(١٢)

لبيك
إلى رحمتك نعود وبها نطلب الوجود
يا نور كل موجود ويا معنى كل مشهود
يا حق الحياة وروح كل موعود

حديث العيد

١٠ ذو الحجة ١٣٨٣ هـ - ٢٢ أبريل ١٩٦٤ م

لبيـك… لبيـك… لبيـك.

لبيـك اللهم لبيـك.

لبيـك اللهم على عرفات قلوبنا، لبيـك.

لبيـك في بعث إنسـاننا، ووضع أوزارنا، وفرق حيواننا، لبيـك.

لبيـك نلقاك برحمتـك منك، نور الحيـاة، ونور رسـولنا لنا، من حقي أنفسـنا بك بنا… لبيـك.

لبيـك في محو أنانية أنفسـنا لها، وبقاء إنسـان وجهك بك لنا، لأنانا، ولمعنانا، ذكرًا لك… لبيـك.

لبيـك أنت حسـبنا ونعم الوكيل بحقك لنا، برسـولك بنا، زويت لنا الأرض مسـجدا وطهورا… لبيـك.

لبيـك لا إلـه إلا الله، لا يحاط به، وهو المحيط… لبيـك.

لبيـك حق رسـول الله، لا يُدرك للنفس أناه. وهو المدرِك لها فينا، قائم معناها، لقائم معناه بنا لمعانينا، البقاء له بلا إلـه إلا الله، والقيـام لنا به عبادا لله، بشـعارنا لمعبودنا ومنشـودنا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

لبيـك على عرفاتك شـعارا لمعرفته سـاحة الحق، بها اجتمعنا، وفيها تعارفنا، أعلى وأدنى، ملأً له، وملأً لربه، الله من وراء الأعلى بإحاطته، ربا راعيا لا يحاط به، والله من وراء الأدنى بقربه حقا مدانيا، ورسـولا مخاللا، وكتابا هاديا… لبيـك.

لبيـك يا من كان العبد فيه حق، حقية الرب فيه… لبيـك.

لبيـك يا من كان الرب فيه عبد، عبودية الحق فيه… لبيـك.

لبيـك يا من إذا صدق الجوار، أو شَـفَّ الجدار، ظهر مصليا على الناس، سـكينة لهم، وهو من يصلي عليه الناس، قبلة ومعرفة لهم… لبيـك.

لبيـك يا من هو من وراء المصلين على الناس في بيت ذكره… ويا من هو من وراء الطائفين بالبيت لقائم أمره… ذكرا للمذكور عندهم بأهله… بيتًا وضع أو بيتا رفع، قام جماع كلمات، وقيام آيات، ونداء دعوات بينات، ويد نجدة، وأيدي نجدات، وطلعة سـعادة، وعديد طلعات، وحوض رحمة، وأحواض رحمات… لبيـك اللهم لبيـك.

الناس نفوسـا فيه عبدا لله ووطنا لهم سـواسـية كأسـنان المشـط، لا شـرف لعربي على أعجمي فيهم إلا بالتقوى، نفوس مطمئنة، أقربهم منازل في قيامته بأمرهم وقيامتهم بأمره أحاسـنهم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يؤلفون ويألفون… لبيـك.

به جاء الحق وزهق الباطل، يتيما أووي، وموصولا آوى، جعل في أمره أمر الله، وفي اهتدائه هدي الله، وفي متابعته تقوى الله، وفي وصلته قرب الله، وفي قيامه بنوره ماحيـا ظلام النفوس وصلـة الله، وسـفينة الله، وبيت الله، وعَلَمُ الله، وحضرة الله، وحقية الله، ووحدانية الله، وأحدية الله، وظاهر الله لباطن الله، وباطن الله لظاهر الله… لبيـك.

به قُدر الله على ما يليق بالله، وقامت لا إلـه إلا الله، حصنا لله بحقي الإنسـان، ورفع الإنسـان شـعار (الله أكبر) في ذي المعارج، في لانهائي الله، نعمته لا تجز، وقربه لا يتوقف، وهديه لا ينقضي، ورفده لا ينقطع. وتحددت للإنسـان غايته، فإذا هي في لقاء الإنسـان، وقيام معنى الإنسـان لقائم البنيان ظلا للإنسـان.

بهذا قامت الفطرة، وهذا ما صدر عن الفطرة، وبهذا تحققت الفطرة، وبه أصبحت الفطرة خلقا وحقا، وأصبحت الفطرة مصدرا للدين، ودينا للعيان ولليقين… لبيـك.

صارت الفطرة بهذا، عبدا وربا، وظاهرا وباطنا، وإلـها ومألوها، وآلـها، وتكشـف الله، وأسـفر الله، وجاء الحـق من الله، وزهق الباطل من وهم سـواه، وفني كل من عليها بباطله، وبقي كل من عليها بحـقه، زويت الأرض لعبده وحقه، وجُعلت مسـجدا وطهورا لرسـوله وأمره… لبيـك.

