(١٣)

أمر الله
يسفر لمجاله لله كلما تخلى أمر لأمر
أمر تكنز احتجابا لتعاليه، وأمر أسفر بداية لتدانيه
فكانت ساعة للقاء، وقيامة لإنظار وجزاء
يشهدها أهل البصائر، من ساكني العوالم والحظائر
حظيرتنا وعوالمها في دورة أمر لتمام، يتخلى لقيام أمر ببأس وسلام

حديث الجمعة

١٢ جمادى الأولى ١٣٨٤ هـ - ١٨ سبتمبر ١٩٦٤ م

بلغت الأرض زخرفها على ما تشهدون، وازينت كما ترون، وظن أهلها أنهم عليها قادرون كما تتناجون! فهم من قدرتهم عليـها مشفقون! وعلى سلامة لها من قدرتهم يتحدثون! وللسلامة لها منهم يرجون! وعلى تدبير لسلامتها بأجسام يجتمعون ويتلاقون، وبقلوب يتنافرون ويختلفون! وهم من أمرهم يرجفون حتى لا تذهب هباءً بين أيديهم!، أو تتمزق أشلاء تحت أرجلهم! وهم بما وهموا من قدرتهم يتباهون ويتفاخرون! ظنا منهم أنهم العلماء العاقلون! والمتمدنون المتقدمون! والمتطورون التقدميون! وأصحاب النظر البعيد على ما يزعمون! وهم المطففون، والميزان يخسرون، وبموازين أنفسهم لا يقسطون، ولها لا يحفظون، وعليها لا يحافظون، وبها لا يحتفظون.

هم على هلاك أنفسهم، بأنفسهم وبحماقتهم يعملون، وعلى الهـلاك يتزاحمون، وبه يتفاخرون، وأيهم أقدر على إهلاك نفسه بوهم إهلاك خصمه بما يصنعون يتباهون، وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالـوا إنما نحن المصلحون. حقا! أليسوا هم بهيمة الأنعام يتكاثرون، وللأرض يعمرون، وبنعمة الغيب يكفرون، إيمانا بأنفسهم علـى ما يقومون، وبلاد المتخلفين عن مدنيتهم يستعمرون وأهلها لهم يخضعون!

وهم في واقع أمرهم جنسهم يذلون ويحتقرون. ونور الله لقلوبهم يطفئون. هم في أوطانهم طاغون، وعلى مواطنيهم وغير مواطنيهم يطغون. وبيوتا غير بيوتهم أهلها لا يسالمون، وعليهم لا يستأذنون يوم هم بغير حق وبحق يدخلون. يخربون بيوتهم لهياكلهم بأيديهـم وما يشعرون. ويحملون أوزارا مع أوزارهم وما يعلمون. وما كان المتخلفون على ما يرون إلا آباءهم مبعوثين، من كراتهم بمدنياتهم خاسرين ومنها متخلصين ولهذه الكرة آملين بها مدخلا للحياة يرجون، فهم بفعلهم لنور الله فيهم وفي أصولهم وفروعهم يطفئون، والظلام باسم العلم ونور العلم ينشرون وينصرون.

طغاتهم بجهلهم لجنسهم يرودون، وقطيعا لهم من الجهلاء يسوقون، وساحات الهلاك لهم يدخلون، وبالخصومة المترفعة على شرف الجنس، وبالحقد والعناد بدل الحب والأُنس يتناجون، وبالخسران المبين باسم الإصلاح والصلاح يتواصون، فيُهلكون قطيعهم، ومع الهالكين يهلكون.

الهاوية آخرتهم على ما يعملون، والموت نهايتهم على ما يعلمون، والحياة دائمة لهم هم عليها لا يحرصون، وعلى كسبها لا يعملون، ولأهلها لا يسمعون، وحكماءهم لا يطيعون، وعقلاءهم لا يتابعون، على بقائها على حالها لا يبقون.

لا يستطيعون مضيا في أشباحهم من دناهم، ولا إلى أهلهم بشرف الحياة يرجعون على أحياء موتاهم يجتمعون. وهم مع ذلك كله المؤمنون، الصالحون المصلحون، والمسيحون المسيحيون المختارون، والمسلمون الصادقون الفارقون، والإنسانيون العاملون العالمون، المناصرون المؤثرون. وهم بلجاجتهم وغيهم عن أمرهم لهم بهم ومعهم بينهم يعمهون.

فماذا بعد ذلك ينتظرون، إلا أن يأتيهم أمر الله بسفور؟! وهو آتيهم حتما بسكرة الموت على ما يوقنون، وعلى ما لا يعلمون، فيتكشف لهم أمرهم بأمر الله، فإذا هم المبلسون المجرمون. ولكنهم في الجدل حول الدين باسم المصالحين والمخاصمين غارقون، وبالسيئة قبل الحسنة يستعجلون. وقد خلت من قبلهم المثلات، فما يتعظون.

أليس الله بقادر أن يهلكهم على ما يشاؤون؟ وهم عند مشيئتهم منه هم الهالكون ردا لأفعالهم إليهم على ما يفعلون، وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا بفعل أهلها ظالمين، وبوجهتهم غافلين، وبهاويتهم بوهم العالين، وتعالى الله عما يصفون. وهو القادر على أن يذهب بهم هالكين، ويأتي بقوم آخرين. ولو عرفوهم الظالمين فغيروا ما بأنفسهم مما يتعشقون لغَير ما بهم وبدلهم لأمثالهم صالحين.

