(١١)

الفطرة
مصدر الدين وكتاب العلم وطريق اليقين
فيها وبها ومنها ولها
المرسل والأعلى والرسول والأدنى في صمدي قائمها
صبغة آحاد الحق في الحق المطلق
جماع آحاد الله في لانهائي أحديته

حديث الجمعة

٥ ذو الحجة ١٣٨٣ هـ - ١٧ أبريل ١٩٦٤ م

أعوذ بالله، وأسـتعين بالله، وأبدأ باسـم الله، وأشـهد أنه لا إلـه إلا الله واجب الوجود، وأشـهد أن محمدا رسـول الله واجب الشـهود. وأشـهد أن الكون عبد الله ظاهر الموجد، ووجه الحق من الله حقية الموجود، ومعروف الله عَلما على المعلوم، وصبغة الله فطرة المعروف. أشـهده مسـلما لرسـول الله وللأعلى لرسـول الله إسـلاما لله، وقياما بلا إلـه إلا الله، مؤمنا يتواصى في صوره بالحـق على ما أسـلم له وعلى ما آمن وقام به، طلبا لكمالٍ للإيمان وللمزيد منه، ولقيام للحق والتخلص من نقيضه بوهم العزلة عنه.

كلنا يردد شـعارا له لفظ لا إلـه إلا الله، وكلنا يردد عبارة رسـول الله (الإسلام دين الفطرة)[١]، قالـها رسـول الله، إنسـان الفطرة، وإنسـان الحق، ومحمد الله، وعبد الله، مات عن خلقيته خلقا من بعد خلق، حتى عرفها ميتا لا حياة له كلما تواجد بموجود خليقة له. وبعث بحقيته حقا من بعد حق حتى عرف الحق لا تبعض ولا غيبة له. وما زال متواجدا على ما تواجد بين خلقيته وحقيته، يموت عن خلقيته ويبعث بحقيته، قيام الفطرة، وصفة الفطرة على ما كان، وصبغة الفطرة على ما بقي، وما كانت الفطرة إلا صبغة الله لأسـمائه وصفاته، ومن أحسـن من الله صبغة.

قام خلقا بالفطرة، وكشـف عن وصف الموت ومعناه لخلقيته بالفطرة. ومات عن خلقيته بالإنكار على نفسـه لمعنى الموجود بالفطرة. وبعث حقا يشـهد وينتشـر ويقوم بالفطرة. وقام عَلَم حقِّيته علما على الحق بالفطرة. تواجد العلم والعالم بالفطرة. وتجمع الكتاب والكاتب بالفطرة. وانتشـر وتبعض الفـرد والجمع بالفطرة، أُمةً صارت به فردا بالفطرة، وفردا لذاته انتثر أمة بالفطرة، وموجودا لوجود صار وجودا لموجود بالفطرة، فكان الفطرة في قيامها، وكان الفطرة في دوامها، وكان الفطـرة في ظهورها بأزليتها في أبديتها، وكان الفطرة بدخولها بأبديتها في أزليتها. وقام وبقي الفطـرة في بقائها بصفاتها. وتكاثر الفطرة في تواجـدها في خلقيتها. وتجمع الفطرة تتجلى في حقيتها وأحديتها بسـرمديتها.

اجتمعت فيه أبعاض الفطرة لقيام أحديتها. وظهر به قانون الفطرة لكشـف إرادتها. وكسـبت به الفطرة لقيام صفتها لمن طلب الفطرة، يوم آمن بالفطرة، فدخل الفطرة، دخولا في شـعارها (لا إلـه إلا الله)، وقياما بحقها بمحمدها (محمد رسـول الله) دخولا في رحمة الله، وقياما لعبد الله، بعبد الله، في عبد الله.

محمد الله حق الله… محمد الله اسـم الله… محمد الله كلمة الله… محمد الله روح الله… محمد الله عَلَمُ الله… محمد الله عِلمُ الله… محمد الله قيام الله… محمد الله قيامة الله… محمد الله بعث الحق من الله… محمد الله قيام وقيامة الله، وسـاعة ويوم الحق من الله… محمد الله لا إلـه إلا الله.

