحيث الكائنات في حجاب عن أمر الله، لهم بهم، فهم في أولاهم. وقد أوحى في كل سماء أمرها، بفطري إنسان لها، يحشر معه فيه أهلهـا. وكذلك الأرض، أتاها أمرها لتشرق يوما بنور ربها، يوم يقوم أمره عليها في سفور لها، على ما هو حالها عند أهل البصائر بحقيقتها وحقها.

وحيث يحشرون في أمرهم من إنسان فطرتهم، ورسول غيبهم لشهادتهم، فهم في أخراهم، سواء في الأرض أو في السماء، أو في وجود جامع لوحدة السماوات والأرض. وما أُخراهم هذه إلا دنيا مرتقاهم، بلا حد وبلا توقف وبلا انتهاء.

إن القانون الجامع تحت سلطانه للذرة والفلك، هو القانون الجامع للإنس والجن والروح والملك، وهـو القانون النافذ على العلقة ومن صدرت عنه ومن آلت إليه. فإذا كانت الذرة فلك تجسد من طاقة، فإن الفلك ذرة تواجدت من قدرة. وإذا كانت العلقة عين من صدرت عنه ومن صدر عنها عينها، هي الأمر الوسط بينهما والعروة الوثقى لهما، كان ما قبلها وما بعدها علقة لما قبله أو لما بعده.

فإذا ما تمت لشيء أو كائن نعمته، وتوفاه قانون الفطرة بمطلقه، للأعلى إلى عين شهوده به له، فهو في جنة حقيقته، عرضها السماوات والأرض، دار عمله ومقامه، مشرقة بنور الله له فيه ربا له، (آخر من يخرج من النار يعطى عشر أضعاف هذه الدنيا)[٤]. وهذه هي العبودية للأعلى في حقيتها، والربوبية للأدنى في حقيقتها.

ذلك كله لمن خلقوا أزواجا، بقوالبهم لقلوبهم متوحدين، آحادا لوجود تعددت وجوهه لأفراده، إخوان على سرر متقابلين، تواجدوا في قوالبهم مـن سلالة من طين لجلودهم، ثم من سلالة من نار لنفوسهم، ثم من سلالة من نور لعقولهم، ثم تجمعوا على ذكره، بيوتا لاسمه ترفع وتوضع، قلوبا متوحدة وقوالب منتظمة في مواضعها وعملها بنفوسهم وذواتهم، لحقائقهم من الروح جمع جمعهم، وواحدية اجتماعهم، وأحدية حقهم.

أولئك من أُعدوا لروح الله، من أُعدوا لدائم الحياة، يوم ينفخ الله بروح الحياة الخالدة له في أسوار ذواتهم لتسقط عنهم أوزارهم، لتسقط عـن نفوسهم حجب المادة فيحسوا بروح الحق في روعهم، في باطنهم، روحا في روح، وحياة في حياة، أمرا مدركا لأرواحهم، نورا على نـور، نور الحياة لنشأتهم، ونور الاهتداء بالعلم يقودهم إلى نور الحق يتواجد فيهم، رويدا رويدا، أسماءً له، وأعلاما عليه، ووجوها منه لرائيه، مزحزحين عن نار التكوين إلى نور المكون، وهذا هو بدء الحياة بموالد الفطرة من أرض النشأة، لقيام النبوة للأبوة.

وإذ يجتمع نور الحياة لقيامهم قائما بهم، ونور القيوم عليهم أعلام قيامه لقيامهم، لقيومه لجمعهم، فيهتدي نور قيامهم لمعناه نورا من الله، يوم يهتدي بنور رسول الله قيوما لإدراك المدرك لأناه، به قائما، ولحقي معناه، لقيوم نور الله، لقائم نوره معه، به لقائمه، للسماوات والأرض، هو نواة لجديد عالم بها، فجرا مشرقا على أرض قلبه، وبيت خلافته لعقله، لهيكله هيكلا للسماوات، لمعنى قالبه، لحقي قلبه لأناه بيتا لربه، وعرشا لملكه.

بذلـك يهتدي الإنسان ليستوي على عرشه من قائم ذاته، بقيوم عقله قبس نور الله لهيكل الوجود بقائم هيكله {الحمد لله رب العالمين}[٥]. فما كان الإنسان، وقد خلقه الله لنفسه هيكلا ضئيلا ليترك سدى، فما كان في أمسه وهو علقة، وهو نطفة، وهو مضغة، وهو طفل، وهو صبي يُرعى، وهو فتى يُهدى، وهو رجل يُوجه، وهو شيخ يُحكَم، ما كان في خلقه بأمسه سدى، فكيف يكون في غده لأطواره سدى!

لقد خلقه الله، لينمو وينمو، ويتطور ويتطور، ويكبر ويكبر، ويتسع ويتسع، وينتشر وينتشر، بدءا من أولاه بعصر وعصر، من عمر وعمر، يطول ويطول، وهو مهما طال فهو القصير، فهو اليوم لا بـل الساعة، لا بل اللمحة، أو البارقة في الدهر من الزمان، {والعصر إن الإنسان لفي خسر}[٦]، مواصلا إن بدأ التواجد بكوثره من التكاثر بكرات رابحة أو خاسرة، بآخرة وآخرة، لآخرة خير وأبقى.

ييسر الله للإنسان أمره بالوجود، المرة بعد المرة، ويغذيه بالحياة وبروح الحياة، وبنور الحياة، الكرة بعد الكرة، حتى يتمم بعمله ومن عمله له نوره، ويكمل له باستقامته نعمته، ويقوم له بصفائه فطرته، فيتوفاه إليه باصطفائه وجه طلعته.

