(٦)

الناس في خدمة الطاغوت
إلا من رحم
وعباد الرحمن في خدمة الناسوت
عند من عَلِم

حديث الجمعة

١٥ ربيع الأول ١٣٨٤ هـ - ٢٤ يوليو ١٩٦٤ م

بسـم اللـه الوجـود السـرمـد… بسـم اللـه الواحـد الأحد… بسـم اللـه الفـرد الصمـد… بسـم اللـه الغيب الأزل… بسـم اللـه الظاهـر الأبـد.

بسـم اللـه ليس كمثله أحد… بسم الله الموجود بلا حد… بسم الله باطن الإنسان بلا حصر ولا عد.

بسم اللـه لا شريك له… بسم اللـه لا غيبة له… بسم الله لا قصور فيه… بسم الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

بسم اللـه موجودا… وبسم اللـه متواجدا… وبسم اللـه وجودا… وبسم اللـه متكنزا متعاليا، وبسم الله رحيما متواضعا مدانيا.

بسم اللـه بلا إله إلا الله… وبسم اللـه بالله أكبر… وبسم الله قائما على كل نفس بما كسبت… وبسم الله من وراء كل نفس بإحاطته… وباسم الله مع كل نفس أينما وجدت.

بسم اللـه معبودا عند عبده… وبسم الله عابدا عند معبوده… بسم الله شاهدا قيوما… وبسم الله قائما مشهودا… بسم الله وجودا… وبسم الله شهودا… وبسم الله كتابا مبينا… وبسم الله معنى جامعا… وبسم الله عِلما وعَلما… وبسم الله عالِما… وبسم الله معلوما.

بسم اللـه نعوذ بالله، ونقوم بالله، ونتوكل على الله، نؤمن به هو حسبنا ونعم الوكيل، لنراه حسبنا ونعم الوكيل، نراه بنا من قيامه حسبنا ونعم الوكيل. فنعم الله، ونعم عبد الله… نعم الله، ونعم قرب الله، ونعم مقاربة الله لله منه إليه، وإلى الله تصير الأمور.

طلب الإنسان أن يعرف الله، وعمل ليتعارف إلى الله قديما وأزلا، وسيبقى كذلك قائما وأبدا، فمتى الله له؟ متى الله له ممن لا متى له؟ أين الله له ممن لا أين له؟ كيف الله له ممن لا كيف له؟ لقد جاءه الحق، يوم جاءه عبد الحق حقا، يوم جاء من جعل العبد حقا، ومن عرف وقام الرب عبدا.

إن ربي لعلى صراط مستقيم، عرف ربه على صراط مستقيم، عرفه صاحب صراط مستقيم… عرفه مستقيما مع من يجب معه أن يستقيم، وما كان من يجب معه أن يستقيم غيره. استقام ربه مع نفسه العليا والأعلى، وأدبه أن يستقيم مع نفسه للأعلى ليقوم مستقيما مع نفسه الدنيا والأدنى، تخلقا بخلقه معه والأعلى. عرف ربه صراطا مستقيما، أقامه عليه من يقيمه على صراط مستقيم، رفيقا أعلى لهما ليسا هما غيره، عرفهما نفسا لمن خلق فسوى، فعرفه للقيوم عليه خليلا وحبيبا بقائمه به، لقيامه فيه لقيومه منه على قائم نفسه هي له بالناس نورا ينتشر، وروحا بهم يقوم ويدكر.

إن ربي الله… إن الذي هو على صراط مستقيم خرج من حجاب الجهل إلى نور العلم، وخرج من النشدان إلى المنشود، وخرج من الطلب إلى المطلوب، فخرج من العابد إلى المعبود، وخرج من العبد إلى الرب، وخرج من الخلق إلى الخالق… به جاء الحق، ورفعت الحجب، وزهق الباطل.

فأي حق بعد ذلك ينشد وقد جاء الحق؟ وأي باطل بعد ذلك يخشى وقد أزهق الباطل؟ وأي صراط مستقيم بعد ذلك يطلب وقد قال له من كان على الصراط المستقيم، وعين الصراط المستقيم {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١]؟ به أسفر الصراط المستقيم، وبكشف الغطاء عنه له ظهر لنا بيننا العليم، وقام علينا العالم، وانكشف لكل عالم المعلوم، بعليم، عُلِم ويُعلَم، بعلم وشهادة ويقين، {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}[٢]رسالة أبدية (تقوم وتتقلب في الساجدين)[٣].

