(١٩)
المعروف بالتفريد
المنزه عن الإطلاق وعن التقييد
ظهره الإنسان بالإطلاق حقا لله غيبا وأزلا
وبالتقييد وجودا وعالما وكونا وأبدا
حديث الجمعة
٢ صفر ١٣٨٤ هـ - ١٢ يونيو ١٩٦٤ م
اللهم انشـلني من أوحال التوحيد، إلى فضاء التفريد.
اللهم ارزقني الإيمان بك، معنى منزها عن الإطلاق وعن التقييد، معنى عرفه الإطلاق وظهره التقييد.
اللهم خذني مني، ولنفسـي لا تكلني، وفي حصن وحدانيتك فأدخلني، بإدراك لا إلـه إلا الله، عَلَما ويقينا، قولا وفعلا، ودركني معناي فيك عدما، ودركني معناك منك لي وجودا، ولا تجعل لي شـهودا إلا ما أشـهدت، ولا مشـهودا إلا ما قمت، وألحقني بلطيفك، ولا تحرمني من تشـريفك، حتى تشـهدك فأشـهدك، وحتى أشـهد بك، وأشـهد منك، واكشـف الغطاء عني حتى أشـهدني منك. لا إلـه إلا أنت.
وجهتنا إلى طريق التأدب لك في نظر التعدد معك، بأن نرى الحسـنة منك، والسـيئة من أنفسـنا، فأيقظنا الأدب إلى محيط قدرتك، فأعلمتنا وعلمتنا، من فيض رحمتك، وإشـباعا لفراغ وعينا بدائـم تسـاؤلنا عنا في تسـاؤلنا عنك غيبا علينا، أن نعلم مفتاحا لعلومنا أن كل شـيء إنما هو من الله، ما أصاب من حسـنة، أو من سـيئة في الأرض، أو في السـماء، إلا بإذنه، وما كسـب مُحسـن، أو فقد مسـيء، إلا بما قـام في المحسـن والمسـيء من أمره، حرا في أمره بحرية المرء في أمره من أمر ربه في حدود محيط أمر الله.
من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، فما كان أمره إلا من أمره. ومن يعمل مثقال ذرة شـرًا يره، فما كان أمـره إلا من أمره. وما كان أمره في هذا أو أمره في ذاك، إلا من الفطرة. صبغة الله في أمره، وفي شـأنه، وفي حكمته، وفي تنزيهه عن الإطلاق وعن التقييد، وفي تفريده في حقيقته. قامت بأسـمائه، واتصفت بصفاته كل الأمور بحكمته. (كن كيف شـئت فإني كيفما تكون أكون)[١]، {وما تشـاءون إلا أن يشـاء الله}[٢]، {إنا هديناه السـبيل إما شـاكرا وإما كفورا}[٣]، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٤].
تجلى الحق بالإنسـان، لبروزه من كنزيته، ظهورًا بوجوده، في موجود الإنسـان لنفسـه، عبدا وحقا لربه، خلقه أزواجا. وعلا به طباقا حقيقة وحقا، ودانى به طبقا بعد طبق رسـالة وخلقا، عبادا للأعلى ربا لهم، والأعلى فالأعلى إلـها عليهم تنزيها لعاليه عن عين دانيه، وتنزيها لدانيه عن الغيرية لعاليه.
فاسـم الله… يقوم بالإنسـان، والإنسـان باسـم الله يقوم، في أحسـن تقويم أو في أسـفل سـافلين، في آن واحد، قوسـان متلاقيان، ومتباعدان. فشـتان بين الإنسـان في عاليه، والإنسـان في أسـفله ودانيه. وما أقـرب الإنسـان، بدانيه من عاليه، وبعاليه من دانيه في المطلق من ورائهما بإحـاطته. قوسـان يحيطان ويمسـكان بالوجود وبالأكوان، باسـم الله، يدا لله، كلتا يديه يمين، الأرض جميعا قبضته، والسـموات مطويات بيمينه، يوم يُدرَك للمدرك أمره، بقيام قيامته بقيام أمره من أمر ربه، بكشـف الغطاء عنه، لفتح عيون بصره بامتداد نور بصيرته.