إن وهما من علاقة بالحياة على خيال من الظن بها بزعم العلم عنها يقيمون. وبالظن يتفلسفون ويتمعلمون، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا يوم يدركون. يوم تأتي سكرة الموت بالحق لما كانوا ينكرون، يوم يتكشف لهم أمرهم فإذا هم المجرمون المفسدون، في أمر أنفسهم {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[١]، وما يشعرون. ولو أنهم ماتوا قبل أن يموتوا على ما هدوا مبشرين، فشهدوهم بالحق مبعوثين، لواصلوا بظاهرة الموت حياة المكرمين.

{ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}[٢]، {تلك إذن كرة خاسرة}[٣]. ولو أرجعهم ببعث على حالهم التي كانوا بها يعملون ليغيروا ما بأنفسهم إن كانوا صادقين، لعادوا إلى ما نهوا عنه كاذبين فيما يزعمـون ويدعون. ولو علموا عنهم كما هدوا بكل دين لتبين لهم ما قدمت أنفسهم من بهتان مهين، وما تأخرت عن عرفان بيقين، فاستقام أمرهم في حياة الروح عاملين، وحياة الفطرة مستقيمين صادقين، وترددوا بين الحياتين مجاهدين حتى تتوحد لهم الحياة في أحديتهم لأحدهم راشدين.

سبـحان الله وتعالى الله عما يصفون، وعما يقومون، وعما يدركون، والحمد لله الذي هدى بهذا لهذا من هدى من المسلمين. الحمد لله الذي هدى المهتدين في كل دين، وأنار قلوب الصادقين باليقين، وأورد الماء ماء الحياة للمفتقرين الصاوين[٤]، وأطعم من موائد الحياة الضعفاء والمساكين، وآوى إلى أحضان رحمته وعزته اليتامى المشردين، فأظل بظله يوم لا ظل إلا ظله، المتقين لغضبة عدلـه مؤمنين، عاملين برسالة الحق بالعابدين، طلبا للانهائية وجوده بجوده آملين، على ما هدوا بكل طريق، وبأي دين، المتقون لأنفسهم في غفلتها عن معية اليقين، مظاهرة منه، مستقبلة له، بحق اليقين…

والله من ورائهم كما هو من أمامهم، والله من فوقهم كما هو من تحتهم، والله عن شمائلهم كما هو عن أيمانهم، والله فيهم كما هم فيه لو يعلمون عن أنفسهم كيف يقومون، وكيف يحيون، وكيف يعقلون، وكيف يعملون على ما علم منهم عالمون، وعرف بينهم عارفون، وقام عليهم بأمرهم قائمون.

الله هو الله لا يحاط به، ولا يتعادل معه، ولا يتغلب عليه، ولا يقهر، ولا يظلم، ولا يعلل، ولا يسبق ولا يتجدد، وهو وحده العدل الذي لا يظلم، والجود الذي لا يرد عن بابه نداء، ولا يخيب لطالب عطاء، أو لعامل جزاء، أو لراج رجاء.

فعظمته في قدرته على أنه على ما أرادته الكائنات والأشياء كائن بكائنها، متواجد في أشيائها بشيئها لمشيئتها على ما شاءت، فلا شيء إلا وهو به منوط وبسره الساري محوط.

والله برحمته وقدرته لكل شيء على ما شاء الشيء في كل مشيئة له، فلا كائن إلا وهو له. وهو الكائن لعينه في عينه له. والله معه برحمته وقدرته على قدر ما منحه من قدرة ورحمة هي له على ما هو كائن، وعلى ما يريد أن يكون، فهو في دوام عين كائنه على ما يكون. فكائنه علة العلل للحياة وللوجود، وهو مناط الطلب للصلاة وللشهود، وهو كتاب العلم للحكمة للوجود.

الله… الله… الله… مع الصغير والكبير فيه، وهو له فيه في الظاهر والباطن من أمره، في المعلوم والمجهول من وجوده، في المدرك وفي غير المدرك من عوالمه، في القائم وما وراء القيام، وما بعد القيام، من حقه بخلقه، ومن خلقه لحقه.

الله… إنما هو لا إله إلا الله. وبذلك كان الله عند من كان لا إله إلا الله، يوم رآه بلا إله إلا الله، الله، وعرفه وجها لله، فكان الله عنده لمعارجه هو الحق الأكبر له من الله، يوم تابع فيه رسوله وحقه على ما عرفه، بمعروف له…

فتحقق له ما تحقق لرسوله على ما علمه، يوم شهده لأناه في وحدانيتـه وأحديته ظاهر غيبه ووجه مطلقه، فآمن بذلك وأكثر لرسوله من قبله، ثم اتقى الأكبر والأعلى في عظمته، سعيدا بالدخول في كنف رحمته، بالانضواء تحت لواء رسالته بظاهره وباطنه، فعرفه في حقيته وفي خلقيته بنعمة الله له رسول الله، قامه وبالحق أقامه، فقامه وأقامه المحمد الرسول قائما به، هو كوثر قيامه، وباب سلامه، فأشهد محمدا رسول الله قيام أمره، وشهد أن محمدا رسول الله قيام رسالتـه عند من لم يقمه على ما قامه. وقام وعمل يد الله ووجه الله، والحق من الله لطالبي الله يوم شهده به أنه لا إله إلا الله، فعلَّم لا إله إلا الله لأهلها وطالبيها، قائم رسول الله بها.

