(١٤)
الرسول بأحدية إنسانه
لقديمه وقادمه
عنون الحق بقائمه
كافة للناس ما طلبوه والمثل الأعلى لهم ما تبعوه
حديث الجمعة
١٩ ذو الحجة ١٣٨٣ هـ - ١ مايو ١٩٦٤ م
الحمـــد لله
الحمـــد لله
الحمـــد لله الذي أظهر محمدًا على الدين كله. وأظهرنا به على الدين كله.
الحمـــد لله الذي أقام محمدًا بالأمر كله. أُلحَقنا به، فألحقنا بالأمر كله.
الحمـــد لله الذي أضاف محمدًا بكله إلى الله عبدا وربا، والذي أقام بمحمدٍ كله حقه ومعناه، فقامه حقه ومعناه، وألحقنا بمحمد، وقامنا به على ما ألحقه بربه، وعلى ما قامه به، فكان الحق في أعلاه، والحق في أدناه، روحا لذات، وذاتا لروح.
الحمـــد لله الذي أشـهد محمدًا أنه لا إلـه إلا الله، وأشـهدنا به أنه لا إلـه إلا الله، وأشـهد الكون بقيومه عليه وبقيامه به، وبميثاقه له أنه لا إلـه إلا الله، فشـهد بالله أن محمدًا هو الحق من الله، وأن محمدًا هو العبد لله، وأن محمدًا هو رسـول الله، وأن محمدًا هو رحمة الله، وأن محمدًا هو نور الكون، وروح قائمه وقيومه بالحيـاة في الله، ولله، من الله، وإلى الله. إذا ذكر ذكر الله… رسـول الله… عبد الله… حق الله.
الحمـــد لله الذي قام محمد فيه من وحدانيته بتوحيده، وأقامه فيه بواحديته رحمة مهداة لوحدانية عبيده. قام فيه موجودا ذاتا ومعنى، وقام فيه معنىً ولا خلقي وجود له، وقام فيه به شـاهدًا كما قـام فيه به مشـهودا عين من شـاهد، وقام فيه غيبا ولا مشـهود له ولا شـاهد منه، كما قام فيه ظاهرا عين الوجود له، وعين الشـهود له، وعين القيام له، وعين الوحدانية له حقا منه ووجها له.
نعم… كيف لا، وقد أظهره قديمه على الدين كله، وجعل منه الدين كله؟ {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلـك الذي يدع اليتيم}[١]. كيف لا، وقد آواه، ولنفسـه اصطفاه، وياقوتة أحدية ذاته تجـلاه، واسـما له عناه، ووجها له، أطلعه وسـواه؟ سـواه بقديم له، عينه ومثالـه، وسـواه بجديد منه، لعينه ومثالـه…
فكان خير الأمور لله في الله، وتمام أمر الله… كان الأمر الوسـط… كان الأمر المخالِلِ، والأمر المخَالَلِ في خلة لا بدء ولا انتهاء لها… كان الأمر المحب، وكان الأمر المحبوب، فكان الحب وقدسـه في أزله وأبده، فكان في معناه وفي مجلاه الحب بعينه وذاته وطريقه وجوهره ومغزاه. كما كان الخلة والمخاللة في قائمه بقيامه قلبا وروحا… كان قائم الحق المخالِلِ للأزل، وكان قائم الحق المخالَلِ للأبد، به تكشـف الحق لطالبه، يوم أن قام القائم في قائمه، يقوم ويتقلب في السـاجدين.
ما جعل لحق تجلى به الواسـع العليم في جلباب من الخلق، في عالم التقييد والمقيدات بمقيد من بشـر، ليكون في تجليـه به في دوام، وليكون بإيمانه في سـلام، وليكون في قيامه بيانا بحكمة. ما جعل لبشـر من قبله في معناه الخلد بمعناه بالحق في صمد الله، وفي دائم الله، وفي قائم الله، وفي قيوم الله.