ففيمَ الإنباء بعد ذلك وقد جاء النبأ؟ وفيم الإخبار وقد جاء الخبر؟ وفيم المعبود وقد ظهر العابد؟ وفيم البعث وقد بُعث رباني العبد؟ وبالحق قياما قائما قيوما بُعث، فعرَّف الإله، وقام وأقام العبد، والرب والإله حقا صفاتٍ للوجود، حقا وصدقا يوم يتواجد الإنسان بالإنسان.

كشف الغطاء عن حقيقة الكون والكائنات… رفع البرقع عن الوجود فإذا هو المـُوجِد… عَلَّم بما علم، فإذا العالم هو المعلوم، وإذا القائم هو القيوم، وإذا العابد هو المعبود، وإذا الإنسان كلمة الله ووجه الشهود، عند شاهد ومشهود، بوجوه ناضرة لوجه لربها ناظرة… نور السماوات والأرض قبضة من قبضات اللانهائي من نور ذاته. منها خلق الله أرواح الكائنات. وبها يمتد من كانها رسولا منه نورا على نور، وحياة من حياة في الساجدين لله عبادا له، وظلالا لعبده ورسوله.

يا أيها الكافرون… لا أعبد فيما أعبد اليوم ما تعبدون، لا… ولن أعبد ما تعبدون، فلن أفارق ما أعبد، وأنتم بيومكم لا تعبدون ما أعبد، ولن تعبدوا في غد لكم ما أعبد، فلن تفارقوا ما تعبدون. لقد مسحت على مكانتي، ومسختم على مكانتكم، فريق وفريق، كل حزب بما لديهم فرحون، لكم دينكم ولى دين.

إن تتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. وإن أتبع إلا اليقين… إني لا أتابع إلا شهودي، بوجودي، لموجودي، لموجدي أقرب إليّ من حبل الوريد، كشف عني غطائي، فحد بصري، وقام ببصيرتي، وانعكس مني فيَّ إليَّ، فإذاني من أنشد، فإذاني من أحب ومن أعبد.

عرفت قبلتي، ورضيت على يقين وجهتي، وحملت في قدس الوجود أمانتي، وآثرت على نفسي، وبذلت بعيني، تتكاثر بعيني، وتتواجد لعيني فيمن ليسوا هم عيني، فإذا هم عيني، وإذا هم وجودي ونفسي، وشهودي وحسي. فأنا موجود موجدي لمن يتواجدني في قائم الفطرة لقوانين الفطرة…

ومتواجدي لهم من موجِدي، ما كان لي من موجودي به، فرد هو أمة، هي أناي، وهي قيامي ومعناي، وأنا لها أناها، سيدها وخادمها ومولاها، وهي لي كل ما لي، فيمن هو لـي وأنا له… وأنا لها كل ما لها فيمن هي له وهو لها.

أكرمني فسواني وجعل عنوانه في عنواني، وإنسانه بمعنى عين إنساني، بإنساني يُشهد على ما في أزل شهد، وفى أبد يشهد، وبتعددي يتعدد على ما تواجد فوجد في موجوده أزلا ليس كمثله أحد، وبكوثري يملأ فراغ الوجود له بالوجود منه. خلق السماوات والأرض بأيدي له، أنا لها عنوان، وأنا لها بيان، وأنا لها منها بمعناها الإنسان.

ما عرفني غيره، وما شهدني غيره، وما قامني إلا معناه، وما قامه إلا من قامني، أنا الحق منه، وأنا الخلق له، باركني وبارك بي، وجعلني أحواض بركته، وبحار رحمته، وجديد ذكره لقديم ذكره، في قائم ذكري ذكرا جديدا لذكر قديم، في دورتي بدائم رسالتي، بقائم مستديمي، كتاب علمه ولسان بيانه ويد رحمته.