فبالشهادتين أكبر وقدر رسول الله يوم أكبر وقدر معاني عبده ووجهه، فقدر الله حق قدره، فأكبر رسول الله على نفسه، وقام في رسول الله نفسا مطمئنة، فناءً فيه ودخولا في نفسه عبدا لله قام بعظمة العبد له. فلما قامه محمدا الرسول بقاءً به، وعرفه على ما عرفه محمدا رسول الله، عرفه عبدا لعبد، رجل سلم لرجل على ما كان الرسـول مع الرفيق الأعلى، فوجده مع الرسول عبدا لرب، وعرفه حقا لحق، وعرفه كبيرا لكبير، وعرف أن الرب عبد، كما أن العبد رب، فعرف الله أكبر، وعرف أن الإله للإله، وأن الرب للرب، وأن العبد للعبد، أمور لله لأمور لله. فأدرك ما في حكمة الرسول من عمق بحديثه (المؤمن مرآة المؤمن)[٥].

فما كان المؤمن عبدا بحاله ومقامه، رآه فيمن يؤاخي هو مرآة قيامه في الإيمان بالله لهما، رأى حال ومقام عبوديته برؤيته لأخيه في حال ومقام عبوديته. ورآه بمرآته بأخوته لرؤية ربوبيته كذلك في رؤية أخيه في ربوبيته، وكذلك رآه في مرآة أخوته لألوهيته في رؤية أخيه في ألوهيته، ومعه رأى مؤاخيه عين مرائيه، فعرفا أن المطلق الـلانهائي خلق الإنسان أزواجا، وحققه أزواجا، وصعد به في معارجه أزواجا، وهوى به في الهاوية أزواجا. المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل، المؤمن مرآة أخيه إيمانا بحق أو متابعة لباطل، إيمانا بعلم أو اطمئنانا لجهل، قياما بوجود أو إمحاءً في عَلَم فناء إلى فناء، وطريق عدم في لا موجود.

إن الله في عظمته وبعظمته في مطلقه ما كان ولن يكون رائدا أو إرادة، ولكن كان وكائن ويكون بالإنسان إرادة وريادة، والإنسان في فنائه فيه فناء في إنسانه، وبقائه به بقاء بإنسانه إرادة إرادة منه، وريادة ريادة له. فالإنسان صاحب الريادة من الإنسان صاحب الإرادة في إنسان الله، ظلاله وارادة عنه لريادة جنسه، يوم يكون الإنسان إرادة الأعلى له، على ما سبق أن كان، إلى أزل.

بذلك كان الإنسان في غيبه وألوهيته بعيدا عن مجال إرادته وريادته وظهوره بخلافته. فالربوبية منه ظهوره بظلاله لإرادته وريادته، بعنوانه بمعاني رسول رحمته لحضرة ربوبيته، ظاهر غيبه وبادي حكمته بوجود لموجود عظمته، يطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى ذات عزته.

هدى بكتابه {اتقوا الله وآمنوا برسوله}[٦]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٧]، فكشف عن وجه الربوبية، وجعل من الربوبية ريادة، ورحمة، وخدمة، ونعمة، تعنون وجه الله، وعرف عن اختبار الله لعنـوان إرادته النافذة، وجعل من حقية العبودية عين الربوبية لعنونته بحضرته قائمة وإليه مدانية، عنونها وقدمها لخلقه بيوتا يذكر فيها اسمه، لمعاني التخلق بخلقه، بالاتصاف به في حسن صفاتـه، والاتصال بمعاني اسمه وعبده بأوادمه لأصول خلقه، يبعثون برسالته لمعاني حقه رجالا لذكره. وهدانا إليهم قبلة ووجها لشهوده، إلها وغيبا لوجوده. هدانا أن نتواجدها لنا، هي في دوام بيننا لشهودنا ويقيننا بأن نكون بها ربانيين، بما كنا نعلم ونعلم عن الله ونذكرنا له، ونذكر به، وأن نتواجدها لمعانينا في معراجنا بوحدانيته لوحدانيتنا به فيه. ونصحنا أن لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله في أحديته وصمديته، إن الله من ورائنا بصمدي إحاطته محيـط، وهو لنا معنا، ما تحاببنا وتواددنا، وتواضعنا بعضنا للبعض، وآثرنا بعضنا على بعض، فاستقام أمرنا، فقال العبد لله منا لعبد الله بيننا أنت ربي ووجه الله لي، فقال الرب منا معلما وراعيا للعبد منا مريدا لله، وعبدا لله بإيمانه بالمثل الأعلى (لا فرق بيني وبينك)[٨]، لست غيري، ولست غيرك فلست إلا عيني، ولست إلا عينك، الله من ورائي كما هو من ورائك، والله عندي أشهده من ورائك، كما تشهده بي وعندي من ورائي، نحن وجوه لله لوجوه لله تشهد الله في إنسانية قيامه، كما تشهده في إنسانية أزله، وهكذا يبقى مشهودا لإنسانية أبده. هكذا يجيء الحق وهكذا يشهد {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٩]، {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[١٠]، {أول بيت وضع للناس}[١١] أنت، وكافة للناس أنت، (ما أعطيتـه فلأمتي)[١٢]، {فاتبعوني يحببكم الله}[١٣].

الله بإنسانية أزله إرادة نافذة، وهو بإنسانية غيبه على إنسانية قيامه ربوبية راعية راشدة، كما نشهده في عبودية القيام له قيادة حكيمة، ورسالة عليمة، ووجوها كريمة، بلا إله إلا الله، في قيام قائمها، وفي قيام مشهوده وشاهده بها.