ولكنه بوصف حقه، ورسـوله لخلقه، أعطي الكوثر في قديم وجديد لوصف خلقه بقائم حقه، ولوصف حقه بقائـم خلقه. يسـري بنوره في الناس، يقوم ويتقلب في السـاجدين، زويت له الأرض فكان النـاس أجمعين، يطهره من الذين كفروا، ويجعل الذين آمنوا فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، إلى اليوم المعلوم، إلى يوم انشـقاق الأرض عنه في دورة ظهوره عليها تمام كلماته إليها وآدما لهم، رسـولا من أنفسـهم، يتوحد مع قبضة النور الإلـهي للسـموات والأرض في جديد وجود للسـماوات والأرض به.
نعم… رضيه الواسـع العليم ليكون المثل الأعلى للناس ما طلب الناس أن يكونوا في الله أحيـاءً، فيعرفوهم عباد الرحمن… فيعرفوهم حقائق الإحسـان… فيعرفوهم أسـماء الله… فيعرفوهم وجوه الله من ورائهم بإحاطته، وعليهم بقيوميته، وبهم بقائمه، يوم يشـهدوهم لا إلـه إلا الله، ويوم يدركـوهم اللهم، لا إلـه إلا هم، وما هم إلا إلـههم، وما إلـههم إلا هم، وليس غيرهم. آلـهة هم العبيد، وعبيد هم الآلـهة، أآلـهة مع الله؟
عباد لله مربوبين، وعباد بالله رابين، قوالب وقلوب، قلوب رابية، ونفوس مشـتعلة، ومشـاعل عالية، سُـرج الله في الوجود، وأقمار الله للشـهود، وأرض الله للسـجود، وصفات الله لكل سـعيد مسـعود…
علمهم قديمهم ما علم الحق أوادمهم وآباءهم. علَّمهم الأسـماء كلها في تكاثرهم بالحق حقائـق له، وأسـجد لهم من صُنعِهم ملائكتهم من فعلهم وفعله بهم، فسـجدوا لله لمعانيهم، بنار أشـواقهم، وباحتراق مواجيدهم، شـوقا لموجِـدهم، وشـكرا لمسـعدهم. أحبهم الله فأحبوه، وطلبوا الله ففي أنفسـهم وجدوه، فأنكروا على أنفسـهم عبادا له عرفوه، فبهم، منه فيهم شـهدوه، {ما كذب الفؤاد ما رأى}[٢].
وصلتهم أنوار إحاطته من ورائهم وجوها له بنور الرسـول وجه شـهودهم، رحمة مهداة إليهم فنزلت عليهم سـكينته. وتلاقت الأنوار في بيوت الأسـرار من قلوب الأحرار، فشُـغلت الدار بأهل الدار، بيوتا يذكر فيها اسـمه. وصلى الله وملائكته عليهم، وقد أخرجهم من الظلمات إلى النور، فشـهدوا ملكوت الله بين جوانحهم…
فكانوا ذات الصدور للخير وللحبور. كانوا ذات الصدور لكل ما صدر عن الله وجودا. ربانيين قالوا للشـيء كن فكان، وللوجود تواجد فوُجِد، وللعوالم انتظمي واسـتعدي، وأمرك للقائنا فأعِدِي، عبدا عدهم عدا، وكلهم فيه آتيه، يوم يسـفر بوجه الحق فيه. الكل له عينه عبدا وحقا، يقومهم فردا ويأتي الأعلى عينه حقا ووجها. فالكل من وجوده تواجد، عنت الوجوه للحي القيوم، بعبده حيـا قيوما، ذِكرا مرفوعا على وجوده، وحقا قائما، وبيتا موضوعا على شـهوده.
كان لي شـيطان من وجود، ولكن الله أعانني عليه فأسـلم لي بالسـجود، ودخل وما فيه حِطة، مطأطئ الرأس، خاشـعا من خشـية الله، يسـتقبل وجه الله، بمن عرفه في قديم آدم الله، وعبد الله، ورسـول الله، ووجه الله، وحق الله، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك}[٣]، يوم يبقى عليها من يبقى ممن هم عليها، وقد أعطى الرسـول البقاء والكوثر بالبقاء والظلال للدوام وللقاء. وجعلت عقبى الدار له حيث تواجد وكان له جوار.
فالناس بين قلوب وقوالب، يظهر الحق في وحدة القلوب وسـرمدية القوالب، بيوتا لله من قلوب قبلة لعوالم، بيوت ترفع وتوضع في عوالم لله من قوالب للقلوب فيها بيوتا وعوالم تتواجد البشـرية، وبها تظهر الإنسـانية، ومنها تتسـع وتتوالد الأوادم والعوالم.