رسول الله… عبد الله… حق الله… وجه الله… يد الله… نور الله… قدس الله… روح الله… ظاهر الله… باطن الله… قدس الإنسان… خلق الإنسان… رحمان الإنسان… رحيم الإنسان… رحمة الإنسان.

ما ظهر الله وهو الظاهر في كل شيء، مثل ظهوره بالإنسان. وها هو قد جعل من إنساني عنوان إنسانه، فجعل مني إنسان عبوديته لإنسان ربوبيتي أنا عبده، وعبده من قام فيَّ، وعبده من عَبَّده بي، وعبده من فتح قلبه لوجودي، ولأنوار شهودي، ولأحواض كرمي وجودي. ولا أحواض لي، ولا شهود لي، ولا كرم لي، إنما (أنا قاسم من القاسم وهو المعطي)[٤]، هو الذي عليكم يمن، وبرحمته عليكم لا يضن، وأنا يده إليكم تمتد بنفقته، كلكم إليه الفقير، وهو وحده الغني الحميد.

حقا إنك على خلق عظيم، وحقا رضي الله للبشرية الإسلام دينا، وحقا ظهر الله بظهور عبد الله، وقام الله بقيام رسول الله، ففِيمَ يكون الإنباء والنبوة؟ وليس الخبر كالعيان وقد قام ودب بقديمه على الأرض الإنسان، جاءها فقدَر فيها أقواتها في يومين، من يوم للدنيا ومن يوم للدين، جمعهم في يوم من أيام الله، به سقطت الحواجز بين الدنيا والآخرة، بين الأحياء من الأرواح والموتى من الأشباح.

ليس من مات فاستراح بميتإنما الميت ميت الأحياء[٥]

(الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)[٦]، (عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من الموتى [تكن مؤمنا])[٧]، {فاقتلوا أنفسكم… فتاب عليكم}[٨]، {الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه}[٩]… (موتوا قبل أن تموتوا)[١٠]، فمن مات قبل أن يموت فقد زحزح عن النار، وأُدخل الجنة، وفاز بالمعرفة.

لا جنة إلا جنان العلم، وجنان المعرفة، وجنان الوعي، علم اليقين، كشف الغطاء عن الظنين حتى يذهب ظنه ويقوم علمه، فيراه علمه، ويرى علمه أناه، ويرى الله في أناه عين معناه، وجها لله بعث، وباطلا في الغفلة أزهق، وروحا بالحق قام في أمن مع الله وأمان، في سلم مع الله وسلام.

إن الإنسان لربه لكنود بطبيعة خلقته، وهو بالحق قائم في قديم نشأته. أما هو بأشباحه في دور السكنى من عوالم الكواكب بأعلام للأرواح في الأشباح فهو في دور للتكوين والخلق والتطوير، لا أمان لأهلها إلا بالتخلق بأخلاق الله في التخلق بأخلاق عباده رسلا من أنفسهم، نعيمها اختبار، وضنكها ابتلاء واضطرار، وعجزها تعريف وتعليم بالخالق وإكبار.

يا أيها الانسان… ألا تنظر مِمَ خُلقت؟ ألا تقدر أن الذي خلقك على ما عرفت، وأوجدك على ما شرفت، ينتظرك منه خلق، وخلق، وخلق؟ خلقكم أطوارا… خلقكم في وجودكم هذا من سلالة من طين، ويخلقكم من وجودكم هذا من أرواحكم، لقلوبكم، عوالم في أكنانها، خلقا من بعد خلق، في سلالة من روح، يطول بنا إسناد عنعنة لكم إلى وجود له، هي ذات قدسه، وظاهر حقه، لغيب عظمته، {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك، ذو الجلال والإكرام}[١١].

وما وجهه الباقي إلا موجودكم يوم أن لا تفرطوا في أمره أمركم، {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}[١٢].

إنه أعطاك خلقك وهداك إليه معك أينما كنت عطاءً غير مجذوذ، فهو الذي {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[١٣]، أكبرك، وأعطاك معاني الحق له، والاسم له، لتتواجد في وجودك، بوجودك، من تواجدك، لا مِنَّة عليك من أحد ولا له.