محمد فطرة الإنسـان… محمد ابن الإنسـان… محمد أب الإنسـان. محمد أخ الإنسـان… محمد فرع الإنسـان… محمد أصل الإنسـان. محمد كسـب الإنسـان… محمد فرد الإنسـان… محـمد جمع الإنسـان… محمد خلق الإنسـان… محمد حق الإنسـان… محمد محدث الإنسـان. محمد قديم الإنسـان… محمد قادم الإنسـان…

محمد العلم والعالم والمعلوم… محمد الكتاب والكاتب والمكتوب… محمد الحق، وشـعار الحق، وقائم الحق في الخلق، وكسـب الحق من الخلق، وباطن الخلق بالحق. محمد والأعلى في أحديتهما عرف الله، ومحمد والأدنى في أحديتهما عرف رسـول الله، ومحمد ومن يحب في أحديتهما قام عبد الله، وبعث الخلق بالحق من الله.

(الإسلام دين الفطرة) عبارة اجتمع فيها العلم، واجتمعت فيها معالم السـبيل للاسـتقامة، وأشـرقت بها منارات الطريق… عبـارة كان فيها جماع البلاغ مع كل مبلغ، وكان فيها كمال البيان من كل مبين، وكان فيها صدق وصدّيقية الإيمان في كل إمام، وعلم ومعالم اليقين من كل راشـد، وشـعار ومشـاعر العارف الرشـيد، وقيام وقيومية الروح المرشـد.

الإسـلام… دين الفطرة، وكل مولود يولد على الفطرة، فينمو على فطرته في الفطرة بتغذيته من الفطـرة، على موائد الفطرة، حتى يسـتوفي أحديته قائم فطرة، ونعمته قيوم فطرة، أو يطـرأ عليه ما يبعده عن الفطرة، إذ يُهوِّده أصوله على ما هم جديد من كانوا، أو يُنصِّره أبواه على ما تخيلوا لأنفسـهم على ما خال آباؤهم، أو يُمجِّسـه هواه على ما توهمت نفسـه. وذلك كله على سـنن من سـبق في الفطرة، فجلهم من رآه على أمة من سـابقيه، وعلى آثارهم اقتفى، يدور حول ظلام نفسـه على ما داروا، وحول مادي أنانيته على ما كانوا، بعيدا عن كل كله له فيه من الفطرة، معه أينما كان وكلما تواجد، خَلقه لنفسـه وليصنع على عينه وعلى عين ما هو بما يصدر عنه من عمله بمن هو له أقرب من حبل الوريد.

إذا كان الإسـلام دين الفطرة، فما تكون الفطرة؟ هل الفطرة هي ما هو قائم مما هو مشـهود مدرك، أو ما هو قائم مما هو مدرك دون أن يشـهد، أو مما هو قائم لا يدرك ولا يشـهد مما هو واجب الوجود وراء كل مشـهود، أو واجب الوجود وراء كل معروف للإدراك، أو واجب الوجود بما هو موجود أو لما هو موجود؟

فما هي الفطرة؟ هل هي قيام متدين، أم الفطرة قيام مُدين؟ أم هي القيام والوجود على ما هو منتظما في فعل، ممتثلا لأمر، مسـتقيما في طريق، مُدركا لما هو فيه قائم، ظاهرا بالعلم، في علمه عنه، ومعلومه له؟ هل الفطرة هي مصدر الدين للقيام وفارضه عليه دون القيام نفسـه، أو هي القيام نفسـه دون الفارض عليه، أو هي هما مما في وحـدة لها تجمعهما فيها؟ أم هي ما لا ندرك ووراء كل ما ندرك؟

الفطرة في الحقيقة هي القيام متدينا في نفاذ قوانين الطبيعة، والفطرة هي القيام المـعلِم بآيات وجودها عند مدركها، فالفطرة هي القيـام المرسـل لمن يعلِّم بثمار عملها، والفطرة هي القيام الماحي لكل جهل بصمداني حكمتها، غير مبق على أي جاهل ببقاء جوهرها، محتفظا بالعلم، مجددا للعالم بحرصها على سـلامة الحياة لها… الفطرة هي كل شـيء لأي شـيء، وهي كل كون لأي كائن.