يعطيه من أسمائه وصفاته كفايته، فتصبح بعض أو جماع أسمائه وصفاته الحسنى أسماءً صفات له، ويصبح هو الاسم الأعظم الجامع لها، ووجه الأعلى لحضرته، وعَلم وعِلم المطلق لكتابه ورسالته، وظاهر الغيب للقائه، وعين غيب الوجود لكتابه، الوجود دار قيامه وظاهر سلطانه وسلامه.

هذا هو إنسان الله لإنسان الناس لمعانيهم، ورسول الله من أنفسهم فيهم، لغيبهم بقيامهم ملأ أدنى لملأ أعلى، لوصفهم بشرية لإنسانيته.

فهو إنسان الناس لمعانيهم بمعارج الروح، لشهادتهم بالنفوس والعقول، في دثر الأشباح لعوالم دورهم لوجودهم، وقائم الناس لغيبهم، متجمعين مع بعضهم البعض متوحدين، وقيوم الناس برسول الحق بهم لرحمتهم لبعضهم البعض راحمين، وبه مرحومين، وحقائق الناس لحقيتهم دانين وعالين، عالمين ومعلمين.

هم به وجه الحق لوجه الحق، لوجوههم كاشفين وناظرين، وبيت قبلتهم مصلين ومستقبلين، وكعبة حجيجهم وافدين وعاكفين، وحول نصب مثلهم طائفين ومفتقرين، وجذوة نفوسهم بعملهم موقدين ومشعلين، وليل سباتهم فيه ساكنين ومغفورين، وشمس نهارهم به موصولين ومواصلين، وقمر عَلمهم وعِلمهم منه فيه لعرجونهم إلى قديمهم به لنورهم مستكملين، وفي مرآة حاضرهم بالإيمان، مؤمنا لمؤمن عارفين، أهلة سابحين، بمعايير ومواقيت نوره للناس في منازلهم، من مكانتهم ومعارجهم، لغاياتهم معرفين مدركين، ومقروئين، وللكتاب قارئين ومرددين، عطاءً غير مجذوذ طالبين، ورقيا لا ينتهي حامدين، في معراج الله ذي المعارج عاملين، لا يحاط به ولا يتعطل خلقه وحقه مؤمنين، لا يمتنع على طالب نعماؤه راجين، عن اليأس والقنوط بعيدين، وعن الظلام مزحزحين، وعن الجهل مبعدين.

منه الأمر وإليه المصير، وفيه المسير، لا إله غيره لحاضر الناس، ولا معبود سـواه بقائم الناس لقيام الناس، أو بقادم الناس في قائم الناس، أو في قديم الناس بإنسان الناس لقائم الناس.

الأرض أولاهم لنشأتهم لأناهم من الذات في الهو، منها يخرجون وإليها يعودون وبها يحيطون وعليها يخلفون وعنها يتعالون. والسماء لحقهم أولاهم لطريقهم لرحمتهم بالهو لهم روحا لروح عنها ينشقون، ثم هم إلى الأرض مرة أخرى، آخرة لنشأتهم، لتمام دورتهم يعودون. بسماواتهم بأمورها فيهم، هم عليها بصحبة يتواجدون، وبخلافتهم عليها وفيها وحولها يقومون، ثم هم تخلقا بأخلاق الأعلى عليها يخلّفون وعنها يتخلون.

تزوى لهم الأرض بانزوائها فيهم، وطيها لهم بمعانيهم، وفي هذا معنى الآخرة لدنيا سماواتهم، مجيئا لأمورها لأمر لله، يبعث بالحق في قيام من الخلق، تواضعا لا ضعة، وتدانيا لا هبوطا، لقيام وجود جامع لملك من السماوات والأرض.

يتواجد إنسان الله على الأرض بمجال ووجه جامع لوجوه ومجالات، أحد في صحبة من وجوه له، وجمع في أحد لهم، في سماوات عليائهم، إليه في حقي معناه صاروا، ارتقوها لا تكبرا، ولا استعلاءً، ولا إنكارا على الحق، في قائم قيام لهم في عوالمهم، في معراجهم لمرتقاهم إلى تمام معنى الحق لهم، بلقائه مشهودهم لمعيتهم بيـوتا توضع لترفع بمن تستخلص، أعلاما على بيوت رفعـت بمن خلصت، وبشرى للبنات آدم تتجمع بيوتا بنفوس وذوات، تتوحد بقلوب وأرواح وآيات.

عباد الرحمن هم من عرفوا الله، في عليائه، وتعاليه، وتنزيهه، وقربه ومعرفته لأنفسهم وتعريفه بأنفسهم، كما عرفوا الله في تواضعه، وتدانيه، وتشريفه. دنوا بأقدام سعيه، وقد بسطوا أيدي رحمته، تحت بيوت مبانيه، لظهوره لظاهره بقبلته من الإنسان، بآدمه ورسوله، متجددا متكاثرا بنصبه وظلاله من الناس لآدمهم.

ويوم يتجه المصلي إلى قبلة الله بالإنسان طلبا لله واتجاها إليه يراه الرائي عينه لعين رائيه، بلطيف خلته فيه بهم فيهم، ومعيته لهم بهم وصحبتهم لهم، وجها لوجوه بقيوم الحياة، لقائم الحياة فيهم بهم. بالحق أنزلناه - لهم - وبالحق نزل إليهم فيهم، فتخلقـوا بأخلاق الله متابعة لمن تخلق بأخلاق ربه، عرفه فلاقاه يوم طلبه فداناه، فشهده في رسوله إليه، رآه جماع الناس، وكل الأحوال والأجناس.