فلِمَ تمنُّ عليه وهو الذي أعطاك نفسك لنفسه؟ وهو الذي هداك بلا مِنَّة منه، وأنت بلسان حالك تَمُنّ بركعات، أو بتسبيحات، أو بخطوات، أو بدريهمات مما رزقك ومما مكنك، ولله المِنَّة يوم تتغاير معه، فتفنى عنه إلى معدوم لمعنى أناك.

إنك تمُّن عليه بألفاظك وأحوالك، وهو الذي منّ عليك بأنفاسك تتردد بين جنبيك باسمه وذكره، بقائمه وقيومه وأمره، فيها الحياة لك باسم الحي لوصفك، والحياة بها إليك تتضاعف من القيوم بالحياة عليك لطيفا يحويك ووجها لذاته يبديك، يصبر عليك حتى تعي، ويتابعك في غفلتك راعيا حتى ترجع، ويسبقك إلى هاويتك لتتلقفك يده حتى لا تفنى، ثم يردك إلى أحضانه حتى تسعد وبالحياة تغنى. هو الذي {يمسك السماوات والأرض أن تزولا}[١٤].

وهو الغني عن العالمين، لا يرى السعادة له إلا في سعادتك، ولا يرى الوجود له إلا في وجودك، ولا يرى الظهور له إلا في ظهورك، ولا يرى الاعتراف به إلا في اعترافك، ولا يراه معروفا حتى تعرفه، ولا تعرفه حتى تشرفه، ولا تَشرفه حتى تعلمه، ولا تعلمه حتى تتقيه، ولا تتقيه حتى تتابع رسوله منه إليك فيك فيه.

يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا استمعوه لاهية قلوبهم… يا حسرة على العباد ما يأتيهم من ذكر محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. وقد خَلق كل شيء من أجلهم، ولكنهم بالشيء يُشغَلون، وله يعبدون وما يدركون لما هم فاعلين، وبمجادلة كسبه يتعبون ويجهدون وهو لهم على ما كتب لهم لا يزيدون، وهو لهم على ما يريدون يوم أنهم أنفسهم لربهم مشهودا منهم، يُعبِّدون، وما خُلقوا إلا لربهم، أنفسهم له يعبدون ويهيئون. ولكنهم عن خلقهم ساهون، وبأمرهم أمرًا له يعبثون، وإليه بين جوانحهم ملكوته لا يرجعون، ومشكاة صدورهم لا ينيرون، وسُرج قلوبهم لا يُشعلون.

ليس الدين أو العلم كلاما بألسنتكم تلوكون، ولكن الدين والعلم حق فيكم يقوم، ولكم يشهد يوم أنكم إلى أنفسكم ترجعون، ولله تطلبون.

{ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}[١٥]، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[١٦]. إن أرقى علوم الإنسان هو علم الإنسان عن نفسه، وأفضل مكاسب الإنسان هو كسب الإنسان للإنسان لنفسه.

إن قلوبكم اتسعت للحقائق لا تتسع لها عوالمكم. إن لله بكم طرائق بعدد أنفاسكم خلائق. وهو القائم على كل نفس بما كسبت، فهو المتواجد على ما تتواجدون.

فلمَ تتبعون كل ناعق؟ وتتعشقون كل فاسق؟ وترضون كل يائس؟ وتستعينون بكل عاجز؟ والله ورسوله بقدميهما من الإنسان على أزلي قديمهما على الأرض يدبون؟ (أخفى الله الولي في الخلق)[١٧] {عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[١٨]، (رُبَ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)[١٩]، (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[٢٠]، (الظاهر مرآة الباطن)[٢١] من أمر الحق والحقيقة. إن عالم البشرية على ضآلته وضآلة شأنه يتميز بأنه صورة معبرة عن العالم الأكبر للإنسان.

بالحق عبدا جاء الحق ربا، وجاء الرب حقا، إذ يظهر الحق ببعث الخلق بالحق دائما وأبدا. {سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[٢٢] فلن يجيئهم جديد من حق، وقد جاء الحق بقديم من حق في جديد من خلق بعث بالحق. ولكنه سوف يتبين لهم الحق، ينكرونه، قائما يجحدونه، {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}[٢٣]، (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[٢٤]، (أنا حي في قبري)[٢٥]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢٦]، {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[٢٧].

