(١٢)
الأمر الوسط
حقيقة كل ما يصل إليه أمر لله بالإنسان
يوم يحيا بحاضر له لأزله وأبده
وهو نهاية ما يلقى لمعنى ربه أو يعلم لمعنى غيبه
في لانهائي الحق ولانهائي الخلق
للانهائي حقه وخلقه لأمره
حديث الجمعة
٥ جمادى الأولى ١٣٨٤ هـ - ١١ سبتمبر ١٩٦٤ م
أشـهده لا إله إلا اللـه
أشـهده محمدا رسول اللـه
أشـهدهما لي اللـه أكبر، اللـه أكبر، اللـه أكبر
محمـد عبـد اللـه ورسـوله، لا إله إلا اللـــه
محمـد حـق اللـه ووجهـه، لا إله إلا اللـــه
محمـد فعل اللـه وأمـــره، لا إله إلا اللـــه
محمـد رسول اللـه ورحمته، اللـه أكبر، اللـه أكبر
دين الفطرة… دين القيمة… دين الحرية… دين العلمية… دين النظام والانتظام… دين القدرة والفعل… دين البيان والقول… دين المعرفة والعلم… دين اللوح والقلم… دين الحكمة والعلم… دين الإبداع، والرجعة والارتجاع، ذلك إنما هو دين الإسلام.
جاء به مؤسسه في قديم، بعلم آدم لآدم، وبعلم أبناء آدم عن آدم… وبعلم آدم عن أبناء آدم… وبعلم آدم عن نفسه، قام قديمه قبل قيامه بمحدثه، عين باقيه بعد زواله بحدوثه، في دورته الخالدة بناموسه.
عرف آدم الله لنفسه بنفسه في ناموس دورته في الله إنسان وجوده، وحق شهوده في مرآة موجوده، يوم تمت له كلمة الله لتمام إنسانه، ببعث رسول الله بعنوانه.
وعرف أبناء آدم الله، بدورتهم في آدم، بناموس دورتهم الخالدة في آدمهم الخالد، بآدمهم المحدث لوجودهم، في الأعلى لكيانهم وكينونتهم، يدورون فيه دورتهم، بدؤهم نهايتهم، ونهايتهم بدؤهم، لدائـرة لا نهائيتهم في نقطة مركز شهودهم لأناهم، لنقاط تواجداتهم، لمعاني لا نهائي وجودهم في قبضة النور الحقية لمعانيهم، منها يبدأون وإليها ينتهون، وفيها يتجددون، ورفاقا لرفاق يدعون في أحد اجتماعهم، به يقومون وله في أنفسهم يشهدون، فشعار لا إله إلا الله في دوام يرفعون وبه يقومون.
هم مراكز فرضية، ونقط هندسية، لعين معنى حاضرهم، بمقيد ذواتهم، ومنطلق أرواحهم، بوصف خلقهم كتبا لدوائر حقي تواجدهم، لحقي وجودهم بقديم وقادم، لشهودهم في حاضر هو في حقيقته أمر نظري، وهمي، فرضي، إذ هو مشطور بين القديم والقادم لمعنى قائمه، يفصلهما فيه له خط هندسي، يجعل الحاضر لا وجود له في الحقيقة، إذ الوجود لمفروض تكوينه لكائنه، من شطري وجوده في الماضي والمستقبل، حتى يسقط عنه وصف الماضي والمستقبل بالقيام السرمد. فالحاضر في اللانهائي مفروض وجود لوهم موجود، حتى يتواجد لأحديته في واحديته لوجوده الدائم.
هذا هو معنى الحاضر في أمر الإنسان بحاضره للانهائيه حقا وخلقا، أينما كان، وفي أي صورة وجد، وبأي هيكل تواجد، ما دام يحيطه إطار من تقييد، بذات من تجمع للطيف منطلق من وجود يعرفه معنى لمعنى، ولا يحيط به له في معنى لا نهائيه.
