(١٠)

إنسان الله وحقه
ناموس الفطرة وصبغتها
نعرف أنفسنا يوم نعرفه
ونعرف الله يوم نكبره وظلاله نشرفه

حديث الجمعة

١٣ ربيع الآخر ١٣٨٤ هـ - ٢١ أغسطس ١٩٦٤ م

باللــه… بسـم اللـه… بلا إله إلا اللـه… باللـه أكبر، نستعيذ ونعوذ.

بالحي القيوم… بالأحد الصمد… بالواحد السرمد… بحق الله… بالرحيم الرحمن… نستعين ونفعل.

به ندخل في حصن وجوده، وفي جمال شهوده، فنسجد لمن جلت قدرته سبوحا، عالما، شاهدا لنفسه بنفسه أنه لا إله إلا الله.

نراه لنا قائما مقيما، حيا محييا، مُوجدا، متواجدا، لمعناه متجليا، بنا لنا فينا، لمعنى نفسه لقائم اسمه، بوصف الخلق مبتدئا، ولحقه بنا منتهيا، نصله بشهادتنا له حق الحياة لنا، وبرسول الحياة بنا، نشهده الأكبر والأكبر كلما به تواجدنا وله شهدنا.

يا أيها الذين آمنوا بالله لا شريك له، اتقوا الله، وآمنوا برسوله، لا بدء ولا انتهاء له، هديَ فطرته وإنسان صبغته وجمال طلعته، وجلال عزته، وعلم أحديته، وكتابَ معرفته، وقائم ودائم طريقه، وقائم وقيوم أحواض الحياة فيه له، إنسان وجوده، ووجه شهوده، وبحار جوده، واسعا عليما، كوثرا متكاثرا لا يُبتر ولا يُشارك، معبِدا لنفسه، مُعظما لإنسان ربه، ظاهرا بمقام الإنسان لإنسان غيبه من إنسانية حقه، معروفا للإنسان من إنسانية خلقه، متجليا للإنسان بالإنسان من الإنسان.

من صَلح، من هياكل الإنسان، عبدا للرحمن، معبِّدا نفسه للديان، أصلح الله له من صلح من آبائه، ومن أزواجه، ومن ذرياته، فقام لقديمه رحمة القديم والأقدم رجوعا إلى أحسن تقويم، وقام في قادمـه مرحوم دائمه والأحدث سيرا إلى أحسن تقويم، وقام في قائمه رحمة قيومه والأقوم، كشفا للغطاء عن قائم الحق وجها لأحسن تقويم.

بذلك كان الإنسان بقديمه وقادمه، طرفا قائمه، في أحدية معناه، إنسان الله، القائم بالله على نفسه، معلوم نفسه، وقيوم نفسه، وقائم نفسـه. هو بقائمه عين قيومه… هو مسيح قيامه لإنسان سلامه، وآدم إعلامـه، وكلمة علامه… حق الله، وعبد الله، وكلمة الله، وإنسان الله، للرفيق الأعلى لمعناه، والرفيق الأدنى لمبناه، في حصن لا إله إلا الله، الحي القيوم.

هذا هو المسلم لله في إسلامه لدائم رسول الله. متابِع هو عين من تَابع. قائم محمد لقيوم شهوده، وقيوم محمد لقائم موجوده، عبد الرحمن في قيام المؤمنين من أُمته بوجوده.

هذا هو الإسلام… وهذا هو الخلاص والسلام… وهذا هو الوتر والشفع… وهذه هي أحدية الله، لآحاد الله، في أحد الله لا شريك له، ولا موجود معه، واسعا عليما، وقائما مطلقا. الوجود له، ومعنى الموجد له، فلا موجد ولا وجود، ولكنه القيام الموجود، والقيام المشهود، وما وراء الموجود، وما وراء المشهود، يوم نُقَدر الله حق قدره، فنقدر الإنسان فيه، فنقدر الاسم له، فنقدر العبد له، فنقدر الرسول منه، فندخل في حصن لا إله إلا الله موحدين، بلا إله إلا الله لنا، صِديقين.

