(١٥)
الإنسان
أنًا و هو
عبد و رب
جسد و روح
عالَم و عالِم
حديث الجمعة
٣ محرم ١٣٨٤ هـ - ١٥ مايو ١٩٦٤ م
(الله الصمــــــــد، محمـــــــــد الرحيــــــم)
شـعار ترفعه الطبيعة، وبلاغ تنطق به حكمة الفطرة، وكلام يكتبه قلم الوجود.
نعم…
الله الصمـــــــــــد
فكيف يولد، وكيف يلد، ولم يكن له كفوا أحد؟
نعم…
محمد الرحيم
فهل كان محمد كلمة الله، وحق الله، إلا رحمة للعالمين؟ كلما وُلِد، وكلما بُعث، وكلما عنه الأرض انشـقت، وكلما به إلى الأرض السـماء بعثت، بعثا له بالحق في قيام من زاهق من الخلق، كلما جاء، وكلما تجدد، وكلما امتد في ظلال له، وكلما اختفى بقديم ليظهر بجديد، وكلما ظهر بدائمه في موقوت، وكلما تحرر بموقوته إلى قائم، في قيام من دوام، بدءا للحق، وبدءا للخلق لا بدء ولا انتهاء لهما فيمن لا أول ولا آخر له.
حي في قبره، من قلوب في أكنانها هو لها الفؤاد. مزوية له الأرض يقوم ويتقلب في السـاجدين، قلوبهم له أرض تنشـق عنه بمولدها يوم تسـتقبل الحيـاة، وقد امتد نور هدايته إليها فاتحد بنور الحيـاة فيها، فهاجرت من دنيا ذاتها إلى داني سـماواتها نبعا منها به. يقوم ويتقلب فيها بمعناه عبدا لله، وعالما لله. فيه وحوله ظلالـه من عمله، ومن مصطفاه، في جنة الخلاص به، هم وجوه ربه إلى جنة الحقيقة برشـاده بعين حقه في حقيقته.
الطائفون به في حجيج. والداخلون بابه في حضرة من بيته يذكر فيه اسـم الله، انتهى بهم المسـير، واسـتقر بهم الطواف، وسـكنوا بعد هجـرة في مدينة العلم بسـكينته لقلوبهم، ونوره لعقولهم، وروحـه لمعانيهم، إذ به صلح بالـهم، واسـتوفى وفاض إيمانهم، وقام وبُعث يقينهم، وانتصر وانتشـر أمرهم، وتكشـف وانبلج سـرهم، وتفجر وفاض ماؤهم، وغاب وأغطش ليلهم، وبدا وانفلق فجرهم، فطلعت وأشـرقت بالدفء شمسـهم.
كلمات لله، قامت قيامة الوجود بقيامهم، وأشـرق الشـهود بهم من شـهودهم، فشـهدوا شـهود الرفيق الأعلى لربهم، فيما شـهدوا بربهم وإمامهم ومعلمهم. فقام أمره في قيام أمرهم. وعمت رحمة الرحيم بأسـماء لله ورسـوله بهم، فانتشـرت في الناس صفات الكليم، وقام الناس قيام العليم، من حق أنفسـهم رسـلا من أنفسـهم أناجيلهم صدورهم، أولية حقائق لأولية خلائق. كان بدؤهم عندهم رسـولا من أنفسـهم، أول العابدين، وأول بيت وضع رحمة للعالمين. إن الذي {أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى}[١]، أعطى كل شـيء خلقه أزلا وأبدا، ثم هدى قياما وأبدا في دائم فطرته بآزالـه.
لقد جعل الله هدي الأرض من السـماء في دائم فطرته. وجعل معرفة السـماء من الأرض في لمحات فضله ورحمته. يبدل الأرض غير الأرض والسـماء. وجعل هدي السـماء من السـماء في قيوم شـهوده، وجعل هدي الأرض من الأرض في شـرف وجوده.
