(٤)
المؤمنون من كانوا لله ورسوله وجوه وأعلام
فكان حسبهم الله ورسوله في دوام
حديث الجمعة
١ ربيع الأول ١٣٨٤ هـ - ١٠ يوليو ١٩٦٤ م
تعيرنا أنَّا قليل عديدنا.[١]
وواحـدنا كالألف إن أمـرٌ عَنَى.[٢]
وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وما النصر إلا من عند اللـه.
كفى باللـه ناصرا، وكفى بالله حسبا، يا أيها النبي حسبك الله، ومن اتبعك من المؤمنين، اسجد واقترب وتقلب في الساجدين.
محمد رسول الله والذين معه… محمد رسول الله دائما والذين معه ما أسفر، أشداء على الكفار، رحماء بينهم.
ما جعلنا للكافرين على المؤمنين سبيلا ما كان إيمانهم بالله لجمعهم، وما كان الله حسبهم لنصرتهم وفعلهم. وما جعل الله نصرتهم إلا منهم وقد ألف بين قلوبهم، فلو أنفق منفق منهم ما في الأرض جميعا ما ألف بين قلوبهم، ولكن الله ألّف بينهم، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٣]، ومن ينصر الله فلا غالب له، ومن يُذل الله فلا مُعز له، وهو العزيز الحكيم، ومن عمل سيفا في يد الله صلَّى ونحر، فأحيا بقدرة الله من قتل. (وا عجبي من أناس يجرون إلى الجنة بالسلاسل)[٤]، {صلِّ لربك وانحر}[٥]، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.
(إذا لم تذنبوا وتستغفروا فيغفر الله لكم لذهب بكم وأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون، فيغفر الله لهم)[٦]، {إن يشأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}[٧]، {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين}[٨]… فليس الدين في المناسك، ولكن الدين في العلم والعقائد والاجتماع عليها.
وهو أمر فطري قائم في أي أمة وفي أي زمان، تكفل الله بالنصر للمتجمعين بالذكر والتواصي بالحق عليه. ومن هم المتجمعون عليه؟! وكيف يكون التجمع عليه؟! إن الإجابة على هذا التساؤل هي رسالة الدين، وهو ما يتكفل به فقه الدين، علما وتعريفا، يوم يتواجد لأمة ما فقهاء للدين. وهو ما ينتهي إلى التجمع على التواصي بالحق، بالمحبة والاستقامة مع الفطرة. وهذه هي الطريق، وهي الدين. وهذا هو الجانب العملي للجانب الثقافي للتبليغ دائما. وهما أمران لا يفترقان في أمة من الناس، استقامت على أمرها من الله.
فقه الدين هو بعينه فقه الطريق، أو في الواقع لبابه. فتأسيس أي دين قام دائما على دعامتين من مبلغ أو مبلغين على تعاقب، ومن إمام وأئمة منفذين للحكمة جاءت من أعلى بالتبليغ، وسندت وأبنت من أعلى بطاقة للحجة وللتنفيذ والاستقامة عليها، وهو الانتفاع بالدين بوصفه الطريق إلى الحق.
والطريق إلى الحق معناه كسب معنى واسم الحق لطالبه، بالتخلص من الباطل للنفس بأنانيتها من المادة ومن الظلام إلى جديد من أنانية لقيام لطيف من الروح ومن النور، يتواجد رويدا رويدا في الجلباب من التراب من الأرض، بدءا من سويداء القلب حتى يستكمل تواجده على مراد الطالب من فعله على ما يريد، باحتذائه لمثله الأعلى المؤسس للدين وللطريق، مختارا منه لحبه واعتقاده، يراه في إمامه ممتدا بصورة في عالم شهادته.
صدق الله وعده… وصدق رسول الله أمته… فكشف لها عن أمر الإنسان في الله، وضرب الله به مثلا للناس قدوة لهم، وأسوة لأمرهم فيهم منه به رجلا من أنفسهم كشف عنه غطاؤه، فحد بصره، وتفتحت بصيرته، فحسن إدراكه، واستقام تقديره، وقام بالله، في الله، من الله، وإلى الله أمره، بشّرهم وطمأنهم بدوامه متكاثرا بسرمدي كوثره رحمة لهم.