بلا إله إلا الله في قيامنا نُبعث فنقوم فنشهدنا بها محمدا رسول اللـه يُبعـث ويقوم، ويتقلب في الساجدين، يسجد وظلاله، في السمـاوات كان أو في الأرض كان، لمعروفه، ورفيقه الأعلى، بمعاني الرب له، وبمعاني الحي القيوم عليه، اسما وعلما لمطلق المعروف عنده، والموجود بسم الله، والمذكور بلفظ وكلمة الله، والمعروف في ذات الإنسان، لذات الإنسان، بذات الإنسان، من ذات الإنسان، روح قيامه، ومراكب وسفين سلامه.

من صَلح أصلحنا له من صلح من أصله وفرعه وأزواجه بخلته ليكون إنسانا. من صلح أصلحت الفطرة له بقوانين الفطرة قديمه رجوعا إلى الله بالرجوع إلى أحسن تقويم، وأصلحت له قادمه سيرا إلى الله بالسير إلى أحسن تقويم، بإصلاح قائمه لأنانيته في معناه لأحسـن تقويم، في صحبة من بُعث بأحسن تقويم، أمرا وسطا لله، عبدا لرب، وربا لعبد… ابنا لأب، وأبا لابن، ذاتا لروح، وروحا لذات، فكان أمر الله الوسط، وخير أمور الله، بين أمور الله عند الله الأمر الوسط.

بالأمر الوسط قام رسول الله رسول قديمه لإنسانية أزله، إلى عين قادمه لإنسانية أبده، بذات قيامه لروح قيومه، فما بين جسم وروح كان مظهره، روحا لذات في أعلاه، وذاتا لروح في أدناه.

أزواجا وجد وتواجد، وأزواجا خلق وتخلق، وأزواجا حُقق وتحقق، في عوالم الروح من أهل الرشاد تمام أنانيته وأخوته، روحا لروح، وروحا مع روح. والروح بانتشارها به منه إليه معنى أبوته وبنوتـه في أحديته، روحا لروح. والروح بقيامها منه له، بنوته روحا من روح. والروح إليه ومنه، وُصلته، ورسالته روحا لروح، ولأكبر من عوالم الروح.

وبالذات كانت نشأته وجدته لظهوره، روحا تجسد، وأزواجا تواجد، والدا وما ولد، وولدا وما منه وُلد أو منه توالد، فكان لأناه بمعناه مواصلا وصف الأب والجد والولد، في أحدية معناه. بقديم قيامه كان كذلك، وبقادم قيامه يكون كذلك، وفي كل قيام بقائم لقيامه يكون ذلك. هو بين يدي رحمته لقيامه، برحيم قديمه، لمرحوم قادمه، من الرحمن الرحيم لقائمه، مواصلا متصلا بين الأزل والأبد بقائم في سرمد الإنسان لسرمد الله.

به جاء الحق من قديمه، وبه جاءت البشرى من قادمه، وبه استقامت الطريق بقائمه لمتابعه، ومخاللـه إلى عين ما هو بحقه وخلقه.

جبريل الروح المتجسد لمعنى الذات والمنطلق المنتشر لمعاني الصفـات، عينه وأخوه، وولده وأبوه، هدية مُرسلة إليه له معلما وربـا ورفيقا أعلى، وقبس نور من الأعلى عليهما لربوبية ربهما هما أقباس نوره، وعليٌّ وجهه وولده وأخوه، ومرآته لرؤية أبوته فيه. هو قادمه بآدم لبعث قديمه به، من الذات والروح منه يتواجد، ومعه يتآخى، على ما كان منه فيه له في قديم لهما مرآة نفسه له معه، وبعثا لآدم بدئه في معيته، في دورتهما في خلقهما وحقهما، ليشهد به منـه نفسه على ما تواجدت من الرفيق الأعلى له، ردا للبصر كرتين من قديم الإنسان في أحسن تقويم، وقادم الإنسان في أحسن تقويم لمعنى إنسانه بقائمه بمجهول أناه له، في إحاطته به إلى أحسن تقويم.