فالإنسان في إدراكه ومعانيه، في معارج من المعرفة، لمعارج من الرقي، لمعارج من الوجود، يدخلها ويبدأها من باب الفطرة خلقا، وينتهـى منها إلى حقيقته بحقه يوم يشهد لعلمه وعقله أنه لا إله إلا الله بموجوده سابحا في قبضة نوره لوجوده، فالحياة لا تعرف تقسيم الزمن، فهي بالتبعية لا تعرف معنىً لحاضر بقبل وبعد.
فإذا شهد الإنسان أنه لا إله إلا الله بشهوده لموجوده، وأدرك لعلمه وعقله أنه لا بد وأن يكون قد سبقه في الوجود لشهودها له، إنسان، وإنسان، وإنسان… وكيان وكيان وكيان، اقتضى ذلك أن يشهد أن لله فيه به حقائق وأنه أحدها، وأنه بما عرف إنما هو رسول، هو قائمه بها، وأنه لا بد وأن يكون بينه وبين الحقيقة الكبرى اللانهائية لقائم لا نهائيه رسولا ورسولا ورسولا إلى لا نهائي لا يدرك.
بذلك عرف للرسول مكانته في ربه الأعلى رسولا، وما تكون معاني الكمال له نظرا وعلما، فنزه الأعلى لمعنى الرسول عن الجهل، عرفـه لنفسه ما زال له نصيب منه، فهو بتجديد خلقه كلما تجدد له منه نصيب، فلاحق ونزه الرسول الأعلى عن الانحراف ما زال له في نفسـه منه نصيب حجبه عن التلاقي مع الأعلى. ونزه الرسول الأعلى عن النقص هو مدرك حاله له. وأدرك الرسول الأعلى بالأسماء الحسنى من صفات الكمال له، قدرها وعرفها وتذوقها يوم قام منها فيه ما قامها به. وعرف الرسول الأعلى تخلق بأخلاق الأعلى، فالأعلى لا يدرك مرتقاه، وأن المرسل والرسول الأعلى في لا نهائيه لا يدرك أمره ومعناه، ولا يبلغ شأوه لموجوده بمجلاه، وإنما هو قائم لظهوره بتجليه بالمدرك في معراج تدانيه، بقائم الأعلى على دانيه، هو عليه قائم غير مجحود منه، قياما به فيه.
من عرف الحق عرف أهله، ومن عرف الحق وأهله، شهد لمحمد بالرسالة وبتمام وكمال إنسانه فشهد أن محمدا رسول الله، ومن عرف محمدا رسول الله، وعرف أن رسول الله إنما هو أمر الله، وعرف أن من كان أمرا لله كان اسما لله، وعرف أن من كان اسما لله كـان وجها لله، وعرف أن من كان وجها لله كان الحق من الله. فعرف أن هـذا ما يجب أن يطلب لطالب يطلب الله، ويقوم بالله، ويشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمدا رسول الله، فيؤمن بالله ورسوله لذاته ومعناه كمالا بهما، وسيرا إليهما في معراج لا يتناهى، فيعلمه المؤمن، عَلَما على الإيمان بالله ورسوله لمؤمن بالله ورسوله، يؤمنان بالله ورسوله، رفيق وأعلى لا فرق بينهما في الأعلى.
فإذا قدر أن ما لنفسه بقائمه وقيومه إنما هو ما يصح أن يكون للناس في واجب الوجود لهم استوجبه وجودهم، فآمن بالمؤمنين أنهم لله وجها، وعنه حقا وعبدا، وله حقا دائما ورسولا قائما، فإن عرف ذلك وعَلمه بعد أن تعلّمه وقامه، بعد أن طلبه وأيقن به، بعد تصديـق وإيمان به، وآمن به بعد إسلام له، عرف أن افتقاره إلى اللـه لا ينقضي ولا ينتهي فعرف الله أكبر، فشهد الله أكبر، وطلب الله أكبر في، معارج الله، بلا إله إلا الله، وبمحمد رسول الله، وبالله أكبـر، وبالله أكبر، وبرضوان من الله أكبر، يوم رضي عن الله، ورضي الله عنه.