بها تُبدل الأرض عنده وعند جمعه برشادهم، غير الأرض بتغيير الله لما بهم من أمر أرض قلوبهم، وقد غيروا من جانبهم ما بأنفسهم. تحيا قلوبهم فيشهدونها بدءا لجنان، ومسيرة لجنان، جنة بعد جنة، {ولمن خاف مقام ربه جنتان}[١٤]، {وجنى الجنتين دان}[١٥]

كما يرونها نارا مبرزة، لعابديها غير مالكيها جحيما للمنكرين على معيـة الله لهم، وسجنا وسجينا للغاوين، وهاوية للطاغين، وفتنة للغافلين، ممن كانوا عن الله في أنفسهم ساهون، وعلى أمره بهـم طاغون، ولأمره لهم مفرطون، وبأمره إليهم غير عاملين، ولحقه بينهم ومعهم منكرين، انشغالا بعبادة أنفسهم دون تعبيدها للأعلى من الأمر هو لها، لقيوم الحياة على قائمها بهم.

فالجنة والنار رأى العين يشهدون يوم يعرفون، وعن النار يزحزحون، وإلى الجنة غير بعيد يزدلفون، قطوفها دانية يجنون، أو النار هم أصحابها، لها يصطلون، ومشاقها يردون، لعلهم يصلحون يوم يجأرون، ونجدة رحمته يطلبون وينادون، فتتغلب رحمته على عدله فينقذون.

مالكم كيف تحكمون؟ أتمارون من يرون على ما يرون؟ وهل تابعتموهم فلم تروا ما يرون، ولم تجنوا ما يجنون؟ مالكم كيف تحكمون؟ أليس فيكم من رجل رشيد تحكمون، ولما قضى به تمتثلون، فوراء الخبراء بالرحمن وهم كثيرون تسيرون، وتسرون، فتعلمون وتشهدون، يوم أنكم أمثالكم تبدلون، وقد غيرتم ما بأنفسكم فغير الله ما بكم مما تشهدون، فتبدل أرض قلوبكم فتحيون، وتَشهدون وتُشهدون؟

مالكم بآيات الله من أنفسكم، كلما أبدى تجحدون؟ وكلما أبرز تكفرون؟ وكلما قارب عنها تبتعدون وعنها تُباعدون؟ أما آن لكم أن تفيقوا أيها الغافلون المستهترون؟ هُديتم أن موتوا قبل أن تموتوا، وأنتم للموت كارهون، وللموت بالحق لا تتعلمون… هُديتم أن كونوا مع الموتى، تستيقظون، وأن الموت يقظة من منام أنتم فيه تقومون وتقيمون وتغطون، وبمعاني الحياة تحلمون.

إن الله لا يتعامل مع الحالمين بأحلام يشهدون، عن أنفسهم بها يصدرون. إن الله لا يتعامل إلا مع اليقظين، مع من صحوا من نومهم فأدركوا قيامهم بقيامتهم قائمين بالله ذكرا محدثا له لذكر قديم، يلاقـون فيتلاقون، ذكرا محدثا بقائم لقيوم على جديد يقوم لقائم من صنعهم يصنعون، والله خلقهم وما يعملون، فبما خَلَقوا يعرفون عن أنفسهم في أنفسهم من خلقهم، فإليه في أنفسهم يرجعون ويتعارفون…

فمعراجا بعد معراج يجتازون، وعلى عقبات أنفسهم يتغلبون، بما يفعلون ويصنعون ويجاهدون. يشهدون أنفسهم على ما هم في قيوم عملهم بما هم على كائن يقومون، فبدءا من أنفسهم يعلمون، وانتهاءً إلى أنفسهم يتحققون.

عبادا للرحمن هونا على الأرض يمشون، بأمرهم هم بها المحيطون، ورثوها فهم لها المالكون، وأي مكان من الجنة يتبوؤون، يوم أنهم بدءا من أنفسهم تخلقوا ويتخلقون فيتواجدون، وبخلق الأعلى يشهدون وخلفه يتعالون ويتدانون، يحاكون فيتأبدون ويتأزلون.

تعالى الله عندهم عما يصف الواصفون. تخلقوا بأخلاق الله يقومها العارفون. هذا هو الحق المبين، إن كنتم بالله مؤمنين، وللحقيقة طالبين، ما شهدتم الحق من الله في رسول الله يقوم ويتقلب في الساجدين، بالحق قائمين، فعلمتم عنكم لألواح أنفسكم قارئين، أنتم لها بالله كراما كاتبين، أقلام قدرته بإرادتكم فاعلين. {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون}[١٦]. هــو الذي {أعطى كل شيء خلقه}[١٧]، وإليه ترجعون.

إن الله غناء ظاهر بإرادة، وإن الرب فيه هو الحق منه، خدمة، وسيادة، وريادة، وقيادة. وإن العبد فيه ظاهر الرب منه، قدرة وقدوة وناموس وخدمة وإيثار وريادة. وإن الخلق به في وجودهم معه بتواجدهم فيه بخالقهم وبقيومهم أحرارا وسادة. وبعيدا عن عباد الله والعبودية له، لا حرية ولا سيادة، ولا توعية ولا انقياد ولا قيادة، ولا تواجد بوجـود لموجود، في وجود بزيادة، ولا رحمة ولا خلاص ولا ريادة، ولا علم ولا معلوم، ولا شيئية ولا مشيئة، ولا ريادة ولا إرادة.