ارتد إليه البصر، قياما إلى أحسن تقويم لذاته، يرجوه عبدا لقديمه وعبدا لقادمه، فحمد الله يعرفه بعجزه عن الإحاطة به محاطا منه غير محيط به، يعلمه ما قبل قديمه بروزا من أزله بالإنسان لإنسانه، ويعرفه ما بعد قادمه بروزا من أبده بالإنسان لإنسانه، يشهده في قائمه إذ يراه ظلا لقيومه، ويد معبوده، ووجه مشهوده، وعين طلعة شهوده لمشاهده لنفسه، محيطا بما شاء الأعلى أن يحيط به من علمه عنه بما علم عن نفسه منه.

قامت رسالته إعلاما عن الفطرة بأنه لا إله إلا الله، فأشهره، وأشهـده على ما شهده لا إله إلا الله، فكان بها رسول الله لرسل الله، ورسول الله من رسل الله، ووجه الله لوجه الله، ووجوه الله لوجوه الله. فأعلمه وعلمه لأهل الحق أنه الحق فيهم حقية العبد لحقائق العباد فيه، لمن شهده له عين الحق وعين الحياة فيه. وما شهده الحق والحياة فيه إلا من رآه منه، وما رآه منه إلا من رآه حقا من الحقائق، فرآه الرسول، عرفه حقا من حقائق الله بحقيته فيه منه له.

أعلنها رسول الله داوية، بعزة الله، وبرحمة الله على ما رآها له، ظاهرا بها على ما ظهر له الأعلى له، (من رآني فقد رآني حقا)[١]. فما رآني من لم يرني حقا، فأنا المثل الأعلى من المـُثل العليا لله في السماء والأرض، بها يشهد الحق إماما ودليلا، وفيها يشهد الحق قياما وبعثا، وبها يتابع الحق رسولا وربا، {وقل جاء الحق وزهق الباطل}[٢] كلما انشقت عنه أرض أو انشقت عنه سماء. كلمة الله الذاتية لروح قدسه تتردد بين السماء والأرض أزلية أبدية، وارفة متكاثرة الظلال، مستقيمة المقال، قديمة الحال لعوالم الخلق وعوالم الحق، بمن مِن عوالم الأشباح وعوالم الأرواح كان موجودا متواجدا فيهما على دوام.

من شهدني، بمعاني الحق له، لقيامه بالحق بي، شهد ربي حقا بـي وبه، ومن شهد ربي حقا لي وله، في أحدية الحق لنا، شهد أنه لا إلـه إلا الله، ودخل في حصن لا إله إلا الله، وركب سفين النجاة بلا إله إلا الله، إلى لا إله إلا الله، في لا إله إلا الله، بفضل لا إله إلا الله، من لا إله إلا الله.

لا إله إلا الله شعار رسالتي… وشعار حقي… وشعار قيامي… وشعـار خلقيتي لحقيتي… من تبعني فهو مني، ومن كان مني كنت منه، ومن كان مني وكنت منه كان من حقائق الله… ومن كان من حقائق الله كان اسما لله لمعنى الحق به، لعين الحق بي، فمنه كانت كلمات الله إلى آدمه له، على ما أنا اليوم كلمة لله، تمت لآدم بي كلمته له، وقد عرا له بي القديم من الإنسان له.

أنا والمؤمنون بالله ورسوله في ربي بربي نقوم لا إله إلا الله، ونشهد لا إله إلا الله، ونُشهد لا إله إلا الله، أُمة وسطا بين أمم الإنسان لا بدء لها، فيمن لا بدء له، إلى أُمم الإنسان لا انتهاء لها فيمن لا انتهاء له، أمة وسطا، وأمرا وسطا، ورسالة وسطا، وحقا وسطا، وإنسانية وسطا، طرفاها بدايات الخلق، وبدايات الحق.