إذا كان علم الروح في عصرنا هذا يبدأ ليجعل من أولى حقائق الدين وأخطرها عن خلود النفس البشـرية، كنفس إنسـانية لها حق الأبدية، بإرادة نوعها من الأزلية، موضوع تعريفه، فنحن بهذا في بداية السـلم، ونحن في أول الطريق لهذه الرسـالة، ونحن أمام البيت الموضوع يتكشـف بابه، ونحن أمام أسـوار المدينة يظهر مدخلها، وها نحن نقف اليوم في ميناء هي مرفأ السـفينة. إن أول الغيث قطرة ثم ينهمر.
صدق الصادق ورسـول الصدق، (العقل أصل ديني)[٤]… {إنما المؤمنون أخوة}[٥]، المؤمنون بالله لأنفسـهم… المؤمنون بالله على أنفسـهم… المؤمنون بالله في أنفسهم… المؤمنون بالله في فطرتهم… المؤمنون بالله من ورائهم محيط… المؤمنون بالله لا شـريك له، ولا تعدد معه… المؤمنون بالله المشـاهدون للا إلـه إلا الله، في شـهودهم لدينهم، ولعلمهم، ولعقيدتهم، ولاسـتقامتهم، ولفعلهم، ولمعاملتهم، ولمناسـكهم، ولعالمهم، ولوجودهم، المتبين لهم الحق في كل شـيء، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٦]، مالكم {إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشـرك به تؤمنون}[٧]، (الإسـلام دين الفطرة)[٨] ، و(لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى)[٩]، الله {قائم على كل نفس}[١٠].
إن المؤمن، والرسـول إليه، والمرسـل للرسـول ربا له في قائم الله لا إحاطة به، ولا توقف لنعمائه، ولا جـذ لعطائه، إنما هم في الله حق واحد، وأحد واحد، وهذا هو تعديد الإسـلام، بتثليث وأكثر في الله ذي المعارج، وهذا هو توحيد الإسـلام لثلاث من الحقائق فأقل أو أكثر. لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بما هو عندكم مما أظهركم الله عليه، وقد أظهر الرسـول على الدين كله. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسـنون، إن الله معكم جميعا بصفاته، ولكن الله مع الذين أحسـنوا برحمته، يخص بها من يشـاء، ويجعل حوضا لها من اصطفى ممن سـبق أن شـاء، الله أعلم حيث يجعل رسـالته. وما كان الرسـول وما بعث رسـولا ثمرة دورته من ظهوره برسـالته، ولكن كان بعثا بالحق لسـابق اصطفاء من خلق. ما كانت حقائق الله بعباده إلا جديد قديمها.
إن أمانة الدين عند من أؤتمن عليه هي يد الله العليا، وإن أمانة الدنيا عند من أؤتمن عليها إنما هي يد الله السـفلى، ويد الله العليـا خير من يد الله السـفلى، فما نزل الله بأمانة الدين يحملها الإنسـان ليكون عند قدم أمانة الدنيـا يحملها الإنسـان، ولكن جُعل الإنسـان يحمل أمانة الدنيا لا يسـتقيم في الله أمره، ولا يتحقق في أمره عدله، ولا يتوفر له في ابتلائه خلاصه، إلا إذا كان عند قدم أخيه الإنسـان يحمل أمانة الدين يدا عليا لله.
إن الخدمة الزمنية في أمانة الدنيا، وإن الخدمة الأبدية في أمانة الدين، وكلا وعد الله الحسـنى ما اسـتقام فيما أقامه أو به فيه قام… وكيف يخضع الأبد للسـلطان المؤقت ودائم السـلطان له! ولكن اسـتقامة الأمر إنما هي في إخضاع التوقيت للأبد صاحب السـلطان الدائم وظاهر الأزل، {وقل اعملوا فسـيرى الله عملكم}[١١] وهو معنى السـيادة، {ورسـوله}… في معنى القيادة، {والمؤمنون}… في معاني يده ووجهه. وقل اعملوا فسـيرى الله عملكم… في معنى الوجود، {ورسـوله}… في معنى الشـهود، {والمؤمنون}… في معنى مصابيح الحكمة، وسـبل الـهداية. وقل اعملوا فسـيرى الله عملكم وهو الإطلاق لا حصر له، وهو الشـمول لا تبعيض له، وهو اللانهاية لا عَدَّ له، {ورسـوله}… وهو الحق في قيامكم، {ورسـوله}… وهو الحيـاة لهياكلكم، {ورسـوله}… وهو الحكمة لمنابركم، {ورسـوله}… وهو السـبيل لخلاصكم، {ورسـوله}… وهو السـفين لمراحلكم ولسـيركم، {ورسـوله}… وهو الكتاب لأطواركم ولمعالمكم، {والمؤمنون}… وهم لمعنى الرسـول جديده وعديده.