فإذا كان محمد عَلَمَ الفطرة، ورسـول الفطرة، وثمرة الفطرة، وهدية الفطرة، وصبغة الفطـرة، فهو للإنسـان صبغة الله بالإنسـان، والصابغ بصبغة الله لكل إنسـان، هو كافة للناس يوم يقوم ويتقلب في السـاجدين ناحرا ظلام نفوسـهم، مصليا لربه، يسـجد بشـبحيته لقدس روحيته، أقرب إليه من حبل الوريـد، ينقلب إلى نفسـه، فيتكشـف له منشـوده، فهو كافة للناس، يكونوه يوم يطلبوهم ليكونوهم على مراد الفطرة، في أمرهم، وبهم، {إن الله بالغ أمره}[٢]، (رحمتي غلبت عذابي)[٣]. رحمته خالدة لمن رحم، وعذابه موقوت لمن من نفسـه ظُلم. به كانت الفطرة دين… وكانت الفطرة متدين… وكانت الفطرة رسـول الفطرة إلى الفطرة… وبه كانت الفطرة هي المرسـل لما عرف بالرسـول ولما قام بالمرسـل إليه.

هكذا قام محمد ليكون صفوة القديم شـعارا لثمرة الفطرة به، وليكون أمل القادم من الفطرة بشـرى الفطرة لأبنائها، وليكون هدي القيـام برحمة وسـلام، وبتكاثره بها رسـول الفطرة في دوام، دورة أزلها برحمته في أبدها بقيوميته بدين القيمة.

إذا كان الإسـلام دين الفطرة، فهل نفهم قضية الخلق وبدء الخليقة وتجدد البدء والخليقة، بعيدا عن قوانين الفطـرة في قائم قيامها؟ هل نفهم قوانين الجزاء مسـتقلة عن رد الفعل في الفطرة؟ هل نفهم أمر القيامة بعيدا عن دورات الحياة في قائم الفطرة؟ هل نفهم يوم الحسـاب مسـتقلا عن شـهود قانون التداول في الفطرة، لأبناء الفطرة؟ هل نفهم يوم يقوم العقاب بعيدا عن فعل الفطرة في قائم فعل الفطرة بقانون بقاء الأصلح؟

فيوم قال خادم الفطرة ومعلمها مبينا (الظاهر مرآة الباطن)[٤]، كما قال مبلغا {وإن الدين لواقع}[٥]، وكشـف بقيامه عن قيـام الله على كل نفس، فقد كشـف عن قيامة الله بالقائم منه على كل نفس، بأصول الجنس معه بما كسـبت النفوس بقديمـها، بعثا بمبعوث الحق معه وظلالا له، وإنظارا لمنظرها إلى يوم الفصل مع جديد أمره بقادم أمر له. تبعث معه النفوس ظلالا وإنظارا على ما دار السـبق إلى قائمه، ويدور القائم إلى قادمه. فلا يدرك لأي نفس أمرها في الفطرة ما باعدت بينها وبين القائم عليها، بالفطـرة في الفطرة، وهذا ما عناه شـعار الإسـلام بشـهادته أنه (لا إلـه إلا الله)، وهذا ما حققه لنفسـه شـعار الإسـلام (محمد رسـول الله) يوم يقوم ويتقلب في السـاجدين، محررا العابدين، ناصرا فيهم الرحيم من أمرهم على الرجيم من فعلهم.

إن الذي يفرق بينه وبين ربه في قائم الله لوجوده، يخرج من الفطرة ولن يدخل دين الفطرة، ولن يعلم عن كتاب الفطرة، ولن يضاف إلى الفطرة، إلا في ظل قوانين فعلها في قيامها، من إعدام طالب العدم بالتفريط في أمره والتخلي عن أمانة الحياة له، وإقامة طالب القيام الحريص على أمانة الحياة، الغير مفرط في أمرها أمرا له.