ولتكن منكم أمة تدعوا إلى الخير، تأمر بالمعروف لها ربا موجودا مشهـودا قائما على كل نفس، وتنهى عن المنكر من أوزار خلقها منهـا منكرا، وتؤمن بالله لها قياما، وبها من قديم إنسانيته تجليا، بها يتجلى القديم لها، والقديم عليها، للقادم للإنسان منها وجوها للرحمن، وأيدي للإحسان، وسفنا وأعلاما للسلم وللسلام.

خير أُمة أخرجت للناس، أعلام بيانه، وكتب عرفانه، وعباد إحسانه، وأرباب رحمته، ورحمة قيومه، يأمرون بالمعروف متخلقين بأخلاق المعروف لهم، ما أجمل الأداء، وما أكرم العطاء، وما أوفى الجزاء، وما أعظم الإحسان. بالمعروف يأمرون في رفق وحب وحنان، يؤثرون على أنفسهم، رحماء بينهم، خرجوا من الظلمات إلى النور، أحرزوا النور في حجب من الظلام لماديهم رحمة بالعالمين. محوا الظلمـات عن قلوبهم، وصقلوها رقيقة شفافة لقوالبهم، قتلوا الغفلات، جانبوا السيئات، أبصروا الزلات، تجنبوا العثرات، عرفوا الآيـات وقاموها، سجدوا لرب الآيات وما عبدوها، وآية الله بهم لربهم أسجدوها، رأوا الحق للعيان، يقوم ويتقلب في الساجدين للبيان، ساجدا بهم بقوالبهم، وهو المسجود له فيهم بقلوبهم، أمة عنوانها فرد، وفرد عنوانه أمة. {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا}[٣].

فكانت القلوب به قبلة السجود، لمن طلب الشهود، لمن طلب الحياة، لمن طلب البيت، لمن طرق الباب، لمن طاف بالقبلة نُصبا لمعناه، لمن عرف ما يشير إليه القول من التبليغ فعرف قبلته يرضاها، فاتبع أحسن القول، وأدرك ما وراءه من الحكمة، فطلب الله مع المحسنين، فكان منهم، فكان محسنا…

فتكشف له عن الله من الله معيته من المحسنين حياة وإحسانا. سمع القول فاتبع أحسنه، قتل نفسه، فقتل الناس جميعا بأشباحهم له، وأحيـا بالله نفسه، فأحيا الناس جميعا حقا له. قتل الناس في كنودهم، وأحيـا الناس في سجودهم، وتواجد الناس في وجودهم، يوم حيا بالله قلبا وقالبا، فحيي به الناس قلبا وقالبا.

أحب أن يعرف فعُرف، طلب أنه بالله يشرف فبالله شرف، وحد الله فكان اسما لله، آمن بالله ورسوله ثم لم يرتب في إيمانه، ولم يرتب في الله ورسوله، فلم يُمسخ على مكانته بمن قبله من أصوله منظرا، ولكنه مسح على إيمانه ببعده بشرا مبشرا، وعلى مكانته كلمة من الله ورسوله مقدرا، وقد غير ما في نفسه من ظلامها وظلمها، فحل به لطيف الله بنوره لرسوله، فشهد ربه من الله برسولـه، وشهد الرسول بربه من الله، فشهد الله بالله، وشهد الرسول بالرسول، يوم عرف للرسول ربا ورفيقا أعلى، وعرف الرسـول لربه عبدا، حقية العبد، ورفيقا أدنى، فعرف في الرسول، وهو عين ربه، ربا له، لا مستكبرا ولا مستعليا، ولا متجاوزا له، فكان الرسول أولى به من نفسه، وحق قيامه وقيومه.