إن إمارة الدنيا ابتلاء، وإن أمانة الدين حق وجزاء. تجتمعان فيجتمع البلاء والجزاء، وتفترقان فيفترق البـلاء عن الجـزاء. {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}[١٢]، {وإذا قيل لهم لا تفسـدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسـدون ولكن لا يشـعرون}[١٣]. (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)[١٤]. إن توسـيد أمر الدين لأهله، وأمر الدنيا لأهله، فيه اسـتقامة الأمور، وكشـف لأحـواض الحيـاة والدعوة إليها. إذ تصبح الدولة الزمنية في خدمة الدولة الأبدية فتصبح الدنيا مزرعة الآخرة، وهو ما يقيمه الحق في الناس للناس، كلما ظهر بينهم رسـول من أنفسـهم في سـاعة من الزمان بحيـاة ورسـالة إنسـان، هو يوم الجمعة لأيام وليالي الدهر لهم، هم في يومه ما دامت الرسـالة قائمة مشـرقة باسـتقامة عليها، وهم في ليله بإغفالـهم لها باسـم إعمالـها وزعم القيام فيها، {إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا}[١٥]، مثلهم {كمثل الحمار يحمل أسـفارا}[١٦]، {يحرفون الكلم عن مواضعه}[١٧]، {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}[١٨]. وهذا ما قدمت تعاليم الدين الـهدي فيه لتجديده كلما اختفت أو فسـدت معالمه أو تهدمت عمده.
المؤمنون… هم ظلال الرسـول ظلا لله. قام الله بوحدانيته وهو الواحد الأحد، ظاهرا بظله برسـوله مظهره متخلقا بأخـلاق ربه، رفيقا أعلى وعلما على الأعلى إلى المطلق من إنسـان قديمه والأقـدم إلى الأزل، لإنسـان ذكره في جديده والأحدث إلى الأبد، بإنسـان ذكره في قائمه وما يصـدر عنه من ظلال له. فالمؤمنون بالله ورسـوله للرسـول ظلالـه إذا ذكر، ووجوهه إذا تكنز، وأسـماء الله يوم يذكر الله وحده، بحقه برسـوله في الأكبر للمطلق.
هكذا كان الرسـول وربه والمؤمنون، والرب وربه والمؤمنون، في قائم معنى الله. تنزه الله في معناه وفي حقيقته عن البدء، وتنزه الله في واجب وجوده عن التوقف بالتجلي. وما تجليه إلا تواجد الوجود به فيه بوجود متسـع منفعل في موجود وجود أكبر، ومن موجود وجود أكبر.
وما تواجد الوجود بألوهيته وقدسـه وحكمته وإرادته وقدرته أكرم ما تواجد إلا بالإنسـان. وما ظهر أجلى ما ظهر إلا بالإنسـان. وما شَـرَّف المطلق وجودا أفضل ما شـرَّفَ به وجود إلا بالإنسـان.
الإنسـان بمشـهوده ومعارجه حقائق وفضلات لموجود أزله، والإنسـان بخلقه وحقه أصول لبقاء وفناء موجود أبده. والإنسـان في حاضره حق وباطل قائمه. إن الزمن بقديمه، وحاضره، وقادمه، صفات في الإنسـان. إن الدنيا والآخـرة صفات في العنوان. إن الآخرة والأولى هي أطوار للإنسـان.
إن الروح والجسـد هما الحق والعالم، عنونهما الإنسـان عنوانا على الإنسـان. إن الإنسـان بجسـده هو الكون في نشـأته، وإن الإنسـان بروحه هو المكون بطلعته.