قال مبشـرا ومنذرا لعوالم الأرض والسـماء {إني جاعل في الأرض خليفة}[٢]، فَفَقَه أهل السـماوات لها إلى أمر يطلبونه في عليائهم، لهم فيه رجاء، ملأً أعلى يطلبون الحقيقة ليشـهدوها. يطلبون الحقيقة ليتواجدوها. يطلبون الحق ليعرفوه، ويعرفون أنهم لا يعرفونه إلا يوم يوحـدونه، وأنهم لا يوحدونه إلا يوم يتواجدونه، ذكرًا له يقومونه، ومذكورا بهم يعلنونه، فبشـرهم بتحقيق هـذا لهم ما تواضعوا وإلى الأرض رجعوا، وعبـادا له على الناس خلفوا. يدخلون في لا إلـه إلا الله، ويقومون بلا إلـه إلا الله، ويعلمون ويعلِّمون لا إلـه إلا الله لمن يطلب أنه لا إلـه إلا الله، فيشـهد أنه لا إلـه إلا الله.
يجتمعون على رسـول الله، بها حقا يشـهدونه، وفي خلافته يخلفونه، وعلى حكمته يتابعونه، وفي طريقه يرشـدونه فيقومونه، كلمات تامة لله ورسـوله يظهرونه، وعلى ما فعل يوم هاجر من بلدة عناده إلى يثرب، سـلامه ورشـاده يتأملونه ويتابعونه مهاجرا من السـماء إلى الأرض، فيدخل من يدخل الأرض مدينةً للرسـول، ويحـقق بمتابعته لنفسـه الغرض المأمول، يدخل بيتا لله وضع يذكر فيه اسـمه، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[٣].
هاجر الرسـول من بلدته المخاصمة، أمر نفسـه المعاندة، إلى بلدته المسـالمة، أمر نفسـه المناصرة المكالمة. وها نحـن نحتفل بهجرته، ونفرح بسـلامته، ثم ارتد إلى نفسـه المعاندة فأخضعها، وعفا عنها عند مقدرته عليها، فتألف القلوب برفده، وحلمه، وسـماحته، وصفحه، وعفوه الجميل، (كان لي شيطان، ولكن الله أعانني عليه فأسلم)[٤]، فافتخرنا بنصرته، وحججنا إلى بلدته، وطفنا ببيته وكعبته، وسـعينا لأهل بيته مطهرين، وقمنا له مُسـلِمين، إسـلاما للأعلى وجها له بيننا قام، وبه لنا ظهر، فيه شَـرُفنا خلقا، وصرنا في إنسـان الحقيقة حقا، فكنا لمعنى الإنسـان أهلا، ولشـرف العبد قياما، ولوجه الرب سـلاما، وللسـان الحق كلاما، فصحونا به وكنا نياما، وحيينـا به وكنا أمواتا وركاما، وسـعدنا به وكنا شـقاةً، وتأبدنا به وكنا توقيتا ومواتا، وتأزلنا به من العدم ينتظرنا، وكنا في خوف وتخويف فصرنا به في حيـاة وتشـريف، به شـهدنا لا إلـه إلا الله، فعرفنا الله الصمد، وبه شـهدنا محمدا رسـول الله، فعرفنا محمدا الرحيم.
جاءتنا الفطرة على لسـان دُحية خرجت من دجاجة لنقرأ فيها كتاب الأرض، وكتاب الوجود، الأرض دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها. إنها دحية الأرض تخرج من دجاجة الحيـاة، فتعلم أن الله الصمد، وأن محمدًا الرحيم. هذا ما نتعلمه من دحية الـترانسـفال في جنوب أفريقيا، ودحيتي القاهرة تحمل إحداهما اسـم (الله) والأخرى اسـم رسـول الله (محمد) مع شـعاره الـهلال.
فهل من متعظ؟ هل من رشـيد؟ هل من سـميع؟ هل من رجل مطيع يعلم أن الإسـلام دين الفطـرة، فيقوم دين الفطرة، فتصح فطرته، وتسـتقيم باسـم الله صبغته، فيقوم لمحـمد ظلا، وينطق بمحمد عَلَما، فيقوم باسـم الله، فيُشـهِد الله حقا في قائم الناس خلقا، فيعلمون أن الله الصمد، ويسـعدون محمدًا الرحيم؟
إن اهتداء الأرض بالسـماء دائم قائم، وإن معرفة السـماء من الأرض دائمة قائمة، وإن اهتداء الأرض بالأرض دائم قائم، كدوام اهتداء السـماء بالسـماء في قيامها وسـلامها، نزعنا ما في صدورهم من غل، إخوان على سـرر متقابلين.