(اُعلُ هُبل)[١٨]، (الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم)[١٩]، فما كان هُبل عندهم ينشد له العلو! ما كان معنى هبل إلا مثل لصور الطغاة أوثانا من الجنس أعلاها الناس على أنفسهم التصاقا بها، مفرطين في كلمات الله بينهم بمحبتها بها يلتصقون، وعلى أنفسهم مطية لهم يعتلـون، وبمسيرتهم إلى الحق يعلون، وفي دوام يتعالون بها لكسب الحياة من أحواضها يعملون، وظلالا لها بهم بودهم وبتواددهم يبعثون، وتواصيا بالحق، وتواصيا بالصبر في معراجها يقومون، ولها يضاعفون، وبها يدانون.

مالكم كلما ذكر الله وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنون! إن الموحدين لا يذكرون إلا الله وحده مفردين.

وعلى أي صورة يذكر الله وحده؟ أالله قيام على مثال من قيامكم، أو إرادة على مثال من إرادتكم، أو ريادة على مثال من ريادتكم، أو قيادة على مثال من قيادتكم، أو سيادة على مثال من سيادتكم تذكرون! سبحان الله، وتعالى الله عما تصفون! وتعالى الله عن كل وصف تزعمون! إنكم بما أنتم على ما أنتم إنما أنتم منه وإليه منه تتواجدون وله تنسبون، وإليه ترجعون، وبه تقومون في محيط منه بكم به لا تحيطون، وفي أنفسكم له تشهدون يوم أنكم به تحيون ومعه تتوحدون، أحد له من آحاد يرسلون لا عد ولا حصر لهم، هم به راشدون.

إذا ذكرتم الله وحده، إنما يكون بذكره وحده بذكركم أنفسكم على أي صورة كنتم، وفي أي صورة ما شاء فركبكم، فإنكم ما زلتم له، وما زلتم منه، وما زلتم إليه. بهذا يذكر الله وحده، وعلى هذه الصورة يذكر الله وحده، وتقوم المعاملة معه، وتقام الصلاة بالصلة به، لا شريك له من أنفسكم يوم أنكم به تؤمنون، قيام الحق بآحاده وإليه إليهم ترجعون، والحق له في الإنسان لا تنكرون، ولكن لا على فرد منكم دون جمعكم به تقصرون. ولا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، فأنتم بظلام أنفسكم أربابا منكم من دون المحسنين تتخذون، وعن الله في الرب والمربوب تغفلون. فربوبيتكم لكم منكم أحرارا مخيرين، لها من الأسماء الحسنى تختارون، وبها تؤمنون، وفيها تنتظمون غير ملومين. ولكنكم بالغفلة عن الله في معاملتكم لكم تخسرون، وأنفسكم تهلكون، وأربابا من صنعها عليها تعلون، ولهم عليها تحكِّمون، وعلى لاهوت الله لها معها، ناسوته بها لا تجمعون، فيقوم الناسوت باللاهوت مسيحا تقومون، وتشهدون وتشهدون، فطرة الله، وصبغته للموقنين بالموقنين، دين القيمة للمؤمنين والمسلمين.

أما أنكم تعزلون أنفسكم في قديم أو قائم أو قادم عن الله، وتذكرون الله بلفظ لا إله إلا الله، على زعم من مثال بخيال تتوهمونه، أو على صورة من أمر بوهم تتخيلونه، أو بمجهول له لواجب إدراكه على ما سوف تدركونه، وعن مشهودكم تنزهونه، وتزعمون أنكـم تذكرون الله وحده وتكبرونه، بعيدا عن خلقه بالمكان تحصرونه، وبعيدا عما أبدع لنفسه تضعونه، وبعيدا عن الوجود تقيمونه، وبعيدا عن معنى التواجد تخفونه، وبعيدا عن معنى الإيجاد تعطلونه، وتزعمون أنكم تذكرون الله وحده وتعظمونه، إنكم تجردون الله مما هو له، ومما هو هو، ثم تذكرون الله وحده على صورة من عدم تتوهمونه، وبوهم الوجود الذي ترسمونه بأنفسكم تربطونه، وتعالـى الله عما تصفونه، وهو الرحمن في عظمته، فاسألوا عنـه الخبير به من عباد الرحمن يمشون بينكم على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون منكم قالوا سلاما، مسالميهم وهم مخاطبيهم على قدر عقولهم، يذكرون الله وحده على أساس مما يعرفونه، ويقومونه.

إن الله بكل شيء يقوم، وليس كمثله شيء لأنه كل شيء، وأنت أيها الشيء لن تشهد في قصور نظرك وقصور عقلك وقصور إدراكك كل شيء. ومهما أدركت، ومهما اتسعت، ومهما تخيلت، ومهما علمت، ومهما تعلمت، فإنك لا تعلم إلا شيئا أو أشياء، ولن تقوم أو تتواجد إلا كشيء أو أشياء، فلن تحيط بكل شيء، ولو أحطت بكل شيء لأحطت بمن هو كل شيء، وكنت أنت المحيط وهو المحاط.

فإذا قيل لك ليس كمثله شيء لأنه كشيء وأشياء واسع في وجوده، مطلق في تواجده، وأنت لم تشاركه صفة الإطلاق، حتى تدرك بمعنى الإطلاق ما يكون الإطلاق، وكيف يحيط الإطلاق بالتقييد، وإذا عرفت نسبية الإطلاق، بإطلاق لإطلاق، عرفت أن الإطلاق في دائرة الإطلاق إنما هو تقييد، وإذا كان الإطلاق في دائرة أوسع تقييدا، فهو شيء وليس هو كل شيء، ولا يوصف بالإطلاق المطلق من كان إطلاقه في دائرة إطلاق.