شهد به فيه الحق… شهد به فيه من ينشد… شهد به فيه من يعبد، ومن نفسه له يعبِّد، فعبَّد نفسه لرسول الله، ربا له، فتعبَّدت بطابعه وفطرته لربه، فعرفه هيكلا للرسول وربه، وللرب وربه، عرفه عالما للحق وحقه، عرفه قياما للإنسان بخلقه وقدسه، عرفه بيتا للـه ورسوله، وقبلة للـه ورسوله…

فقدَّر الله حق قدره، في معارج العبودية والربوبية فيه منه إليه، بشهادة أنه لا إله إلا الله، ونشدان (اللـه أكبر)، فعرج في وحدانية الله، بإدراك وحدانية نفسه لله ورسوله، في إدراك وحدانيته مع مشهود رسول الله وظله، عبدا لربه…

ثم بإدراكه أن وحدانية نفسه مع الرسول هي طريقه وقيامه لوحدانيتـه مع ربه، دخولا في حصن لا إله إلا الله، دخولا ومعراجا في لا إله إلا الله، في الأكبر والأكبر من حقائق الله اتجاها إلى لا نهائـيـه، سبحا في مطلقه، (السير إلى الله له نهاية، والسير في الله لا نهاية له)[٤]

على هذا العماد، عمادا تعددت ظلاله، فكان وظلاله من عمده، عمدا للدين… وعمدا للعلم… وعمدا للمعرفة… وعمدا للطريق… وعمدا للحياة… وعمدا للحقيقة… عمدا لكل شيء، عمن هو كل شيء، ومن ليس كمثله شيء، وكيف يحيط الشيء وهو الجزء بالكل؟ وكيف يحيط الشيء بكل شيء؟ إن إحاطة شيء بشيء مفتاح العلم عن المحيط بكل شيء.

من كان في الله شيئا، تقبل كلَّ شيء، لله وجها، وله ربا، وللإله مظهرا، ولقيامه في قيومه جوهرا… فبذلك كان كائنا من شيء، وكان في كائنه له أشياء، وكان بوحدانية أشيائه بكائنه إماما مبينا، وكتابا محصيا، وقياما عالِما، وحقا معلوما، في مشهود لا إله إلا الله، بموجود محمد رسول الله له ولأناه ولمعناه.

هكذا كان الإسلام… وهكذا يتجدد الإسلام… وهكذا يقوم الإسلام… يوم يقوم المسلم بالإسلام، فيتواجد بالمسلم الإسلام تواجدا ظاهرا بالمسلم، (المسلم من سَلِم الناس من يده ولسانه)[٥]. ليس المسلم من جعجع بالإسلام لفظا، وبعبارات الكتاب قولا، تنغيما أو ترتيلا، وبأحاديث الرسول ترديدا أو تأويلا، ولكن المسلم من قام بأحاديث رسول الله، قياما وفعلا، فكانت قوام خلقه، قام بكتاب الله معاملة وعملا على أساس من حكمة الله، فأوتي الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أُوتي خيرا كثيرا، فكان ظلا لعالم الحكمة وكتابَ الحكمة، وكان ميزابا من حوض الرحمة، وحوضا من بحار الحياة.

من كان كذلك، كان كلمة لله في كتاب الوجود، وكان آية من آيات الشهود… كان وجها لله، الحق من ورائه بإحاطته، والحق في قيامه بقيامته… كان إنسانا بحقيقته، ومسيح الإنسان بشهادته… كان ظل الإنسان بعظمته… كان عبد الرحمن… كان آدم وجوده، إنسانا بموجوده، آدما بظهوره وشهوده.

من كان كذلك فقد عرف من خلق فسوى، من خلقه ابنا وجعله لأبيه ولدا، ثم سواه به فكان والدا، ثم سوى ما ولد منه به فأصبح والدا وما ولد، فتساوى مع والده مولودا، ومع ولده والدا، أمرا وسطا، فعـرج في معراج أزلي الإنسان وجودا، ودانى وتجدد في أبدي الإنسان تواجدا، فقام بأناه لأناه أحدا، وبقي في وجوده من الله لله اسما، وتواجد منه فيه له صمدا، فعرف الله في معرفته عن نفسه يوم أرجع البصر كرتين، من القديم له والقادم منه، فارتد إليه البصر خاسئا فانحسـر الحجاب، فكشف عنه غطاؤه، فحد في الله بصره، وتراءت في الإبصار بالإدراك بصيرته، جمع الزمن بقديمه وقادمه لحاضره، واتصف الإنسان والدا وولدا وما ولد. آب إلى الروح لمعنى الحق أو آب إلى الخلق بأناه من الحق، رسول الله وحقا إلى الخلق، وإمام الناس وخلقا إلى الحق.