ولو أننا نزعنا ما في صدورنا من غلٍّ، فرأينانا إخوانا على سـرر قلوبنا في عوالم وجودنا مطمئنين بذكر الله، فرحين بأمان الله، مستبشـرين برحمة الله، طربين بسـكينة رسـول الله سـكينة من الله، لكنا إخـوانا على سـرر متقابلين، لكنا ملأً أعلى متواجدا في السـافلين، لكنا مثالا للطالبين، لكنا أمة لعَلَم الحق الموعود للأولين والآخرين.
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}[٥]، خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهي عن المنكر، وتؤمن بالله، أمة وسـطا، تطأطئ الرأس للأولين، في آزال متواجدين، بالله قائمين، وأعلاما عليه يظهرون إنسـانية الرشـاد، إنسـانية الأزل آبدين. إذا ما عَبَّدنـا أنفسـنا لها تعبيدًا لله رب العالمين، ظهرنا بها للآخرين المجددين، ظهرنا وجوها للأولين، وبعثا للمتحققين، وقيام حق مبين لا يغيب في المتواجدين…
شـهدنا الله في أنفسـنا، وبه شـهدناه في الأولين، كما شـهدناه في الآخرين، فما رأينانا إلا عبـادا لرب العالمين، وأدركنا شـرف العبد، لمعنى الرب، ووجه الإلـه، وأدركنا أن العبد حق، وأن الرب حق، في الإلـه. الله من روائهم بإحاطته، وفي قيامهم بشـهادته، وفي وجودهم بظهوره، وفي تواجدهم بتجليه، كلاهما يشـهد لا إلـه إلا الله بإنكاره على معناه، لمطلق الله، لواسـع الله، إيمـانا بقائمه من الله، وإلى الله، وفي الله، وجها لوجه، عبدا لمعبود، وجودا لموجود، وموجـودا لوجود، في حصن لا إلـه إلا الله، وفي اسـتقامة محمد رسـول الله، كوثر الحق، وكوثر الخلق، وأحواض الحيـاة، فقام على الأرض السـلام، وانتشـر في أهلها الإسـلام، (المسـلم من سَـلِم الناس من يده ولسـانه)[٦]، (خير الناس أنفعهم للناس)[٧].
إن الناس يظنون أنهم بوصف العبد لهم يعبدون الرب عليهم، وقد جاء الإسـلام ليجعل من العبد خليلا، وحبيبا، ورفيقا للرب. أما المعبود عند العبد في الإسـلام فهو المعروف عند الرب، وهو معنى الإلـه للإنسـان. والإلـه في الله هو أحدية وجود العبد والرب في حق أكبر، بهما يقوم وبه يقومـان، فما عرف العبد في الله إلا ربه في الله، وما كان العالِم غير المَعلوم، وما ظهر المـَعلوم بغير العالِـم، فما كان العبد غير الرب، وما ظهر الرب إلا بالعبد، فليس له وصف الرب ما لم يكن له عبد، ولا يكون للعبد وصف العبد ما لم يكن له رب. أما الإلـه فقد تنزه عن وصفهما، ولم يتنزه عن قيامهما، فما كانا له إلا وجه، وجه العبد بالله يُشـهد، ووجه الرب بالله يُشـَهد، فيشـهد الوجهان أنه لا إلـه إلا الله، في قيامة حق بإنسـان وجود. فالإنسـان في حقيته هو العابد والعبد والمعبود، والمـُعبِّد في أحدية موجود الحق.