فإذا عرفت أن الإنسان بصفاته وإمكانياته وقدراته، وعلمه ووعيه بذاتيته جمعا مهما تعدد، وبذاتيته في إطلاقه أحدية محيطة بالروح مهما توحد، فما زال أدنى لأعلى، وما زال الأعلى له أدنى لأعلى، في أعلى له في ذي المعارج.

فإذا عرفت ذلك كما جاءت به رسالة الفطرة، وأشهدته قوانين الفطرة، وأعلمته عقول الفطرة بمعلوم الفطرة، وأحكمته حكمة الفطرة، وقامه وبلَّغه وأشهده رسول الفطرة، من عينه في قائم الفطرة، وإنسان الفطرة، وآدم الفطرة، قام به وأبرزه بذاته شيئا، وبمعناه إنسان الفطرة روحا منطلقا محيطا، روح قدس ذاته لأعظم وأقدس في لا نهائي مطلق، عرفت شرف وحقية العبد في مطلق الله ذاتا وروحا.

وقد عرفه محمد لذاته عبدا لرفيق أعلى، ولروحه روحا لروح أعظم لروح القدس لمعناها لها ربا، كما عرفه من الأعلى عليه بمعناه إلى الأدنى منه لمعناه رسولا. عرف الأعلى مدركا في إدراكه لنفسه في كوثرهـا بتكاثرها، بعين مبناها ومعناها لعينها وأناها آلها وإلهـا. فعرفه للأعلى هو له مظهرا واسما، في قيامه به قياما وعلما، بـه قام، وبه شَهد وشُهد، فعرفه لنفسه حقا، وللإنسان لإنسان الغيب في واسع إطلاقه إطلاقا، وللغيب بالشهادة له إحاطة، وللغيب في القيام لقائمه معنى.

قام محمد في دائرة ومجال وجوده بحقه، وعمل في مجال ودائرة رسالته بقائم ودائم إرساله في دائم الخلق لموجوده أبدا، من دائم الإنسان بالحـق لقديمه أزلا، فرآه بمعناه لمبناه في أكبر منه آمن به، هو له في واسع وجوده وجودا، كما رآه في أكبر منه معنى، هو منه له معنى، فعرف عن الله في معروفه عنه بما عرف عن نفسه ذاتا وروحا، فعرَّف عن الله معروفا له في معرفته عنه، كتابا وحجابا. وعرَّفه للناس، عَرفَه لهم، على ما هو له، فعرَّفهم عنهم، وتعامل معه فيه، على ما عرفه فيه وعرفه لهم، فكشف أمر ربه فيه وفي الناس، يوم رأى وجوب طاعتهم منه، فرده الأعلى له راعيا، وعلى الناس له مؤثرا معليا، {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}[٢٠]، {اصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٢١]، (تواضع أرضا أرضا، ترفع سماءً سماءً)[٢٢]، {آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم}[٢٣]، {وكان فضل الله عليك عظيما}[٢٤]، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٢٥]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[٢٦] فاستجاب لأمر ربه {واستقم كما أمِرت}[٢٧]، فأثنى عليه الأعلى ثناءً منه على نفسه {وإنك لعلى خلق عظيم}[٢٨].

لقد كشف رسول الله، وكشف الله معه، وكشف الله به قضايا الأزل للإنسان، وقضايا الأبد له، وقضايا القيام حقا وخلقا، وخلقا وحقا، في أدب التخلق بأخلاق الله بالتخلق بأخلاق رسول الله. كما كشف عـن أدب السلوك في شهود وجوه الله بأوادمه، بشهود آدم لله وجها لله يوم أشهر وأم بما أشهر عن أمر اتخاذ أوادم الأزل من الرسول قبلة لهم إلى الأبد، وأمر طالبي الحياة من أوادم القيام إلى أبد أن يتخذوا منه قبلتهم إلى إنسانية الأزل. {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}[٢٩]، (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[٣٠].

بذلك عرفنا أن إنسان آدم أمر لله، يشهده ملأ من كلمات الله منه إليه، ملائكة لقدسه بعباد الله لإنسانية الرشاد لظهوره من كنزية تنزيهه وغيبه، حقائق من حقائق الله من العالين، هم للأعلى فالأعلى رفاق للرفيق الأعلى وأهل حضرته، أخلَّاء آدم لآدم، وإنسان لإنسان، بالله مؤمنين، أو هم كلمات تمت لله منه إليه لله يسجدون إلى قبلته بإنسان حضرتهم، هو أصل وجودهم به يحيون، وله يحيون، وهو يحييهم بدوره بتواضعه لهم، لما يرى من إحاطة ربه من ورائهم بعينه له، فيرد تحيتهم إليهم لا فرق بيني وبينكم، أنتم مني وأنا منكم، يحييهم بأحسن من تحيتهم بوصفهم وجوه الله ورسله إليه، على ما هو وجه ورسول الله إليهم، فيأنس لله أمام وجهه لمعاني وجوههم، وهم أمام وجه الله به لهم يأنسون، رائيا بهم مزيدا من أمر الله وحكمته إليه ومزيدا به يرون، فيمتثل لأمره يراه في حاجتهم لما عنده، فيصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، ليرى وجه اللـه بهم وقد علم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فيخفض لهم جناح الذل من الرحمة، تخلقا بأخلاق ربه، صابرا نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، لا تعدو عيناه عنهم إلى من جعلهم الله زينة الحياة الدنيا، حتى تتم لهم معانيهم بكلمة تامة لله، يشهدها ويأنس بها وجها للأعلى، هو به محيط، لا يشهده إلا في شهوده لنفسه في حال قيامها به، دون رؤيتها لها.