جعله قـدوة لهم وقدوة بهم، يوم أظهرهم لمن أظهره على الدين كله، وقد أظهر به للناس كافة الدين كله يوم أشهده أن الله قائم على كـل نفس بما كسبت، وأمره ليُعلِمهم بما علم، ويعلّمهم كما عُلِّم، فشُهد به لطالبه ورائيه، بإيمان بالله ورسوله له فيه، لناظر لله ورسوله فيه، بكشف الغطاء عنه لبصيرته، ليبصره، ليرى الله ورسوله معه فيه إنسان الله، لإنسان الله لراجيه، وعين المتحاب معه فيه إنسان الله لعبوديته، لإنسان الله لربوبيته، وجوها لإنسان الله لقدسيته، ظاهرا لباطن لإنسان الله لحقيته، أحد من آحاد، وحق من حقائق من إنسانية الله بالرشاد لحضرته. هذه هي أقانيم الفطرة كما تعرفها وتعرفها رسالة الإسلام مع محمد الله وحقه، لحقية العبد له منه فيه.

فإذا بدلت الأرض غير الأرض، فكانت بآخرتها السماوات، بدلت السماوات غير السماوات، فكانت دنيا وجودها، لآخرتها لوجودها، ظلا لأصل نشأتها، وذلك في شهودها لظهور خليفة غيبها على أرض نشأتها، ودار رعايتها، لعين معناها لقيامها وقيومها، في قائم ملك السماوات والأرض في وحدانيته لأحديته، بقانون الفطرة {جعل ربك تحتك سريا}[٧]، {فتلقى آدم من ربه كلمات}[٨].

إن النظر إلى الأرض حضرة شهود وقبلة وجود… وإن النظر إلى السماوات حضرة وجود، وقبلة شهود، أمران في الله لا يتعطل لهما فعل، ولا يجد عليهما جديد في أمر، ولكنه أمر يتكشف لمن يتكشف له في السماوات أو في الأرض، بفيض الأقدس من الذات، والأعظـم من الروح للمشاهِد والمشاهَد من علم الله، ومن رحمة الله، بعطاء الله، رحمة مهداة.

فإذا قلنا السماوات أو الأرض، فإنما نعنى أهل السماوات، وأهل الأرض. والذي نعنى بذلك إنما هم سكان الأجرام والأفلاك من السيارات وتوابعها، ومن النجوم ودوائرها، وهذا أمر مستقل عن معارج الروح المجرد وعوالمه، ودرجاته وآحاده وإطلاقه وحقائقه.

فإذا صاحب أهل السماوات حضرة رحمته مخلفة على الأرض عرش ظهورها، كان ذلك هدية من الله لهم، عن طريق رسلهم في عوالمهم نظروها، بمصاحبتهم لهم لاقوها، وحضرة لله عرفوها، فقدروها مهبطا للوحي من الإطلاق آمنوها، وإنسانية لله أدركوها، فحرصوا على متابعتها، فورثوها، وبالأعلى من الحق خلَفتهم فخلفوها {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}[٩].

وكذلك إذا شهد من الأرض شاهد وجه الحق في عليائه، سيد سمائه، ومحيط أرضه، مع رسل عالمه بمصاحبتهم لقيه، فعرفه معيته لنفسه برحمة الله له، رحمة مهداة، كان له حضرة لقائه، وقيام صلاته، ويقين خلاصه ونجاته.

شهده رحمة الله، وحقية الله، التي علمها وأعلمها بقيامه بعلميته عليها عبدا لله، ورسولا لله، وحقا من حقائق الله، وهذا ما قامه بيننا محمد الله ورسول الله، وجماع رسل الله عَلَما عليه، وقدوة فيه، وعلَّمه بكتابه وسنته، عليم الله، وخبير الله، من أظهره الله على الدين كله روح قدس الله، في صحبة روحه لأعلاه، وأمين الله ذاتا وروحا بمعناه لوجه الله، فتابعناه، وتبعه كل متابع في مسراه لمسراه، ومرتقاه لمرتقاه، فأحبه ومتابعيه، فأحبه بكل من فيه، فكانه فكانه، فاستخلفه فخلَفه، في دائرة ملكه في واسع ملكه بعاليه من السماوات والأرض له، في واسع السماوات والأرض للأعلى، فكان في ذلك سعادته وسعادة أمته لعين قيامه ومعناه.

بـذلك كان الإنسان يوم يكمل له معناه، بأسماء الله يقومها كرة بعد كرة، ودورة بعد دورة، في جلابيب من طبيعة، ومن طبيعة، ومن طبيعـة، من طبيعة الظلام، ومن طبيعة النور، ومن طبيعة النار، ومن طبيعة الروح، ومن طبيعة الأثير، ومن طبيعة الجمود بالجمادات، ومن طبيعة اللطافة بكل المستويات، ومن طبيعة الحركة بالحيوان، ومن طبيعة القدرة بالإنسان، ومن طبيعة الإرادة بالروح، ومن كل طبيعة، حتى تتجمع الطبائع إلى الأنا الجامع، لظاهره بالواحدية للوجـود، ولباطنه بالأحدية للموجد، إلى الاسم الأعظم جماع الحسنى من الأسماء والصفات، للظاهر والباطن، (المؤمن مرآة المؤمن)[١٠]. وهذا ما عناه معلم الوجود، ورائد الكائنات، ومظهر إرادة الغيب بقوله (تخلقوا بأخلاق الله)[١١]، وقوله (اعبد الله كأنك تراه …)[١٢].