فهو يوم رضي عن الله تعرض لرضاء الله، ويوم رضي الله عنه تعرض لرضائه عن الله. فما رضي راض عن الله إلا يوم أن رضي الله عنـه. وما رضي الله عَمن يرضى إلا يوم أن رضي عن الله، رضي الله عنهم ورضوا عنه، رضوا عن الله ورضي الله عنهم، يحبهم ويحبونه… يحبونه ويحبهم… يتبادلون معه ويتبادل معهم… حبا بحب… وودا بود… ورضاءً برضاء… وقياما بقيام… (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[١]، {وما تشاؤون إلا أن يشـاء الله}[٢]. فنشأة الـود والرضا من العبد والرب مقترنة في التواجد والنشأة، لا يفصلهمـا زمن بسبق، ولا وصف من صفة العبد أو صفة الرب. فهما العبدان أو الربان في الأمر الوسط بين أزلي الأمور وأبديها بالإنسـان لا بدء ولا انتهاء له، هو لله والله به قائم ومن ورائه محيـط. فحقيقة الأمور يقوم بها الناس إما كسبٌ لاسم الله فحياة، أو فقدانٌ له فعدم.
{إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}[٣]، لله يده العليا بك، ولهم أيديهم هي له، فإن بايعوك، وعرفوك يد الله فوق أيديهم، ظلالا لك رضوهم، كانوا أيدي لله عرفوهم، ما أشهد الله خلق السماوات والأرض ولا خلـق نفس لنفسها، إلا يوم رضيت عن الله، ورضي الله عنها، أحبته فأحبها، وأحبها فأحبته، ورضيها فرضيته، ورضيته فرضيها، فاصطفاها لنفسه وجعل منها عضدا ويدا ووجها له، فأوجدت وجودها، وخلقت أكوانها وعوالمها.
هذه المعاني… هذه الحقائق… هذه القوانين، إنما تقوم جميعها بشعـاره لا إله إلا الله، وتُكسب وتُدرك وتُعلم بشعاره أنه محمد رسـول الله به جاء الحق، وبجيئة الحق به زهق الباطل، خلقا تحقـق، وبالحق تخلق، بعث بالحق، فكان الحق في مظهر الخلق، فلا خلق، ولكنه الحق. خلق الله الخلق وهو على ما عليه كان، لا خلق معه، ولكنه تجليه وظهوره من كنزيته.
من عرف ذلك لرسول الله… من عرف ذلك لحق الله… من عرف حق الله بعبد الله، بعبد لله، عرف رسول الله في تتابع ظلاله رسلا لله، خاتم وطابع النبيين والحكماء، عبادا للرحمن لا ينقطع عن الأرض تواجدهم، وبعثهم بالحق. من عرف الرسول طابع الحق، وذات ومعنى الرسالة، وقائم العلماء، وقيامة العلم… من عرفه بذلك مع ظل له من ظلال في أي أمة وفي أي مكان، فتابعه بمن عرف على ما عرف من الحـق، كان منه، ومن كان منه كانه على ما هو… ومن كانه على ما هو كان الرسول منه على ما هو، فكان هو الأمر الوسط، والأمر الوسط هو نهاية ما يصل إليه أمر لله بالإنسان لحاضره بطرفيه أزلا وأبدا.
فالإنسان في أمره بالله بأحده لفرده، بين يدي المطلق لله بفوقه حقا محيطا وتحته خلقا محاطا. هو بذلك تحت يده مظلة بعوالم حقه إلى أزل لا يدرك، وفوق يده المقلة لتحته محاطا بعوالم خلقه، لا ينقضي لها تواجد إلى أبد لا يدرك.
هذا هو الحق من الله في الله على ما يجب أن يعرف قامه الرسول. ولو اجتمع الجن والإنس على ظل من ظلال له على قلب من قلوب اجتمعت على حقه لحقيقتها، بقائم حقها في دائرة حقه أزلية لا تدرك، أبدية تقوم وتتحقق، ما عرفه غير ربه. لو اجتمعت هذه القلوب على أتقى قلب رجل عرفته لأخذ الناموس طريقه، وتلاقت هذه القلوب على هذا القلب مرضيا لها، مرضيا منها، راضيا عنها، فأعطى صاحب كل قلب مسألته على ما أراد بإرادته إرادة لله، وبفعله فعلا لله، عطاءً غير ممنون ولا مجذوذ.