بهذا قام محمد وجها إلينا وجه الأعلى، ووجها لنا وجهنا إلى الأعلى، وما وراء المشـاهَد وما بعد المشـاهِد، فكان الناس في نيامهم يوم يطلبون اليقظة منتظرين فجرهم لقيامهم، خروجا من نومهم، وانتظارا ليومهم. وكان الناس في قيامهم قيوم القائم عليهم، قائمين على عملهم، (كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٨]. كانوا به أربابا على صنعهم يوم اسـتقاموا في أمرهم، وكانوا به عبادا لربه ربـا لهم يوم اسـتقاموا لأمـره أمرا لهم، وطلبوا أن يكون الله ورسـوله حسـبهم في أمرهم، عبادا للأعلى مولىً لهم.
فكان بذلك رحمة للعالمين حقا، وكان الحق للأحيـاء صدقًا، وكان الحيـاة لطالبيها، وأحواضها لوارديها، ونورها لناظريها، وسـرها لكاتميها، وكان عذابها لظالميها، وسـوطها لمخاصميها، كانت به العزة، كما كانت به الرحمـة، وكان به الاهتداء، كما كان به الابتلاء، وكانت به المغفرة، كما كان به رد الجزاء.
سـعد به من سـعد، وشـقي به من شـقي، في دورات الزمان يوم يدور الزمان أيامه بالبدء والانتهاء بأيام الله، كلما انشـقت عنه أرض، وكلما بعثت به سـماء، فكان بدء الزمان بهجرته من الأرض إلى السـماء متكنزا بمظهر الموت، أو من السـماء إلى الأرض مبعوثا في مظهر الميلاد، وكان حيث هاجر هدية رحمته، وكان حيث غاب قيام فتنته. إنْ إلى السـماء هاجر رُحِمت به السـماء وأهلها، وإنْ إلى الأرض هاجر رُحِمت به الأرض وأهلها، وإنْ عن السـماء غاب بدأت فتنتها وبلاؤها، وإنْ عن الأرض غاب قامت محنتها وشـقاؤها، {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}[٩]، (الظاهر مرآة الباطن)[١٠]، {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}[١١].
وفي الحق… ما غاب محمد الحق عن الأرض، ولا عن أرض، وما غاب عن السـماء، ولا عن سـماء، ولكنه يتكنز حيث هو، أو يشـرق من كنزيته حيث هو، فإن تكنز في الأرض حيـا في قبره زعم الناس غَيبَتَه، وهو الذي يقوم ويتقلب في السـاجدين، عبادا للرحمن يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما، (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم) [١٢]، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[١٣]، (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[١٤]، {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[١٥]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٦] {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[١٧].
وما السـاعة إلا هو… وما السـاعة إلا سـفوره… فهو رجلها حيث أسـفر… وهو قيامها حيث ظهر، فللأرض سـاعتها به وسـاعات، وللسـماء قيامتها به وقيامات… هو وجه الرحمن فاسـأل به خبيرا، وما كانت الرحمة والخبرة، وما كان الرحمن والخبير، إلا هو، حق ربه، وإنسـان إلـهه، وما أرسـلناك إلا رحمة للعالمين، (ما ظهر الله في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان)[١٨]، (والله ليس بأعور)[١٩] ، والناس في عماء عن الحق بهم.
نحتفل في مثل هذه الأيام من كل عام بهجرة سـيد الأنام، من قرية إلى قرية، هاجر منبوذا، واسـتقبل مطلوبا، ثم ارتد طالبا، وقام على من نبذه قياما غالبا، فهيأ على الأرض أمته، وأشـهر للناس قبلته، فانقلب الناس منقلبهم إلى اعتدال أمرهم يوم تابعوه، له بينهم مثال. هو المثل الأعلى في الحال والفعل والمقال، به وسـد الأمر إلى أهله في الدين والدنيا، فمشـى الناس على أقدامهم، وكفوا عن السـير على رؤوسـهم.
سـاس الناس متخلقا بأخلاق الأعلى، وعامله الناس كنودين لربهم، على ما عاملوا الأعلى في قيامهم، في دائم وجودهم ما بقوا في ظلام أنفسـهم، فغفر لهم، ربا لا يُدين، ورحيما لا يقسـو، وقائدا لا يضل، وسـائسـا لا يُخطئ، ومعلما لا يَخْدَع، وصادقا هو الصدق لا يكذب، وهاديا هو الـهدي لا يفتن، ورائدا لا يخيب له مريد، ولا تتعطل له إرادة.