وما كانت أخلاق الله لنا، نشهدها، أو نعلمها، أو نقومها، إلا أخلاق رسوله بيننا، عرفناها وعرفناه يوم تابعناه وشهدناه… فأحببناه، فقامنا بقيامه، وخصنا بسلامه، وحل بسكينته، وانتشر بنوره، ولاحقنا بنظراته، وأحيانا بأنفاسه وعباراته، وقامنا بحقائقه وكلماته، وأيقظنا من نيامنا، بامتداد نوره، لفجره ويقظته، وإحساسه، فكنا لـه الكوثر والحال، وكان لنا من الله الحق والظلال، والكيان الحي والمثال.

سجدنا بسجوده، وقمنا بقيامه، وركعنا بركوعه، وقعدنا بقعوده، وسرنا بمسيره، وتواجدنا بوجوده، قائد ركب عوالمنا إلى خالقنا وعالمنا، ومنشودنا، وقيومنا وقائمنا، لا إله إلا هو عرفنا إليه المصير، فطلبنا أنا إليه نسير، حتى أنّا إلى أسمائه أعلاما عليها لها نصير مؤمنين بالمؤمن بنا، موجدا لنفسه لنا قيوم قيامنا، مظاهرا بإحاطته لنا، مبرزا بمعاني الوجه لوحدانيته، بحصن لا إله إلا الله، لقيوم حضرته، بشهود محمد رسول الله لأحديتنا به، حقائق الله، لبيت ذكره العاكف فيه والبادي، وقائم طلعته لدائم قبلته لبيوت مدينته، في مطلق وجود الله لآحاد حضراته بحقائقه.

قام كل بدء للخليقة، بآدم مصطفىً من آدميته، ليكون مظهرا لإنسان اصطفائه، إنسانا في الله من إنسانية الرشاد لحضرته. فكان معنى الإنسان لآدم، عند آدم، هو سبقه بإنسان ربوبيته، إنسان في أحسن تقويم. وكان معنى آدم عند إنسان ربه، له فيه، إنسان لحاقه من عالم الخلق والتكوين، به عنده يعرف. فتصاعد آدم باصطفائه لمقـام الحق له، لمعنى إنسان ربه، خليلا وحبيبا للرحمن. تصاعد من طبيعة عالم الخلق والتكوين إلى حقيقة عالم الرشاد لحضرة الله، في معية راعيه من الإنسان في أحسن تقويم، يدانيه في معراجه، متلقيا لكلمات من اللـه، منه إليه فيه، لعينه بمعانيه، جُعلت له مجاهدا تحته سريا، وجُعلت له مرحوما فوقه رضيا.

رضيها بحقها لفوقيته بحبه وإيثاره، حب الأب لبنيه. وقبلت ورضيت أن تكون تحته لسريانه ومعراجه بنفسها تفتديه، بإيثارها وإيمانها به ربا ترتضيه، حب الولد لأبيه، حتى استوفت نفسه معارجها بأمورها، وتوفي إنسانه لذاته إلى كماله أبا عين الأبناء، وأبناء عين الآباء، وما بينهما منهما لهما، إنسان وحدانيته للعلمية على حقه في أحديته.

بالأسماء الحسنى له دعوناه، على ما هي لإنسان ربوبيته على ما بلغنا وعرفناه، وفي معارجه وأطواره لعين حكمته وأحواله وصفناه، ولإضافة أنفسنا إليه طلبناه.

تواجدت كلمات الله لآدم أبناءً له، وحقائق متصاعدة فيه وحوله وعليه، حتى تمت الكلمات بأمور بالأرض والسماوات لداره وفردوسه، فتصاعد في عوالمها مستخلفا على ما ترك، حتى استوى على عرشها لجمعها كريما مصطفىً ومن الأعلى مخلَّفا.

توفاه الأعلى، وأمسكته يده متوفى، فخاطبه أبناؤه من كلمات الله له، حيث هم، شوقا إليه وحنينا للاجتماع عليه حيث هو (أبانا الذي في السماوات)[١٣].

وخاطبهم من عليائه، رائيا مراد العلي عليه بهم في عليائهم دونه، لا فرق بيني وبينكم، متوجها لجمعهم في تواجدهم، أهل بيته، وعين قديم حضرته بهم، لحضرته معهم، وقد تخلى مرتقيا، ومنهم لهم عليهم مستخلفا، كلمة بعد كلمة، استيفاء لمعناه لأناهم لتمام معناهم على ما استوفى معانيهم، بجماع أسمائه الحسنى لاسمه الجامع للأسماء الحسنى لأناه بهم، مستخلفين على الأرض والسماوات، أمور اللـه عليها، منفقين مما استخلفوا عليه من حكمة اللـه ومن نعمة الله، ومن علم الله، ومن قدرة الله صحائف كتابه الجامع، وحروف كلماته التامة، وكلمات حديثه المتصل، عن عَلمه الواصل المتواصل، بمعلوم آدم عن ربه، من علمه عن نفسه، رسول الله وتمام كلمته، لجماع كلماته.

قال الإنسان الكامل الرشيد لظلاله بأوادمه بعين معناه لكوثر معانيه، قال لهم بالحق له فيهم ومن أعماقهم، أنا منكم قريب، ولكم مجيب، وعليكم لست بغريب، معكم أينما كنتم، معكم تولجون في الأرض أرضا بعد أرض، ومعكم تعرجون في السماء سماءً بعد سماء، ومعكم في سمائكم الدنيا تمشون على الأرض مصابيح أهلها، من أبنائكم ورواسي طبيعتها أن تميد بكم، بنور الله أفاضه ويفيضه عليكم من خلالي، وقد استكملت أحوالي لأحسن تقويم، كما أفاضه عليّ يوما من خلالكم كلمات منه إليَّ مني لمزيد بكم.