وهذا هو معنى الدعوة على بصيرة بمن تبعه بوصف أُمته. فهو أمة دعاة على بصيرة، كما هو أمة شهداء هو عليهم شهيد ولهم مشاهد، يشهدون الحق فيه، وهو للحق فيهم يشاهد. وكل شهيد له أمته بدوره يوم يدعى كل أناس بإمامهم.
فإذا ما سمونا بالوعي فما كان هناك عطاء، وما كان هناك ما تنقص به كنوز ملكه، وكنوز فضله، وكنوز كرمه، وكنوز رحمته، وهذا الذي يزيد في الخلق بالخلق ما يشاء، فما نقص بذلك شيء في ملكه، وهو الذي يملأ بعباده فراغ الوجود بالحياة… أليس الكل في عالم ما أو وجود ما في دائرة ملك لملك من ملوك في ممالكه، مالك الملك، يؤتى الملك من يشاء من عباده، وينزع الملك ممن يشاء منهم، والكل عباد مكرمون؟ فكيف بمن هو من وراء ظلال رحمته!
يعز من يشاء بفتنته، ويذل من يشاء بحكمته. يبلو من يبتلي يوم يبتلى فيما أعطي، وفيما حرم. يبلو في مظاهر امتناع عطائه، ويبلو في مظاهر بذل عطائه. أما أمره لمن كان له منه الأمر، ولم يجعل أمره له فيه فرطا فلا عطاء وإن سمي عطاء فهو عطاء غير ممنون، وإن سمي جزاء فإنما هو جزاء فعل برد فعل لصاحبه، كل ميسر لما وجـد له، كل ميسر لما تواجد له، كل ميسر لما خلق له، كل ميسر لما تخلق له، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، {والله خلقكم وما تعملون}[٤]، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٥].
من عَرف أن الإسلام إنما هو دين الفطرة، وأن دين الفطرة إنما هو قوانين الطبيعة، وأن تشريع الإسلام للحياة الزمنية هو تشريع الله، ظاهرا بالإنسان، لمن يهدي الله، بقيومه بالإنسان على قائمه بالإنسان، عرف أن هذا التشريع إنما هو تعاليم للمواءمة بين الفعل الإرادي والقانون الحتمي، وعرف أن تشريع الفطرة في قوانينها لا يختل ولا يقهر، فإذا ما تكشفت له فردا أو جماعة قوانين الفطرة أو بعضها، فأعمل هذه القوانين أو ما تكشف منها في أمر ذاته ونفسه فردا أو جمعا، لحاضره وقادمه وقبله بمواءمتها، وبالانطباع عليها، فقد استقام على الدين، واستقام على الطريق، وكشف عنه غطاؤه من دثار المادة شيئا فشيئا، بصقل زجاجة جسده وانطلاق أنوار عقله فردا، وانتظم الأمر للجماعة حرية ونظاما وعدلا.
إن الإنسان في حاضره بيومه قائم بأمسه وغده قياما واحدا يعنون الإنسان في سائر عوالمه لأزله وأبده على ما هو، يوم يراه على ما يجب أن يُعلم من أنه مجرد علم بهذا الحاضر لمعلوم بعلم لمعنى لقديم، أو معنى لموعود لقادم، وأنه لقائمه مجرد رمز لعين القديم يتواجد من خلاله في قادمه. فهو في حقيقته في حال من وهم بما يصنع بنفسه لمعنى نفسه، وخير له أن يعرفه في تجريد لنفسه عن وجودها، إلى موجد لها يتواجد بها بوجود له، ويتواجد منها لموجود بها في قادم وجود له.
ها أنت في يومك من حاضرك، هل تستطيع أن تسترد أمسك لقائمك؟ هل تستطيع أن تستعجل غدك ليومك؟ إنك لا تملك من أمر غدك إلا ما تدبر له، وقد فقدت كل ما كنت تملك من أمر أمسك في سابق له وقيام به، بما فعلت فيه أو قدمت له، لما هو قائم بك ليومك.