ذهب بالبصيرة إلى الأزل لا يتناهى، لا ينتهي عنده إلا إليه، وإلى الأبد لا ينتهي، ولا ينتهي عنده له إلا إليه، فعرف ما كان وما سيكون وما هو كائن، يوم أظهره الأعلى على الدين كله، وعرف أن مُظهره على الدين كله إنما هو فطرته في قديمه، ببشراه له في قادمه، فعرف نفسه على ما كان، وعرفها على ما يكون، وعرفها على ما هو كائن، فعرفه الفطرة في الوجود، موجودا متجددا من أزله إلى أبده في موجوده، فعرف عن الإنسان تعريفا عن الله، فكان لفظ الله، وكلمة (اللـه) في الإسلام، لفظا مرادفا لمعاني حقي الإنسان، في حقائق الإنسان، في معارج الإنسان، في تداني الإنسان، في تخلق الإنسان، في تجلي الإنسان، في تكنز وتعالي الإنسان، في الكائن الصمـد، الواحد الأحد، المطلق بوجوده، اللامتناهي بتجليه لشهوده. لا تدرك له ذات تسمى عند ذوات وجوده لشهوده، ولا تبلغ كمالات صفاته للقائمين بصفاته لمعالم تقديره لظهور قدرته.

قال رسول الفطرة وقائمها ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره بالإنسان، الإنسان العبد، والإنسان الرب، والإنسان الإله، والإنسان الغيب، والإنسان الوجود، والإنسان الموجد، والإنسان المتواجد، والإنسان الموجود، في أي صورة ما شاءت فطرته ركبته، وفي أي معنى من معانيه شاءت رسالته فأظهرته.

أتظنون أن الحق من الله يكفي لمعرفته وإبرازه وبروزه وتجليه وخروجه من تكنزه، وعودته لكنزيته رسالة واحدة؟ أو رسول واحد؟ أو أُمة واحدة؟ أو عصر واحد؟ أو بشرية واحدة؟ أو فلك واحد؟ أو وجود واحد؟ {ما قدروا الله حق قدره}[٦].

لقد جاءت رسالة الإسلام رسالة الفطرة، رسالة أمر الله… رسالة إنسان الله… رسالة عين ذات قدس الله عَلما على الأقدس… رسالة روح الله… رسالة الأقدس لله، بالقدس لله، في قدس الإنسان عَلمَا على الأقـدس، بمن عرفناه محمدا، بمن عرفناه رسول الله، بمن عرفناه عبد الله، بمن آمناه الحق لنا من الله، بمن به نُبعث بالحق، بمن به نشهد الحق، بمن به نتوحد مع الحق يوم نتوحد معه، بمن به نعرف أنفسنا يوم نعرفه، ونعرف ربنا يوم نشرفه، ونعرف إلهنا يوم نكون لربنا مسحاء، وله ظلال، وبه وجوه لوجوه، وبقدرته أيدي فعل، وبلسانه كتاب حكمة، وبنوره روح قدس وأمناء بلاغ يوم نستخلف ونخلف منا على ظاهر أنفسنا متكنزين فيه.

كل هذا جاءنا به رسول الله… كل هذا قام بين أيدينا برسول الله… فهل امتدت أيدينا للاغتراف منه؟ هل تفتحت خياشيمنا لشميم أريجه؟ هل تفتحت أفواهنا لإطفاء الظمأ بماء رحمته؟ هل تفتحت عيوننا لجمال شهوده؟ هل تفتحت آذاننا لأنغام ترديده؟ يوم تفتحت آذان داوود لأنغام ترديده أوَّبَت الجبال معه، فكان عازفا، الطبيعة فرقته، وجمال الوجود أنشودته. {يا جبال أوبي معه}[٧].