وهنا يقول عيسى بن مريم عليه السلام، وهو جديد الإنسان من قديمه له، ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، ولكن بالاصطفاء والامتداد بالنور للتكاثر بالذات والصفات تواجده، وهو كلمة الله من كلمات الله لروح قدس الله، وآدم من أوادم الله، وروح قدس لله من أرواح، قدس لله، (أنا كائن قبل آدم)[٣١]. لقد تعارف آدم إليه في قديم، في تمامه لمعناه كلمة لله، برؤيته له وجها لله، يوم توفي إلى تمامه، كلمة تمت لله، فكانت وجها لله، يوم اجتباه الأعلى إليه، وخلفه عنه… ويقول محمد في هذا المقام كنت نبيا وآدم بين الماء والطين.

هذا كان، وهو في قائم كائن، وفي قابل يكون. (لا تقوم السـاعة إلا ويظهر على الأرض آدم)[٣٢]، فها أنا لكم النبي، وكلمة الله، وروح القدس له، وآدم بين الماء والطين. لقد تواجد في قديم وبعث بالحق فكان الرفيق الأعلى لي نسيه بموصوف الخلق، وسوف يتواجد آدم مني ليراني حقا، وليرى فيَّ وجه الحق إليه، ولا يرى وصف الخلق لي، ولقد تواجدت فيه إنسانا لإنسان لأشهد فيه وجه الحق إليَّ يوم أظهرني ربـي على الدين كله، وها أنا بدوري أتواجد آدم لكم تشهدون فيَّ وجه الحق لكم بينكم رسولا من أنفسكم. وها أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وبذلك فإني أشهد وجه الحق فيمن تخلق بأخلاق الله، على ما تخلقت بأخلاق الله، فأشهدكم وجهه، وتشهدوني حقه لأنفسكم رحمة مهداة، بقيامي لشهودكم فيكم حقا بينكم ووجها له.

(من رآني فقد رآني حقا)[٣٣]، وهو الذي يشهدكم ليشهدكم وجهه وحقه من خلالي، من ورائي بإحاطته، فهو الذي ينظركم من خلالي. (إن الله ينظر إلى قوم كفاتا وينظر إلى أقوام من قلوب قوم آخرين)[٣٤]. هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٣٥]. هكذا كان وهكذا في قادم يكون، وهو في قيام كائن، قبل آدم مائة ألف آدم، وكذلك بعد آدم مئات الألوف من الأوادم، ولن تشهدوا ذلك لكم إلا بما هو لي هدية لكم، يوم تؤمنون بالله من ورائكم بإحاطته، على ما تؤمنون به لي فتشهدوني به لكم.

إن الأعلى من إنسانية الحق إلى أزل هو ما عناه الرسول لمعناه، ربا له ورفيقا أعلى لمحمده. لا ينظر الأدنى قوما لمحمدهم إلى أبد، إلا من خلال محمد له ولهم. فمن خلاله يشهدهم عبادَه، ويُشهدهم إياه وجه ربهم، وربا لهم. ومن خلالهم ومن إحاطته بهم من ورائهم وجوها له، يشهده محمد، فبه يأنس ويسعد، {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٣٦].

فإذا كانت الملائكة من ملأ آدم سجدوا لآدم طائعا طائعين، فإن آدم بدوره سجد لملائكة الأعلى، ملائكة لربه، وكلمات منه، هي حقائق ووجوه ربـه، وظلالا له، وقد رآها وجه الأعلى من إحاطة ربه به، من ورائها نظر إليه فسجد سجودا بسجود، ووجودا لوجود، وشهودا لشهود، وحقـا لحق. بذلك كان آدم خليل الرحمن وحبيب الرحمن، كما دعي بالخلة إبراهيم، وقامها محمد، والله من ورائهم محيط، وجه الأزل لوجه الأبد بالإنسان للإنسان في الإنسان لله. {وإذ أخذنا من بني آدم مـن ظهورهم ذريتهم وأشهدتهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى}[٣٧]، (من صلح أصلحنا له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته)[٣٨] (موتوا قبل أن تموتوا)[٣٩]، وهذه هي الدورة الخالدة للحق والحياة في الدورة الخالدة للخلق والتواجد.

قامت الدورة الخالدة للحق والخلق بلا إله إلا الله شعار القيام بالحياة، كما قامت بالله أكبر شعار العروج في معارج الحياة، يوم نشهدنا في حضرة الإيمان واليقين بالله ورسوله أوادم أنفسنا، بمحمد رسول الله قائم الحق من الله، وحقية العبد فيه، والوجه لله، والاسم لله، قائد الأحياء في معراج الحياة إلى الأقدس والأعلى في الحي القيوم.

بالله عرفناه، وبه عرفنا الله، فشهدنا بالله محمدا رسول الله، وشهدنا برسول الله لمعنانا لا إله إلا الله، فعرفنا أن الله أكبر، والله أكبـر، لمعاني الحي القيوم، في إعلامه بالإنسان في مراقيه للانهائيه. وهو ما قامه كل مؤسس لمدرسة للحقيقة، ويقومه كل مؤسس لمدرسة لهـا، دوام الرسول ودوام الرسالة. فالمحمدية في الله قضية فيه كقضية آدم فيه، وأمر الكلمات له، والكلمات إليه.