فكان أمرَ الله للناس كافة، وكان مرضي الله لمعاني العبد له، ولمعاني الحق منه، ولمعاني الرب على من يتكفل بيتا وجمعا وأمة، ولمعاني الإله على من يجهل سعة وعلما، ولمعاني الرحمة لمن يسترحم قياما وفعلا، ولمعاني العلم لمن يستعلم كتابا وحكمة، ولمعاني العزة على من يستكبر إصلاحا وعدلا، ولمعاني يد الله مبسوطة لمن امتدت منه إلى الله يده، يطلب رفده ويبايع الله على نفسه مع من باع الله نفسه، واصطفاه الله لنفسه، فكان عند الناس من الله نفسه لأنفسهم صنعه على عينه، وأوجده لنفسه فتواجده لخلقه بين خلقه، عين حقه، وقيام أمره، وساعة رضائه، وجمال طلعته، ورهبة جلاله وجلالته.
جعل شعاره لا إله إلا الله، وسنته وشرعته ذكر الله ولا ذكر له، وقيامه أمر الله ولا أمر له، فلا تعدد لأمر الله في أمره، عَلَمَ وحدانيته، ووجه شهادته، وداني عظمته، وكشف القناع عن أسرار غيبه على ما تكشف له بصيرته، ما كذبه فؤاده أمره، أمره من أمر الرفيق الأعلى ربا له، رآه جديد قديمه، وذكر ذكره، وباطن ظاهره، وقيوم قائمه، ومحيط أمره…
فكان الله حسبه، ونعـم الوكيل… كان الله مظاهره، ونعـم المعز… كان الله باطنه، ونعم الخالق… كان الله مخفيه وساتره، ونعم الحافظ… كان الله مبقيه، ونعم المحقق… كان الله مبديه، ونعم المنعم… كان الله ناشره، ونعم الراحم.
جاء بالإسلام يوم أسلم لربه، يوم أسلم للأعلى يدانيه برسول منه نزلة وأخرى، ربا له قاب قوسين أو أدنى عرف معه الوحدانية كيف تكون وما تكون، فأسلم يوم أسلم لمعروفه بإسلامه لموجوده يوم عَلِم عن معلومه، بعلمه عن قائم عالمه بوجوده، يوم أقرئ فقرأ… قرأ كتاب نفسه يأخذه بيمينه في دورة خلقه، ظاهرا لدورة ظهوره بحقه…
رسول القديم بمعناه، بهيكله الجديد لمبناه، آدم إنسانه إلى إنسانية آدمه… كان قبل آدم إنسانا، كما كان بعد آدم إنسانا. وكان بعد الإنسان له آدما، كما كان قبل الإنسان له آدما. هو دائما الآدم بذاته لجماع ذواته، والإنسان بحقائقه وصفاته، لجماع حقيقته حقيقة لكلماته، هو الإنسان المجدد لنفسه بنفسه بأوادمه في دائم أمره.
تلقى الكلم آدما، وصدر عنه الكلم إنسانا. صدر عنه الكلم لآدمه، وتلقى آدما الكلم من إنسانه. عرف أن آدم وإنسانه ظاهر لباطن، وباطن لظاهر، فعرف وعَـرَّف أن قبل آدم وبعـد آدم، الكثير من الأوادم، آدم وآدم وآدم، ومئات الآلاف من الأوادم خلائق الله، لا يخلق، ولا يتخلق، لا ولا يَخْلِق بذاته، فهو الخالق الموجد بإرادته والغير متعدد مع ما أوجد أو يوجد في وحدانية وجوده لأحده بمعناه.
هو المترفع والكبير المتعال… هو الأكبر من الكبير، والأعلى من العلي، والأوسع من الموجود الواسع، والأكبر من الوجود، والأطلق من القدرة، والأقدر من القادر، والأقرب من القريب.أظهر رسوله على الدين كله، وما أظهره جديدا مؤبدا على الدين كله إلا سابقه بمعناه لمعناه قديما مؤزلا، فأبد جديده فتأزل يوم تأبد، يوم عرفه الأبد، وقامه وظهر الأزل، وكانه وأبدى أزله بأبده، فجدد أزله فتأبد، فكان دورة الزمان للأزل والأبد التقاءً فيه، وقياما به، ووجودا عنده. فكان بذلك حجر الزاوية للوجود والتواجد.