الإنسـان محل عظمة الآلاء والإحسـان إلى معنى الحق له وجها لله. الإنسـان ترجمان الدين والديان… الإنسـان في ظلامه، والإنسـان في إشـراقه شـتان، شـتان بين الظلام والنور، بين الظل والحرور، بين الجاه والذِلة، بين الحق والتعليل والعلة، بين العلم والجهل، بين الحيـاة والعدم، بين المسـرة والندم، بين روح المكان والمكان، بين الإنسـان والحيوان، بين البقاء والفناء، بين الحركة والسـكون.
الإنسـان بذكر الله لمعناه يحيـا ويحيـا، وبه الموات يحيـا، وبه التراب يحيـا، وبه الظلام يحيـا، وبه النور يحيـا، وبه الروح تحيـا، وبه الحيـاة تحيـا، إذ تتواجد طبقاته بالحيـاة من الحيـاة، ومن حيـاة إلى حيـاة وحيـاة.
(الله)… من يكون الله؟ ولمن يكون الله؟ ومتى يكون الله؟ وأين هو الله؟ متى للإنسـان أن يَعرِفه؟ ومتى للإنسـان أن يلقاه؟ متى يداني عَليُّ الإنسـان دني الإنسـان؟ متى يداني أحسـن تقويم من كان منه لا زال في أسـفل سـافلين، فينفخ فيه من روحه، ويضاعف له نور الحيـاة فيه، نورا على نور، وحيـاة على حيـاة؟
متى يمحو العلي ذِلة المنحط الدني؟ متى يعرف الإنسـان نفسـه بعزلتها عن عاليه أنها معاني الانحطاط فيه؟ ومتى يعرف الإنسـان روحه أنها معاني الوجود له؟ ومتى يعرف الإنسـان عقله أنه سـر الحيـاة فيه؟ ومتى يوقـظ الإنسـان ضميره ليعلم أنه عين الله فيه، ورقيب الله عليه، وشـهيد الله إليه، ورحمة الله به، ويد الله عنده، وعون الله له؟
متى يعلم الإنسـان أنه بين يدي رحمة الله، وأن يدا الله برحمته ما كانتا إلا ليل سـكينته، وفجر طلعته، يجتمعان على أرض قيامته، من قلوب في أكنتها، للإنسـان في بشـريته، وموالد فطرته؟
إن الإنسـان في مولد الفطرة، من مولده من الأرض، إلى مولده من النور، إلى مولده من السـماء، يوم يمج ظلام نفسـه وتتفتح آذانه إلى كلمات الله إليه على ما كلمه برسـالته وقد خصه بكلامه، ووعده بسـلامه، وطالبه بالتسـليم له بالتسـليم لمن سَـلَّم له والدخول في السِـلم معه، بالدخول في السـلم مع حقائقه بعباده إنهاءً للخصام، واسـتجابة للأمر وقبولا للكلام. يا أيها الناس {ادخلوا في السلم كافة}[٥]، {إن الإنسـان لربه لكنود}[٦]، {قُتل الإنسـان ما أكفره}[٧].
إن الإنسـان إذا اسـتغرقته يد النور لم يعرف سـكينة الليل، وإذا غمرته يد الظلام احتجبت عليه إشـراقة النور. إن الإنسـان ليعرف ما النور، وليعرف ما الظلام، وجب عليه أن يتجرد بمعناه، وينأى بذاته وبأناه عن الاسـتغراق، سـواء في النور، وسـواء في الظلام، يوم يعرف فيرافق، ويتمسـك بصحبة من تجرد من النور ومن الظلام، من عَرف رب النور والظلام، من لم يره من أهل النور أو من أهل الظلام، من رآه يتيما عن النور وعن الظلام، يوم يتمسـك برسـول الله الذي أظهره الله على الدين كله، فنزه الله، وأفرد الله، وقام مضافا إلى الله، عبدا له، ومسـيحا لربه فيه وجها للأعلى، وما كان إلا رفيق الأدنى، وما كان وجه الأعلى للأدنى، إلا رسـول الأعلى إلى الأدنى، إلا رسـول الله.