ها أنت… لا تحس إلا بساعتك التي أنت فيها، وما ساعتك التي أنت فيها بإحساسك إلا لمحة الزمان، ثانية أو جزء منها، تشعر بها في قائمك بما تشعر به فيها، فإن مرت فقدتها، ولا تستطيع أن تمنع ما بعدها من المجيء، أو تلحق بها فيما مضت به.
هكذا أنت في الحياة الكبيرة… أنت بحاضرك من حياتك هذه، من كرة بها في لا نهائي كرات الحياة خلقية وحقية، مادية وروحية، ظاهرية وغيبية، مشهودة وباطنة، معلومة أو مجهولة، لا تملك شيئا عن كرة سابقة عليها، ولا تملك شيئا عن كرة قادمة بعدها، فأنت وإن كنت لا تملك شيئا لأمر كرة أو كرات أفلتت بقديم، ولكنك قد تملك الكثير للكرة القادمة أو الكرات القادمة، بما تستقيم به في أمر كرتك هـذه، حاضرة بمولد فطري، لبدء جديد مستقل عن سلطان قديمك، وإن حواه في جعبة تجاربه.
ويوم تعلم نفسك في حاضر ما قدمت في كرات أمسك بقديم، فتأخرت في كرتك لكمال ترجوه، مفقودا لحاضرك، أو أنت تراك مفتقرا إليه في حاضرك، وتسأل الله أن يجعله لك في كرات تلاحقك، تنتظـرك بأيامك متتابعة بعملك، يوم يقوم علمك، ويوم يقوم اعتقادك، ويوم يستقيم فهمك، فيقوم علمك على قانون الله، وقد عَلَّمَك {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[٦]، يوم تقوم الحياة، والمعرفة، والعقيدة، والطريق، والاستقامة على هذا القانون الكتابي كتب عليك… القرآني قرئ لك… الإسلامي بإسلامك لله ورسوله… المحمدي بتخلقك بخلـق المحمد… الفطري بفطرتك بمولدك على الفطرة… فأنت في دين استقامت عقائده، وأنت في علم عن الحق لك، والنفس منك، وضحت معالمه، واتضحت لك صحائفه.
فإن تابعت المحكم من عبارات الكتاب، وعملت بها مع من عمل بها وأنتجت آثارها عنده فقام أمام شهادتك من حمل الكتاب إليك، ببصيرة تعرفها بقيامه في عين ما نقل إليك عن من خلفه ومثل سبيله، في معاملته للناس بما يكشف عن استقامة معاملته مع ربه، كنت أمام الباب لساحة من تنشد لأمر نفسك من أمر ربك.
فإذا طرقت الباب ففتح لك وجدتك في الطريق السوي، طوي لك الزمان فإذا أيام زمانك من حاضرك أطوار حياتك بدورات تواجدك، فعرفت هدي الرسول يوم قال لك ولكافة الناس مرشدا ومعلما (موتوا قبل أن تموتوا)[٧]، (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)[٨] ، (عد نفسك في الموتى)[٩]، تكن مؤمنا.
في هذا العلم، وبهذا العلم، وفي العمل به، تقوم قيامة العالم العامل به، فلا ينتظر قيامة، ولا يستعجل ساعة، إنما يستعجل بالساعة الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا بها علما بها، قائمة في قائم قيامهم، معلومة في قائم علمهم، يقينية في يقين معرفتهم، يشفقون منـها ويعلمون أنها الحق، يوم تقوم مرضية بشهوده منة وعطاء، أو بحرمانه قطيعة وجزاء، برد الأعمال لأربابها.