جاء رسول الله مُصَدِقا لما بين يديه. بُعِث ليتمم مكارم الأخلاق لا يفرق بين أحد من رسله، وطلب إلينا أن نكون له ومعه على دينه، لنكون لربه على ما هو له، ليكون ربه ربا لنا، وليكون على ما قامه قياما لنا قائم الله لنا، يوم يُكشف عنا غطاؤنا، ويحتد بصرنا، وتحيا أفئدتنا، وتعلم قلوبنا، وتشرق بنور الله وجوها له أعلامنا، عبادا لله… ما أجمله! ما أكرمه! ما أرحمه! ما أحلمه! ما أصبره! ما أقومه! ما أقربه…

عبادا لله، وأعلاما له، شعارهم لا إله إلا الله، وقيامهم محمد رسول الله، أولئك هم المسلمون، يوم نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر مسلمين، ويوم تصادفنا رحمته مؤمنين، ويوم يقومنا نوره عالمين، ويوم تتحرر فينا روحه منتشرين منطلقين، ويوم تتقدس فيه بأرواحنا ذواتنا ذاتا له مباركين حول ذات لعين ذاته وجها للأعلى، للصلاة مستقبلين. ذلكم هو الدين.

ويوم تقومونه كذلك فذاك يوم الدين، ويوم يقومكم بذلك فهذه قيامة الله للعارفين، ويوم ترونكم مغفورين، مكرمين، مأجورين، قاربكم فصرتم مقربين، وآواكم فكنتم اليتامى الواصلين، فتبناكم فيه كلمات له لله مُعبَّدين، وعبادا مكرمين، فرأيتموكم المغفورين…

فذلك يوم الحساب يوم يقوم في النفس للنفس معنى الحساب لمن طلبوا الحساب، وهم في حجاب الحياة، بالحياة، لحياة العمل والجزاء والحساب، فأحياهم الحي القيوم بالحياة، فعلمت نفوسهم ما قدمت وأخرت.

(من نوقش الحساب فقد هَلَك)[٢٨]، يوم هلك هالك بحساب، اللهم إلا حساب النفس، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبكم أنفسكم.

أما محاسبة الله، فتعالى الله… إنه لا يحاسب أحدا، ولكنه يمهل المحاسبين أنفسهم حتى لا تهلكهم أنفسهم، وينظر من حاسبتهم أنفسهم لأجل مسمى، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٢٩].

يتكلمون عن الحساب… وعن العقاب… وعن القيامة… وعن الحي القيوم… وعن البعث… وعن النشر… وعن الحشر، ولا عِلم لهم من دين، ولا يقين لهم من علم، {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}[٣٠]، يخلطون بين الشيطان والرحمن، ويخلطون بين المراد والمريد، تعالى الله عما يصفون. {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}[٣١] .

وهم في كل يوم في لبس من خلق جديد، كرة وكرة، بين ضيق ومسرة في حيواتهم وفى لمحاتهم لعلهم يجأرون، ولعلهم يشكرون، فلا هم من النار يجأرون، ولا هم لأمر الله يصبرون، ولا هم لنعمة الله يحمدون أو يشكرون.

يا حسرة على العباد… كيف هم بالله يهزأون! وبوهم التقوى له يتحدثون! وبدعوى العلم به يتخبطون! وما قام الدين إلا على علم ويقين، وما كان للدين قيام في ظنين، إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.

تعالى الله عما يشركون، وتنزه الله عما يعبدون، والله أكبر عما يعلمون، وعما يقومون، له الأمر، وله الملك، وله الحمد، حين تمسون ففي ظلام أنفسكم تدخلون وتسكنون، وحين تُصبحون فتتفتح أبصاركم لنور الحياة، ونور العمل، لطيفا فيه تقومون، وله تجحدون، وعليه تنكرون، وأنتم بأنفاسكم تحصى عليكم معه تتعاملون، وبها أقلام قدرته صحائفكم فيه تكتبون.