فإلى شهادة أنه لا إله إلا الله تصير الكائنات والأشياء خروجا من عدم إلى وجود، قيامةً بالحياة. فبقيوم لا إله إلا الله لقائمها تبدأ الحياة. وبالحياة تقوم تتهيأ الطريق لشهادة حقية رسول الله، إليه قيوما، وحقية رسول الله به قائما، يوم يصحو العقل إلى أنه لا بد وأن يكون هناك من سبقه إلى قيام بها، وأنه لا بد وأن يلحقه لاحق إلى قيام بها…

فيحن للقاء من سبقه إليها. ويرق لمساندة من صلح للحاقه بها. فتستعد نفسه للنزول إلى وضع الأمر الوسط بين الأمرين لله، فيسفر له المحيط به من الأعلى من أمر الله، وينكشف لناظره الأدنى في دائرة إحاطته من أمر الله.

فبذلك يقوم بوصفه حقا ورسولا للأعلى إلى الأدنى، فيشهده محمدا رسول الله، فيستكمل شهادته لحقائق الله بشهوده محمدا رسول الله لنفسه، إلى شهوده للا إله إلا الله لرسول الله هو لها.

ومن الشهادتين تبدأ شهادته لله أكبر، بها يكتب كتاب وجوده لأناه، وينطق بلاغ حِكمَته لمن يرعاه، ويقرأ في مكث إنجيل بيانه لمن والاه، ويقلب ويشرح صحائف صدره بمحيط وعيه لمن تولاه.

اللهم بين الشهادتين يـدي رحمتك فأحينا.

اللهم بالشهادتين حقائق نعمتك فأقمنا وتولَنا.

اللهم بهما فاجعل منا وجوه طلعتك، وأوادم خليقتك، وكلمات إحاطتك.

اللهم بهما فارحمنا… اللهم بهما فتولَنا… اللهم بهما فارعنا… اللهم بهما فخذ بزمامنا ونواصينا إلى الخير، وقنا شرور أنفسنا وشرور الأشرار من خلقك.

اللهم بهما فارفع مقتك وغضبك عنا، وأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا، وعاملنا بعفوك ورحمتك، وأقلنا من عدلك وغضبتك.

اللهم إنك على ما آمنا، وعلى ما صَدَّقنا، وعلى ما بُلغنا، نعلم أنك تمسك السماوات والأرض أن تزولا قيام أنفسنا بقائمك بنا، اللهم لا تترك يدا رحمتك تتخلى عن السماوات والأرض لقيامنا بمعانينا، لتزولا عنا بقضاء عدلك، ولكن تولَنا وتولَها لنا بفضل رحمتك، وعفـوك، واجمع بين سكانها بمشيئتك وإرادتك، جمعا لشتات إنسانك، وبعث وقيامة رحمانك، وكشف وتعريف سلطانك.

لا إله غيرك ولا معبود سواك.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الأعراف - ١٦٠ , سورة البقرة - ٥٧ ↩︎

  2. فاطر - ٣٧ ↩︎

  3. سورة النازعات - ١٢ ↩︎

  4. هذه الكلمة مكتوبة في النسخة ال pdf المنشورة "الصادين. وصوبناها بالرجوع للنسخة الأصلية بخط السيد رافع. ↩︎

  5. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  6. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  7. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  9. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  10. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  11. سورة آل عمران -٩٦ ↩︎

  12. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  13. سورة آل عمران - ٣١ ↩︎

  14. سورة الرحمن - ٤٦ ↩︎

  15. سورة الرحمن - ٥٤ ↩︎

  16. سورة القلم - ١:٢ ↩︎

  17. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  18. من شعر ألقاه أبو سفيان في معركة أحد، بعد أن قالَ: يَوْمٌ بيَومِ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، إنَّكُمْ سَتَجِدُونَ في القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بهَا، ولَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. صحيح البخاري. ↩︎

  19. الدعاء الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين في معركة أُحد، حين قال أبو سفيان: " أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ". ف قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ، قالَ: إنَّ لَنَا العُزَّى ولَا عُزَّى لَكُمْ. فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالَ: قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، ولَا مَوْلَى لَكُمْ. صحيح البخاري. ↩︎

  20. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  21. سورة النحل - ١٢٧:١٢٨ ↩︎

  22. حديث شريف ذات صلة: “من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة حتى يجعله في أعلى عليين ومن تكبر على الله درجة يضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل سافلين.” رواه ابن ماجه، وابن حبان. ↩︎

  23. سورة الحجر - ٨٧ ↩︎

  24. سورة النساء - ١١٣ ↩︎

  25. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  26. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  27. سورة الشورى - ١٥ ↩︎

  28. سورة القلم - ٤ ↩︎

  29. سورة الأحزاب - ٥٦ ↩︎

  30. عبارة صوفية متناغمة مع الآيات الشريفة التي جاء فيه أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. ↩︎

  31. حديث شريف ذات صلة: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم “قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.” أخرجه الترمذي، وأحمد بلفظ مقارب، والحديث الشريف “إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه…” أخرجه أحمد وابن حبان باختلاف يسير. ↩︎

  32. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  33. إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  34. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  35. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩" ↩︎

  36. سورة النحل - ١٢٨ ↩︎

  37. سورة الأعراف - ١٧٢ ↩︎

  38. استلهاما من {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ.} سورة الرعد – ٢٣. و{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.} سورة غافر - ٨ ↩︎

  39. حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