فمن عَرَف رسـول الله، معنىً دائما، وأمرا قائما، وحقا متكلما، فاسـتقى من معارف رسـول الله، فعرف ما عرف رسـول الله عبدا للرحمن، نزه الله على ما نزهه رسـول الله، وأضاف إليه منزها ما نزهه عنه بوصفه صفات له، وأسـماء له، وحقائق فيه، بعباد له، بكليات وجود حجبا وعوالم لمفردات تواجد في كلياتها، حقائق من الله، تقوم بالله، وتنمو في الله، ولا تذكر إلا الله، راجعة إلى الله، حجبا من النور والظلمة لأحدية حقها منزها عن أوصاف النور والظلام.
فالنور مدينة العلم عن الله، والظلام بيت السـكينة من الله. فالعزلة بالأنانية عن مطلقه لعين الأنا اسـتقامة فيه، ووعي عنه. والإمحاء إلى عين وجوده بإنسـان حقه نعمة منه، وسـعادة تقوم به. والعزلة عنه مع القول به مغايرا مباعدا قيام للشـرك بالنفس معه. والإنكار عليه أقرب من حبل الوريد لعين المنكر هو معنى الكفر به. والدخول في حصن وحدانيته هو بدء الحيـاة، وقيامة الحيـاة، والعروج في الحيـاة. والدين هو قيامة القيوم على القائم من أمر الحيـاة، في معراجها إلى أكبر فأكبر، وأظهر فأظهر، وأخفى فأخفى، وأعمق فأعمق.
إن المقام المحمود عند أي قائم، إنما هو الأقوم في نظره، على ما هو قائم. فالمقام المحمود عند الرحيم، إنما هو الأرحم والأوسـع من رحمة الله. والمقام المحمود عند اللئيم، إنما هو ما هو الألأم والأخبث من قيام القائم مخدوعا فيه به في مكره بنفسـه، بوهم مكره بالناس حسـب إدراكه وحسـه. إن الذي يرى الخبث في الناس والطهارة في نفسـه، إنما هو من يراه الناس في خبثه، ويدركون بإدراكهم لخبثه فضل الله عليهم في أنفسـهم إنهم لم يكونوه. إن المقام المحمود عند الطاغي، إنما هو الأطغى منه. إن المقام المحمود عند المتكبر، إنما هو الأكثر تكبرا منه، أو المتكبر عليه.
إذا ظهر الله بكبريائه على المتكبر، فقد تصدق عليه بإذلالـه في كبره، وكشـف ضعفه في كبريائه، وهذا من جانب الله رحمة منه به، أما من جانب النفس ففي هذا عذاب الله، وفي هذا مقت الله، وفي هذا غضب الله، وفي هذا سـخط الله، وفي هذا لعنة الله. (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السـماء)[٨].
إن المقام المحمود عند الرحيم، هو ما عند من هو أرحم منه من الرحمة. فإذا تجلى الرحيم على الرحيم، إذا تجلى الأعلى على الأدنى، رحيما على رحيم، كان في هذا سـعادة المرحوم في رحمته، وكرم الرحيم بمنته… وفي هذا معنى الرضاء… وفي هذا معنى الوفاء… وفي هذا معنى الجزاء… وفي هذا معنى القرب… رضي الله عنهم ورضوا عنه.
إن الرحمة مع الرحمة لا تتنافران… وإن الكبرياء مع الكبرياء لا يأتلفان ولا يلتئمان، فبين أهل الكبر فرقة، وبين أهل الرحمة أُلفة، الراحمون يرحمهم الرحمن، والمتكبرون يتكبر عليهم الديان، ومن نوقش الحسـاب فقد هلك.