اذكروا الله في أنفسكم مع معلميكم امتداد نور الله برسول الله فيهم وفيكم بالغدو والآصال، ولا تكونوا من الغافلين، تفلحون.

مالكم كيف تحكمون! والحق أبلج على ما تشهدون، لا إله إلا الله حصنكم وشعاركم، فلِمَ لا تدخلون؟ ومحمد رسول الله قيامكم، فلِمَ لا تجددون؟ واسم الله لكم أملكم، فلِمَ للبعث به لا تعملون، وأنفسكم تجاهدون؟

ليس الشأن أن تعرفوا اسما لله أعظم من اسم، فله الأسماء الحسنى وزيادة مع الذين أحسنوا، ولكن الشأن أنكم اسما لله تقومون، قامه بينكم القائمون، طبقة بعد طبقة، وجيلا بعد جيل، وقوما بعد قوم، وإمامة بعد إمامة، وأعلام علم بعد أعلام علم، عبادا بعد عباد كلمات لله، وعبادا له حقائق قدسه، أصحابهم العلماء والأنبياء، وأحبابهم الأتقياء والأولياء، فما عرفتم، وما أدركتم، وما اعترفتم، وما شرفتم، وما تمسكتم، وما تواصيتم، وما استيقظتم، وما أسفتم أو ندمتم…

ولكن أحياءً بينكم باعدتم، ومقابر أقمتم وشهدتم وواليتم، لتراب اللاهوت أنفسكم له عبدتم، واللاهوت قام في مولدكم بالحياة، واللاهوت بمثله بينكم مبعوث سفن النجاة، قائم بالأئمة والهداة، واللاهوت على ما علَّمكم يقوم، لا ينقطع له بينكم وجوه بقيام، ولا يغيب له بينكم مثال بمقام، وما انقطع وما غاب له بينكم يد بفعل ولسان ببيان.

هذه هي تعاليم الإسلام جاءت بها جميع الأديان دائم رسالته على فطرته. وهذا ما جاء به أمر السلام ليتمم مكارم الأخلاق، محمد رسول الله جددها به قياما ودواما له الذين معه، سواء من كان منهم أشداء على الكفار، أو رحماء بينهم.

الذين آمنوا بما أُنزل على محمد وهو الحق من ربهم، كفر عنهم سيئاتهم ووضعَ عنهم أوزارهم، وأصلح بالهم. الخير فيه وفى أمته إلى أن تقوم الساعة مرة أخرى بانشقاق الأرض عنه، ولا تزال طائفة من أمته قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم، إلى أن تقوم الساعة به مبعوثا بالمحمود عندهم بدءا آخر.

فلِمَ تغيبون الرسول يا من آمنتم بالرسول مثلا أعلى لكم بالحق بينكم؟ ولمَِ تغيبون الحق عن أنفسكم يا من آمنتم بالحق بالحياة لأنفسكم؟ ولِمَ تغيبون القيامة أنتم فيها قيام بقائمه على كل نفس؟ ولمَِ تغيبون الندامة أنتم في دارها ويومها؟ ولَِم لا تتخلصون من النار يحيط بكم سرادقها بما يحيط بأرضكم مما كشف العلم لكم عن أفق التأين الحراري على كثب من رؤوسكم، وأنتم تحت سلطان شمسها وزمهريرها بأشباحكم؟ ولَِم لا تشعلون جذوة الحياة في نفوسكم خامدة بما تعشقون من أوزار أنفسكم، تحبون المال حبا جما، وتأكلون التراث أكلا لما؟

لِمَ تحرصون على موقوتكم وتغفلون عن خالدكم؟ وما كان موقوت قيامكم إلا وسيلتكم لإصلاح وتقويم خالد قيامكم، تزرعون في أرضكم من قلوبكم قائمة، وتحشرون في عالمكم بأنفسكم قائم، يتكشف لكم فيكم ما تزرعون وما تكسبون في قادم، على ما تشهدون بحاضركم كشفا لماضٍ لكم أنتم قائم بعثه. (كل ميسر لما خلق له)[٣٢].