إن المسـتوي على عرش الملك للسـموات والأرض، إنما هو إنسـان الله، هما له عالم وجوده، وتواجد مشـهوده. وإذا قلنا الإنسـان، فإنما هو إنسـان الله، عرفناه رفيقا أعلى لنا ربا، وقدرناه للمطلق رسـولا، وللأعلى عبدا، ولنا غيبا وعلما. وعجزنا عن إحاطته وشـهوده إلى إدراكه في ظاهر موجوده في أنفسـنا.
أبرزه لنا الأعلى غيبا معبودا، أبرزه متواجدا به من أنفسـنا، لنشـهده المثل الأعلى له لنا ارتضاه، يظهر به لأنفسـنا نفسـا له نحن لها نفوس. {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}[١٩] …
وطلب إلينا أن نرد أنفسـنا إلى هذا المثل الأعلى ظلالا له متخلقين بأخلاقه، متصفين بأوصافه، متابعين له في صدقه، وصِديقِيته، متحابين معه، متواصين بالحب له، على ما تحاب هو مع الأعلى، وتواصى بالحب له، ربا له، وربا لنا، ووجها لربه ربا لربنا.
ندرك لذلك ما شـهدنا لنا في الله ربا، إنسـان وجوده، ووجه شـهوده، من معبودنا المطلق، ومعروفنا بنا لا يدرك، واجب الوجود لا ينكر، معروف القيام في قيام مخلوقه لنفسـه، في قيامه بالإنسـان قيـوما عليه، قائما به، {الله لا إلـه إلا هو الحي القيوم}[٢٠]. تعارف إلينا نفسـا له، وظلال حقه برسـوله في كوثره، رفاق آدمه أوادم معانينا، لعين معناه لنا فينا.
الإنسـان بآدمه في إنسـان الله لحقه ولمعناه، بين يقظته ومنامه، فهو بين منام في عالمه من شـهوده بذاته، مبعوثا بحـق في منام، فهو في عالمه هذا في عماء عن حقيته لوجوده. إنه في ليله لعالمه من غيبه لعين قيامه في عالم مشـهوده لقائـم موجوده، وهو في هذا يتجدد ويتعدد مواصلة لتمام آدمه، لإنسـانه، لمعناه، لحقيقته. {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسـك التي قضى عليها الموت ويرسـل الأخرى إلى أجل مسـمى}[٢١].
إن الدنيا والآخرة إنما هي شـقا يوم من أيام الله بالإنسـان، في الإنسـان، يوم يحيـا الإنسـان، فيحيـا الزمَان، فيعرف الإنسـان يوم الجمعة، بالجمعة المقدسـة تذكرونها ليومكم هذا ذكرا لعبد من عباد الله، وربا لعالمه، ويوما من أيام الله، يحتفل به اليوم إخوانكم في الدين، وإخوانكم في الحقيقة، وإخوانكم في الله، وإخوانكم في الإنسـان.
وأنتم بهذا أجدر يوم تؤاخون البريء بينكم، أخًا لكم، عترة رسـولكم، وحقي إمامتكم، وتتابعون جديده في وجوده، دائم الوجود في موجودكم، في موجود روح القدس حقيقة رسـول الله لكم، وحق الله، ومظهر كلمته لتمام، وحقه لقيام، في الإنسـان الأكبر، إنسـان الله، ورب العالمين، مالك يوم الدين، إياه نعبد، وإياه نسـتعين، ولنا في روح القدس بكوثره بنا، به يقين، وله بيننا بكلماته، دائم وجود وشـهود ومعين. {ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون}[٢٢].
بكلماته من أنفسـنا بيننا نتلاقى، فنتلاقى مع الحق، ونقوم بالحق، وندخل في حصن الحق، فنشـهد أنه لا إلـه إلا الله، ونسـتكمل شـهادتنا، يوم نشـهدنا محمدًا رسـول الله لأنفسـنا، فنعلم أن رسـول الله فينا، وأن رسـول الله لنا، وأن رسـول الله معنا، وأن رسـول الله هو الحق من الله لنا، وأنه في قيامنا عين قيامنا وقائمنا وقيومنا…
فننزه الله، ونكبر الله، ونشـهد أن الله أكبر، وأن الله أكبر، وأن الله أكبر، وأن قيامنا إنما هو في لا إلـه إلا الله، وأن سـعادتنا إنما هي في أن نكون ظـلالا لمحمد رسـول الله، جاء رحمة للعالمين وسـيدا للأولين والآخرين، بخدمته للأولين والآخرين، وتلبيته للطالبين والسـاعين، ومظاهرته للراشـدين.