إن الذي يفصل بينه وبين ربه قياما وحياة ووحدانية وأمرا إنما يعتزل الحياة، ويخرج من الحياة بينما هو فيها، إذ يطلب العدم، ويلح في طلبه وينتظره فيتحقق له العدم على ما يريد، بما هو به من الحياة على ما أرادت.

إن الأمور على ما هي قائمة بفطرتها، إذا أردنا أن نردها لأصولها رددناها إلى من جعلته الفطرة أصلا لما بعده، خلقا وحقا، بما جعلته له من بعث بالحق والإنظار، لمن قبله، خلقا وحقا.

فالفطرة في ذاتها وفي معناها لا بدء ولا انتهاء لها، إنما هي دورة البدايات بالخلق ونهايات البدايات إلى الحـق فيها منها واليها، ودورة البدايات بالحق إلى تجلياتها بالخلق فيها منها وإليها، ذكر لذكـر، فيها وبها وإليها ومنها قياما وانتهاءً، وانتهاءً وقياما في الدورة السـرمدية للحياة الخلقية والحقية.

إن كل أمر لا يرد إلى أصله لا يدرك عند متأمله، ولا يعرف ما شـابه من الزيف أو من الخطأ، أو من الانحراف. فلكل ما هو قائم بداية قيام ونهاية قيام لأحدية قائمه. أما القبل والبعد من مثالـه فهو أمر في حال من الاسـتقلال والغناء، والقائم بينهما مدرك لهما في إدراكه عنه، فهو رسـول مُدرِّكه منه بإدراكه عنه من القبل فيه له، إلى مصطفاه منه ليكونه بمعنى البعد له، وليكون له بقائمه من وراء مختاره من مصطفاه لنفسـه ما يمثل الأعلى لنفسـه يرتضيه، منه له فيه.

إذا أراد هذا المجتمع أن يرد الأمور إلى أصولها فلا بد أن يرجع بها إلى بدء معلوم له، ولا بدء يعلم لنا إلا بما بلغ إلينا ودلت الأحداث متوالية على صدقه. إنه عصر أول العابدين… إنه عصر الرسـول الأمين… إنه عصر البلاغ المتجدد الجامع… إنه عصر البعث والختام للقديم… إنه عصر القيامة للحق الإنسـاني… إنه عصر الندامة والسـلامة لبقايا الأمم، خلت الأرض ممن حقق لنفسـه الخلاص… إنه عصر الكرامة والملامة فرصة بإنظار… إنه عصر الفرق بين الباطل والحق… إنه عصر الجمع بين الخالق والخلق دورة للفطرة في الفطرة. إنه عصر اجتماع الخلق على الحق في بيان، واجتماع الحق على الخلق في عيان، إذ قال الخالق بلسـان رسـوله وحقه {قل جاء الحق، وزهق الباطل}[٦] فاسـتمعت إليه قلوب، ووضعت أصابعها في آذانها قلوب… إنه اليوم المعلوم… إنه يوم أمر الله يأتي الناس من أنفسـهم، فيبلس من يبلس ويتحقق من يتحقق… فنسـتمع مرة أخرى إلى أمر الله بمعناه انشـقت عنه الأرض، وقد نصره الله فانتصر على أمر الرجيم لقاليه في معناه دحره الرحمن فاندحر.

(إذا وسـد الأمر [يعني أمر الدين على أمر الدنيا] إلى غير أهله فانتظروا السـاعة)[٧]، انتظروا دورة الفطرة… انتظروا دورة الزمـان… انتظروا انشـقاق الأرض عني… انتظروا أمر السـاعة… انتظروا أمر القيامة… لإمكان اعتدال وضع المجتمع مرة أخرى وقد تركته لكم معتدلا تاركا فيه الثقلين كتاب الله وعترتي. إذا قام هديي بينكم ممن هداني لكم رحمة مهداة لتكونوني وأكونكم على التمسـك بهما وُجـاءً من الضلال، فإنهما لا يفترقان أبدا. والمؤمن بهما والقائم فيهما معهما لا يضل أبـدا ولا يضيع أبدا. أما الكتاب وحده فهديه إلى عترتي يوم يهتدي به المهتدي، وضلالـه لأمتي بالإضـلال عن عترتي يوم يضل به الضال ويعمل به للضلال المضل. {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين}[٨]. وأما ذريتي وحدها فلا تختلف عن الكتاب في شـيء بحكمة دوام تواجدها قيام حكمة الله به. (فلحمتي مني وإن نتنت والعرق مني وإن مال)[٩]، فهي بين السـليم القويم والعليل السـقيم، يتابع السـليم قويمها ويفتن اللئيم في سـقيمها.