كان إنسان الغيب، وباطن إنسان الشهادة، وإنسان الروح للشهادة، لمن كشف عنه غطاؤه، وحَدَّ بلطيف الله بصره، فتكشف الأمر لبصيرته، فرأى ببصره بصيرة له على ما يرى ببصره، مما يرى من صور الخلق عنده، فشهده محمدا رسول الله بعد أن شهده لا إله إلا الله.
سبحان الله، وتعالى الله، ما جاء مؤسس الإسلام ورسول الإسلام برسالة الإسلام عنونها وجعل شعارها لا إله إلا الله، فكشف عن دين الفطرة، وقانون الفطرة، وأمر الفطرة، وسر الفطرة، وظاهر الفطرة، وباطن الفطرة، إلا لأنها رسالة أبرزتها الفطرة، وقام مؤسسها بالفطرة بدءا وتكاملا وكمالا، ولا نهائيةً في وجود، وفي تكامل.
فحمل البشرى للكافة بمراد الفطرة بالكافة، وحذر الكافة من قدرة الفطرة على الكافة، وكشف أن لكل فعل ردَّ فعل مساو له في القوة، ومضاد له في الاتجاه. فعرَّف أن الحساب والجزاء، وأن النعمة والعطاء، إنما هي أمور قائمة في ظل قوانين الفطرة، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٩]، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[١٠]، كفى بنفسك اليوم، وفى كل يوم، ويوم يقوم الحساب، ويوم يعجم عليك الحساب، {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}[١١]، فهدى الناس… (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)[١٢]، وقوَّم الناس (موتوا قبل أن تموتوا)[١٣]، وحذَّر ونصح الناس أن عيشوا في هذه الدنيا غرباء، وعدوا أنفسكم من الموتى يخاطبكم الموتى، وإذا خاطبكم الموتى كنتم من المؤمنين لأن في خطاب الموتى يقين الحياة، ممن خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، فمكالمة الموتى أمر قائم في هدي وتعريف دين الفطرة، اختص به الله يهبه لمن يجعله من أهله، {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كُلم به الموتى بل لله الأمر جميعا}[١٤].
عَرَّف الكافرين: أولئك الذين كفروا بالحياة يقومونها ويقوم بها قيمة على الأحياء منهم، رسلا من أنفسهم ممن يصطفي الله لهم فيخلق بهم، ويجعل فيهم معلمين خالقين لهم، خلقا من بعد خلق، والله خلقكم وما تعملون، ذريات من بعد ذريات، لأصول من قبل أصول يجمعها في وحدة بوصلة ذرية طيبة بعضها من بعض، وقد جعل من العلم خلقا من بعد خلق، سبح اسم ربك الأكرم {الذي علم بالقلم}[١٥]، (كل الناس هلكى إلا العالمون…)[١٦]، {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[١٧].
وإذ أخذنا من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، أخذنا مما وراء ظهورهم من أرواح الآباء مظاهرة لهم منقبرة في قلوبهم، من صور المتصور، لأيدي القادر، لتجليات المتجلي، فما كان من ورائهم بإحاطته إلا أصولهم، وهو فاعل وسيفعل على ما فعل وعلى ما سبق أن فعل. وفعله كما بدأ أول خلق يعيده، فمن خلال الحاضر لأبناء آدم يبعث منهم أصولهم إلى آدم ليتواجد منهم من تواجدوا منه فتتم الدورة الخالدة للحياة بكلمات الله وإنسانية الرشاد له. من صلح أصلحنا له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته، ومن تمت لهم الدورة في دائرة لها، بمركز بها، تحرروا من العودة لمولد الفطرة على هذه الأرض إلى دارهم وأرضهم وجنتهم دارا لا يعصى الله فيها قط - لا يلدون ولا يولدون - أسماءً ووجوها له.