وها أنا بفيض من نوره إليكم أعود بجديد، ليتواجد بكم نور الله بعلِمه وعلَمه على نور الله، لأنوار نشأتكم، لتظهر بكم أنوار اهتدائكم وهديكم. سبحوا الأعلى الذي خلقني وخلقكم، وحققني وحققكم، وسوى بيني وبينكم، لا إله إلا هو إليه المصير، (السير إلى الله له نهاية والسير في الله لا نهاية له)[١٤].

إن الآدمية قديمة بقدم الإنسانية… وإن الإنسانية قديمة بقدم الوجود… وإن الوجود قديم بقدم الموجد… وإن الله بوجوده يتسع ويتعدد، وذلك بمعانيه بالإنسان تنتشر وتتجدد، منزه عن القدم، كما هو منزه عن الحدوث، كما هو منزه عن التعدد، وعن المشاركة، وعن التبعض والتشتـت والمجانسة، ولكنه الإنسان به لمعاني حقه بأسمائه وصفاته لظهور حضرته لحضراته.

فالوجود قابل للتجدد، كما هو قابل للسعة، كما هو قابل للجديد بمعانيه. وبذلك كانت الآدمية والإنسانية متقبلة بوصفها وحالها لما تَقبل له الوجود، أصلا لها بقديمه، وفرعا عنها بقادمه.

بذلك كان الله وهو ما وراء الوجود ظاهرا به قابلا للتعالي. كما هو قابل للتداني بما يقوم به بالوجود، مجددا لمثاله، أو موسعا له، أو محدثا فيه.

فالأحد الأزلي من إنسانية الرشاد لحضرة الله، بمظهره بالأحد الأبدي لـه، هما في أحديتهما قيوم القائم بالأحدية لنا في قائم وجودنا حقا متعدد الحقائق بظلاله في قائم أحديته لنا.

هذا هو إنساننا وحقنا وهو ما يعنينا من أمر أنفسنا، بدخولنا في ساحة هذه الحضرة الواحدة بحضراتها لمعارجها تعاليا وتدانيا عظمة ورحمة، كشفا للأزل الإنساني بمعارجه له يبعث في أنفسنا، في قيام للأبد الإنساني يتجدد لنا بنا منا فينا.

هذه هي الفطرة، جاء محمد الله وإنسان الله بدينها حقا مرسلا، حمله أمينا محمد الروح حقا لأنفسنا في أنفسنا شهدناه، ليكون لنا بمحمد الناس قدوة أنفسنا لاقيناه، ورسولا من أنفسنا عرفناه مبعوث آدم بيننا خلقا وحقا، تائبا مهتديا بالحق قدرناه وأحببناه وتابعناه، وقد كشف الله لنا به عن قوانين الفطرة للآدمية والإنسانية في الوجود الأزلي الأبدي له كشفا لأنفسنا طلبناه وانتظرناه، به عرفنا ما كان من أمر آدم وبنيه، ومن أمر الإنسان وكلمات الله له منه إليه فيه.

صعد أبناء آدم من خلاله إلى الأعلى له على ما شهد محمد من معراجه يوم عرج به، وقد صعد هو بحقه من خلالهم إليه حتى لقيه لمعناه والأعلى فخلفه عنه ليسبح في المطلق اللانهائي، ثم ارتد إلى إخوته من آدم وأوادمه فاجتمع عليهم فيهم عندهم رفيقا وأعلى وحقا له، وظهر بهم لأممهم رفيقا وأعلى، فعرفناه حقا مجردا، وحقا مرسلا، وحقا مرسلا إليه عرفناه لأنفسنا فيه، لنعرفه بمعارجه منه فيها لنا، تمام كلمة الله، وإنسان حقه لوجوده، من جعل الله معنى المسيح لظلالـه، أبناءً مكرمين وآباءً مصطفين، وجعل معنى كلمة الله لكوثره بعترته متلاحقين، لا عن زوجة ولا والد أو ولد متواجدين أو متجددين.

{وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته}[١٥]، اختبارا من الأعلى للأدنى، وجدل نفس عن نفسها، مجادلة لربها، في رفع كلفة معه لعينهـا، لمحيطها، لرحيمها، لأصلها، لأبوتها بنوعها، لإنسان حنانها، فقد علمته لنفسها الأكبر من نفسها.

{تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}[١٦]، نفس تعترف بعجزها وبقصورها أمام الأعلى، وتشهد لإحاطة ربها، وتقييد أمرها، مدركة لقائم وقيوم علمه وصفاته فتقول له بأناها لعين أناه {أنت علام الغيوب}[١٧] متوجهة لأناه له ليس غريبا عليها بعين معناه لها، وهذا قانون فطري للوجود يكشف عن حال كل أعلى يوم يخاطب الأدنى، وجواب ووعي كل أدنى يوم يقف بين يدي أي أعلى.