إن أمانة الدين للناس فوق إمارة الدنيا للناس. واليد العليا خير من اليد السـفلى. فلا تجعلوا اليد السـفلى في موضع اليد العليا، ولا تضعوا اليد العليا في مكان اليد السـفلى فينعكس أمر دنياكم إلى كرة خاسـرة، والله يريد بكم اليسـر ولا يريد بكم العسـر. {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسـنون}[١٠]، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[١١]، {الرحمن فاسأل به خبيرا}[١٢]، {إن كل من في السـماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}[١٣]، و(كيفما تكونوا يولَّ عليكم)[١٤]،{وقل اعملوا فسـيرى الله عملكم ورسـوله والمؤمنون}[١٥]، فما افترق المؤمنون‎ بالله ورسـوله عن الرسـول في قيام أو إرادة أو فعل، وما افترق الرسـول والمؤمنون عن ربهم… يا حسـرة على العباد ما يأتيهم من ذكر محدث إلا اسـتمعوه لاهية قلوبهم… {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شـيطان مريد}[١٦].

أظهره حقه وربه على الدين كله، وشـرَّفه ووعده بالحق كله، وأكرمه بالحمد كله، حمده وحمَّده وجعله محمودا عند كل محمد، وأحمد عند كل حامد، وجعله رحمة للعالمين عند كل مرحوم، يقوم ويتقلب في السـاجدين في كل تقي، ويهدي ويفعل متجليا بكل ولي، ويتصفه عباد الرحمن في كل رضي.

ولم يجعله به منه حرمانا للآخرين، ولا انقطاعا للسـابقين (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[١٧]، ممتدا بنور الله إياه في الناس. (ما أعطيتـه فلأمتي)[١٨]، وما أرسـلناك إلا كافة للناس، يكونوك ويتجددوك، قديمهم وقادمهم وظلالا يتابعوك بحاضرك لحاضرهم. شـانئك الأبتر وقد أعطيت الكوثر، تقوم وتتقلب في السـاجدين، غيرك في الـهالكين، ومتابعك في الخالدين.

كلمة الله التامة تمت خالدة، وها هي أنت ظلالك مسـيحها وذاتك ظلها وعبدها، تتردد بين الأرض والسـماء بظـلالك اسـتكمالا لكائنك لهم مرفوعا متعاليا، أو مبعوثا مدانيا، مخلوقا خالقا، متخلقا متحققا، عالما بما قدمت، سـاعيا لما أخرت، علماء الجنس أنت للفطرة ثمارا، وعموم الخلق لك ولظـلالك ظلالا، وأرضُك دارا، ومزرعتك ليلا ونهارا، وكل القلوب بيتك مزارا، وكل العقول علمك شـعارا، وكل الضمائر حقـك جهارا، وكل النفوس أمرك دون الجهر من القول أسـرارا، وكل الوجود مُلكك حقا. خلق الله كل شـيء من أجلك معنى للناس في جماعهم. وخلقك من أجله معنى للحق بك لهم.

فأنت الناس يوم يكونوا من أجله بحبهم… وأنت رب الناس معهم يوم تكون فيهم من أجلهم… وأنت إلـه الناس من الله يوم يكبروه عنهم ويوم يكبروك لهم يروك معه فيهم… وأنت عبد الله قدوة وأسـوة يوم يروك رحمتـه فيكبرون رحمتك… وأنت الكون والأكوان، تمام كلمة الله وجماع كلمات له، لمن كانك، هبة ونعمة.