نشـهد أنه رسـول الله وكفى، وأنه في الله الخلق والحق المصطفى، وأنه في الله، على ما عـرف الله، وعلى ما أعلمنا وعلمنا عن الله، إنما هو عبد الله، وأن الله فيه من العباد الكثير، وأن آحاد الله لا عد ولا حصر لها، بحقائق الله لا عد ولا حصر لها ظهورا لمطلقه، وحقائق لشـهوده، وروحا لوجوده، نشـهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدًا رسـول الله.
اللهم يا من جعلت من محمد رحمة لك بها تذكر، وتشـكر، وبها تعبد وتعرف… اللهم اجعلنا لك في محمد، لا شـريك لك… اللهم اجعلنا منه له ظلال حتى نكون عبادًا لك… اللهم اجعل منا له وجـوه حتى نكون حقا منك… اللهم به فاحلل العقدة من ألسـنتنا حتى نكون رسـلا لك… اللهم به فأنر عقولنا حتى نكون للناس كتبا منك… اللهم به فحرر رقابنا من أوزار أبداننا، أحرارا منطلقين، حتى نكون به أئمة إليك… اللهم وحد بيننا وبين من توحد معه، وحد بين قلوبنا وقلوبهم، ولا تجعل بيننا وبينهم وبينه تعددا فيك، حتى نكون به منك أحواض حيـاة منك، لمن تصطفي من خلقك، ولمن ترتضي بنا من صنعك… اللهم عبدنا له، حقا منك، وعبادا لك، حتى نكون عبادا لـك، وحتى نعبد به الناس لك… واجعل اللهم من نوره لنا نورا، نمشـي به في الناس لنخرجهم بك من الظلمات إلى النور.
اللهم حقق لنا ما وعدته لنا بإظهاره بنا على الدين كله. فأظهرنا به على الدين كله على ما أظهرته على الدين كله.
اللهم وقد جعلت أمته فيك لإنسـانية حضرتك أمة وسـطا ليكونوا شـهداء على الناس، ويكون الرسـول عليهم شـهيدا، فقوم اللهم فيك أمرنا على مرادك بنا.
اللهم وقد جعلت منه الأمر الوسـط، وجعلت خير الأمور الوسـط… اللهم لا تطغي أنفسـنا بوصلته، ولا تفتن نفوسـنا بعشـرته، ولا تحرمنا في دوام تواجدنا من شـرف عبوديته، وأن تقوم هدينا به، للمهتدين بك هاديا به لنا، وهاديا لنا به منك، فينا وإلينا، ومنا فيك وإليك، حتى ندرك وحدانيتنا، فنعرِّف عن وحدانيتك، وحتى تقومنا وحدانيتك، فنقوم في الناس وحدانيتك مذكورا وحدك، ويقوم الناس في الناس بنا وحدانيتك لا شـريك لك كلمات طيبة، وشـجرات طيبة، وأصول ثابتة، وفروع متصاعدة، لا إلـه غيرك على ما علمنا، ولا معبود سـواك على ما عرفنا، ولا مشـهود غيرك على ما قمنا، الفعل لـك، والأمر منك، والطاعة بك، سـبحانك، لا إلـه إلا أنت، إنا كنا من الظالمين.
اللهم بأزلك وأبدك، وإحاطتك بقائمك، ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت بنا الأعز، ولنا الأكرم… اللهم قومنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، مشـرقين ومظلمين، مسـتقيمين وملتوين، إذ الكل في حكمتك، والكل في طاعتك، والكل في مرضاتك، والكل في إرادتك، هكذا عرفنا، على ما عرفتنا، وهكذا علمنا على ما علمتنا، وهكذا نناجيك بين يديك، تعلمنا كلاما نخاطبـك به، ولا قول لنا، والقول لك، من ذا الذي يشـفع عندك إلا بإذنك، ومن أذن له الرحمن قال صوابا.