وإذ حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، فما عرف الآباء أمر أنفسهم إلا يوم عرفوا أمر أبنائهم، وما عرف الأبناء أمر أنفسهم بدورهم إلا يوم قاموا بمعارف آبائهم آباءً بدورهم، فأحاطوا معرفة بأبنائهم بدورهم على ما شهد آباؤهم لهم بعد أن فارقوا عالم أمرهم، وخلق لهم من مثله ما يركبون.
إن الناس على الأرض لا يعرفون أمر الأرض، ولا يحيطون بأمر الأرض، إلا يوم أن يفارقوا هذه الأرض إلى أخرى، تحملهم فلكا مشحونا بهم سابحا في ملكوت الله من أمره، على ما هو من أمرهم اليوم، وهذا ما يقوم فيه سكان الكواكب من سبقكم بآبائكم، وهو ما ينتظركم لقادمكم عند ما ينتهي أمركم من أمر هذه الأرض.
إنه لا ينظر إلى هذا الفلك مشحونا بأبنائه إلا من فارق دائرة أمره. فقد عَرَّف الرسول أنه زويت له الأرض، وأن أمته تبلغ ما زوي له منها، فالمؤمنون بالله ورسوله يرون معنى قوله {حملنا ذريتهم في الفلك المشحون}[١٨]، ويدركون كيف أنه خلق لهم من مثله ما يركبون، يوم أنهم لا يتثاقلون إلى الأرض. فمن تم له وصف ومعاني وإمكانيات الآباء وهو على هذه الأرض، رأى الفلك المشحون بأبنائه من مثل ما يركب بحاضره، بيتا موضوعا يذكر فيه اسم الله، يوم يرفع بيته وذكره باسم الله فيصبح في ظاهره لباطنه أمر الله وشأن الله، مسكينا ذا متربة هو آدمها.
ها أنتم في فلككم هذه مشحونة بكم، تفكرون في غزو الكواكب، تريدون أن تذهبوا إلى هذه الكواكب بماديات فعلكم وذواتكم وماديات قيامكم، وهي فلك مشحونة على مثال من فلككم التي تركبون، ولو أدركتم وقدرتم ففيها ما هو مشحون بالآباء لكم، ومنها ما هو مهيأ ليشحن بالأبناء منكم، فأنتم في داركم وبفطرتكم الأمة الوسط بين أمم الإنسان في دورها بين قديم الإنسان مؤزلا لا بدء له، وجديده متخلقا متواجدا أبديا لا انتهاء له. فعلى أرضكم من هم آباء لأبناء من ساكني الكواكب، وعليها من هم أبناء لآباء من ساكني الكواكب.
فأنتم خير أمم الإنسان إدراكا لأنفسكم يوم تحققون لأنفسكم أمر أنفسكم بمعنى الإنسان، بشرا بدأه خالقه بمولد فطري من طين، تواجد في جلباب من لحم وعظم ودم، فيه يتخلق من فعله، ومن أمره، ومن إرادته، مظهرا ومخبرا لغيب ومجهول أمره إلى كمال ذكر محدث لذكر قديم، يعلم ويشهد به خالقه، ويحمل شرف اسمه المؤمن لقائمه بظاهره وغيبه.
تواجد الإنسان بالإنسان لمعنى الإنسان له… تواجد لنفسه بأحسن تقويم، وبفعله وبإرادته هَوى لأسفل سافلين، يوم شغله دانيه لذاته بلذاته وشهواته، فَجَرَّه إلى الهاوية فهوى، فلما أفاق لأمره، وأحس بعسره، واستيقظ لمراد الله به من أمره في قديم أمره، لقي يسره، وأفاق إلى حقه به، فتخلى عن مرذوله، وممقوته، ومكروهه، طلبا لمنشوده، ومقصوده، ومسعوده، وموجوده، لعين وجوده، فتخلق من سافلين ومن أسفل محمولا طلبا لعليين وإلى أعلى، مبسوطة له يد من أعلى، فتصاعد مرتقى بعد مرتقى، وأخذ عطاء بعد عطاء عطاءً غير مجذوذ، واستوفى حقه لما خُلق له في واسع الحق، حقا غير منقوص، وما نال شيئا من ذلك في حياة الروح، في عوالم الحياة، إلا من كان له بيت يأويه وحق لنفسه يرتضيه، بدءا من عالم البدء، متواجدا من نبات الأرض بدءا من علق، {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا}[١٩].