إن صحبة رسـول الله… إن أُلفة رسـول الله… إن الوحدانية مع رسـول الله… إن المتابعة لرسـول الله… إن القيام بأمر رسـول الله… إن السـير خلف رسـول الله إلى الحج وإقامة الصلاة… إن مصاحبة رسـول الله مع من عرف رسـول الله… مع من قام رسـول الله… مع من قامه رسـول الله… مع من امتد فيه نور الله من رسـول الله… مع من كان لرسـول الله ظلا… مع من كان لرسـول الله مسـلما… مع من كان لرسـول الله يدا ووجها… إن في هذه الصحبة وجاء من الفتنة، وأمـان من الضلالة، ويسـر من كسـب الحيـاة، وطريق ممهد مسـتقيم إلى الحق، بدءا من قائم الحق على الخلق، إلى قائم الخلق بالحق، ملأً أعلى، يرجوه الأدنى لما فيه، وهو يسـعى رحمة من الله إلى الأدنى ليوفيه، ويرتفع به إلى معانيه، فيجدد نفسـه لدانيه، من أصل نشـأته، من أرض شـجرته ليعرف بحقه ورحمته، عند قومه وبيئة بدء خلقته، إلى قيام حقيقته.
هذا هو الحق من ربكم… هذا هو الحق من رسـولكم… هذا هو الحق على ما جاء به دينكم… هذا هو الحق على ما حَدَّثكم به دَيانكم، فمن شـاء ذكره، ومن ذكره ذَكَّره، فكان ذِكرَه، ومن كان ذكره عرفه، عرفه ذكرا محدثا لذكر قديم، تنزه الله في أمره، وتنزه المسـتقيم في أمره، حفظه الله من أوحال التوحيد، وسـار به الله إلى فضاء التفريد، وتنزه الله عنده عن الإطلاق وعن التقييد، وقـام بآلائه في التقييد لإدراك أناه، وفي الإطلاق لمعرفة معناه في مولاه، في معرفته عن نفسـه، مقيدا، عبدًا مرسـلا إليه، ومطلقا رسـولًا من مطلقه في مطلقه… إنسـان الله الذي حَفِظَه الله من أوحال التوحيد، وسـرى به الله في فضاء التفريد، فجعل منه التقييد، كما جعل له الإطلاق.
إنسـان الله وعبد الله، من قرأ كتاب الله في نفسـه كتابا له من الله بقيام الله عليه في قيام الحيـاة له، متأزلة متأبدة، ببعده عن الفنـاء بكسـبها سـرمدا، وقيامها أبدا. ذلك المسـلم، ذلك المؤمن، ذلك الإنسـان، ذلك المسـيح مع عاليه، الباقي به في دانيه…
العبد… العابد، المدرك بعبوديته، لمعاني عبادته، قيام عين معبوده، رفيقا أعلى في موجود موجوده، بدخوله في لا إلـه إلا الله، قياما، وشـهودا، لمن قام فيه، وتقلب فيه بالسـجود للانهائي، ومحا موجوده إلى وجوده، موجودا لله، عبدا ورسـولا لله، حقا من حقائقه، وأحدا بين آحاده، يجمعها علمه عنه بأحديته، غيبا يقصد ولا يدرك في تنزيهه عن الإطلاق والتقييد، سـيرا إليه في فضاء التفريد خلف رسـول الله، خلف رسـول الحقيقة، خلف قائد ركب عوالمه إليه، خلف ياقوتة أحدية ذاته وعين مظهر صفاته، من تنزلت علوم آدم به فيه عليه، فأعجز كلا من الخلائق فهم ما أُودع من السـر فيه، وله تضاءلت الفهوم وكل عجزه يكفيه.