محمد كليم الله، وأنيسـه يخاطبه: أنت حجابي، من دخلك دخل حضرتي وكان حجابي، وما احتجبت عن حجابي وحاجبي. فأنا لسـت محتجبا عن حجابي وعمن في حجابي، ولكني محتجب عمن هم وراء حجابي ممن لم يدخلوا حجـابي امتثالا لأمري، واسـتجابة لهديي، وقياما برشـادي، واسـتقبالا لعلمي، وأنا الذي أعطي كل شـيء خلقه ثم هـدى، ما شـئت كان على ما هو كائن، وما يشـاء رسـولي يكون على ما أراد رسـولي أن يكون لمن أنعمت عليه، وأنعم الرسـول عليه.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسـوله}[١٩] اعتلوا به المنابر واشـهدوه وأكبروه ووقـروه، وأعلموه للناس ومن الناس، تعلَّموه واسـتقبلوه لفطرتكم، وانظروه في الفطرة عليكم… انظروه من ورائكم بفعله، وانظروه أمامكم بوجهه… انظروه فاعلا بكم… وانظروه منفعلا معكم… وانظروه متطورا فيكم… وانظروه في أطوار لكم… وانتظروه في أطوار في طريقها إليكم، واعلموه في علمكم عنكم، واعلموكم في علمكم عنه، واعلموا المثل الأعلى عَلَما على الأعلى ربا لكم، واعلموا الأعلى عبدا لرب تعلموا عن إلـهكم، ونزهوا الإلـه عن الغياب عنكم تشـهدوه في قيامكم لشـهودكم بمسـحكم إليه وموتكم عنكـم، وتوفيكم بحقكم فيه قيام الفطرة لقائمكم بها فيها لها عنها.

إن الفطرة رسـول الفاطر للسـموات والأرض، يدخلها، ويكوّنها، سـماواته وأرضه، من رضي بالله ربا، وبمحمد رسـولا، وقبله لله عبدا، واسـتقبل الحق رسـولا، في كل ما أرسـل، بكل ما أبرزت الفطرة، في كل مكان، وفي كل زمان، واسـتمع لحديث الفطرة من علماء الحق بالعلم عن الفطرة، (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٢٠]، وما أمته ذكرا محدثا إلا البشـرية من بعده، زويت له الأرض، وأُرسـل كافة للناس ليكونوه، لا شـرف لعربي على أعجمي فيه، إلا بالتقوى، إنه نور المعرفة… إنه نور الحياة… إنه نور الحقيقة… إنه نور الحق… إنه نور الفطرة… إنه روح الفطرة… إنه حياة الفطرة… ذاته قائم الفطرة، صفاته قوانين الفطرة… إنه الإنسـان ما رأينا منه غير العنوان… إنه الرحمن لعباد الرحمن… إنه العلم… إنه الاسـم… إنه الوجه… إنه الحق… إنه لا إلـه إلا الله… إنه محمد رسـول الله… إنه العروة الوثقى بين الأزل الرباني والأبد الإنسـاني… إنه ذات الرحمة وروح الصفات للقدس الأعلى.

اللهم يا من جعلت من محمد صبغة وفطرة للإنسـان… اللهم يا من جعلت من محمد حقا للتمام والإحسـان… اللهم يا من جعلت من محمد عبدا وربا… اللهم يا من جعلت من محمد ظاهرا وباطنا… اللهم يا من جعلت من محمد صبغة لك، ومن أحسـن منك صبغة… اللهم يا من جعلت من محمد وجها لك، لجمالك راحما، ولجلالك محذرًا ومنذرا… اللهم يا من جعلت من محمد لنا كل شـيء، وجعلت منه إلينا كل شـيء… اللهم يا من جعلت منه رحمة مهداة، ونعمة مزجاة… اللهم يا من جعلت به أمر الله، وقضية الله، وسـر الله، وصبغة الله، ونور الله، وقَدَرَ الله، وعزة الله، وقدرة الله، واسـم الله، وكلمة الله، وروح الله، ورحمـة الله… اللهم إليه فأضفنا، وإليه فانسـبنا، وبه فقومنا، وقوِّم بنا، وبه على أنفسـنا فانصرنا، وانصر وانتصر بنا، وبه فادفع عنا، ولا تمكن الأعداء منا، وبه فقمنا وأقم بنا وفيه أقمنا، يا من جعلت به للفقراء قدرتك، وللضعفاء نصرتك، وللمغلوبين على أمرهم عزتك، وللطالبين لك رحمتك، وكتابك وحكمتك… اللهم فيه فأدخلنا، اللهم اجعل من نفسـه لنا وطنـا، ومن وطننا به لنا جنـة وسـكنا، ومن معناه لنا مأوىً، ومن مأوانا به لنا بيتا يذكـر فيه اسـمك، ومن أزله وأبده بنا لنا أصـلا وفرعا، ومن علميته على معلومه لنا وجودا وذكرا… واجعل اللهم لنا من روحه بنا حقا، ومن نوره بنا ربا.