جاء محمد الله… جاء آدم الله… جاء إنسان الله… جاء حق الله… جاء اسم الله… جاء حضرة صفات الله… جاء قدم الله… جاء يد الله… جاء أُذن الله… جاء عين الله… جاء فم الله… جاء أنف الله… جاء قبلة الله… جاء بيت الله… جاء ذكر الله بذلك كله، ليكون للناس بذلك كله من الله، لهم منه ما له ما تابعوه، وأحبوا الله فأحبوه، فعرفوه رحمته وطلعته.
جاء بذلك كله… فماذا أخذ الناس؟ وماذا ترك الناس؟ وماذا عرف الناس؟ وكيف آمن الناس؟ وكيف تَعبَّد الناس؟ وكيف تنسك الناس؟ وكيف حقق الناس؟ وكيف جافى الناس؟ وكيف تابع الناس؟ هذا هو أمر الناس، على ما هم الناس.
إنهم في يومكم على ما كانوا في يومه بيوم من أيامه، وهم على ما هم في جمعكم على ما كانوا في جمعه، وفى كل جمع له كلما جمع، وهم على ما هم في قبلكم على ما كانوا في قبله، ولا قبل له إلا ما هو قبل له، وهو ما يكون في بعدكم على ما يكون في بعده ولا بعد له إلا ما هو جديد له بعثا لقديم له في قانون الله، طال يومه بينكم أو قصر، جددتموه لكم من بينكم أو جمد، سعادتكم أن يطول يومه وأن تتجدد بينكم لكم أيامه.
{إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}[٢٠] وما يوم الجمعة إلا يومه ورسالته ومعناه. {إن الله جامع الناس، ليوم}[٢١]، هو هو {لا ريب فيه}[٢٢] يجاب به فيه منه الداعي لا عوج له، {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}[٢٣]، (ما عرفني غير ربي)[٢٤]، (لست على هَيئتكم)[٢٥]، (من رآني فقد رآني حقا)[٢٦]، فقد ذهب وصف الخلق عني، وقام وصف الحق لي، بعثت بالحق نفسي بيده، فمن عدد نفسه معي لا يعرفني، ولا أجهله، ولكنى أصبر معه، لعله يَذَّكر أو يخشى.
لله يسجد من في السماوات ومن في الأرض، وما كنت إلا أحده لأمتي عبدا من عباد، وحقا من حقائق، وآدم أوادم من أوادم أوادم، وإنسان رشاد في إنسانية الرشاد، لا تعدد لجمعها، ولا فرقة لقلوبها، ولا تناثر لقوالبها، {أليس منكم رجل رشيد}[٢٧].
إن الله يبحث عن عبده، وما يبحث عن عبده إلا بعبد له، كما يبحث العبد عن ربه، وما رب العبد إلا عبدٌ لرب له… وجوه لوجوه، بين ناضرة وناظرة، يفقدها لوجهه وجوه قوم يجحدون حقيقة الحياة أو يفرطون في أمرهم بقائم وقيوم الحياة لهم من الله، ترهقهم قترة، أولئك هم الكفرة الفجرة الذين غفلت عقولهم، وغلفت قلوبهم، واستعلت نفوسهم، وانحرفت إرادتهم، وضلت وحارت عزيمتهم، فطلبوا الدنيا نعمة عاجلة تعجلوها دون آخرة تأملوها وعملوا لها فانتظروها… طلبوها جيفة هم كلابها، طلبوها قذارة هم خنازيرها، مثلهم كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث.
يضعون أنفسهم ومن يألفون صورا ميتة في بيوت الله من قلوبهم، ويصورون الله بأوهامهم وبجهلهم وبانحرافهم، وملائكة الله لا تدخل بيتا من قلب فيه كلب من نفس أو صورة لجيفة من شيطان من رجس… بيت من قلب إنسان ما خلقه الله إلا لنفسه بيتا به يظهر، وفيه اسمه يذكر.