إن الاستقامة إنما هي في إعمال قوانين الفطرة، في قائم الفطرة، تطبيقا على النفس، ذاتا كثيفة ولطيفة، ومعنىً مليحا وقبيحا، فإذا عرفنا قانون الجاذبية للمادة، فاستسلمنا بمادتنا إلى أصلها من الأرض، تفعل بها النواميس الأرضية ما تشاء متخلين عنها لمعنى أنانيتنا، تخليصا وخلاصا لأنانا من النور، كان في هذا معنى الاستقامة والخلاص. وكذلك إذا عرفنا قانون الجاذبية للنور، وأن ما فينا من شحنة النور بها نعمل ونتحرك، ونحيا ونفكر، منجذبة بطبيعتها لأصل نشأتها من نور السماوات والأرض، قبضة من نور الله قائم الفطرة، كانت الاستقامة في متابعة النور، فأنكرنا على أنفسنا سلامة فعلها كلما انجذبت بنورانيتها منها إلى الأرض، ولازمنا منا ما انجذب إلى النور، بمعاني الأنا لنا، وبذلك كنا غير متثاقلين إلى الأرض بنورانيتنا، فعرفنـا معنى الانطلاق والحرية، ومعنى وضع الأوزار عنا، وعتق الرقاب لنا.
وعرفنا مراد الله بقوله كيف يجتمع الشمس والقمر بسقوط الأوزار عنهما، وقد جعل الشمس سراجا والقمر نورا… وقد جعل من قلب الإنسان في مشكاة صدره مصباحا مشعلا وقياما منطلقا في أرض ثابتة، تقوم عليها الكلمة الطيبة للشجرة الطيبة لليل والنهار، أصلها ثابت وفرعها في السماء متصاعد إعمالا لقانون الفطرة، أرضا أعطيت الدوام بالتكاثر النوعي، وأعطيت الحقيقة بالتطور للكمال الذاتي والكفاية الذاتية إلى قائم أمر الله بها، بقيام أمر الله لها، في قائم أمر الله عليها، {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[١٠]، {… وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}[١١] …
عرف الإنسان عن نفسه، فعرف في معرفته عن نفسه معرفته عن الرفيق الأعلى، كمالا لمعناه، وكمالا بمعناه، لكمال معناه، يوم يكمل متخلقا بخلق ربـه، بخلق الرفيق الأعلى، مشاهدا الحق بحاضره وفي حاضره، وبكل حاضر، وفي كل حاضر له.
بذلك تعرف عظمة الرسالة الفطرية… وعظمة الرسالة القرآنية… وعظمة الرسالة المحمدية… وعظمة الرسالة الإسلامية… بإشهار رسول الله لقانون الفطرة الأساسي في قوله (تخـلقوا بأخلاق الله)[١٢]، (أدبني ربي فأحسن تأديبي)[١٣]، فيكشف بحكمته المتجددة الدائمة في تجددها، وبخلقه الدائم بيننا بعترته قانونا من قوانين الفطرة، هو ناموس أصيل للوجود، معلنا به أن البقاء لله وحده، وأنه لا بقاء إلا لمن تخلق بخلق الله، غير مفرط في أمره من أمر الله. وما تخلق بخلق الله إلا من تخلق بخلق ربه، وما تخلق بخلق ربه إلا من تخلق بخلق رسوله وما تخلق بخلق رسوله، إلا من شهده لله ورسوله بيتا وحقا وعبدا، مع ظل من ظلاله مؤاخيا متابعا، فقام بالله ورسوله حقا فكان ربانيا، يقول للشيء كن فيكون، يبصر بنور الله، وتمتد يده إلى الأفعال بقدرة الله، وتسعى قدمه في الوجود برحمة الله، فيعلم أنه لا إله إلا الله، ويقوم محمًدا رسول الله، ويعرف الله أكبر، لمن طلب الله، وآمن معه بالله إيمانا بالله ورسوله، فيعلم من أمر نفسه ما قدمت وأخرت، وما هي فيه قامت، وبه دامت، وإليه صبت.
فإن عَلم ما يجب أن يعلَم عن قائمه بذاته لأناه عرفه بيتا، وقد مات فعلا وحسا ومعنى، أماته المميت يوم عزله عن وزره من المادة لجسده ومعناه لذاته، وبعثه بالحق ليقوم على وزره بعلمه بعالمِه على قائمه، بحقه بقيومه، قيوم قائمه بظاهر ذاته، روحا متجسدا بها، يوم علمت نفسه ما قدمت، ويوم علمت نفسه ما أخرت، فبقيومها قياما به آمنت، وبذلك حييت، (رجل كسب الله وخسر الدنيـا)[١٤]، باقيا أحياه المحيي بعد أن أماته المميت. أحياه المحيي فيه يوم استسلم لقتل الشيطان له فأعانه الله عليه فأسلم، فحيا مبعوثا بالحق، أمات وأحيا. (وما مات أمرؤ ثم حيا إلا ندم، إن كان قد أحسن أنه لم يزدد، وإن كان قد أساء أنه لم يقلع)[١٥].