سـبحانك جعلت الحق نورا، وأنت فوق النور… وجعلت الملائكة نورا وأنت فوق الملائكة… وجعلت من الإنسـان نورا، والإنسـان عندك فوق النور، وأنت عند الإنسـان فوق الإنسـان.
جعلت محمدًا الإنسـان حقا، والإنسـان عبدا ورسـولا، والإنسـان كتابا وحجابا… وجعلت الإنسـان له عين الوجود له… وجعلت الوجود نفسـا له وهو الحق لك، فعلى وجوده أعليته، وفوق الوجود أجلسـته، ولقيامة الوجود قومته، وعلى العوالم قائدا أقمته، قائد ركب عوالمك إليك… الرحمة المهداة منك، خلقته أزواجا، حقا مدانيا لحقيقة متعالية.
جعلته الحق منك إلينا، وجعلته الطريق منا إليك، وجعلت فيه بذلك دورة الإنسـان… ودورة الإيمان… ودورة الحق… ودورة الخليقة… ودورة الحقيقة… ودورة الوجود… ودورة العلم… ودورة الشـهود… ودورة الأنبياء… ودورة الإنباء… ودورة اليقين.
جعلت منه فؤاد الحقائق، وقلوب العوالم، ودوائر الوجود… وجعلت منه مثالا لنا نحتذيه، وقياما بيننا في دوام نقتديه… أحدا للآحاد، وحقا للحقائق، وربا للأرباب، وعبدا للعبيد، وإلـها للآلـهة، وغيبا للغيوب.
اللهم به فأعلِ كلمة الحق، اللهم بنا منه أقم كلمة الحق علينا، وأقم كلمة الحق بنا، وأقم كلمة الحق منا، لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله.
أضواء على الطريق
(إن لم أدأب دائما لأذكركم بالأنباء العظمى والأكثر عمقا في الحيـاة، فأنا عندئذ فاشـل في مهمتي. وأنتم إذ تواجهون المسـائل الفيزيقية والمادية البحتة فذلك لأنها جزء من شـئونكم العادية. أنتم منهمكون في منافسـة فيزيقية، أنتم مضطرون لمراعاة الحاجات الجسـمانية، والميول الفيزيقية، والقوة والراحة والأمل والضياء لا توجد في المادة.
نحن نُذكِّر في دوام أطفال الروح الأعظم بالمبادئ الخالدة التي يجب أن تبقى، لا في العالم الروحي فقط ولكن في عالم المادة أيضا. الأمر الذي نتعاون بوسـطائنا منكم وبوسـطائكم منا على إقامته في عالمكم المادي منهضين أرواحكم على أنقاض مادياتكم في أطوارها المادية لأطواركم الروحية. فالإنسـان لا يمكنه أن يخدع القانون، والروح الأعظم لا يمكن أن يسـخر منه. وفي يوم ما سـوف تحكم عدالة السـماء، وتعرف النفس أمرها وحسـابها).
(برش)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الماعون - ١ :٢ ↩︎
سورة النجم - ١١ ↩︎
سورة الرحمن - ٢٦-٢٧ ↩︎
عن علي ابن أبي طالب قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎
سورة الحجرات - ١٠ ↩︎
سورة البقرة - ١١٥ ↩︎
سورة غافر - ١٢ ↩︎
إشارة إلى الآية الكريمة {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} والحديث الشريف: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ. صحيح ابن حبان. كما أخرجه البخاري ومسلم مطولا. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.”. أخرجه أحمد بن حنبل. ↩︎
سورة الرعد -٣٣ ↩︎
سورة التوبة - ١٠٥ ↩︎
سورة التوبة - ٣٨ ↩︎
سورة البقرة - ١١-١٢ ↩︎
من الحديث الشريف: “… فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ: كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ: إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”. صحيح البخاري ↩︎
سورة الفرقان -٣٠ ↩︎
سورة الجمعة - ٥ ↩︎
سورة النساء - ٤٦ ↩︎
سورة الحج - ٣ ↩︎
سورة الروم -٢٧ ↩︎
سورة آل عمران - ٢ , سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎
سورة الزمر - ٤٢ ↩︎
سورة الزخرف - ٥٧ ↩︎