فماذا أدرك الناس من أمر هذا الدين؟ ماذا عرف الناس من أمر الفطرة؟ ماذا حقق الناس من العلم لأنفسهم عن أنفسهم؟ بماذا تواصى الناس بينهم عن أمر الحياة قائمة بهم للحي القيوم لمعاني قيامهم هم له وجوه وأعلام ومعاني وأسماء؟
إنهم يخشون الموت، وهو رفع حجاب الغفلة لهم بوضع أوزارهم عنهم وفيه الحياة ومولدها بهم، ويخدعون أنفسهم بحياة الأغلفة لقلوبهم هي أرض كسبهم وبعث أمرهم، واختبار قلوب غفلتهم عنهم، والغفلة عين الموت، وعين قيام الوهم والعدم، ولا علم لهم عن الروح هي حياتهم، ولا علم لهم عن الإنسان هو قائم وجودهم لقيوم تواجدهم، لقديم قديمهم في قيامهم، به يبقون الآباد، ويبعثون الآزال، يوم يدخلون في حصن لا إله إلا الله، هي حصن لمن كان لها شعارها، ومن كانت له داره، فكان بها لها في الناس دار.
عباد الرحمن هم بيوت يذكر فيها اسم الله، تدخلهم النفوس المطمئنة، هم بيوت الله مرفوعة أو موضوعة، يذكر فيها اسمه، يحيا من يدخلها، ويذهب الرجس عمن يسكنها، ويبعث بها من يقطنها، فينمو بيتا لله يذكر فيه اسم الله يوم يكون اسما لله بعد أن آمن بالله ورسوله، ثم لم يرتب في الله ورسوله بالريبة في أمر نفسه، محلا لله ورسوله، كلمة لله بهما، وخلقا من الله لهما، وجها لهما بمعاني الوجه لله، إنسانا وعبدا، وبيتا وحقا، وأمرا وذكرا، تعالى الله عما يصفون، وتنزه الله عما يشركون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قديـر.
هذه الدار من عالمكم هي عالم البدء وهي متاع أهل آخرتها سماءً دنيا لهم، وما بدئ أمر بيوم أحد إلا وتم، ما بدئ أمر بوحدانية الله إلا وتم. ما بدئ أمر برسول الله إلا وتم، فما كان يوم الأحد إلا رسول الله… وما كان يوم الأحد إلا عبد الله… وما كان يوم الأحد إلا حق الله… وما كان يوم الأحد إلا وجه الله… وما كان يوم الأحد إلا يد الله. هل آن لها أن تمتد مرة أخرى؟ هل آن للعبد أن يسفر مرة أخرى؟ هل آن للأمر أن يظهر مرة أخرى؟ هل آن للوجه أن يكشف الغطاء مرة أخرى؟ هل آن للحق أن يبرح الخفاء للبصر كما للبصائر؟
إذا وقعت الواقعة فليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة، ساء صباح المنذرين. إن الأرض والسماء لترهص ليوم من أيام الله… لأمر من أمور الله… لعبد من عباد الله… لروح من روح الله… لسماء من سماوات الله… لأرض من أراضي الله… لآدم أوادم من أوادم الله… لإنسان من إنسان الله… لرشاد من رشاد الله… فهلا استيقظ حصيف من الناس ليكون له سبق الإسلام والإيمان من قبل أن يأتي يوم من أيام الفصل يتبعه إنظار وبدء! من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.
إن يوم الفصل كان ميقاتا، للطاغين مآبا، يوما لابثين فيه أحقابا، {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}[٢٨]، إن يوم الفصل إنما هو قرون، فهلا تسمعون! وهلا تستيقظون! إنكم في يوم الفصل دائما تقومون، وان يوم الفصل يقوم فيكم يوم أنكم عن أغطيتكم تكشفون، وبأفئدتكم تنظرون، فترون وجه الحق أينما تولون في مرآة الوجود، أنتم بالوجود تقومون، وبكم الوجود يقوم، ويتجدد على ما تشهدون، وجود لوجود… لشاهد ومشهود.