فكمالات الله في كمال ذاته وكمال صفاته، لتجليه بعباده لمعاني وجوهه وجوها لا تتناهى، وعطاؤه لها بتجليه بها بكمال متلاحق لا يجـز، {يـا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد}[١٦]. يا أيها الناس إن الإيمان بلا إله إلا الله يقتضي الإيمان برسوله واجب الوجود، قائما وقيوما بها. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله}[١٧]. يا أيها الذين آمنوا بلا إله إلا الله، اعلموها لرسوله في صمد الله بصفاته معلما هاديا، فآمنوا برسوله فيكم ومعكم وبينكم، {يؤتكم كفلين من رحمته}[١٨]، ويعلمكم أن الله أكبر، وينتشلكم من أوحال التوحيد، ويسبح بكم في فضاء التفريد، آحادا لله تملأون فراغ الوجود بالحياة. ويقربكم إليه يوم يقول لكم لا فرق بيني وبينكم، تخلقا بأخلاق ربه على ما قالها له، (لا فرق بيني وبينك)[١٩]، إن عيني لعين عينك، {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تـكُ في ضيق مما يمكرون}[٢٠]، عسى أن يبعثك ربك يوما بما بك هو قائم، وأنت به دائم مما هو مدرك لك من أنه (لا فرق بيني وبينك)[٢١]، {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[٢٢]، محمودا عندهم يوم يصلحهم لك، فتصلح لهم رحمة من الله بك لهم، فيشاهدوك الرفيق الأعلى لهم على ما تشهد أنت اليوم ربك، مع الذين اتقوا والذين هم محسنون…
إذا كان المحمود عندهم هو ربك وحده، ونسوا أنك لهم منه وجهـه، وأنك الحق بينهم لقيومه عليهم ولقائمه بهم رحمة للعالمين بعثك، وبالحق بك لهم أرسلك. إذا أنكروك رحمة للعالمين يا من بعثناه رحمة للعالمين، وقدرناه رحمة للعالمين، ووهبنا له عزتنا رحمة للعالمين، وأظهرناه على الدين كله رحمة للعالمين، وجعلناه الكتاب والإمام للدين وللفطرة ولليقين رحمة للعالمين، فاصبر وما صبرك إلا بالله، وذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا عندهم، على ما يرون فيمن يحمدون لهم نعمة الله عليهم، {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}[٢٣].
يومئذ تؤمر فتطأها، يومئذ تطأها أنت بها اليوم محيط، مزوية لك رحمة للعالمين، فما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى، وإن ناشئة الليل لجديد أمرك منك بك لك تعريفا عنك بمعاني الحق لك على ما أنت من ربك أشد وطأً وأقوم قيلا. إنها رسالة رسول الله عن الرتب، رسالة خافضة رافعة لتضع كل في موضعه، ولتقيم عدلا مفقودا، وتنشر سلاما منشورا، (لو لم يبق من عمر الزمـان إلا يوم لمد الله في عمر ذلك اليوم حتى يخرج الله رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا)[٢٤]، {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}[٢٥]، (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٢٦]، فإن لك في النهار بدائمك سبحا طويلا، يهدي الله بك من يشاء برحمته، ويضل عنك من يشاء بحكمته، ذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى.