الرسـول… وهو على ما هو له، وعلى ما هي معاني العجز فيه، ليس بعيدا عن متابعيه، كما أنه ليس بعيدا عنهم ربـه ومعطيه، فلهم من الله ما له، ما كانوا فيه، وما كانوا به، إلى فضاء التفريد المنزه عن الإطلاق وعن التقييد، ليكون لهم من الله ما أراد بهم الله، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}[٩]، {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}[١٠]، (لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا)[١١]. (حسب ابن آدم من الطعام لقيمات يقمن صلبه)[١٢]، ما خلق الله الإنسـان، ولا الجان، إلا لنفسـه، إلا ليعبدوا أنفسـهم له، حتى يكونوا جـذوة النار المقدسـة للأعلى، وحتى يكونوا فجر النور للأشـرق والأسـمى، وجوها له، وأيدي ممتدة منه إلى خلقه، إلى الناس، فما عرف الناس في الله إلا الناس، وما عرف الإنسـان في الله إلا الإنسـان، وما رَبَّ الإنسـان في الله إلا الإنسـان، وما رحم الإنسـان إلا الإنسـان، وما تلاقى الإنسـان في الله إلا بالإنسـان، الله لهم، والله بإحاطته من ورائهم، قاصيا ودانيا، مدينـا وديانا، ربا وعبدا، فالإنسـان محل الآلاء، ومحل الإحسـان، لفاطره على فطرته، فاطر السـماوات والأرض وما بينهما.
هذا ما تحملنا إليه لا إلـه إلا الله، سـفينة نجاة، نركبها إلى فضاء التفريد، المنزه عن الإطلاق وعن التقييد، فنعلم أن الله ما يعلونا منا، وأن الله ما يسـفلنا منا، بأسـفل أنفسـنا هاوية، تلقاها يد الله أسـفل منها راحمة، ولها مُكرِمة، ومن العدم لها حافظة، فهو الذي يمسـك السـماوات والأرض أن تزولا، فإذا تسـامينا بأنفسـنا، فتعالينا بها، فعرجـنا تسـاميا، ولله طَلبا، حملتنا يد الله، ما دام الكبرياء بعيدا عنـا، فإذا للكبرياء تذوقنا في مصعد، بنا، إلينا، بطشـت بنا يد كبريائه، من أعلى، وعلينا أكبر، فردتنا إلى الأرض من حيث نشـأنا وسـرنا، فسـرنا وهوينا من الأرض إلى أسـفل فأسـفل، حتى تلقانا يد رحمته مرة أخرى.
فالإنسـان بين يدي رحمته، أعلى من عاليه، وأسـفل من أسـفله، ولو عرف الإنسـان أنه بين يدي رحمته، فتأدب بأدب رسـوله لكان يدا لرحمته، وقياما ليده بين يديه، وكان أمر الله الوسـط، وحق الله الوسـط، وإنسـان الله الوسـط، وأمة الله الوسـط، فعرف أن خير الأمور الوسـط، فعرف الله، واسـتقام في نفسـه أمرًا لله، وعبدًا لله، وحقا لله، على ما رأى رسـول الله أمره ونفسـه، (من رآني فقد رآني حقا، فإن الشـيطان لا يتمثل بي)[١٣]. وأنا المثل الأعلى لكم، ولله المثل الأعلى في السـموات والأرض، وما لاقى طالب الله في السـموات أو في الأرض، وما فوقهما وما دونهما، إلا مثلا أعلى بما قام به هو، من رؤيته في نفسـه حقا قائما يعلوه حق ويسـفله حق، يطلب الأعلى ويرحم الأدنى. فالمثل الأعلى للشـيطان، الشـيطان الأكبر يوم يكون له أعلى فيفيء إلى أمر الله. والمثل الأعلى للرحمن، الأرحم والأوسـع والأحلم، ولله المثل الأعلى في السـموات والأرض، وفي كل مجال، وفي كل ميدان، وفي كل معنى، وفي كل أمر.
لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله، وأمر الله، المثل الأعلى لنا وعدناه وشـهدناه، وهو لنا من الله ما اسـتقمنا مع الله في متابعته، وشـهدنا رسـول الله حقا منه، نشـهد أنه محمد، وأنه رسـول الله، وأنه بمحامد الأخلاق حُمِد ووصف.