يستعجلون الساعة، والذين يؤمنون بها لا يستعجلون، فهم من أمرها مشفقون لأنهم بها يؤمنون، ولها ينظرون في قلوبهم على ما يشعرون، ورغبا ورهبا على ما يدركون يقومون فيما به يؤمرون، ولأنفسهم بالظلم يتهمون، والطمأنينة لأنفسهم لا يُقدِّرون وبها لا يحسون ما رأوهم يفعلون، وغير الاتهام لها لا يقبلون، {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء}[٢٩]، فإذا قاموا في نعمة الله بطاعته، حمدوا الله لحسنته، ورأوا أنهم ما قاموا فيما قاموا إلا بتوفيقه، {وما توفيقي إلا بالله}[٣٠].
قدروا أنفسهم حق قدرها فإذا هي العدم، وقدروا الله حق قدره فإذا هو الوجود، فحرصوا على لا إله إلا الله، هم فيها قيام، وهم بها قيام، وحرصوا على شهادة أن محمدا رسول الله وعبد الله… والحق من الله… وبيت الله… وحضرة الله… وحق الله، فعرجوا في معراجه، وارتقوا في مرتقاه، قائمين فيه، قائمين به، قيوما عليهم بقيام الحق عليهم رفيقا أعلى، قدوة وأسوة لهم، تتم لهم معانيه بقيامهم ظلالا له فيه، فيرونهم به، قيومين عليه على جديدهم بمعاني جديده بهم فيه، هو لهم وهم له بشهوده في معاني مشهودهم لهم، يرونه بإحاطته بهم، فوقهم وتحتهم، أمامهم وخلفهم، وعن أيمانهم وشمائلهم، حولهم وفيهم، عين بصرهم وقيامهم، وعين بصيرتهم وقلوبهم، ما رأوهم بالحق منه ظلالا له عرفوا به شرف القيام بمعنى الظل له، إذ رأوه معاني الحق لظلاله في قيامهم على ما هو من الأعلى رفيقا له، فشهدوا أنه الحق من ربهم، فعرفوا أن محمدا رسولا وحقا، وأنه لهم من ربه ربا… ومن إلهه إلها… ومن عبوديته عبدا، وحبا وخلا… فعرفوا معاني العبد في الله… ومعاني الرب في الله… ومعاني الإله في الله… ومعاني التنزيه لله… ومعاني القرب لله… ومعاني الإكبار لله، يوم شهدوهم محمدا رسول الله، فعلموا أنه لا إله إلا الله، وقاموا لا إله إلا الله، يوم قاموهم عبادا لله، وحقا لرسول الله. لا يجز لهم من الله ورسوله عطاء، ولا يتوقف لهم منهما جزاء… فتعالى الله في تعاليهم، وتدانى الله في تدانيهم.
هؤلاء هم المسلمون حقا، نسأل الله أن يجعلنا من المسلمين حقا… نسأل الله أن يلحقنا برسوله حقا، وأن يقومنا به له عبادا وحقا، فنحسن مدخلنا على لا إله إلا الله، ونحسن قيامنا بلا إله إلا الله، فنقوم كلمات لله، الله بها يفعل، ولا تعلن الفعل بها إلا لله، وبها يعلي، وبها يخفض، وبها يذكر الله وحده، فنكون حقا عبادا لله، مسلمين لرسول الله إسلاما لله، وعبادا له. بهذا جاء الإسلام، وبهذا جاءت الفطرة، وها هي السماء بيننا تجدد هذه الرسالة، على ما أقامتها في قديم، وجددتها في مستديم.