فلِمَ لا تتزودون في أولاكم لآخرتكم بيومكم لغدكم؟ وخير الزاد التقوى… وخير التقوى المعرفة… وخير المعرفة العمل بما علم… وخير العمل الاستقامة… وخير الاستقامة الصفاء والسكينة والطمأنينة… وخير الطمأنينة اليقين… وخير اليقين الشهود… وخير الشهود القيام بالمشهود بالدخول في الموجود بحصن لا إله إلا الله، هي شعار دينكم، وشعار رسولكم، وشعار قلوبكم، وشعار عقولكم، وشعار أنفسكم يوم تستقيم نفوسكم بالحياة.

اسألوا الله أن يدخلكم في حصن لا إله إلا الله، فتشهدوكم لا إله إلا الله، وتعرفوه لا إله إلا الله، وتقوموه لا إله إلا الله، فتؤمنون به إيمانا بكم، وتعرفونه عرفانا لكم بلا إله إلا الله، محمد رسول الله.

اللهم قومنا بها حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، عابدين ومعبَّدين، ومعبِّدين، مشاهدين ومشهودين، مقيدين، ومنطلقين، على ما أردت بطريقك المستقيم يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، يوم تكشف الغطاء عنا، فنراك فينا، ونرانا منا، ونراك لنا.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  2. سورة الشورى -٥٢ ↩︎

  3. استلهاما من الآيتين “الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين.” سورة الشعراء - الآيتان ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  4. حديث شريف: “أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم”. أخرجه البخاري. ↩︎

  5. من قصيدة للشاعر العباسي صالح بن عبد القدوس ↩︎

  6. قول للإمام عليّ كرم الله وجهه. المحدث: السيوطي. المصدر: الدرر المنتثرة. ↩︎

  7. حديث شريف، رواه عبد الله بن عمر: “أخذ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببعضِ جسدي وقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى.” جاء بهذا الفظ عن ابن عدي". وأخرجه البخاري بلفظ: "  أخَذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَنكِبِي - أو قال بمَنكِبَيَّ - فقال: (كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ) قال: فكان ابنُ عُمَرَ يقولُ: إذا أصبَحْتَ فلا تنتظِرِ المساءَ وإذا أمسَيْتَ فلا تنتظِرِ الصَّباحَ وخُذْ مِن صحَّتِكَ لِمرضِكَ ومِن حياتِكَ لِموتِكَ". ↩︎

  8. سورة البقرة - ٥٤ ↩︎

  9. سورة الزمر - ١٨ ↩︎

  10. حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎

  11. سورة الرحمن - ٢٦-٢٧ ↩︎

  12. سورة الانفطار - ٦:٨ ↩︎

  13. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  14. سورة فاطر - ٤١ ↩︎

  15. سورة الملك - ٤ ↩︎

  16. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  17. مقولة للإمام عليّ (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  18. سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎

  19. حديث شريف: " رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَينِ، مُصفَحٌ عن أبوابِ النَّاسِ، لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّه.": أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎

  20. مقولة صوفية تتناغم مع تكريم الله للإنسان. ↩︎

  21. من مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه: “…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار، المكتبة الشيعية. ↩︎

  22. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  23. سورة النمل -٨٢ ↩︎

  24. من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎

  25. حديث شريف يتردد في أدبيات التصوف، يتوافق مع الحديث الشريف: “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎

  26. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  27. سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎

  28. إشارة إلى حديث شريف عن عائشة أم المؤمنين: "ليسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلَّا هَلَكَ قالَتْ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِداءَكَ، أليسَ يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {فَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا} قالَ: ذاكَ العَرْضُ يُعْرَضُونَ ومَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ. صحيح البخاري. ↩︎

  29. سورة النحل -٦١ ↩︎

  30. سورة الحج - ٣ ↩︎

  31. سورة الحج - ٨ ↩︎

  32. حديث شريف: "ما مِنكُم مِن نَفْسٍ إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفلا نَتَّكِلُ؟ قالَ: لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بالحُسْنَى}، إلى قَوْلِهِ {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} {الليل: ٥ – ١٠}. الراوي: الإمام علي بن أبي طالب.  صحيح مسلم ↩︎