يومئذ تقدم كتابها بيمينها، وتبرز لربها امتثال أمره لأمرها، وهو عالم بالسر والنجوى من فعلها، ولكنها بإنسانها في قصورها، لعليها وعن عَليها تقول {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به}[١٨]، وهي إذ تردد الإشـارة إلى ما أمرت به لعالمِه ولمن صدر عنه، إنما تحاول الدفاع عـن نفسها ليكون مسموعا عند من نسبوا إليها ما ليس فيها ولم يصدر عنها، لأنهم فيه ولم يخرجوا عنه، وفي هذا مواصلة لرسالتها وبلاغها من أنها ما حرفت الكلم عن مواضعه في أمرها، ولا اختلجت في شأنها فضلت بين الناس في سعيها، ثم تفصل ما فعلت وما هو معلوم لسامعها من إحاطته بها، {أن اعبدوا الله ربي وربكـم}[١٩]… أن اعبدوا الله مخلصين له الدين، أن اذكروا الله لا شريك له، أن وحدوا الله ولا تكونوا بوجود لكم بأشيائكم شركاءه في أمره، إذ لا شريك له من أمركم الذي هو أمره بكم، ولا شريك له من وجودكم، ولا من إرادتكم، ولا من ظلامكم أو نوركم، أو جهلكم أو علمكـم أو حكمتكم، فهو من ورائكم بإحاطته وحكمته وإرادته وقدرته. له الأمر، وله الحكم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء… لأنها إذ تخاطب الله، إنما تخاطب الوجود. وفي الوجود يسري خطابها لأنه صادر مـن لسان وفم الوجود، (إذا كنت بين يديه علمني كلاما أخاطبه به)[٢٠].

إن الله وهو مصدر ونهاية كل أمر، هدى سبيل الضلالة بحكمته، وهدى سبيل الاستقامة برحمته ومنته. هدى شاكرا إلى قيامه بإيمان، وهدى كافرا إلى عرفان قيامه بكفران. من عَرف نفسه بالكفر عرف ربه بالحلم والسعة، ومن عرف نفسه بالإسلام والإيمان عرف ربه بالرحمة والإحسان، ومن عرف ربه بالإحاطة عرف نفسه بالنعمة، ومن عرف ربه بالعلم عرف نفسه بالحق.

ومن عرف نفسه بالحق عرف ربه باطن عبده، فعرف اسم الله له وجها للمحيط والإحاطة، جماع الرب والعبد وجها الأزل والأبد له فيه منه، فعرف أن الخلق الأبدي مظهرا للخالق الأزلي، فقام بالحي القيوم لمعناه، فعرف الخالق باطن الخلق، فتعارف للخالق إنسانا لإنسـان، ولقي الأكرم الذي علم بالقلم رفيقا وأعلى، فعرف عن المنزه، وآمن بالأكبر، ولقي الأدنى في مجابهته ومشاهدته {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٢١] وجها للأعلى فالأعلى من الله في مرآة من الأدنى، والأدنى في الله.

بكل هذا جاء دين الفطرة… بكل هذا جاء رسول الفطرة… وبهذا وبأكثر منه من المعارف عن الله جاء كتاب الله وحديث رسول الله، كما قام به رسول الله، وقامت به عترة رسول الله بيانا له وإفاضة به، كما قامت به وجوه الله لكل أُمة جديد رسول الله لجديد الإنسان، روح قيامه وشعار كتابه وسلامه.

كما قامت به حقائق الله في كل مكان بقيام عباد الرحمن، مشوا على الأرض هونا ويمشون، وعن المجيء إليها بحالهم، وجماع أحوالهـم لا ينقطعون، وعن التذكير بالله وبربهم منه لا يفترون، وعن نشـر رحمته لا يتوانون، وعن السير بنورهم في المحبين، وفي المخاللين، وفي الطالبين، وفي المجاهدين، وفي المفتقرين، لا يحجمون، ولا يعجزون.

هم غيب قيام الناس في شهادتهم قائمين أيدي الله، هم بوصفهم للكل هـم لأيديهم باسطين لمن يريد أن يبايع الله وهو كل الحياة بإنسانه على نفسه بهم. هؤلاء هم الدين، بكل لسان يتحدثون، وبكل مكان يظهرون، ومن كل أمة يبعثون.

فإذا أسفر أمرهم وقد بُدلت الأرض غير الأرض، يومئذ يجيب الناس الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا. يومئذ لا كتاب، ولا حديث، ولا بيان، ولا خلة، ولا بيع، ولا يد لله تبسط، ولكن يد لله تظل، ويد لله تقل، ويد لله تبطش، ويد لله تجمع، ويـد لله تعدم وتفني، ويد لله تحيي وتبقي. إنه يوم الفصل، يرث الأرض من عباده الصالحون، هم عليها ظاهرين، وما خرجت عن حوزتهم يومـا بأهل اليقين، أمرا معروفا في كل دين، تجاهله الطاغون، وجهله المظلمون، وخاصمه الظالمون.

اتقوا الله يرحمكم الله، {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}[٢٢]، يوم يكون الأمر كله ظاهرا لله، لا حجاب، ولا مثال، ولكنه الله وكفى، وعبده ورسوله الذي اصطفى، والمؤمنون ممن استوفى أو يوفى، {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}[٢٣]، إنا لله وإنا إليه راجعون.

يومئذ ينظر المنظرون، ويجاب المنتظرون، ويعمل فيها ويقوم عليها السابقون، مبعوثين على ما هو قائم، وما تشعرون أو تدركون وهو ما يدركه ويعلمه ويشهده المؤمنون، ويقدمه في دوام بعلمهم وهديهم العارفون. ولا يلتفت إليه الناس لأنه غير صادر من الحاكمين، فهـم يسمعون للكراسي ولا يشهدون الجالسين ليروهم من الإنسان أم من الشياطين (اعرف الحق تعرف أهله)[٢٤]، {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}[٢٥]، (الناس على دين ملوكهم)[٢٦].

{ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}[٢٧]، وقد جمعهم في دوام برحمته، ووحدهم أزلا وأبدا بحكمته، وأيدهم في أمرهم لهم بعزته، ووجههم هاديا بنصرته، وقومهم منعما لكلمته، وأعدهم محققا لطلعته، وهيأ الأمر محكما لساعته، مقيما بهم للقيامة بالحق وفاءً وجزاءً بحكمته، رافضا دعـاء أهل الغفلة باسم طاعته، يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة مرتابين في قدرته، فقبل شفاعة الرحمة بمنته، وعطل رد أفعال الناس إلى نحورهم بعدالته، منظرا ممهلا، غفورا برحمته.

فأخر اليوم لغضبته، كلما وقع عليهم القول لكبير بطشته، كما فعل في كل أمس لرسول رحمته، وكما يفعل له كلما جدده بينهم بجلدته بناموس حكمته، فاستجاب له في جديد أمره، على ما استجاب له في سابق أمره، فأخر يوم الفصل لقادم من موعود يوم، {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم}[٢٨]، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}[٢٩].

يعمل دائما بيوم رحمته، ويؤجل دائما ليوم بطشته، ويحذر دائما بيوم هدايته من يوم غضبته، وممن يغضب، من لا تخالف إرادته، ولا تتعطل مشيئته أو تعلو قدرة على قدرته، ولكنه دفع الله الناس بعضهم ببعض، بنافذ إرادته لشمول رحمته بمحكم حكمته.

{ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٣٠]… {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}[٣١]، {وما نُرسل بالآيات إلا تخويفا}[٣٢].

عجل الله في أمس ليوم قيامتكم بمحمده وحقه أمة وسطا بنصرته، واختبركم في إيمانكم وقد جعله كافة لكم. فإذاكم عن أمره المارقون، وعن حقـه الغافلون، ولكتابه الهاجرون، إلا من رحم وقليل ما هم. وها هي أحداث الزمان تتجدد، والجاهلية الثانية تقوم وتنتشر وتتجدد، وقد تعرضت الدنيا في عصركم ويومكم هذا لوقوع القول عليها، لقضاء ظهرت مقدماته، وبدت إرهاصاته، لوقوع القول عليكم بفعلكم، فكان لزاما أن تكون منكم أمة تدعو إلى الخير باجتماع جمع على روحه عاملة بينكم، فرد الله بشفاعته وهو دائم رسول رحمته، عنكم ما كان سيكون باستجابة قيومه على قائم روحه لرسالته أمين ربه، وقيوم نعمته، يداني الأرض باختياره لتجديد رسالته، الخير فيه وفي أمتـه. {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٣٣]، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[٣٤]، وإنها به لقائمة وإن قل عديدها وغاب عن الجمع أمرها.

يا سيدي يا رسول الله… ها أنت فيهم في دوام بمثال وظلال بكل قوم هاد، ولكنهم مظاهروك، {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم}[٣٥]. هذا أمرهم {والله متم نوره ولو كره الكافرون}[٣٦]، وهذا أمر ربك، فما يكون من مآل شانئيك!؟

ها أنت فيهم بجديد من أمرك استجابة ممن إليه يفتقرون، وعليه في ظلال لك يجتمعون، ولله في أنفسهم عليهم بك يستغفرون، وفي الله معهم برحمته أنت يجاهدون، والله لقائم وقيوم وجهه ينشدون ويطلبون، ولشعار دعوتك وشعار رسالتك بلا إله إلا الله يرفعون، ودائم حضرتك بالله أكبر يقصدون، وهم بلا إله إلا الله يقومون ويوقنون، وبمحمد رسول الله مع أي ظل له في أنفسهم يؤمنون، والله في الكونين، وفي الدارين، وفي الحضرتين، جمعهم، فيهم، فيه، في أنفسهم، برحمته، طالبين، وإليه جائرين، وإن كانوا قليلا ما هم في الوجودين… إلا أن الله جعل بهم رحمته في العالمين.

اللهم برسول رحمتك فارحمنا… اللهم به فاغفر لنا، وقوم فيك سبيلنا، وقوم به جوارحنا، وأحيِ به قلوبنا، وضع عنا أوزارنا إلى جديد من دثاره، واكشف عنا أغطيتنا إلى قائم من وصاله، وأنر أفئدتنا، واكشف الغطاء لبصائرنا عن بصيرتنا، وأوفر نصيبنا من غفرانك على قدر ما توفر نصيبنا من سوءاتنا وزلاتنا، وأخطائنا بنكرانك، في إنسان معيتنا لإنساننا لعين إنسانك.

اللهم إنا نسألك برسول رحمتك أن تولي أمورنا خيارنا، وأن لا تولي أمورنا شرارنا بما كسبنا.

اللهم إنا نستغفرك، ونحمدك ونثني عليك الثناء كله، وبرسول رحمتك إليك نتوسل، وإليك نتوجه أن تأخذ بيدنا إلى طريق هدايتك لنسير إليك بك فينا ومعنا ولنا.

اللهم به فاهدنا إليه السبيل… اللهم به فانشر بيننا به الدليل، اللهم افضحنا ولا تسترنا حتى يتميز الطيب من العليل، فنتابع الطيب ونتجنب الخبيث، ونعرف بذلك من أنفسنا أمر الخبيث منها، وأمر الطيب لها.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

من حديث للسيد الروح المرشد (السيد فيزر) بدائرة الجمعية الإسلامية الروحية بالكويت خدمة السيد المهندس محمود الحوراني والسيد المهندس منير الأعور وسيط الدائرة بجلسة يوم ٢٤/١٢/١٩٦٤.

(السلام عليكم ورحمته وبركاته.