هل امتدت أيدينا للعمل به أيدي قدرته، فأوجدنا ما نريد من الوجود بعزته، على ما أدركنا من حكمته، وعلى ما وهبنا من قدرته؟

بهذا كله جاءت رسالة الفطرة، أزلية سرمدية، وهل هناك ما هو قبل الفطرة! فكان بالفطرة صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، فاطر السماوات والأرض بصبغته، مستوٍ على عرش الكائنات بقيوميته، معلمها يوم يعلمها بعزته، لا عزيزا عليها، ولكن عزيزا بهـا، فهو مهلكها يوم يظهر عليها بعزته، معلمها يوم يقدِّرها بقدرته، يوم يجعلها أيدي إرادته. وهو مهلكها يوم يظهر لها أو عليها بقدرته لإحاطته، بعيدا عن قيوميته لقيامه، مستقلا عنها في تواجده ووجودها به.

أمات وأحيا، وأحيا وأمات، وما أمات يوم أمات فقد كان الميت ميتا، كشف له عن معناه بغير مولاه. وما أحيا يوم أحيا إلا لمن عرفه فيه ميتا بدونه وهو له الحياة، فكشف له عنه لله بالحياة فأحياه، فهو في الموات يحيا، والموات به يحيا، فعلَمه وعَرفه أمات وأحيا، فأدرك الإنسان به الموت لنفسه دائما، والحياة لقيومه بها دائمـا، فكان بقائمه ظل موجوده، وعَلَم شهوده، واسم إيمانه بمعروفه عبدا، آمن بالله ورسوله، فكان حقا قيام الله ورسوله.

نِعم الاسم الإيمان، (المؤمن مرآة المؤمن)[٨]، {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[٩]، بالريبة في الله ورسوله بعد أن عرف المرء الله ورسولـه، وآمن بالله ورسوله، ثم ارتاب في إيمانه وفي الله ورسوله، فمُسخ على مكانته من ريبته، أما المؤمن فمُسح على مكانته، من إيمانه بربه ورسالته، {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}[١٠]. أشهد أنه لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.

اللهم يا من جعلت من محمد عبدك ورسولك رحمة مهداة، وجعلت منه لأهل بيته بيتا لك، فيه اسم لك به تُذكر، وجعلت من السماوات والأرض لكبير إنسانك مشكاة فيه، جعلت منه فيها لها سراجا من نورك نجما وضاءً، ونارا مقدسة مباركة، وجعلت من مادي الكون من الشمس عليه عَلَما، ومن الوجود له دارا ومدينة، وجعلت من الأرض به له مسجدا وطهورا، وجعلت من متابعه عبدا مغفورا، وجعلت من المؤمن به نورا مشكورا، وحقا موجودا مذكورا، به تُذكر، وبه تُشكر، وبالكفر به تُكفر.

اللهم لا تحرمنا الهدية… اللهم لا تسترد منا العطية… اللهم اجعلنا به عن الدنيا وفتنتها نفوسا أبية… اللهم أجرِ الدنيا في أيدينا، ولا تجرها في قلوبنا… اللهم لا تمنعنا خير الدنيا زراعة، ولا خير الآخرة حصادا وضراعة.

اللهم اجعل من دنيانا مزرعة لأُخرانا… اللهم اجعل من أُخرانا امتدادا لقائمنا بمعيتنا بالحق في أولانا، واجعل اللهم من هياكلنا دارا لمعنانا بك، وقياما في مبنانا بيوتا لك.

اللهم ارفع الحواجز بيننا وبين حقائقك ممن توفيت من إنسانية قيامنا لقديمنا وقادمنا، وارفع الحواجز والأغطية عن أعيننا حتى نشهد قادمنا بعثا لقديمنا من خلالنا في مرآة أخوتنا لإيماننا.