هكذا كان، وهكذا هو كائن، وهكذا يكون، لا موجود بحق إلا الله، إذا شُـهدت لا إلـه إلا الله، وإذا دخل موحد حصن لا إلـه إلا الله، رافعا على نفسـه شـعارها، مقيما على قلبه حقها، قائما في نفسـه وللناس دارها وجوارها… ذَكَرَها وكان ذِكرَها… دخلها وكان مدخلها… دخلها وكان للناس بابها… دخل دارها فكان للناس دارا لها… لبيـك.

نعم لا إلـه إلا الله، لا شـريك له، والله أكبر، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شـيء قديـر، معرفةً قامها عبده وأول العابدين عندنا، وأقامها رسـوله وجماع رسـله بيننا، فكان أول بيت وضع للناس رحمة للعالمين… لبيـك… لبيـك… لبيـك.

في مثل هذه الأيام من كل عام، نحيي أيام عيد الأضحى، فهل بيننا من أضحى لا إلـه إلا الله؟ وهل بيننا من عرج الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وهو يقوم ويردد… لبيـك؟

هل بيننا من آل محمدًا بامتداد نوره في السـاجدين، وامتداد روحه في العابدين، فصلينا على محـمد بالصلة به، والصلاة عليه، والصلاة له، ذكرا لله، وقبلة للناس يلقون فيها الله، فأدينا مناسـكنا بالطواف حول معناه، وصححنا صلاتنا، بصلتنا في قيام صلاتنا بحقائق الله في معراج الله، يوم أنَّا في صلاتنا اسـتقبلناه، فملنا، وطربنـا، يوم عرفنـا عترة رسـول الله، وأهل بيت الله، يذكر الله في ذكرهم، ويعرف الله في معرفتهم، فأنشـدنا ثملين، (أنتم فروضي ونفلي، أنتم صلاتي وذكري، أنتم حيـاتي، وشـغلي، يا قبلتي في صلاتي إذا ما وقفت أصلي)[١] وناجينا طربين، يا بيت طوافي، يا إيمان اغترافي، يا عرفات حجيجي، يا زمزم ورودي، يا حيـاة وجودي، يا جمال شـهودي، يا جلال سـجودي. فقالت قلوبنا… لبيـك؟

هل بيننا من قام مثنى وفرادى، فعرف فنادى، يا نعم الحق لنعم الخلق، يا نعمة الحيـاة، يا سـفن النجـاة، يا منارات الطريق، يا رفاق الصاحب والصديق، يا دليل السـلامة، يا أدلاء الكرامة، يا أعلام القيامة، يا سـاعة الرضاء، يا لمحة العطاء، يا تحقيق النداء، يا مأوى الوجاء، يا بيوت الرجاء، يا حصون الالتجاء، يا مصابيح الله، يا وجوه الله، يا عروش الله، يا كراسـي الله، يا جنان الله، يا عوالم الله، يا وجود الله، يا عباد الله، يا رحمة الله، هل عرفكم العارفون؟ هل اتقى فقدانكم المتقون؟ هل عشـقكم المحبون؟ هل طلبكم المفتقرون؟ هل أسـلم لكم المسـلمون؟ هل آمن بكـم المؤمنون؟ هل أحسـن في وصلتكم المحسـنون؟ (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٢]، (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[٣]، (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)[٤]، {وعباد الرحمن الذين يمشـون على الأرض هونـا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما}[٥]، (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٦]، ها نحن نحاول… لبيـك.

يا آل محمد… يا محمد… يا محمد الله… يا محمد الوجود… يا محمد الحق… يا محمد الحقيقة… يا محمد الطريقة… يا آل البيت… يا ذكر الله قديما… ويا ذكر الله محدثا… ويا ذكر الله دائما… يا إنسـانية الله… يا مذكور الله عند ذكر الله… يا أذكار الله… يا معارج الله… يا حقائق الله… يا رسـل الله… يا وجوه الله… يا سـفور الله، يا غيوب الله… يا كتب الله… يا أنوار الله… يا أسـماء الله، يا ملائكة الله… يا جند الله… يا أنصار الله… يا سـيوف الله، يا قدرة الله… يا بقاء الله… يا عباد الله… يا عترة رسـول الله… لبيـك.

يا عباد الرحمن… يا أيدي الديان… يا عضد الإحسـان… هلا إليكم رجعنا، وبكم منكم فيكم اسـتيقظنا، وبرحمة الله أنتم نُجِدنَا، ووجوه الله كرما شـهدنا، فرفعنا شـعار العيد يوم إليكم عُدنا، فكان لنا إلى الله عودة في عودتنا؟ يا من إلى الله عدتم، فوجوها لله كنتم، وأيدي له امتددتم، مَن عرفكـم عيد فكان في عَود وليد، بالحق بكم سـعيد، في دثار من خلق جديد… لبيـك اللهم لبيـك.