ولكن جُعِل الخسـران كله لمخاصمه من نبع مخاصمته، لا يركب معه سـفين النجاة، ولا يرى في عترته كلمات الله، ولا يرى في صحبته سـفن الخـلاص، ولا يرى في كتابه هدي الإخلاص وطريق النجاة والخلاص، ولا في سـيرته سِـفر آدم للناس، بآدم ذاته، وأوادم جماعته، في متجدد أمته، ببحار رحمته. السـماء عنه تُعرِّف، وله تعرف، والأرض به تَشـرُف.
غيَّرت الأرض بظهوره مَعَالمها، وأبرزت بمكارمه قام من أهلها مكارمها، فبُدلت به الأرض غير الأرض، كما بدلت بكنزيته عنها السـموات غير السـموات. ظهر الآيات وكان جماعها، وظهر الكلمات وكان متكلمها، وقام المسـحاء وكان حقها، وشـرف الإنسـان فكرم به العنوان، وقام به قدس الحيـاة في الوجود، في شـاهد ومشـهود، ووالد ومولود.
رسـول الله… حق الله… علم الله… اسـم الله… قام بين الناس بأشـرف أسـمائه عبد الله، نـور الله، فكان سـكينة النفوس في لياليها في سـتر معانيها، به شَـرُفَ الليل كما شَـرُفَ النهار، إن ناشـئة الليل أشـد وطأ وأقوم قيلا، {إن لك في النهار سـبحا طويلا}[٢٠]، طأها {ما أنزلنا عليك القرآن لتشـقى}[٢١]، {والليل إذا يسر}[٢٢]، وما أدراك ما ليلة القدر؟ هل عرفت؟ هل شَـرُفت؟ هل قمت؟ أليسـت ليلة القـدر كما شـهدت خير من ألف شـهر؟ خاطب الناس على قدر عقولهم، واخفض لهم جناح الذل من الرحمة، واسـأل لهم المغفرة، فأنت وسـيلتهم إلى رحمة الله، وأنت سـبيل رحمة الله إليهم، أنت العروة الوثقى لا انفصام لها يوم يرتبطون برحمة الله بمتابعتك، وأنت البيت يذكر فيه اسـم الله ويريد الله الطهارة لأهله، من دخلك كان آمنا، ومن دخلك كانت رحمة الله له وكنت له، ومن لم يدخلك فلا رب له.
فليعلو هبل على نفوسـهم، أو تعلو آلـهتهم مما اختاروا من صنعهم، أو على ما صوروا لأنفسـهم بأوهامهم، أو على ما اسـتخفهم طغاة منهم، مباعدين بينهم وبين هُداي، متنكبين طريق رشـادي، متخلفين عن أمري، مفرطين في أمرهم بي، قل لهم عن لسـاني، وعلى لسـاني، وبلسـاني، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٢٣]، وقد وسـد بك الأمر إلى أهله، فقمت أمانة الدين، وأعلمت أمانة الدين، وخفضت إمارة الدنيا، وأعلمت أن سـيد القوم خادمهم، وأن خير الناس أنفعهم للناس، وكنت خير الناس، وكنت أنفع الناس، فما عرفك الناس، وما تابعك الناس، وفرط الناس في أمرهم من أمرك أمرا لله بينهم، {أتى أمر الله فلا تسـتعجلوه}[٢٤]، يتلو فيكم كتابه على مكث ليبين لكـم، (فإذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)[٢٥]، وما الأمر إلا أمر الدين. أما الدنيا فلا أمر لها.
إنه من بشـر به كلمة من كلمات الله من قبله، بينكم من قبله ذاتا بين ذواتكم، رسـولا من أنفسـكم، ومن كان له بمعناه قبلا قبل قبله. فما كان المسـيح مسـيحا إلا فيه، وما كانت كلمة الله إلا كلمة الله منه.