ها هي السماء تقوم بلا إله إلا الله، وتُقيم لا إله إلا الله، وتجدد رسالة الفطرة لرسول الله، (بدأ الإسـلام غريبا ويعود كما بدأ)[٣١] ، وعما قريب سنشهد جميعا آثار ذلك، ومعنى ذلك، ووعي ذلك، وفهم ذلك، وبيان ذلك، يوم نرى ونفيق ونتنبه إلى ما سيرينا الله مما سبق أن أبدى، وعلى ما هو مبدي في دوام من آياته في الآفاق، وفي أنفسنا، وكم أشهدنا ولم نفق، ولم نستيقظ، ولكن آيات الله ستترى، الآية بعد الآية، والأمر بعد الأمر، والحدث بعد الحدث، والشدة بعد الشدة، والبأس بعد البأس، والقوة بعد القوة، والرخاء بعد الرخاء، واليسر بعد اليسر، حتى يستيقظ الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، وقد خلت من قبلهم المثلات، ولكنهم لا يستيقظون. يجافون قيامة الرحمة قائمة بالرحماء، وينتظرون قيامة رد الأعمال والجزاء والمثلات، والله عند ظن عباده إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
نسأل الله أن لا يجعلنا من أهل الغفلة، وأن يجعلنا من السابقين المقربين، المؤمنين، المسلمين، ولا يجعلنا من المستهترين، المتهاونين، المتكاسلين، {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}[٣٢]، وليأتينك نبأه بعد حين.
لا إله إلا اللـه، محمد رسول اللـه
أضواء على الطريق
{وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[٣٣]، {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٣٤]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٣٥] {إنا أعطيناك الكوثر… إن شانئك هو الأبتر}[٣٦]، {إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[٣٧]، {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٣٨].
من هدي الذكر الحكيم.
مصادر التوثيق والتحقيق
من أبيات للشاعر السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي، يهودي حكيم من العصر الجاهلي: تعيرنا أنّا قليل عديدنا… فقلت لهم إن الكرام قليل. ↩︎
من قصيدة شعر تسمى “المقصورة” للشاعر أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي من أزد عمان. ولد في البصرة سنة ٢٣٣هـ. والناس ألف منهم كواحد… وواحد كالألف إن أمر عنا. ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
حديث شريف. صحيح البخاري. كما جاء بلفظ “عجبتُ لأقوامٍ يُقادونَ إلى الجنةِ في وهم كارهونَ.” أخرجه ابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في حلية الأولياء. ↩︎
سورة الكوثر - ٢. ↩︎
الحديث الشريف: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة إبراهيم - ١٩-٢٠ ↩︎
سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎
الزلزلة ٧-٨ ↩︎
سورة الإسراء - ١٤ ↩︎
مقولة من حديث للخليفة عمر بن الخطاب. أخرجه أحمد في (الزهد) ↩︎
حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎
سورة الرعد - ٣١ ↩︎
سورة العلق - ٤ ↩︎
حديث شريف جاء في كناب إحياء علوم الدين للغزالي باب “حقيقة النية ومعناها”، بصيغة: “فالنَّاسُ كلهم هلكَى إلَّا العالِمون، والعالِمون كلهم هلكَى إلَّا العاملون، والعاملون كلهم هلكَى إلَّا المخلِصون، والمخلِصون على خطرٍ عظيم”… وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر: سمعت ذا النون المصري يقول: "الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملون، والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، قال الله عز وجل: “ليسأل الصادقين عن صدقهم.” ولكنه يصنف بأنه موضوع. ↩︎
سورة الأنفال - ٢٤ ↩︎
سورة يس - ٤١ ↩︎
سورة المزمل - ٦ ↩︎
سورة الجمعة - ٩ ↩︎
سورة آل عمران- ٩ ↩︎
سورة البقرة - ٢ ↩︎
سورة طه - ١٠٨ ↩︎
حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎
من الحديث الشريف: “إيَّاكم والوصالَ إيَّاكم والوصالَ قالوا: فإنَّكَ تواصِلُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: إنِّي لستُ كَهَيئتِكُم إنِّي أبيتُ يُطعمُني ربِّي ويَسقيني” أخرجه مالك، والبخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة هود - ٧٨ ↩︎
سورة الحج-٤٧ ↩︎
سورة يوسف -٥٣ ↩︎
سورة هود -٨٨ ↩︎
حديث شريف: “بدأ الإسـلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة المائدة - ١٠٥ ↩︎
سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة الكوثر – ١، ٣ ↩︎
سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