اللهم يا من هو لنا قبل أن نكون… اللهم يا من هو لنا بعد أن نتوفى… اللهم كن لنا في قائم، وارحمنا بك في دائم، وتكفلنا برسـولك في رحيم… اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا، فقد اضطرب أمرنا، وضاق صدرنا، وتأزمت الحيـاة من حولنا، وغمرتنا الفتنة بظَلامها، وفقدنا سـكينة الليل في منامنا، وجمال الشـهود في نهارنا، وقيامنا، وها نحن في حمارة القيظ بفعلنا وغفلتنا.
اللهم أدخلنا في ظل رحمتك، واشـملنا بكنف عنايتك، وأضفنا إلى الرسـول، رسـول رحمتك، حتى نُرحـم، وحتى أنّا من الجهل نخرج فنعلم… اللهم أسـرِ بنورك منه فينا، وصل بنورك منه إلينا، حتى تُشـرق مشـكاة صدورنا، وحتى تهتز بالحيـاة أرض قلوبنا، وحتى تنطلق من سـجن الذوات أرواحنا إلى فضاء التفريد، المنزه عن الإطلاق وعن التقييد، وحتى يشـرق نور الحيـاة في عقولنا، فتسـتقيم به جوارحنا، وتُقوَّم به طريقنا.
اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، وأصلح أمرنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، قوادا ومقودين، يقظين وغافلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أضواء على الطريق
سـئل السـيد الروح المرشـد الحكيم (سـلفربرش) عن الحد الذي تتدخل به الإرادة الصادرة من مفردات وجماعات البشـر في سـير التطور للبشـرية فأجاب:
(إن الإرادة تلعب دورا هاما، ولكن تذكروا أنكم إذا اسـتخدمتم هذا اللفظ فإنكم تقصدون شـيئا مناقضا، إذ أنه لا توجد إرادة خالصة تماما، نظرا لأنها محكومة بالظروف التي لا تسـتطيع السـيطرة عليها والتي سـوف تخضع لها هي. الإرادة المطلقة تكيفها عوامل وقوانين عالمكـم، وقوانين الكون الطبيعية، وحالتكم من التطور. ونحن نحاول دائما أن نصوب تأثيرنا نحو كل ما فيه تقدم ومسـاعدة للبشـر. لا يمكننا التداخل في إرادتكم المطلقة ولكن يمكننا أن نوحي لكم باختيار رأي في الحيـاة أكثر صلاحية وتعقلا.
إن القانون الطبيعي للتجاذب سـائر، لأنه ما دام هناك أواصر قربى بين مجموعتين فأفراد كل منهما يرغبون من تلقاء ذاتهم في مسـاعدة الذين يقومون بمهامهم. وعندما يفد لعالمنا سـياسـي كان منهمكا كثيرا في أحد مناهج الإصلاح ولم يكن قد أكمله أثناء حيـاته الأرضية، فإنه يجاهد ليؤثر على الآخرين الذين يبدون الميل لإتمـام إصلاحه. هذا صحيح إلى درجة أن الوطنية تظل عاملة حتى في عالمنا، لفترة قصيرة حتى يزداد رقي الروح. وصحيح أيضا أن الذين ينتقلون من ذوي الآراء المتغطرسـة أو من السـكيرين أو مدمني المخدرات يحاولون إشـباع ميولهم خلال الآخرين ممن يكون لديهم ميول مماثلة في عالمكم.)
مصادر التوثيق والتحقيق
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الإنسان - ٣٠ ↩︎
سورة الإنسان - ٣ ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎
سورة البقرة -٢٠٨ ↩︎
سورة العاديات - ٦ ↩︎
سورة عبس - ١٧ ↩︎
حديث شريف: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). رواه أبو داود، والترمذي. ↩︎
سورة الذاريات - ٥٦ ↩︎
سورة الذاريات - ٥٧ ↩︎
حديث شريف: “لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ: تغدوا خماصًا وتروح بطانًا.” أخرجه أحمد، الترمذي، وابن ماجه. ↩︎
حديث شريف: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. (رواه الترمذي) ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