اللهم لا تجعل من الطبيعة قيدا لنا، فلا تجعل الأرض ممسكة بنا، ولا تجعل السماء حاجزة لنا عنك فينا… اللهم أطلقنا وحررنا من مادي تواجدنا وذواتنا نفوسا طليقة، حرة عتيقة من قيود المادة، وقيود الطبيعة، وقيود النار، سابحة في ملكوت السماوات والأرض، منطلقة من ملكوت السماوات والأرض إلى ساحة حضرتك، في حضرة إطلاقك، لا شريك لك، ولا وجود لغيرك، ولا قائم معك. اللهم ارزقنـا شهادة أنه لا إله إلا الله، وأتمم علينا نعمتك بشهادة أنه لنا بنا الحق منك محمد رسول الله، شهادة واحدة لك.

اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وأصلح أمورنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين ومتابعين، عالمين وجاهلين، مشرقين ومظلمين، غافلين ويقظين، برحمتك يا أرحم الراحمين، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين.

أضواء على الطريق

(حديث للسيد الروح المرشد لدائرة الجمعية الإسلامية الروحية بالكويت).

(السلام عليكم ورحمته وبركاته)

(أبنائي… إنكم اليوم في حياتكم هذه التي ما هي إلا مدرسة الحياة إنما تتبارون فيها للحصول على مزيد من التجارب المستمرة الممتدة من تاريخكم، والممتدة من رغباتكم. أنتم اليوم تجدون أنفسكم في جميع المجالات لهذه الحياة. وكم تذكرون وتشكرون الخالق العظيم الذي يُسدي لكم هذه النعمة. أنتم سوف تعرفون أن حضوركم لهذا المكان لبضع ساعات فقط، وعند خروجكم من هنا تتركون كل شيء سمعتموه داخل هذا المكان. إن هذا ليس هو الغاية الأساسية التي نقوم بدورنا من أجلها، بل المهم أن تمتد جلساتكم إلى خارج هذا المكان.

إن هذه الجلسات يجب أن تأخذ طريقها إلى حياتكم اليومية، لتعرفوا أعمالكم حسب إرشاداتها، وحسب ما أوتيت أوعيتكم من معرفة من النور اللانهائي.

وعندما تنادوننا فسنلبي النداء، وستشعرون بقوة الله، وتضحوا بأنفسكم، وتفرحوا بقلوبكم.

أبنائي: إن عبادة الله ليست في جلساتكم فقط، بل عبادة الله في كل لحظة، وفي كل عمل وكل فكرة تفكرون بها وأنتم تشعرون بارتياح كما تشعرون في جلساتكم المباركة هذه، عندما أجدكم قد ارتفعتم للمستوى الذي أُكلمكم به، والسبب في هذا هنا يكمن في أنكم عند حضوركم جلساتكم تنسون هذه المادة التي تحملونها لبضع لحظات، فبنسيانها أجدكم قد ارتفعتم للمستوى الذي أكلمكم به، ولكن للأسف ما أن تخرجـوا إلا لترتدوا لها مسرعين، فبارتدادكم تنسون ما تكلمنا به، وتعود إرادتكم إلى تكيفها حسب رغبتكم المادية.

أبنائي: أعود لأقول لكم إنه لا يزال بإمكانكم أن تجعلوا كل حياتكم جلسات مستمرة في السير قليلا على ضوء تعاليمنا، فسيروا والله يوفقكم).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  2. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  3. سورة النحل - ١٢٠ ↩︎

  4. مقولة صوفية عامة، وغالبا ما تعود إلى مولانا جلال الدين الرومي. ↩︎

  5. حديث شريف: “ألا أُخْبِرُكُمْ بالمؤمنينَ؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمْوَالِهمْ وأنْفُسِهمْ، والمسلمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويَدِه، والمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ اللهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجرَ الخَطَايا والذَّنُوبَ”.  صحيح ابن حبان ↩︎

  6. سورة الحج - ٧٤ ↩︎

  7. سورة سبأ- ١٠ ↩︎

  8. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  9. سورة الحجرات - ١١ ↩︎

  10. سورة فصلت - ٣٣ ↩︎