اللهم به منه إليه فابعثنا وحدانية ثالوثه من الزمن لدهرك قدس حاضره جامعا لأزله وأبده، ومنا فابعثه وحدانية حقائقه في علميتها على وحدانيتك حقا وخلقا… اللهم به فقوم طريقنا، وأنر سـبيلنا، وأغدق رحمتك علينا، وتولَنا في الصغير والكبير من شـأننا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، يا من جعلت منه رحمـة للعالمين… اللهم به فتولَنا، وبه فانصرنا، واجعل لنا فيه الأولى والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

أضواء على الطريق

إلى أي مدى يؤثر المرشـدون الروحيون على الأنظمة السـياسـية؟ هذا ما توجه به سـائل في الغرب إلى السـيد المرشـد سـلفربرش فأجاب:

(لا تعنينا كما تعلمون اللوحات التي يحملها الناس، ولا الأحزاب التي يصنفون تحتها، إنما الذي يعنينا فقط هو خدمة البشـر. ونحن نرى عالما مملوءا بالمهاترة والشـر والضغينة، التي تعترض فيض كـرم الروح الأعظم من أن يوزع توزيعا حرا بدون قيود. ولذا فنحن نقاوم كل الذين ينتظمون تحت جناح الأنانية، ونعلن عليهم حربا أبدية. نحن نسـتخدم وسـطاء لنا، رجالا ونسـاءً من كل الأحزاب وبدون أحزاب، من كل الأديان وبغير أديان، من كل العقائد وبدون عقائد، أنَّى تمكنا من إحـداث تأثير، أنَّى تمكنا من دفع فرد ليعمل على الإصلاح للتحسـين أو التقويم، أو باختصار القول ليقوم بخدمة الآخرين.

أما ماذا يجب أن تكون عليه دنياكم؟ فهذا مشـروع معروف وقد تكشـف لعدد لا يحصى من الأولياء والحكماء والشـعراء والحالمين والمثاليين والشـهداء، لكل من نظروا بعين الجمال فأرادوا أن يحولوا عالما منحطا إلى جنة نعيم).

(برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. إشارة إلى الآية الكريمة {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} والحديث الشريف: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ. صحيح ابن حبان. كما أخرجه البخاري ومسلم مطولا. ↩︎

  2. سورة الطلاق - ٣ ↩︎

  3. حديث شريف ذات صلة: “لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي”. صحيح البخاري ↩︎

  4. عبارة تتناغم مع مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه: “…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  5. سورة الذاريات - ٦ ↩︎

  6. سورة البقرة - ٢٦ ↩︎

  7. من الحديث الشريف: “… فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ: كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ: إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ”. صحيح البخاري ↩︎

  8. سورة الحجرات - ١٧ ↩︎

  9. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  10. سورة النحل - ١٢٨ ↩︎

  11. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  12. سورة الفرقان-٥٩ ↩︎

  13. سورة مريم - ٩٣ ↩︎

  14. حديث شريف: “كما تكونوا يولَّ عليكم.” رواه الديلمي والبيهقي. ↩︎

  15. سورة التوبة -١٠٥ ↩︎

  16. سورة الحج - ٣ ↩︎

  17. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎

  18. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  19. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  20. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