إليك يا رسـول الله… إليك يا حبيب الله… إليك يا خليل الله… إليك يا وجه الله… إليك يا من عرفت الله عبدا له برفيق أعـلى، وعرفت الله اسـما له، بمحـو معناك إلى قائم أمره، لقيوم معناه، في قائم مجـلاه برفيق أدنى، بدخولك في حصن لا إلـه إلا الله رحمة له، ورائدا لنا، وإماما لنا، ورسـولا من أنفسـنا، حتى نقوم مقامك، ونتحدث في الناس كلامك، كافةً للناس جعلك الله رحمة للعالمين، ونبراسـا للصادقين، وإماما للآيبين… لبيـك.

لبيـك لا إلـه إلا أنت سـبحانك، إنا كنا من الظالمين. ها نحن إليك نرجع، وإلى الحق نؤوب بتلبية رسـولك تلبية لك، نتخذ منه قبلة لنا في دثار بعثه بروحه من أنفسـنا، نائما بيننا، تطوف به أرواحنا، وتتجه إلى الله اتجاها إليه قلوبنا… لبيـك.

لبيـك اللهم به فاقبلنا… لبيـك اللهم به فارحمنا… لبيـك اللهم به إلى أحضان رحمتك فاضممنا… لبيـك

اللهم بمحمد حقك فأشـهدنا، وقمنا، وأقمنا، وانشـرنا، وأعلِ كلمة الحق علينا، وأعلِ كلمة الحـق فينا، وأعلِ كلمة الحق بنا، وأشـهدنا كلمة الحق منك لنا رفيقا أعلى، ورفيقا أدنى، حتى لا تطغنا نفوسـنا بعزتك لنا مؤمنين بالله ورسـوله… لبيـك.

لبيـك سـبحانك لا إلـه غيرك، ولا معبود سـواك، ادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم، وما أنت به أعلم، برحمتك، وبعزتك، وأنت الأرحم، وأنت الأعز الأكرم… لبيـك.

اللهم اكشـف الغمة عن هذا البلد وعن بلاد المسـلمين، وعن الأرض، زويت لعبدك ورسـولك، الكل منه، والكل في رحمتك به، والكل في هديه، والكل في إرشـاده، وقياده، وتوجيهه، وعِلمه، اللهم به فارحمنا، وبه فصلنا، وبه فاقبلنا، لا إلـه غيرك… لبيـك.

اللهم به أصلح أمرنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، غافلين ويقظين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأعد علينا مثل هذا اليوم، ونحن في حال أحسـن، وفي إيمان أكبر، وفي طريق أقوم، وفي نور أسـطع، وفي روح أقرب، وفي حيـاة أعلى، عطاءً منك غير مجذوذ، يا من عرفناك لا نهاية لوجـودك، ولا نهاية لعطائك وجودك، ولا نهاية لشـهودك، ولا نهاية لقربك، ولا نهاية لعظمتك، ولا نهاية لعزتك، لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله… لبيـك اللهم لبيـك.

أضواء على الطريق

(تذكروا دائما أننا الذين نرتبط بكم من مسـتوى الحقيقة الروحية، لا نرتبط بكم كأجسـام ولكن كعقول. أفكاركم ومخاوفكم، آمالكم وأشـواقكم، رغباتكم وطلباتكم ودوافعكم، منطقكم وأحكامكم، هذه ما هي إلا حقائق بالنسـبة لنا، لأنها صادرة من العقل. وليسـت الأشـياء المادية بالنسـبة لنا حقيقة، اللهم إلا إذا كانت جزءا مما نصبو إليه من أمور.

تذكروا دائما أنكم روح ولسـتم جسـما، وأن الروح هي الأصل وليس الجسـم. إن تعلمكم لهـذا الدرس من الصعوبة بمكان ما دمتم متجسـدين، ما دمتم في العالم الفيزيقي. ولكن أنتم أرواح وهي الأصول لكم ولسـتم المادة، ولا يمكن أن تظلوا إلى الأبد متأثرين بالأشـياء المادية. ولو أنكم قد تخضعون الروح مؤقتا، ولو أنكم قد تسـيئون إلى الروح أو تؤلمونها مؤقتا، إلا أنه لا يمكنكم أن تحطموها. لا يمكنكم أن تطردوها من الوجود.

تعلقوا بقوانين الحقيقة التي تدور حولها كل حيـاتكم ذاتها، التي يدور حولها كل العالم نفسـه، فإنها هي المفاتيح الوحيدة لحل لغز الوجود. نحن نُذكِّر أطفال الروح الأعظم بالمبادئ الخالدة التي يجب أن تبقى، لا في العالم الروحـي فقط ولكن في عالم المادة أيضا. فالإنسـان لا يمكنه أن يخدع القانون. والروح الأعظم لا يمكن أن يسـخر منه، وفي يوم تأسـفون تحكم عدالة السـماء).

(برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من أشعار الصوفي ابن الفارض. ↩︎

  2. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف، ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  3. من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎

  4. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي: ↩︎

  5. سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎

  6. حديث شريف: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