اللهم إنك أنت أنت على ما أنت، لا إله غيرك، ولا موجود سواك، لا نهائي في تعاليك، لا نهائي في تدانيك، تخلق بخلقك من أسميته للناس برحمتك عبدا لك، وجعلته بهديك وحكمتك رسولا منك، وما كانوا، وما كان، وما كان كل ما كان، وكل ما يكون فيك إلا أنت، تعاليت وتدانيت… اللهم إنا قد آمنا بوحدانيتك لا شريك لك من أنفسنا، ولا قائم لنا في قائم أمرك، ولا إرادة لنا مع قيوم توجيهك وإرادتك، آمنا بنا مظاهر حكمتك، وحروف كتابك، وكلمات علمك، وصحائف كتبك، لا موجود بحق إلا أنت، ولا معبود فيما يعبد سواك، الأمر لك من قبل ومن بعد، والأمر لك بقائم أمرك، وقيوم عزتك، وإلهي حكمتك، فيما هو قائم، لا علم لنا إلا ما علمت، ولا قيام لنا إلا بما أقمت.
اللهم بحقك مدانيا برسولك فارحمنا، وقاربنا، وأحينا، وأحيِ قلوبنا، وقوم جوارحنا، وحرر نفوسنا، وأنر عقولنا، وأطلق في الوجـود أرواحنا… اللهم حقق لنا ما أردت، لنفسك بنا، ولأنفسنا فيك، ولأنفسنا بك… اللهم أدخلنا في حصن لا إله إلا الله، وأقمنا بقيوم لا إله إلا الله، في قائم لا إله إلا الله، بمحمد رسول الله… اللهم بها فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، اللهم بها فقومنا حكاما ومحكومين، أربابا ومربوبين، وجوها وعابدين، عالمين وجاهلين، يقظيـن وغافلين، راجعين ومظاهرين… اللهم بها كن لنا أجمعين، وأنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وألف بين قلوبنا، وباعد بيننا وبين كل ما يباعد بيننا وبينك، لا إله غيرك ولا معبود سواك.
أضواء على الطريق
(الحياة بالنسبة لكثيرين، لا وجود لها بالنسبة إليهم، ولا وجود لهم بالنسبة إليها، والتعريف بالحياة، وإقامة السلام هو رسالتنا).
(فليست الحياة كما ترون من أمر الناس عليها ولكن هناك أمل في الله كبير، وهناك أمورٌ مبسطة تنتظرنا قريبا، فلا تتعجلوا ولا تُحملوا أنفسكم متاعب تضايقكم، واتركوا كل شيء لنا والله معنا جميعا، والنصر لرسالتنا في انتظاركم، فلستم وحدكم).
من حكمة السيد الروح المرشد (سلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎
سورة الإنسان - ٣٠ ↩︎
سورة الفتح - ١٠ ↩︎
سورة الصافات - ٩٦ ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎
سورة الانفطار - ٥ ↩︎
حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎
مقولة من حديث للخليفة عمر بن الخطاب. أخرجه أحمد في (الزهد) ↩︎
حديث شريف رواه عبد الله بن عمر: “أخذ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببعضِ جسدي وقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎
سورة الانفطار - ٥ ↩︎
سورة الزمر - ٧٤ ↩︎
استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎
حديث شريف. جاء في الموسوعة الحديثية لابن حجر، والعسكري في كتابه “الأمثال”، والسَّرَقُسْطِيُّ في كتابه” الدلائل “، والسيوطي في كتابه” الجامع الصغير“، وابن السمعاني في” أدب الإملاء “، وأبو نُعَيم الأصفهاني في تاريخ أصبهان. ↩︎
استلهاما من قول المسيح عليه السلام: “لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ، أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” (مر ٨: ٣٦، ٣٧) ↩︎
إشارة للحديث الشريف: “ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع.” أخرجه الترمذي، وابن عدي، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد، والديلمي في الفردوس، والبغوي في شرح السنة. ↩︎
سورة فاطر- ١٥ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النحل - ١٢٧:١٢٨ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎
سورة طه - ١٠٨ ↩︎
حديث شريف رواه الإمام على ابن أبي طالب كرم الله وجهه، أخرجه أبو داود، وأحمد باختلاف يسير. وجاء بلفظ “لو لم يبق منَ الدنيا إلَّا يوم لطولَ اللَّه ذلك اليوم حتَى يبعث فيه رجلًا مني-أو من أهل بيتي-يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجَورًا.” أخرجه أبو داود، والترمذي مختصرا. ↩︎
سورة النمل -٨٢ ↩︎
من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