إن حياتكم اليوم على هذا الكوكب كانت نتيجة لعدة عوامل طبيعية، كان مصدرها النار والماء، ومن ثم الله المحيط بكل شيء وهو على كل شيء قدير وهو المدبر لكل شيء. ومع مرور الزمن ينتشر بين هذه الأوادم ليكون هناك مرحلة من المراحل التي ستمر فيها هذه الروح للتصفية. وإنما هذا الكوكب الذي أنتم عليه الآن مليء من الأسرار. ولم يصل لها بعد هذا الإنسان بل هو في الطريق لاستكشافها، إنما يا أبنائي هناك قوة وهي التي سماها العلماء باسم قوة الجاذبية المتحركة بحركة هذا الكوكب، وهذا العامل هو الذي يميز عالمكم عن الكواكب الأخرى.

أما في البداية يا أبنائي وجدت هذه الأرض لتكون محطة ليمر عليها هذا الإنسان نحو الأسمى بواسطة هذا الجسد المادي، كما أن إنسان اليوم لم يكن بهذا الشكل الذي تعرفون أنتم، كان كل هذا نتيجة لرحمة الله التي تكون مستقبلكم، وهي التي بإذنه تم تغيير البشرية على ما هي عليه اليوم. لم يمر في تاريخكم أن فكر الإنسان أن يكون بإمكانه أن يقوم بفكرة انفصال هذا الكوكب عن الشمس لارتباطه بفكرة الجاذبية التي قد انتشرت بداخل هذه الأرض، ومرت سنين على هذا الكوكب الذي تحيط به هذه الجاذبية، ومنذ وجد هذا الإنسان في البداية وهنالك عدة مراحل وحلقات وحلقة من الأصل حتى تبوأ اليوم له مكانا بين الكواكب الأخرى. وكان هذا الإنسان البدائي كل همه أن يعيش ويحارب قوة الطبيعة ويملأ أوعيته من حاجاتها ليعيش.

أبنائي… ما زال هذا الإنسان في طور التطور. بإمكاني أن أوضح لكم أكثر في هذا الوقت. إن هذا الإنسان البدائي سار في حياته البدائية ليهيئ لنفسه الحياة والمعيشة على هذا الكوكب، وبقي مرتبطا معه في حياته المتواصلة بعدة مرات. ومن هذه الحياة انطلق ليؤدي رسالة البقاء للإنسانية ويحافظ عليها ثم فتحت له أبواب المعرفة، وبفترة قصيرة من الوقت كان متوفرا لديه معظم حاجياته البدائية. ومن الأصل كان تفكيره قد اتجه لناحية واحدة لأنه كان يخاف عوامل الطبيعة، ويختار من يخافه ليعبده رمزا لهذه القوة، عبر عنها بالخدمة والجمال. ومن ثم اتجه تفكير هذا الإنسان أن يكوّن في هذا الكون عبادة أرقى وأسمى يوم وعى أن يبدأ ليسأل نفسه إلى أين تكون النهاية.)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف ذكره الشعراني في “لطائف المنن” مشيرًا إلى أن الحكيم الترمذي رواه في نوادر الأصول، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي، وكذلك تفسيرات بعض الصوفية للقرآن الكريم بنص: “إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم”. ↩︎

  2. سورة النحل - ١ ↩︎

  3. سورة الزمر-٦٩ ↩︎

  4. في إشارةِ للحديث الشريف “إنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  5. سورة الفاتحة - ١ ↩︎

  6. سورة العصر – ١، ٢ ↩︎

  7. سورة مريم -٢٤ ↩︎

  8. سورة البقرة - ٣٧ ↩︎

  9. سورة الإسراء - ١٠٥ ↩︎

  10. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  11. استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎

  12. من حديث شريف مجمع على صحته جاء به جبريل عليه السلام عن معنى الإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك”. أخرجه البخاري في صحيحه. ↩︎

  13. الصلاة الربية في الإنجيل: لوقا ١١: ٢. ↩︎

  14. مقولة صوفية عامة، وغالبا ما تعود إلى مولانا جلال الدين الرومي. ↩︎

  15. سورة المائدة - ١١٦ ↩︎

  16. سورة المائدة -١٦ ↩︎

  17. سورة المائدة - ١٠٩ ↩︎

  18. سورة المائدة - ١١٧ ↩︎

  19. سورة المائدة -١١٧ ↩︎

  20. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  21. سورة البقرة - ١١٥ ↩︎

  22. سورة إبراهيم - ٣١ ↩︎

  23. سورة التوبة - ١٠٥ ↩︎

  24. قول للإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. مجمع البيان: ١ / ٢١١، روضة الواعظين: ٣٩. المكتبة الشيعية. ↩︎

  25. سورة الحج - ٣ ↩︎

  26. ذكره الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار قائلا: “وقد مضت سنة الاجتماع في تقليد الناس لأمرائهم وكبرائهم، فكل ما راج في سوقهم يروج في أسواق الأمة، وإذا كان حديث «الناس على دين ملوكهم» لم يُعرف له سند يصل نسبه ويرفعه، فمعناه صحيح وهو ضروري الوقوع في الحكومات المطلقة الاستبدادية”. ↩︎

  27. سورة الشورى - ٢٩ ↩︎

  28. سورة هود ١١٠ ↩︎

  29. سورة الأنبياء - ١٠٧ ↩︎

  30. النحل - ٦١ ↩︎

  31. سورة النساء - ١٤٧ ↩︎

  32. سورة الإسراء - ٥٩ ↩︎

  33. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  34. وسورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  35. سورة الصف - ٨ ↩︎

  36. سورة الصف - ٨ ↩︎