(رسـول الله الذي يبقى فيكم إلى يوم القيامة)[٢٦]، أعلنها مسـيحه كما أعلن (أما أنا فلا دينونة عليكم، الآن، ما دخلتم في قلبي)[٢٧]، {والسـلام عليّ يوم ولدت، ويوم أموت، ويوم أُبعث حيـا}[٢٨]، (إنه لا يستعني أنا أن أربط له رباط حذائه. ذاك روح القدس)[٢٩] وإن ظهر بينكم فإنما يظهر بينكم بما هو لي من الله، فإن الأرض لا تسـتطيع وطأته على ما هو له من الله، ثقل أمره على خلقه في السـموات والأرض. إنه روح القدس… إنه رسـول الله… إنه رسـالة الله… إنه أزل رسـالته وأبدها… إنه لُحمُتها وسـداها، ما أنا ومثلي فيه إلا كلمات يُبدينا يوم يُكرِمُنا ويعلمنا، أنا إنجيلي في صدري فردا، وقومه أناجيلهم في صدورهم أمة من مثالي عدا. إنه أعلم بالحقيقة مني، فما أُقصر فيه فإنه سـيوفِّيه، فإذا جاءكم فاسـألوه، وأنا البشـرى به فانتظروه.
هذا هو رسـول الله، عَلَم الـهجرة، وذكر الذكرى، وأمر الله. نسـأل الله أن يجعلنا جديرين بالانتسـاب إليه، وألا يحـرمنا شـرف الانتسـاب إليه، وأن ينسـبنا إليه أمة له، وظلالا لحقه، وأحواضا لماء الحيـاة من بحاره، منها نرتوي فنروى، يأوينا إليه مدينة، وإليه بيوتا له نأوى، نتابعه في هديـه وبه نهدي، نسـتقيم في متابعته، وفي متابعته نقيم رحمة الله إلينا، ورحمة الله لنا، ورحمة الله بنا، ورحمة الله منا.
اللهم به فادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم… اللهم به فولِ أمورنـا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا… اللهم به فقوم أمرنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، نشـطين وراكدين، لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك، سـبحانك إنا كنا من الظالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو حسـبنا، ورسـوله جاهنا ونعم الوكيل. لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة طه - ٥٠ ↩︎
سورة البقرة - ٣٠ ↩︎
سورة محمد - ٢. ↩︎
حديث شريف: “ما مِن أحد إلَا وقد وُكل به قرينه مِن الجن، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير.” أخرجه مسلم وأحمد. أيضا: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” صحيح الترمذي. ↩︎
سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎
حديث شريف: “ألا أُخْبِرُكُمْ بالمؤمنينَ؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمْوَالِهمْ وأنْفُسِهمْ، والمسلمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويَدِه، والمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ اللهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجرَ الخَطَايا والذَّنُوبَ”. صحيح ابن حبان ↩︎
من حديث شريف جاء في أكثر من صيغة: "المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس. رواه الطبراني، وفي رواية أخرى “أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحبُّ إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة”. رواه الطبراني. ↩︎
من الحديث الشريف: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة العنكبوت - ٢ ↩︎
إشارة إلى مقولة من خطبة للإمام على ـ كرم الله وجهه: “…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎
سورة البقرة -٣٠ ↩︎
من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎
سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎
عبارة صوفية متناغمة مع الآيات الشريفة التي جاء فيه أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. ↩︎
حديث شريف: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاس فَقَالَ: إنَّ اللَّه لَيْسَ بأَعْوَرَ، ألاَ إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ الْعيْنِ الْيُمْنى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبةٌ طَافِيَةٌ متفقٌ عليه. ↩︎
سورة المزمل - ٧ ↩︎
سورة طه - ٢ ↩︎
سورة الفجر - ٤ ↩︎
سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
من الحديث الشريف: “… فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ: كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ: إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”. صحيح البخاري ↩︎
استلهاما من الآيات: “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَر لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ” (إنجيل يوحنا ١٤:١٦-١٨). ↩︎
إشارة إلى الآية: “إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ”. رُومِيَةَ ٨:١-٢ ↩︎
سورة مريم - ٣٣ ↩︎
استلهاما من الآية: “أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلا أن أحمل حذاءه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار”. مت ٣: ١١". ↩︎